اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
مجرد بروفة

مجرد بروفة (234)

 

علم مصر علي‮ ‬عيني‮ ‬ورأسي‮.. ‬أعلقه في‮ ‬شرفة منزلي‮ ‬وأربي‮ ‬أولادي‮ ‬علي‮ ‬احترامه وضرب تعظيم سلام له‮.. ‬أحرص علي‮ ‬إيقاظهم مبكرًا حتي‮ ‬يذهبوا إلي‮ ‬مدارسهم ليغنوا بلادي‮ ‬بلادي‮ ‬ويحيوا علم مصر الغالية‮.‬
لا أحد طبعًا‮ ‬يستطيع الاعتراض علي‮ ‬تحية واحترام علم بلاده‮.. ‬مجنون وخائن من‮ ‬يستهزئ بعلم بلاده‮.. ‬ليس مطلوبًا منا أكثر من ذلك‮.. ‬نحترم علم بلادنا ونعلقه في‮ ‬شرفات بيوتنا ونضعه في‮ ‬سياراتنا ونرفعه فوق بناياتنا‮.. ‬الرسمي‮ ‬منها وغير الرسمي‮.. ‬العلم رمز الدولة‮.. ‬ويجب أن‮ ‬يحترم‮.‬
نعم‮ ‬يجب أن‮ ‬يحترم ولكن ليس إلي‮ ‬درجة أن نجعل ملابسنا جميعًا في‮ ‬لون العالم أحمر وأبيض وأسود‮.. ‬تخيل بلدًا بأكملها تسير وهي‮ ‬ترتدي‮ ‬زيا واحدًا‮ ‬يجمع بين الألوان الثلاثة‮.. ‬سيقول الأجانب عن ناسها إنهم مجانين‮.. ‬وأنهم بيسوقوا الهبل في‮ ‬الجبل‮.. ‬مبالغة أوفر ولا لزوم لها‮.. ‬ولا‮ ‬يمكن أن تحدث في‮ ‬أي‮ ‬دولة في‮ ‬العالم مهما كانت وطنية مواطنيها‮.‬
في‮ ‬مصر التي‮ ‬هي‮ ‬بلد عجيبة فعلاً‮ ‬وتبالغ‮ ‬في‮ ‬كل شيء‮ ‬يمكنكم أن تشاهدوا كرنفال الأعلام في‮ ‬ميدان التحرير بدءاً‮ ‬من الجمعة القادمة ولمدة خمسة أيام‮.. ‬ليست الأعلام التي‮ ‬نرفعها في‮ ‬المظاهرات والوقفات الاحتجاجية فهذا شيء طبيعي‮.. ‬الذي‮ ‬ستشاهدونه عبارة عن فرق مسرحية تشارك في‮ ‬مهرجان مسرح الشارع الذي‮ ‬ستطلقه إدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية‮.‬
فجأة طقت في‮ ‬دماغ‮ ‬أحد مسئولي‮ ‬الإدارة‮ - ‬قالوا لي‮ ‬إنه الصديق سعيد حجاج‮ - ‬فكرة‮ ‬غريبة وعجيبة لتعذيب الفرق المشاركة والجمهور بالمرة‮.‬
أما الفكرة فهي‮ ‬توحيد أزياء جميع الفرق المسرحية‮.. ‬كله‮ ‬يرتدي‮ ‬زيًا عبارة عن علم مصر‮.. ‬لا أعرف كيف رتب الألوان‮.. ‬هل سيكون القميص أحمر والبنطلون أبيض وعليه نسر والحذاء أسود‮.. ‬أم سيعكس المسألة من تحت لفوق‮.. ‬ستكون هناك مشكلة طبعًا إذا أصر علي‮ ‬وضع النسر‮.. ‬لأن مكانه الطبيعي‮ ‬سيكون البنطلون فأين سيضعه بالضبط‮.. ‬مشكلة والله تحتاج إلي‮ ‬خبير أجنبي‮ ‬من المطرية لحلها‮.‬
ما الذي‮ ‬يعنيه توحيد الزي‮ ‬ليمثل علم مصر‮.. ‬وهل إذا كانت العروض عن الثورة فلابد أن تكون جميع الأزياء بلون العلم؟ ماذا لو كان المخرج لديه فكرة أخري‮ ‬لحكاية الألوان‮.. ‬ممكن مثلاً‮ ‬أن‮ ‬يرتدي‮ ‬ممثلوه جميعا ملابس سوداء‮.. ‬وممكن أن‮ ‬ينوع في‮ ‬الأزياء وألوانها بما‮ ‬يتناسب مع موضوع عرضه‮.. ‬الأزياء في‮ ‬المسرح لها وظيفتها ودلالتها‮.. ‬فكيف نفرض زيًا أو لونا بعينه علي‮ ‬الممثلين‮.‬
وأنا لا أعرف طبيعة العروض التي‮ ‬ستقدم خلال المهرجان ولا موضوعاتها‮.. ‬صحيح أن موضوعاتها عن الثورة‮.. ‬لكن ماذا لو كانت هناك مثلاً‮ ‬مثلاً‮ ‬يعني‮ ‬شخصية رجل صهيوني‮.. ‬أو رجل‮ - ‬لا سامح الله‮ - ‬شاذ أو لص‮.. ‬هل لابد أن‮ ‬يرتدي‮ ‬هؤلاء علم مصر‮.. ‬ماذا لو خالف المخرج تعليمات الإدارة وغير في‮ ‬أزياء مثل هذه الشخصيات‮.. ‬هل سيوقف مسئول الإدارة العرض ويجبر الممثلين علي‮ ‬الالتزام بعلم مصر ويخلع عنهم ملابسهم‮ - ‬لاحظ أننا في‮ ‬الشارع‮ - ‬ويجعلهم‮ ‬يرتدون الزي‮ ‬الموصوف لهم أم ماذا بالضبط؟‮!‬
أعتقد أن الذي‮ ‬أخبرني‮ ‬بحكاية الزي‮ ‬الموحد هذه أراد أن‮ ‬يدبسني‮ ‬مع الصديق سعيد حجاج الذي‮ ‬هو كاتب مسرحي‮ ‬عنده خيال ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يشطح به خياله إلي‮ ‬هذه الدرجة من الكوميديا‮.. ‬لأن المسألة ستقلب كوميديا فعلاً‮ ‬مع أن‮ »‬مفيش حاجة تضحك‮« ‬أرجو أن‮ ‬يحتفظ صديقنا بهذا الخيال الكوميدي‮ ‬ويطلقه في‮ ‬مسرحياته‮.. ‬ويدع المخرجين والممثلين‮ ‬يرتدون ما‮ ‬يشاءون من ملابس‮.. ‬المهم أن تكون حشمة لأننا في‮ ‬الشارع‮.. ‬ولأننا أيضا بالقرب من مجلس الشعب‮.. ‬حتي‮ ‬لا تكون فتنة في‮ ‬الميدان‮!!‬

 

