اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
مجرد بروفة

مجرد بروفة (234)

 

شاهدت آخر نسخة للعرض المسرحي‮ "‬شيزلونج‮".. ‬صناع العرض طقت في‮ ‬دماغهم فكرة لطيفة‮.. ‬قماشة العرض تتسع للإضافة والحذف‮.. ‬والبلاد كل‮ ‬يوم هي‮ ‬في‮ ‬شأن‮.. ‬استفادوا من ذلك في‮ ‬تطوير عرضهم كل ليلة‮.. ‬أصبحوا ملتصقين أكثر بواقعهم‮.. ‬وأصبحوا،‮ ‬بالتالي،‮ ‬قادرين علي‮ ‬طرح أسئلتهم حوله وجذب الناس إليهم‮.‬
هذا هو المسرح الذي‮ ‬نريده الآن‮.. ‬مسرح لا‮ ‬يحلق في‮ ‬الفراغ‮ ‬ولا‮ ‬يغترب عن هموم محيطه‮.. ‬لكنه،‮ ‬في‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬لا‮ ‬يتحول إلي‮ ‬نشرة للأحداث الجارية‮.. ‬هو‮ ‬يلامسها بالطبع ولكن بشكل جمالي‮ ‬يترك أثرًا عميقًا لدي‮ ‬مشاهده وليس مجرد أثر عابر‮ ‬ينتهي‮ ‬بخروج المشاهد من صالة العرض‮.‬
شيزلونج عرض دمه خفيف جدًا لكنها خفة الدم الموجعة‮.. ‬من الصعب أن‮ ‬يضحكني‮ ‬أحد‮.. ‬ربما لأنني‮ ‬ليس لي‮ ‬في‮ ‬الكوميديا أو خفة الدم‮.. ‬هذه خلقة ربنا ولا‮ ‬يد لي‮ ‬فيها‮.. ‬لكني‮ ‬ضحكت من كل قلبي‮ ‬وتوجعت من كل قلبي‮ ‬أيضًا‮.‬
هذه خفة دم مصرية طبيعية‮.. ‬لا افتعال ولا ادعاء‮.. ‬مجموعة ممثلين أنعم الله عليهم بهذه الموهبة ووقعوا علي‮ ‬بعض أو وقع المخرج محمد الصغير عليهم مثلما الطيور علي‮ ‬أشكالها تقع،‮ ‬فقدموا هذه التجربة الفريدة في‮ ‬المسرح المصري‮.‬
الجميل في‮ ‬أمر هذا العرض الذي‮ ‬قدمه مسرح الشباب‮ (‬مسرح الدولة‮ ‬يعني‮) ‬جرأته المفرطة وعلو سقفه وتجاوزه لما‮ ‬يعتبره مسرح الدولة خطوطا حمراء‮.. ‬هذه واحدة من الحسنات الكثيرة التي‮ ‬يتميز بها العرض‮.‬
الكتابة جماعية‮.. ‬ورشة‮ ‬يعني‮.. ‬لا تعرف من كتب هذه المشهد أو هذا الجملة أو ذاك الإفيه‮.. ‬بسم الله ما شاء الله علي‮ ‬الكتابة‮ "‬الصابحة‮" ‬والطازجة‮.. ‬يغور ثقل الدم‮.. ‬وتغور الحذلقة‮.. ‬ويغور مدعو الكتابة الساخرة الذين دمهم‮ ‬يلطش‮.. ‬ليس مطلوبًا من الجميع أن‮ ‬يكونوا ساخرين‮.. ‬المطلوب فقط أن‮ ‬يكتب كل واحد نفسه‮.. ‬أن‮ ‬يكتب مثلما‮ ‬يعيش‮.. ‬وهؤلاء الأولاد كتبوا أنفسهم‮.. ‬كتبوا كما‮ ‬يعيشون فصدقناهم وتفاعلنا معهم وأحببناهم‮.‬
الغريب في‮ ‬الأمر أن هذا العرض لم‮ ‬يخرج من القاهرة إلا مرتين‮.. ‬إحداهما إلي‮ ‬الإسكندرية‮.. ‬والأخري‮ ‬إلي‮ ‬الجزائر‮.. ‬وأنا استغربت جدًا عندما أخبرني‮ ‬صديقي‮ ‬المخرج شادي‮ ‬سرور بذلك‮.. ‬لماذا لم‮ ‬يطف هذا العرض بمحافظات مصر كلها‮.. ‬لماذا لم‮ ‬يتم ترشيحه للمشاركة،‮ ‬علي‮ ‬الأقل،‮ ‬في‮ ‬المهرجانات العربية؟ هذا شيء‮ ‬غريب‮.. ‬لكنه ليس‮ ‬غريبًا في‮ ‬بلد مازالت‮ ‬غريبة وعجيبة حتي‮ ‬الآن‮.‬
الأغرب أن الليلة التي‮ ‬شاهدت فيها هذا العرض كانت‮ "‬آخر ليلة‮" ‬انتهي‮ ‬العرض وقالوا للأولاد‮ "‬فركش‮".. ‬صحيح استمر العرض حوالي‮ ‬18 شهرًا‮.. ‬لكن ما المشكلة أن‮ ‬يستمر حتي‮ ‬18 عامًا‮.. ‬عرض    ناجح ويجدد نفسه كل ليلة‮.. ‬لماذا ندفنه إذن‮.. ‬هل هي‮ ‬اللوائح والقوانين‮.. ‬أم أن تجاوز العرض للخطوط الحمراء جعل القائمين علي‮ ‬مسرح الدولة‮ ‬يكتفون بهذا القدر منعًا للمشاكل‮.. ‬أم أن القائمين علي‮ ‬الدولة أنفسهم هم من أعطوا الأوامر بذلك؟‮!‬
أيًا كان سبب وقف العرض‮.. ‬فهذه جريمة في‮ ‬حق المسرح‮ .. ‬وحق الحرية‮.. ‬وحق الشباب‮.. ‬وحق‮ "‬خفة الدم‮" ‬التي‮ ‬هي‮ ‬عملة نادرة هذه الأيام‮.. ‬أتحدث عن خفة الدم الطبيعية أما الخفة‮ "‬الاصطناعي‮" ‬فربنا‮ ‬يولع في‮ ‬أصحابها بجاز وإن كنت أدعوه أن‮ ‬يترك لنا‮ "‬العكش وأنثاه‮" ‬فهما معين لا‮ ‬ينضب‮ ‬يمكن أن‮ ‬يستلهم منه كتاب الكوميديا الكثير الذي‮ ‬يعوضنا عن‮ ‬غياب‮ "‬شيزلونج‮".‬