نعم كانت ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير المباركة ثورة شبابية‮.. ‬الذين فجروها هم الشباب والذين خاضوها مع الشباب مثلوا الأجيال والتيارات كافة‮.. ‬دعك من الذين استفادوا منها وراجع في‮ ‬ذلك قول الثائر الرومانسي‮ ‬العظيم جيفارا‮ »‬الثورات‮ ‬يفجرها المغامرون ويخوضها الثائرون ويجني‮ ‬ثمارها الجبناء‮«.. ‬وكل واحد عارف نفسه طبعاً‮.. ‬والقطنة‮.. ‬قصدي‮ ‬الأرشيف،‮ ‬ما بيكدبش‮.‬
الأرشيف كله بلاوي‮.. ‬أوجه الشكر للأرشيف والأرشفجية وأسرهم الكريمة علي‮ ‬هذا الاختراع الذي‮ ‬هو لا اختراع ولا حاجة‮.. ‬لكن الشكر،‮ ‬علي‮ ‬أية حال،‮ ‬ما‮ ‬يضرش‮.‬
نعود للثورة وشبابها الجميل لنؤكد أنه‮ - ‬الشباب‮ ‬يعني‮ - ‬لم‮ ‬يكن نبتًا شيطانيًا وأن خلفه تراثًا نضالياً‮ ‬عظيماً‮ ‬صنعه الآباء والأجداد وترسخ في‮ ‬وجدانات الأجيال الجديدة من الأبناء حتي‮ ‬جاءت الانفجارة الكبري‮ ‬في‮ ‬25‮ ‬يناير‮.‬
هؤلاء الآباء والأجداد،‮ ‬أتحفنا صديقنا الكاتب المسرحي‮ ‬سليم كتشنر‮.. ‬وهو بالمناسبة مصري‮ ‬ويسكن في‮ ‬شقة حجرتين وصالة بالعمرانية وإن لم‮ ‬يحدد هل هي‮ ‬العمرانية الشرقية أم الغربية وأرجح أن تكون الغربية ولا تسألني‮ ‬أين تقع‮.. ‬أتحفنا سليم كتشنر بعدد من الحوارات البديعة مع مجموعة من المسرحيين والمثقفين المصريين المهتمين بالمسرح تدور كلها حول تجربتهم مع المسرح في‮ ‬السجن‮.‬
ما فعله سليم كتشنر ليس اكتشافاً‮ ‬بالطبع‮.. ‬وهذه التجارب تحدث عنها أصحابها من قبل‮.. ‬لكن ما‮ ‬يحسب لسليم كتشنر هو جرهم إلي‮ ‬تفاصيل ربما أغفلوها في‮ ‬أحاديثهم ودفعهم إلي‮ ‬إعادة تقييم التجربة عموماً‮ ‬وبيان ما أدت إليه من نتائج عظيمة‮.. ‬وكذلك ربط هذه الحوارات ببعضها البعض حتي‮ ‬تشكل معًا وثيقة بالغة الدقة والأهمية‮.. ‬والأهم من كل ذلك هو توقيت إجراء هذه الحوارات وهو توقيت مهم فعلاً‮ ‬حتي‮ ‬تعرف الأجيال الجديدة نضال هؤلاء المسرحيين والمثقفين والأثمان الغالية التي‮ ‬دفعوها من أجل تحقيق العيش والحرية والكرامة الإنسانية وكل الأهداف التي‮ ‬رفعتها ثورة‮ ‬يناير ولم‮ ‬يتحقق أغلبها حتي‮ ‬الآن‮.‬
هذه الحوارات البديعة التي‮ ‬أجراها سليم كتشنر ساكن العمرانية الغربية،‮ ‬في‮ ‬الغالب،‮ ‬تبدأ مسرحنا نشرها من هذا العدد‮.. ‬وهي‮ ‬للأمانة ونظراً‮ ‬لظروف المساحة ليست كاملة‮.. ‬هي‮ ‬فقط تلخيص‮ - ‬ليس مخلاً‮ - ‬لحوارات مطولة سينشرها كتشنر،‮ ‬لاحقًا،‮ ‬في‮ ‬كتاب‮.. ‬قرأتها جميعًا وأدعو الجميع لقراءتها ليعيشوا لحظات من المتعة مع تجارب هؤلاء المناضلين الذين لم‮ ‬يتورع كبارهم‮ - ‬خدمة للمسرح‮ - ‬عن القيام بدور سيدة أو فتاة في‮ ‬العرض المسرحي‮.. ‬ولم‮ ‬يتورعوا عن العمل كبنائين حيث قاموا ببناء مسارح مكشوفة في‮ ‬السجون وصمموا ديكوراتهم من المهملات التي‮ ‬تيسرت لهم‮.‬
مفارقات لطيفة ومبهجة وذكريات جميلة رغم قسوة السجن وعذاباته‮.. ‬أراد كتشنر أن‮ ‬يسجلها للأجيال الجديدة ويطلعهم عليها الآن تحديداً‮.‬
شكراً‮ ‬للمسرحيين والمثقفين الذين حاورهم سليم كتشنر وفتحوا لنا خزائن ذكرياتهم‮.. ‬أما هو فسوف أؤجل شكري‮ ‬له حتي‮ ‬يفتح لنا خزائن ذكرياته ويخبرنا عن أصل اللقب لأن البعض‮ ‬يشيع أنه من أصول أيرلندية وأنا أشك في‮ ‬ذلك‮.. ‬فاسم كتشنر موجود في‮ ‬فرنسا أيضاً‮.‬

 

أنزعج جداً‮ ‬من وصف كاتب مسرحي‮ - ‬أي‮ ‬كاتب‮ - ‬بـ الكاتب الساخر‮.. ‬أقولها ورزقي‮ ‬علي‮ ‬الله‮: ‬ليس لدينا من كتاب المسرح‮ - ‬إلا من رحم ربي‮ - ‬من‮ ‬يمكن أن نصفه بالكاتب الساخر‮.. ‬أغلبهم علي‮ ‬باب الله ودمهم‮ ‬يلطش وإلا كانت ظهرت لهم كرامات‮.. ‬أين هي‮ ‬الكرامات‮.. ‬إذا ظهرت لسعادتك أي‮ ‬كرامة أخبرني‮ ‬بها فوراً‮ ‬حتي‮ ‬أستفيد‮.‬
الذين‮ ‬يدعون أنهم كتاب ساخرون واهمون وفارغون‮.. ‬سوق الكتابة الساخرة‮ - ‬في‮ ‬المسرح تحديداً‮ - ‬جبر من زمان‮.. ‬أتحدث عن الذين علي‮ ‬الساحة والذين‮ ‬يتحفوننا بأعمالهم التي‮ ‬لا تجلب سوي‮ ‬الاكتئاب‮.. ‬ربما أو أكيد أن هناك محجوبين عنا ولا تصلنا أعمالهم وهؤلاء معهم ربنا‮.‬
لدينا مضحكون‮.. ‬أي‮ ‬نعم‮.. ‬لكن المسافة بينهم وبين الكتابة الساخرة أطول من المسافة التي‮ ‬بين السماء والأرض‮.. ‬ظرفاء‮ ‬يطلقون إفيهات تذهب إلي‮ ‬الجحيم بمجرد إطلاقها‮.. ‬إفيهات وراحت لحالها‮.‬
لا‮ ‬يدرك هؤلاء الإخوة والأخوات الفرق بين الكتابة الساخرة وبين الاستظراف والنطاعة‮.. ‬لا‮ ‬يدركون أن الكتابة الساخرة لا تأتي‮ ‬بقرار‮.. ‬يصحو المواطن من نومه وقبل أن‮ ‬يغسل وجهه أو‮ ‬يغير ريقه‮ ‬يقرر أن‮ ‬يكون كاتبًا ساخراً‮.. ‬السخرية موقف من العالم ونظرة إليه من زاوية خاصة‮.. ‬طريقة حياة‮.. ‬موهبة‮ ‬يرزق الله بها من‮ ‬يشاء ويمنعها عمن‮ ‬يشاء‮.. ‬ليس عيباً‮ ‬أن تكون جاداً‮.. ‬بالعكس هذا شيء ظريف جداً‮.. ‬نعم ستعاني‮ ‬كثيراً‮ ‬في‮ ‬الحمام لكن لا بأس هذا قدرك ونصيبك ثم إن الطب تقدم كثيراً‮.. ‬اذهب إلي‮ ‬أجزخانة رياض وسوف تجد لك حلاً‮ ‬إذا كان رياض نفسه ما زال علي‮ ‬قيد الحياة‮.. ‬لكن العيب أن تستظرف وأنت لست أهلاً‮ ‬لذلك‮.. ‬ومثلما‮ ‬يهب الله لمن‮ ‬يشاء إناثاً‮ ‬ويهب لمن‮ ‬يشاء الذكور‮.. ‬فإنه‮ - ‬سبحانه وتعالي‮ - ‬يهب السخرية لمن‮ ‬يشاء ويهب الجدية لمن‮ ‬يشاء‮.. ‬وعلي‮ ‬كل واحد أن‮ ‬يرضي‮ ‬بما قسمه الله له‮.. ‬ولا‮ ‬يفرط في‮ ‬التدخين ويغسل‮ ‬يديه بعد الأكل فقط أو قبله توفيراً‮ ‬للنفقات‮.‬
وأنا كلما قرأت نصاً‮ ‬أو شاهدت عرضاً‮ ‬لكاتب‮ ‬يصفونه بـ»الساخر‮« ‬أتساءل لماذا‮ ‬يفعل الناس بأنفسهم هكذا‮.. ‬لا‮ ‬يكلف الله نفساً‮ ‬إلا وسعها‮ ‬يا أخي‮.. ‬أرجوك توقف أو كن علي‮ ‬طبيعتك فهذا أفضل لك وأفضل لأم فخري‮.. ‬ولا تسألني‮ ‬من تكون أم فخري‮ ‬فلو قدر لها أن تتعلم القراءة والكتابة لمسحت الساخرين السكندهاند بأستيكة‮.‬
يحتاج المسرح المصري‮ ‬إلي‮ ‬كاتب في‮ ‬حجم وموهبة الراحل الكبير جلال عامر‮.. ‬ويحتاج كتاب المسرح الذين لديهم بذرة السخرية أن‮ ‬يقرأوا كتابات الرجل بعمق‮.. ‬أكيد سوف‮ ‬يستفيدون كثيرا ويطورون في‮ ‬كتاباتهم‮.. ‬فجلال عامر نموذج للكاتب الساخر العبقري‮ ‬الذي‮ ‬تأتيه الكتابة طبيعية وسهلة دون حزق أو افتعال‮.. ‬رحم الله هذا الرجل الذي‮ ‬تمنيت أن‮ ‬يكتب نصوصا مسرحية‮.. ‬لو فعلها لجلس الكثيرون في‮ ‬بيوتهم‮.. ‬لكنها ملحوقة‮.. ‬ففي‮ ‬كتابات جلال عامر جواهر تحتاج إلي‮ ‬من‮ ‬يلتقطها‮.. ‬لماذا لا‮ ‬يفعلها المسرح ويلتفت إلي‮ ‬كتابات هذا الرجل العبقري‮ ‬الذي‮ ‬يعد‮ - ‬في‮ ‬ظني‮ - ‬أهم كاتب ساخر في‮ ‬السنوات العشر الماضية علي‮ ‬الأقل‮.‬
لقد ظل جلال عامر محجوبا عن القراء سنوات عديدة ولم‮ ‬يظهر إلا علي‮ ‬كبر‮.. ‬ورغم ظهوره المتأخر فقد ترك لنا كتابات أظنها صالحة للمسرحة‮.. ‬إذا أراد المسئولون عن المسرح في‮ ‬بلادنا بث الحيوية في‮ ‬المسرح المصري‮ ‬فعليهم أن‮ ‬يلتفتوا إلي‮ ‬كتابات جلال عامر‮.. ‬أعرف أن ذلك سيزيد نسبة البطالة في‮ ‬البلد‮.. ‬لكنه سيجلب لكم دعوات القهوجية من ناحية‮.. ‬ودعوات جمهور المسرح من ناحية أخري‮.. ‬أما الذين سينضمون إلي‮ ‬طوابير العواطلية من كتاب المسرح فاطمئنوا‮.. ‬دعواتهم عليكم‮ ‬غير مستجابة أصلا‮.‬

 

وأنا لو قدمت في‮ ‬البيت الفني‮ ‬للمسرح لكنت الآن فنانًا بدرجة قدير‮.. ‬لكني‮ ‬قدمت في‮ "‬الجمهورية‮" ‬التي‮ ‬لا تعترف بالأقدمية ولا بأي‮ ‬شيء في‮ ‬الحقيقة وبالتالي‮ ‬لم أصبح صحفيًا قديرًا ولا حاجة‮.‬
الفنان القدير هي‮ ‬درجة‮ ‬يحصل عليها الفنانون العاملون بالبيت الفني‮ ‬للمسرح بالأقدمية‮.. ‬درجة وظيفية‮ ‬يعني‮ ‬لا علاقة لها بالاقتدار‮.. ‬وأنا ليس لي‮ ‬في‮ ‬التمثيل‮ ‬– إلا علي‮ ‬زوجتي‮ ‬طبعًا وأتجاوز في‮ ‬ذلك الاقتدار إلي‮ ‬الإبهار‮ ‬– ‮ ‬ومع ذلك كنت زماني‮ ‬الآن فنانًا قديرًا لو قدمت في‮ ‬البيت الفني‮ ‬للمسرح‮.. ‬لكني‮ ‬لم أقدم‮!‬
ليس كل فنان قدير قديرًا فعلاً‮.. ‬وحتي‮ ‬لو كان قديرًا في‮ ‬التمثيل أو الإخراج والديكور أو أي‮ ‬عنصر من عناصر المسرح فليس شرطًا أن‮ ‬يكون مديرًا قديرًا‮.. ‬أغلب الفنانين‮ ‬– في‮ ‬ظني‮ ‬– ليس لهم في‮ ‬الإدارة‮.. ‬ولا حتي‮ ‬في‮ ‬إدارة مواهبهم‮..‬
لكل هذا وذاك وهؤلاء وهاتيك المجال استغربت جدًا من قرار د‮. ‬عماد أبو‮ ‬غازي‮ ‬وزير الثقافة بأن‮ ‬يكون مدير الفرقة فنانًا قديرًا‮ ‬ينتخبه زملاؤه لهذا المنصب‮.. ‬يقصد د‮. ‬عماد أبو‮ ‬غازي‮ ‬أن تدار مؤسسات وزارة الثقافة بأسلوب ديمقراطي‮.‬
يعرف د‮. ‬أبو‮ ‬غازي‮ ‬أن الديمقراطية لا تأتي‮ ‬دائمًا بالأفضل خاصة في‮ ‬المجال الفني‮.. ‬فمن الممكن أن أكون حبوبًا ولهلوبًا وصاحب واجب وبارعًا في‮ ‬جمع الناس من حولي‮ ‬وقادرًا علي‮ ‬اكتساح أي‮ ‬انتخابات بالإجماع أو بالأغلبية المطلقة علي‮ ‬أقل تقدير‮.. ‬ثم عندما أركب المنصب أخرب الدنيا‮.‬
د‮. ‬عماد أبو‮ ‬غازي‮ ‬يقول إن الإدارة ستكون جماعية من خلال المكتب الفني‮ ‬الذي‮ ‬سيأتي‮ ‬بالانتخاب هو الآخر وسيكون ذلك لمدة عام واحد‮.. ‬وأكيد لو فشل المدير ومكتبه الفني‮ ‬ستأتي‮ ‬صناديق الانتخابات بغيرهم‮.‬
ليس هناك اعتراض طبعًا علي‮ ‬فكرة الانتخابات‮.. ‬الاعتراض فقط علي‮ ‬قصر هذه الانتخابات علي‮ ‬الفنانين بدرجة قدير‮.. ‬يعني‮ ‬لو كنت شابًا متوقد الذهن ولديك من الأفكار والحيوية ما‮ ‬يتيح لفرقتك أن تتطور وتقدم أعمالاً‮ ‬جيدة وناجحة فعليك أن تحتفظ بتوقد ذهنك وأفكارك وحيويتك لنفسك‮.. ‬كل ذلك لا‮ ‬يلزمنا‮.. ‬هناك سؤال‮: ‬أنت فنان قدير؟ إذا كانت الإجابة بـ‮ "‬لا‮" ‬فأنت لا تلزمنا‮.. ‬انتظر دورك‮ ‬يا أخي‮ ‬ولا تتعجل‮.. ‬العجلة من الشيطان‮!!‬
وفي‮ ‬ظني‮ ‬أن د‮. ‬عماد أبو زغازي‮ ‬لو نظر إلي‮ ‬الخلف قليلاً‮ ‬سيكتشف أن هناك شبابًا أداروا فرقًا فنية كانت فترة إدارتهم لها من أزهي‮ ‬فتراتها وأكثرها نجاحًا‮.. ‬خالد جلال مع فرقة الشباب نموذجًا‮.. ‬كان وقتها معينًا بعقد‮.. ‬وغير خالد هناك كثيرون‮.. ‬وما زال بعضهم‮ ‬يدير فرقًا بنجاح مثل شادي‮ ‬سرور وهشام عطوة‮.‬
لا بأس من أن تسير الأمور بالانتخاب‮.. ‬لكن لماذا لا نرفع‮ "‬شرط السن‮" ‬ونترك الفرصة للجميع‮.. ‬علي‮ ‬أن‮ ‬يكون الفيصل للمشروع وليس للشخص‮.. ‬بمعني‮ ‬أن‮ ‬يتقدم المرشح بمشروع لتطوير فرقته‮.. ‬مشروع متكامل‮ ‬يتضمن كل شيء حتي‮ ‬العروض التي‮ ‬ستقدمها الفرقة خلال العام وكيفية تسويق هذه العروض وغيرها من الأمور التي‮ ‬ستجعل الناخبين‮ ‬يقرأون جيدًا‮ "‬أدمغة‮" ‬المرشحين‮.‬
هذه الآلية ستجعل الناس‮ ‬يأخذون الأمور بجدية أكثر‮.. ‬وستجعل لدينا العديد من المشروعات التي‮ ‬يمكن الاستعانة بها في‮ ‬تطوير العمل بالبيت الفني‮ ‬للمسرح‮.. ‬وستطلعنا،‮ ‬في‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬علي‮ ‬كوميديا كامنة داخل بعض الفنانين بدرجة قدير‮.. ‬كوميديا لو أخرجوها علي‮ ‬الخشبة لكان لهم،‮ ‬ولنا بالتأكيد،‮ ‬شأن آخر‮.‬
لن أدير الاسطوانة المشروخة عن أن ثورة الشباب‮ ‬يجب أن تأتي‮ ‬بالشباب‮.. ‬فالثورة شارك فيها الشعب المصري‮ ‬كله‮.. ‬وأنا لي‮ ‬جار‮ ‬يبلغ‮ ‬من العمر مائة وتسعة أعوام وكنت أوصله‮ ‬يوميًا إلي‮ ‬ميدان التحرير صباحًا وأعود مساء لاستلامه من الثوار حتي‮ ‬ظنتني‮ ‬وسائل الإعلام ثوريًا قديرًا وعندما سألوني‮ ‬ماذا تتمني‮ ‬من الثورة؟ خطف الميكروفون مني‮ ‬وقال‮: ‬أتمني‮ ‬أن‮ ‬يثبتوني‮ ‬في‮ ‬الشغل‮!!‬

 

أما النقطة التالية‮ - ‬لا تسألني‮ ‬عن النقطة التي‮ ‬قبلها لأنني‮ ‬نسيتها‮ - ‬فهي‮ ‬أنني‮ ‬اتخذت قرارًا،‮ ‬باعتباري‮ ‬من‮ "‬ثوار روض الفرج‮"‬،‮ ‬بأن‮ ‬ينام سكان بولاق أبو العلا من العصر لأن أصواتهم تزعجني‮ ‬ولا تدع لي‮ ‬فرصة تدخين الشيشة في‮ ‬هدوء‮. ‬
لا تظن أنني‮ ‬أتدخل في‮ ‬شئون حي‮ ‬آخر‮ ‬غير الحي‮ ‬الذي‮ ‬أنتمي‮ ‬إليه‮. ‬فأنا استند إلي‮ ‬الشرعية الثورية التي‮ ‬تعطيني‮ ‬الحق في‮ ‬التدخل في‮ ‬أي‮ ‬شيء والمطالبة بأي‮ ‬شيء،‮ ‬ثم أن هذه خطوة أولي‮ ‬ستعقبها خطوات أخري‮ ‬بمجرد الاستجابة لقراري،‮ ‬حيث إن هناك قرارات أخري‮ ‬ستتخذ تباعًا مع بولاق وغيره من الأحياء سواء في‮ ‬القاهرة أو في‮ ‬المحافظات‮.. ‬التغيير‮ ‬يبدأ الآن‮.. ‬ليس مهمًا شكله‮.. ‬المهم أن‮ ‬يكون هناك تغيير والسلام‮.. ‬بالذوق وبالعافية‮.‬
ستقول إن ما أنادي‮ ‬به هو‮ "‬الفوضي‮ ‬بعينها‮".. ‬ومن قال لك‮ ‬غير ذلك؟ ألسنا في‮ ‬مرحلة ما بعد الثورة ومعروف أنها تكون أسوأ مرحلة في‮ ‬تاريخ أي‮ ‬دولة تقوم بثورة‮.. ‬هذا ثمن الثورة ولابد للبلد أن تدفعه‮.. ‬خلي‮ ‬البلد تشرب‮.‬
نعم أنا كنت قابعًا في‮ ‬جحري‮ ‬وكنت معاديًا للثورة والثوار‮ - ‬أرجوك خلي‮ ‬الكلام دا في‮ ‬سرك‮ - ‬لكن ما دام ما حصل حصل فلابد أن أظهر في‮ ‬الصورة‮.. ‬ولابد أن أشوه من أريد حتي‮ ‬ولو بالكذب‮.. ‬دعك من أخلاق الثورة فهي‮ ‬تخص الذين كانوا في‮ ‬التحرير أما أنا فلم أكن هناك‮.. ‬وحتي‮ ‬لو عادت عجلة الزمن إلي‮ ‬الوراء فلن أذهب إلي‮ ‬التحرير‮.. ‬سأظل قابعًا في‮ ‬جحري‮ ‬وبعد أن‮ ‬ينجح الذين كانوا هناك أبدأ أنا في‮ ‬التحرك والنضال وتصفية حساباتي‮ ‬مع من أريد‮. ‬
لقد تذكرت أن سائقًا للميكروباص رفض أن‮ ‬يخفض صوت الكاسيت وأنا أركب معه‮..  ‬وتذكرت طبيبًا للأسنان آلمني‮ ‬وهو‮ ‬يخلع لي‮ ‬ضرس العقل‮.. ‬وتذكرت كاتبًا‮ ‬يعتقدون أنه‮ ‬يكتب أحسن مني‮ ‬مئة مرة‮.. ‬وشاعرًا‮ ‬يقولون إن قصائدة تضرب قصائدي‮ ‬بالجزمة‮.. ‬وتذكرت جارًا مسيحيًا نسي‮ ‬منذ عشر سنوات أن‮ ‬يهنئني‮ ‬بعيد ميلاد خالتي‮.. ‬وتذكرت واحدًا حاقدًا كان‮ ‬يحضر لي‮ ‬أمسية شعرية ولم‮ ‬يصفق لي‮ ‬بحرارة بعد أن انتهيت من إلقاء قصيدة عصماء تعدد إنجازات وفضائل الحزب الوطني‮.. ‬وتذكرت العامل في‮ ‬مراحيض وسط البلد الذي‮ ‬لم‮ ‬يقل لي‮ "‬شفيتم‮" ‬بعد خروجي‮ ‬من الحمام‮.‬
ولكل هؤلاء الذين تذكرتهم ولغيرهم من الذين سأتذكرهم أقول لهم انتظروا الويل والثبور وعظائم الأمور فقد قامت الثورة أيها الأندال ولن أترككم تهنأون بإنجازاتها‮.. ‬سأشتري‮ ‬ميكروفونا من العتبة وأعلن الزحف المقدس ضدكم‮.. ‬شارع شارع‮.. ‬بيت بيت‮.. ‬حارة حارة‮.. ‬زنجة زنجة‮.‬
أما لماذا أشتري‮ ‬ميكروفونا من العتبة وليس من التحرير فهناك سببان‮.. ‬الأول العند‮.. ‬أي‮ ‬العند في‮ ‬التحرير وكل ما‮ ‬يأتي‮ ‬منه‮.. ‬والثاني‮ ‬أن العتبة فضلاً‮ ‬عن أنها منافس أساسي‮ ‬للتحرير،‮ ‬فهي‮ ‬محتشدة بالبضاعة الفاسدة والمضروبة‮.. ‬فأنا أعشق الفساد‮.. ‬ولا تسألني‮ ‬عن أي‮ "‬ضرب‮" ‬أتحدث ربما‮ ‬يكون ضرب الأنفاس أو أي‮ ‬شيء آخر‮..‬
فأنا أريد أن أربكك لأنك متهم حتي‮ ‬تثبت براءتك‮.. ‬وأكيد لن تستطيع‮.. ‬من لم‮ ‬يمت بالميكرفون سيموت بغيره‮.. ‬جهز نفسك‮.. ‬دورك جي‮ ‬جي‮.. ‬وحتي‮ ‬إذا لم نعثر لك علي‮ ‬ملف في‮ ‬أمن الدولة سنخترعه‮.. ‬أنت محاصر سلم نفسك لو سمحت‮.. ‬فأنا من‮ "‬ثوار روض الفرج‮" ‬ولقد ركبت الناقة وشرخت‮!!‬
‮ ‬

 

لم أكن قبل ثورة‮ ‬يناير‮ - ‬مثل كثيرين‮ ‬غيري‮ - ‬معجباً‮ ‬بحكاية الألتراس‮.. ‬أنا أهلاوي‮ ‬صميم وكنت لاعبًا لا‮ ‬يشق له‮ ‬غبار‮.. ‬نجحت في‮ ‬اختبارات نادي‮ »‬إسكو‮« ‬الذي‮ ‬في‮ ‬شبرا‮.. ‬وللأسف الشديد لم أكمل المشوار‮.. ‬ليس بسبب قطع في‮ ‬الرباط الصليبي‮ ‬أو حول أصاب عيني‮ ‬ولكن بسبب أخي‮ ‬جازاه الله‮.. ‬انضم لأشبال الزمالك ورسب‮ - ‬بسبب ذلك طبعاً‮ - ‬عامين في‮ ‬أولي‮ ‬ثانوي‮ ‬فقرر الوالد عليه رحمة الله أن نعتزل اللعبة ونتفرغ‮ ‬لمستقبلنا‮.. ‬وقد تفرغنا وأصبح شعارنا‮ »‬هذا ما جناه أبي‮«!!‬
ظننت دائماً‮ ‬أن الألتراس مجموعة من الصيع الفارغين التافهين‮ - ‬سامحني‮ ‬يارب‮ - ‬لكنني‮ ‬عندما شاهدتهم في‮ ‬ميدان التحرير وتعرفت علي‮ ‬بعضهم أدركت أنني‮ ‬كنت مخطئاً‮ ‬في‮ ‬حقهم وأنهم مجموعة من أجمل وأنبل شباب مصر،‮ ‬وتمنيت لو انضممت إليهم ولكني‮ ‬رأيتها واسعة حبتين‮.. ‬رحم الله شهداءهم الأبرار‮.‬
فكرة الألتراس جديرة بالتأمل‮.. ‬وجديرة بالاستفادة منها في‮ ‬مجال المسرح‮.. ‬المسرح لا‮ ‬يوجد له مشجعون‮.. ‬يوجد مستفيدون منه ومدمرون له فقط‮.. ‬لماذا لا‮ ‬يتحفنا الشباب المهتمون بالمسرح بفكرة شبيهة بالألتراس‮.. ‬روابط لمسرح الأقاليم‮.. ‬روابط لمسرح المستقلين‮.. ‬روابط لمسرح الهواة‮.. ‬وهكذا‮.. ‬لن أطالب طبعاً‮ ‬بروابط لمسرح الدولة لأنها فكرة بعيدة المنال ومستحيلة التنفيذ‮.. ‬هل رأيتم رابطة لتشجيع فرقة مركز شباب أبو الغيط‮.. ‬مسرح الدولة الآن هو مركز شباب أبو الغيط‮.. ‬مع الاعتذار بالتأكيد لمركز شباب أبو الغيط وأهالي‮ ‬أبو الغيط الكرام وأخص منهم بالذكر صديقي‮ ‬تاجر المخدرات الشهير‮ »‬أ‮. ‬ر‮. ‬ع‮«.. ‬ولا تعتقد أنني‮ ‬أشرت إليه بالحروف الأولي‮ ‬خوفاً‮ ‬من قيام البوليس بالقبض عليه‮.. ‬أنا أخشي‮ ‬أن‮ ‬يقوم البوليس بالقبض عليَّ‮ ‬أنا مجاملة لصديقي‮ ‬العزيز إذا أنا فضحته ونشرت اسمه كاملاً‮.. ‬ولمزيد من المعلومات عنه اتصل بمديرية الأمن تبعه‮!‬
يحتاج المسرح فعلاً‮ ‬إلي‮ ‬روابط لتشجيعه وحضور عروضه‮.. ‬شباب‮ ‬يؤمن بجدوي‮ ‬وأهمية المسرح‮ ‬يتجمعون معاً‮ ‬ويذهبون لمشاهدة هذا العرض أو ذاك‮.. ‬لأن الحاصل أن معظم عروضنا تقام بدون جمهور‮.. ‬بعضها‮ ‬يستحق هذا العقاب فعلاً‮.. ‬لكننا لا نعدم عروضاً‮ ‬تستحق التشجيع والمؤازرة حتي‮ ‬لا‮ ‬يموت القائمون عليها بحسرتهم‮.‬
وفي‮ ‬ظني‮ ‬أن السادة مديري‮ ‬الثقافة في‮ ‬الأقاليم‮ ‬يمكنهم المساعدة في‮ ‬نجاح هذه الفكرة‮.. ‬فمدير أسيوط‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يدبر أتوبيسين من المحافظة لمحبي‮ ‬المسرح في‮ ‬أسيوط ليذهبوا لمشاهدة عرض في‮ ‬المنيا أو سوهاج مثلاً‮.‬
أعرف أن جمهور أسيوط لا‮ ‬يشاهد عروض أسيوط نفسها‮.. ‬لكنني‮ ‬أتخيل،‮ ‬بما أن الخيال‮ ‬غير مكلف في‮ ‬ظل الظروف الصعبة التي‮ ‬تمر بها البلاد‮.‬
جزء من عملية إنقاذ المسرح‮ ‬يتمثل في‮ ‬إتاحة فرصة للناس لمشاهدته‮.. ‬الذين‮ ‬يعملون في‮ ‬الظلام ولا‮ ‬يشاهدهم أحد سوي‮ ‬أقاربهم،‮ ‬لا‮ ‬يمكن لتجاربهم أن تتطور‮.. ‬لو قالوا‮ »‬ريان‮ ‬يا فجل‮« ‬سيصفق لهم الأقارب والجيران وربما حملوهم علي‮ ‬الأعناق‮.. ‬أما لو شاهدهم جمهور محايد وتلقوا رد فعله سلباً‮ ‬أو‮ ‬يجاباً‮ ‬فمن المؤكد أنهم سيراجعون أنفسهم‮.. ‬لو علم بعض المسرحيين‮ »‬السكندهاند‮« ‬أن جمهوراً‮ ‬غريباً‮ ‬سيشاهدهم سيعملون له ألف حساب‮.. ‬لكن الأمور تجري‮ ‬في‮ ‬الغالب علي‮ ‬طريقة‮ »‬لا من شاف ولا من دري‮«.‬
ودائماً‮ ‬ما كنت أسأل نفسي‮ ‬لماذا لا تستجيب إدارة المسرح في‮ ‬الثقافة الجماهيرية لنداءاتنا واستغاثاتنا بضرورة إتاحة الفرصة لمحرري‮ ‬ونقاد الجريدة لمشاهدة عروض الأقاليم والكتابة عنها‮.. ‬وبالتجربة طبعاً،‮ ‬عرفت وأيقنت وتيقنت أن هناك كوارث ما في‮ ‬هذه العروض لا تريد لنا الإدارة أن نطلع عليها ونبدي‮ ‬رأينا فيها‮.‬
ولأن الأمر كذلك ولأننا لا نملك ترف إرسال زميل محرر أو ناقد إلي‮ ‬أسوان أو مطروح أو حتي‮ ‬المنوفية،‮ ‬فإنني‮ ‬أتمني‮ ‬أن‮ ‬يفكر أصدقاؤنا في‮ ‬الأقاليم في‮ ‬تكوين روابط أو أي‮ ‬شيء من هذا القبيل وانتخاب من لديه القدرة علي‮ ‬تحليل العروض المسرحية للكتابة لنا‮.. ‬وأدعو الله،‮ ‬في‮ ‬حال تنفيذ الفكرة،‮ ‬أن‮ ‬يحفظ الله الوطن والمواطنين‮.. ‬من كل إدارة أو كل سوء أيهما أقرب‮!‬

 

هذا عنوان نص مسرحي‮ ‬جديد انتهيت من كتابته والجريدة ماثلة للطبع‮.. ‬تمنيت أن أنتهي‮ ‬من كتابته قبل مثولها أمام المطبعة حتي‮ ‬أنشره في‮ ‬العدد الذي‮ ‬بين‮ ‬يديك علي‮ ‬جميع صفحاتها‮.. ‬صحيح أن‮ "‬مسرحنا‮" ‬جريدة كل المسرحيين ولم أرثها عن المرحوم والدي‮ ‬لكن لا بأس فنحن في‮ ‬مرحلة انتقالية رخوة وكل من‮ ‬يريد أن‮ ‬يفعل شيئًا‮ ‬يفعله‮.‬
ستقول إن عنوان النص طويل جدًا‮..‬
وسأقول لك‮: ‬وانت مال أهلك‮.. ‬عنواني‮ ‬وأنا حر فيه‮.. ‬ألسنا في‮ ‬مرحلة انتقالية رخوة ومن حق كل واحد أن‮ ‬يفعل ما‮ ‬يريد‮.. ‬اعتبرني‮ ‬غوغائيًا مررت ذات صباح‮ - ‬بالصدفة طبعًا‮ - ‬علي‮ ‬ميدان التحرير‮.. ‬ومادمت قد مررت حتي‮ ‬ولو مرة واحدة بالصدفة فمن حقي‮ ‬أن أعلن انتمائي‮ ‬للثورة قلبًا وقالبًا‮.. ‬وهذا أقل ما‮ ‬يمكن أن أفعله‮.. ‬فكرت أن أعلن قيادتي‮ ‬للثورة لكني‮ ‬تراجعت وتواضعت حتي‮ ‬أعطي‮ ‬الفرصة لمن هم فوق الثمانين‮.. ‬خاصة أن الثورات هذه الأيام علي‮ ‬قفا من‮ ‬يشيل وسوف أجد فرصتي‮ ‬في‮ ‬القيادة لا محالة‮.‬
أرجوك لا تقف أمامي‮ ‬صامتًا‮.. ‬تكلم لو سمحت وقل أي‮ ‬كلام فليس علي‮ "‬ركاب‮" ‬الثورة حرج‮.. ‬ابحث لك عن أحد تشتمه‮.. ‬المهم ابعد عني‮ ‬لأنني‮ ‬لن أسكت لك‮.. ‬عندك وزراء ومسئولون كبار وجه لهم ما تشاء من شتائم واتهامات حتي‮ ‬لو لم تمتلك أي‮ ‬دليل علي‮ ‬اتهاماتك‮.. ‬فرصتك‮ ‬يا أخي‮ ‬لا تضيعها أرجوك‮.. ‬وإذا‮ ‬يعني‮ ‬فكرت أن تتكلم معي‮ ‬فيمكنك أن تسألني‮ ‬عن مضمون النص المسرحي‮ ‬العبقري‮ ‬الثوري‮ ‬الذي‮ ‬انتهيت من كتابته والجريدة ماثلة أمام المطبعة مثلما اللصوص من نادي‮ ‬الحزب الوطني‮ ‬للمنافع والأدوات الصحية ماثلون الآن أمام المحاكم والنيابات‮.. ‬وأموت واعرف من العبقري‮ ‬الذي‮ ‬اخترع جملة‮ "‬والجريدة ماثلة للطبع‮".‬
لن أحدثك عن المضمون بحذافيره بالطبع‮.. ‬أخشي‮ ‬أن تسرق الفكرة وتنشرها باسمك في‮ ‬جريدة ثورية منافسته‮.. ‬خاصة أنني‮ ‬لم أسجله بعد في‮ ‬الشهر العقاري‮.. ‬ذهبت لتسجيله فظنوني‮ ‬عضوًا في‮ ‬الحزب الوطني‮ ‬وطردوني‮ ‬خوفًا من تلوث البيئة‮. ‬مع أنني‮ ‬أخرجت لهم صورتي‮ ‬وأنا أمر علي‮ ‬ميدان التحرير لكن أحدهم أقسم جازمًا أنها في‮ ‬ميدان مصطفي‮ ‬محمود وليست في‮ ‬ميدان التحرير‮.‬
وحتي‮ ‬لا أشغلك كثيرًا وأتركك تبحث لك عن أحد تشتمه أو تتهمه بأي‮ ‬شيء‮ ‬يخطر علي‮ ‬بالك‮.. ‬أقول لك إنني‮ ‬قابلت شخصًا لو أدخلت عليه قليلاً‮ ‬من الرتوش ستكتشف أنه والأخ العقيد معمر القذافي‮ ‬فولة واتقسمت نصين‮.. ‬وجدته هائمًا علي‮ ‬وجهه في‮ ‬الشوارع ويحمل رزمة من الأوراق تنوء بحملها‮ "‬الجمال‮" ‬وليس الجبال نسبة إلي‮ ‬موقعة الجمل الجديدة‮.. ‬
خفت أن أقترب منه حتي‮ ‬لا‮ ‬يتهمني‮ ‬بمحاولة ركوب الثورة أو الجمل أيهما أجدي‮.. ‬فأرسلت إليه شابًا تبدو عليه ملامح الثوار‮ - ‬الكتالوج موجود لمن‮ ‬يريده‮ - ‬ليسأله عن‮ "‬حمله‮" ‬فأخبره أنها توقيعات المطالبين بإصلاح أحوال المسرح والثقافة عمومًا ويتغيير كل القيادات الفاسدة قائلاً‮ ‬له‮: ‬إحنا ح نغير كل شيء في‮ ‬البلد‮.. ‬
فقال له الشاب‮ "‬أنتم مين‮" ‬وكان الرجل الذي‮ ‬يشبه القذافي‮ ‬يسير بمفرده‮.. ‬فرد عليه ألا‮ ‬يكفيك أنني‮ ‬أستاذ دكتور؟‮!‬
الشاب الغلس سأله وهل ستكتفي‮ ‬بتغيير مسئولي‮ ‬الثقافة فقط‮.. ‬فأخبره الأستاذ الدكتور أن هناك خطة ما تخرش الميه لتغيير كل شيء في‮ ‬مصر‮.. ‬وأنه بمجرد الانتهاء من مسئولي‮ ‬الثقافة سيبدأ علي‮ ‬الفور في‮ ‬جمع توقيعات لإبادة مسئولي‮ ‬مترو الأنفاق‮.. ‬وسيبدأ بخط المرج أولاً‮ ‬ثم‮ ‬يتفرغ‮ ‬بعدها لخط شبرا وبنات شبرا‮!!‬
ستقول لي‮ ‬إن عنوان النص لا‮ ‬ينسحب علي‮ ‬أحداثه‮.. ‬وأنا سأرد عليك‮: ‬هو فين النص أصلاً‮.. ‬أرجوك وطي‮ ‬راسك شوية‮.. ‬محتاج أشوف القذافي‮ ‬وهو بي‮ ‬خطب من شارع لشارع‮.. ‬من حارة لحارة من زنجة لزنجة‮.. ‬فهو البديل المتاح الآن بعد أن قبضوا علي‮ ‬الأستاذ الدكتور متلبسًا بجمع توقيعات لتغيير مسئولي‮ ‬الصرف الصحي‮ ‬في‮ ‬مدغشقر التي‮ ‬لم‮ ‬يدخلها الصرف الصحي‮ ‬بعد‮!!‬

 

ليس لي‮ ‬شأن بتشكيل لجنة المسرح‮.. ‬وليس لي‮ ‬شأن،‮ ‬كذلك،‮ ‬بالأعضاء الذين اعترضوا علي‮ ‬انتخاب مقرر اللجنة في‮ ‬غيابهم وطالبوا بإعادة تشكيل اللجنة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬انتخاب مقرر جديد،‮ ‬وهددوا بالانسحاب إذا لم‮ ‬يستجب وزير الثقافة لمطالبهم‮.‬
كل هذا من أوله لآخره كلام فارغ‮.. ‬أقصد اللجنة أساسًا‮.. ‬تغيرت أم البلاد وأم من عليها ونحن لم نتغير‮.. ‬ما الذي‮ ‬تعنيه لجنة وماذا تفعل أصلاً‮ ‬غير عقد مكلمة شهرية أو أسبوعية ثم‮ ‬يذهب كل عضو إلي‮ ‬حال سبيله ولا‮ ‬يستفيد المسرح والمسرحيون والإخوة المواطنون والأخوات المواطنات المحجبات منهم والمتبرجات أي‮ ‬شيء‮.‬
اللجان نوع من العبث‮.. ‬بل هي‮ ‬أشد أنواع العبث‮.. ‬وكل من‮ ‬يسعي‮ ‬إليها أو‮ ‬يأمل فيها خيرًا واهم هو والذين خلفوه‮.‬
لماذا‮ ‬يخشي‮ ‬الناس من إزعاج السلطات‮.. ‬السلطات خلقت لكي‮ ‬نزعجها‮.. ‬وها نحن نزعجها ونقول لها بصراحة ووضوح إنه‮ ‬يجب إعادة النظر في‮ ‬فكرة اللجان برمتها‮.. ‬فهذه لجان لاستيعاب البعض وإرضاء البعض ومجاملة البعض‮.. ‬والغرض منها ليس إلا الإيحاء بأن كل شيء‮ ‬يسير علي‮ ‬ما‮ ‬يرام‮.. ‬وإلا فليقل لي‮ ‬أي‮ ‬مواطن في‮ ‬هذا البلد ما فائدة لجنة المسرح‮.. ‬ما الذي‮ ‬عاد علي‮ ‬المسرح المصري‮ ‬من وجودها‮.. ‬هل فعلت شيئًا‮ ‬يستحق كل هذا العرس وكل هذا الصراع وكل هذه الشكاوي‮ ‬والاعتراضات؟
لجنة المسرح ليست وحدها‮.. ‬خذ عندك مثلاً‮ ‬لجنة الشعر البائسة‮.. ‬هي‮ ‬لجنة لإفساد الشعر‮.. ‬لم تقم بأي‮ ‬عمل نبيل طوال عمرها‮.. ‬لم تفعل سوي‮ ‬تجميع الألاضيش في‮ ‬أمسيات شعرية أكثر بؤساً‮ ‬أو تسفيرهم لتمثيل مصر في‮ ‬مهرجانات شعرية أسوأ تمثيل‮.‬
لا حاجة لكل هذه البروباجندا‮.. ‬لجنة للمسرح وأخري‮ ‬للشعر وثالثة للقصة ورابعة للفلسفة‮.. ‬ماذا تفعل لجنة الفلسفة هل جعلت المواطنين فلاسفة مثلاً‮.. ‬ثم ماذا تفلسف بالظبط‮.‬
هذه لجان للدردشة وتزجية الوقت لا أكثر ولا أقل‮.. ‬لا أحد‮ ‬يشعر بها ولا إنجاز لها‮.. ‬وجودها مثل عدمه‮.. ‬لن تنهار الثقافة المصرية إذا لم توجد هذه اللجان‮.‬
تعالوا نفكر‮.. ‬ما الذي‮ ‬قدمته أي‮ ‬لجنة خلال الثلاثين عاماً‮ ‬الماضية‮  ‬أجزم بأن هذه اللجان لم تقدم أي‮ ‬شيء نافع للثقافة المصرية‮.. ‬دعك من المؤتمرات والندوات التي‮ ‬تعقدها‮.. ‬فهي‮ ‬ندوات ومؤتمرات لا‮ ‬يحضرها أحد‮.. ‬وأقسم بالله أنني‮ ‬ذهبت‮ ‬يوما إلي‮ ‬أحد المؤتمرات فوجدت سبعة مواطنين الواحد منهم‮ ‬يفصل مني‮ ‬عشرة‮ ‬يجلسون علي‮ ‬المنصة‮ ‬يتحدثون بحماس منقطع النظير‮.. ‬حتي‮ ‬إنني‮ ‬ظننت أن الحرب العالمية الثالثة علي‮ ‬الأبواب‮.. ‬وعندما نظرت حولي‮ ‬في‮ ‬القاعة لم أجد سوي‮ ‬خمسة أشخاص‮.. ‬كان اثنان منهم مسئولين عن ضبط أجهزة الصوت في‮ ‬القاعة‮.. ‬وقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬يبدو أن الجمهور هرب فعلاً‮ ‬خوفاً‮ ‬من قيام الحرب‮.‬
الناس لا تريد أن تقول الحق‮.. ‬حتي‮ ‬إن أحد أعضاء اللجنة السابقة وكان‮ »‬سعيداً‮« ‬جداً‮ ‬بانضمامه للجنة واعتبر عضويته فيها تتويجا لرحلة عطائه التي‮ ‬استمرت‮ ‬18‮ ‬شهراً‮.. ‬وظل طوال مدة العضوية لا‮ ‬يرتدي‮ ‬سوي‮ ‬الملابس الرسمية ولا‮ ‬يتعامل مع القنوات الأرضية مفضلا عليها المحطات الفضائية باعتباره طياراً‮ ‬شارك في‮ ‬حرب‮ ‬48‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يكن فيها طائرات أساسًا‮.. ‬هذا العضو لم‮ ‬يتضمنه التشكيل الجديد للجنة،‮ ‬فماذا فعل؟ قال‮: ‬لجنة إيه وبتاع إيه هي‮ ‬اللجنة بتعمل حاجة أصلاً‮.‬
طيب أين كنت من زمان أيها الطائر المغرد ولماذا لم تقل هذا الكلام وأنت عضو في‮ ‬اللجنة‮.‬
وأنا لو كنت من د‮. ‬شاكر عبد الحميد وزير الثقافة لأصدرت قراراً‮ ‬فورياً‮ ‬بحل كل هذه اللجان‮.. ‬أتمني‮ ‬أن‮ ‬يجرب ولو لمدة أسبوع‮.. ‬ستنام مصر وقارة إفريقيا كلها قريرة العين‮.. ‬وستحلم أحلامًا جميلة‮.. ‬بعيدًا عن اللجان وكوابيسها‮.. ‬جرب‮ ‬يا دكتور وسوف‮ ‬يدعو لك العالم أجمع‮!‬

لم‮ ‬يحدث‮ - ‬علي‮ ‬ما أسمع‮ ‬يعني‮ - ‬أن ثورة قامت‮ ‬يوم الثلاثاء ثم ضغطت علي‮ ‬زر فتغيرت الدنيا‮ ‬يوم الأربعاء أو الخميس بالكثير‮.‬

معلوم أن التغيير‮ ‬يستغرق وقتًا طويلاً‮.. ‬لكن المعلوم أيضًا أن إرهاصات هذا التغيير تظهر مبكراً‮.. ‬الثورة ترسل علامات أو إشارات تبشرنا بأن التغيير قادم فنصبر في‮ ‬انتظار قدوم سعادته‮.. ‬نصبر لأن شيئًا ما قد بدأ في‮ ‬التشكل‮.. ‬لكن ماذا لو لم‮ ‬يبدأ هذا الشيء في‮ ‬التشكل‮.. ‬ماذا لو لم تظهر له أي‮ ‬علامة أو كرامة؟
المعلوم أن استجابة الفن،‮ ‬الذي‮ ‬يبقي،‮ ‬للثورة تستغرق وقتًا‮.. ‬دعك من الأغاني‮ ‬التعبوية التي‮ ‬تنطلق عقب ثورة أو أثناء حرب‮.. ‬هي‮ ‬مطلوبة بشدة طبعاً‮.. ‬لكن كثيرًا منها لا‮ ‬يبقي‮.. ‬تؤدي‮ ‬الغرض منها ثم‮ ‬يطويها النسيان‮.. ‬عقب وأثناء حرب أكتوبر المجيدة ظهرت عشرات الأغنيات‮.. ‬لم‮ ‬يتبق منها في‮ ‬ذاكرتنا سوي‮ ‬القليل جداً‮.. ‬ومع ذلك فكل من ساهم بكلمات أو ألحان أو أداء في‮ ‬مواكبة الحرب له منا كل الشكر والتقدير‮.‬
الأمر بالنسبة للمسرح‮ ‬يختلف‮.. ‬وكذلك بالنسبة للشعر والقصة والرواية‮.. ‬يحتاج إلي‮ ‬شيء من التأمل‮.. ‬يحتاج مسافة ما بين الفنان وبين الحدث حتي‮ ‬لا تتحول المسألة إلي‮ ‬مجرد احتفالية وشكر الله سعيكم‮.‬
ومع ذلك فإن المتأمل لحال المسرح المصري‮ ‬بعد الثورة سيكتشف أنه نفس حاله قبلها‮.. ‬لم تصدر علامات أو إشارات علي‮ ‬أن مسرحنا في‮ ‬سبيله إلي‮ ‬التغيير‮.. ‬نفس الآلية هي‮ ‬هي‮ ‬لم تتغير‮.. ‬حتي‮ ‬التغيير الذي‮ ‬حدث كان للأسوأ‮.. ‬وهو ما تمثل في‮ ‬حكاية انتخابات المديرين مثلاً‮ ‬في‮ ‬مسرح الدولة‮.. ‬أفشل تجربة مر بها المسرح المصري‮.. ‬أن‮ ‬يكون مدير الفرقة بالانتخاب‮.. ‬وأنا قلت رأيي‮ ‬وقتها للدكتور عماد أبو‮ ‬غازي‮ ‬وزير الثقافة السابق والرجل النبيل المحترم،‮ ‬فقال لي‮ ‬دعنا نجرب‮.. ‬وهانحن قد جربنا وأثبتت التجربة فشلها العظيم‮.‬
لا أطلب من المسرح المصري‮ ‬أن‮ ‬يتغير فجأة‮.. ‬فقط أطلب علامات‮.. ‬فأين هي‮ ‬العلامات‮.. ‬عروض سيئة‮ - ‬إلا فيما ندر‮ - ‬لا‮ ‬يشاهدها أحد‮.. ‬فشل في‮ ‬الاختيار ومجاملات فجة‮.. ‬وفشل في‮ ‬التسويق‮.. ‬والنتيجة لا شيء‮ ‬يحسب للمسرح المصري‮ ‬ويضاف إلي‮ ‬رصيده‮.‬
ليس البيت الفني‮ ‬وحده هو الفاشل‮.. ‬معظم جهات الإنتاج فاشلة وتدار بنفس العقلية القديمة المتخلفة‮.. ‬تستيف الورق أهم من تقديم أعمال راقية ومحترمة‮.. ‬الثقافة الجماهيرية قدمت تجربة فاشلة لعروض الثورة‮.. ‬يحسب لها تجربة مسرح الشارع التي‮ ‬أرجو أن تحظي‮ ‬بالمزيد من الدعم‮.. ‬أما موسمها الجديد مع الفرق القومية وفرق القصور والبيوت فلا أعرف ما هي‮ ‬الآلية الجديدة التي‮ ‬اتبعتها‮.. ‬أرجو ألا تكون هي‮ ‬نفس الآلية المتبعة من قبل‮.‬
مطلوب من المسرح المصري‮ ‬أن‮ ‬يبين كرامات لأنه في‮ ‬موقف لا‮ ‬يحسد عليه‮.. ‬يكون أو لا‮ ‬يكون فعلاً‮.. ‬هو مسرح فاشل أساسًا وأضيفت إلي‮ ‬فشله قوي‮ ‬جديدة لم تسفر عن وجهها حتي‮ ‬الآن‮.. ‬لم تسفر بشكل واضح‮.. ‬ولا أحد‮ ‬يعلم هل ستضع أنفها في‮ ‬كل شيء وتضيق علي‮ ‬المبدعين والفنانين‮.. ‬أم ستكون أكثر استنارة وأكثر إيماناً‮ ‬بحرية الإبداع‮.. ‬وفي‮ ‬ظني‮ ‬أن الحرية ليست هبة من أحد‮.. ‬من‮ ‬يريدها عليه أن‮ ‬ينتزعها بنفسه‮.. ‬لأن أحداً‮ ‬لن‮ ‬يمنحها له طواعية‮.. ‬المسرح المصري‮ ‬هش‮.. ‬وإذا لم‮ ‬يلحق نفسه فلن نقرأ،‮ ‬حتي،‮ ‬الفاتحة عليه‮.. ‬لأنه بوضعه الحالي‮ ‬لا‮ ‬يستحق‮.‬

 

طبيعي‮ ‬أن نفخر نحن المصريين بأننا ننتمي‮ ‬إلي‮ ‬بلد لها ميراث حضاري‮ ‬عظيم،‮ ‬وتعتبر رمانة ميزان العالم،‮ ‬وإن هي‮ ‬اختلت اختل العالم أجمع،‮ ‬هذه حقيقة لا لبس فيها ولا جدال ولا نقاش‮.. ‬مصر‮ - ‬بدون مبالغة‮ - ‬هي‮ ‬أعظم دولة في‮ ‬العالم،‮ ‬ومن لا‮ ‬يعجبه ذلك‮ ‬يخبط رأسه في‮ ‬الحيط‮.‬
علي‮ ‬أن مصر‮ - ‬للأمانة‮ - ‬ليست هي‮ ‬المصريين‮.. ‬بمعني‮ ‬أنه لا‮ ‬يوجد ارتباط شرطي‮ ‬بين عظمة مصر وبين عظمة المصريين‮.. ‬المصريون ليسوا جميعًا عظماء ولا حاجة‮.. ‬ليس كل مصري‮ ‬عظيمًا‮.. ‬هناك الجاهل والتافه واللص والانتهازي‮ ‬والمتخلف كما أن هناك العالم والأديب والفنان والمناضل والثوري‮.. ‬
إذن علي‮ ‬كل واحد أن‮ ‬يحترم نفسه ويكف عن التفاخر بمصريته إذا لم‮ ‬يكن علي‮ ‬قدر هذه الصفة‮.‬
كنت‮ - ‬منذ فترة‮ - ‬في‮ ‬أحد المهرجانات المسرحية العربية،‮ ‬كان هناك عرض مصري‮ ‬مشاركًا علي‮ ‬هامش المسابقة الرسمية للمهرجان‮.. ‬بعض المشاركين في‮ ‬العرض كانوا مستائين جدًا من فكرة‮ »‬الهامش‮« ‬تلك‮.. ‬كيف تكون مصر بجلالة قدرها علي‮ ‬هامش المهرجان‮.. ‬مصر التي‮ ‬علمت العالم أجمع بما فيه الأخوة العرب‮.. ‬مصر الحضارة والتاريخ،‮ ‬الأهرامات،‮ ‬والنيل،‮ ‬ومحمد رفعت،‮ ‬وطه حسين،‮ ‬والعقاد،‮ ‬وصلاح جاهين،‮ ‬وأم كلثوم،‮ ‬وأم سحلول،‮ ‬ونجيب محفوظ،‮ ‬وأحمد زويل‮.. ‬إلخ إلخ‮!!‬
قالت إحدي‮ ‬الممثلات في‮ ‬تبريرها لوضع العرض علي‮ ‬الهامش‮ »‬إنهم‮ ‬يخشون من الاكتساح المصري‮.. ‬نحن نكتسح في‮ ‬كل المهرجانات‮«.. ‬وأنا قلت في‮ ‬نفسي‮ ‬بأمارة إيه؟
كانت مشكلة الشيخ حسني‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬الكيت كات‮« ‬أنه لا‮ ‬يصدق أنه أعمي‮.. ‬يا ناس نحن عميان فعلاً‮ ‬وعلينا أن ندرك ذلك‮.. ‬انتهت فكرة التفوق‮.. ‬العالم تغير وتطور‮.. ‬وبعض الدول‮  ‬العربية الصغيرة بحجم سكانها،‮ ‬أصبحت تقدم مسرحًا أقوي‮ ‬وأفضل وأكثر تطورًا مما نقدم نحن وعلينا أن ندرك ذلك ونفرح به ونشجعه،‮ ‬ونضع في‮ ‬أعيننا حصوة ملح لكي‮ ‬نجاريه أو نتجاوزه ونتفوق عليه‮.. ‬لسنا في‮ ‬صراع طبعًا مع أشقائنا العرب‮.. ‬لكننا‮ ‬يجب أن نكون في‮ ‬صراع مع أنفسنا لنستعيد وعينا وتفوقنا‮.. ‬أجدادنا وأباؤنا هم الذين صنعوا التفوق المصري‮.. ‬ونحن كنا مغفلين واكتفينا بالتغني‮ ‬بهذا التفوق‮.. ‬اكتفينا بذواتنا فتخلفنا‮.‬
لم‮ ‬يكن المصريون جميعًا مغفلين طبعًا‮.. ‬بينهم نماذج مشرفة ومشرقة‮.. ‬مصر ولاَّدة كما‮ ‬يقولون ولن تكف أبدًا عن إنجاب العباقرة في‮ ‬الفن والأدب والعلم ومجالات الحياة كافة‮.. ‬لكن المشكلة في‮ »‬مغفلي‮ ‬مصري‮«.. ‬في‮ »‬مهزئ مصر‮« ‬الذين‮ ‬يظنون أنهم ماداموا مصريين فإن الباطل لا‮ ‬يأتيهم من أي‮ ‬مكان مع أن الباطل‮ ‬يأتيهم من كل مكان‮.‬
يا ناس شيء من التواضع‮.. ‬من الموضوعية‮.. ‬لا تغلقوا عيونكم عما‮ ‬يدور حولكم‮.. ‬لقد تخلفتم وأصبحتم أكبر مغفلين في‮ ‬العالم‮.. ‬فاهدأوا لو سمحتم وأعيدوا ترتيب أموركم‮.. ‬وتخلصوا من عقدة التفوق لأنكم لم تعودوا متفوقين ولا حاجة‮.‬
أنا مفروس والله من هذا الأمر‮.. ‬ومستاء جدًا من العباقرة المسئولين عن ترشيح العروض المسرحية المصرية للمشاركة في‮ ‬مهرجانات عربية ودولية‮.. ‬لابد من التدقيق كثيرًا في‮ ‬العروض التي‮ ‬تمثلنا في‮ ‬الخارج حتي‮ ‬لا نبدو بهذه التفاهة والسذاجة ونصبح مسارًا للسخرية ونفقد احترام العالم لنا‮.‬
لست من هواة جلد الذات ولدي‮ ‬استعداد لذبح كل من‮ ‬يدوس لمصر علي‮ ‬طرف‮.. ‬لكني‮ ‬مستعد كذلك لمسخرة كل مصري‮ ‬مغفل‮ ‬يعتقد أن مصريته كفيلة بتفوقه ويتعامل مع‮ ‬غيره بتعال وغرور وعنجهية‮.. ‬وتكون النتيجة أن‮ ‬يتساءل‮ ‬غيره هذا‮: ‬هل هذه هي‮ ‬مصر فعلاً‮.. ‬هل هذا هو المسرح المصري‮.. ‬لا حول ولا قوة إلا بالله‮!!‬
أفيقوا‮ ‬يرحمنا ويرحمكم الله‮.. ‬أو‮ ‬يأخذكم الله ونستريح منكم ويستريح العالم الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬مزيد من المغفلين‮.‬

الصفحة 16 من 17
You are here