 

إذا لم تكن هناك فلسفة واضحة وأهداف محددة لأي‮ ‬نشاط في‮ ‬الدنيا فإن مصير هذا النشاط هو الفشل وبئس المصير‮.‬
أحدثكم عن مسرح الثقافة الجماهيرية الذي‮ ‬تكونت مؤخراً‮ ‬لجنة لإنقاذه‮ .. ‬يستطيع أي‮ ‬مسئول أن‮ ‬يشطب علي‮ ‬هذا المسرح بأستيكة ولديه ألف حجة لارتكاب هذه الجريمة‮.‬
وأنت إذا تأملت حال هذا المسرح الآن فلن تعرف له رأساً‮ ‬من قدمين‮ .. ‬الأشياء جميعها تمضي‮ ‬كيفما اتفق‮ .. ‬لاخطة ولامنهج ولايحزنون‮ .. ‬صحيح‮  ‬هناك بعض العروض الجيدة لكنها في‮ ‬الغالب اجتهادات وتضحيات شخصية‮ ..‬أو رمية بلا رام‮ .. ‬وفي‮ ‬الغالب أيضاً‮ ‬لايشاهدها سوي‮ ‬عدد محدود من المواطنين وينتهي‮ ‬الأمر‮ .. ‬والأهم عند صناع العروض هو لجنة التحكيم‮ .. ‬متي‮ ‬شاهدت اللجنة العرض ومنحته مافيه القسمة من درجات انفض المولد‮.‬
أتحدي‮ ‬أن تكون هناك خطة لدي‮ ‬إدارة المسرح لتطوير هذا المسرح وجعله أكثر فاعلية وإفادة للناس‮ .. ‬نسمع كلاماً‮ ‬كبيراً‮ ‬عن خطط وورش وتدريبات وماإلي‮ ‬ذلك ثم نشاهد العروض فلا نري‮ ‬أي‮ ‬أثر لأي‮ ‬شئ‮ .. ‬بالمناسبة تم تخصيص‮ ‬25في‮ ‬المائة من ميزانية إدارة المسرح للتثقيف‮ .. ‬أين هو هذا التثقيف وماهي‮ ‬آليته وبرامجه ومن الذي‮ ‬يقوم به‮ .. ‬أين أثره علي‮ ‬العروض التي‮ ‬تم إنتاجهاوهل ثلاثة أيام أيها العباقرة كافية لإعداد مخرج أو حتي‮ ‬لاعداد عامل نظافة‮ .. ‬ماهذا التهريج‮.‬
المسألة ليست‮ ( ‬كيميا‮ )‬ لايحتاج الأمر سوي‮ ‬رغبة حقيقية في‮ ‬تقديم شئ مهم ومفيد للناس‮ .. ‬وليس مجرد تستيف للأوراق وعمل احصاءات بانجازات وهمية‮.. ‬لسنا في‮ ‬جهاز التعبئة والإحصاء‮ ‬يمكن لإدارة المسرح أن تنتج ألف عرض كل سنة أو حتي‮ ‬كل ساعة‮  ‬لكن العدد الذي‮ ‬في‮ ‬الليمون لايعنينا في‮ ‬شئ قدر مايعنينا الأثر الذي‮ ‬يتركه لدي‮ ‬الناس‮.‬
هل لعب المسرح الإقليمي‮ ‬أي‮ ‬دور مهم ومفيد خلال السنوات العشر الأخيرة مثلاً‮ ‬؟ ماهو الأثر الذي‮ ‬يمكننا رصده لدور هذا المسرح في‮ ‬أقاليم مصر سوي‮ ‬تصويت الناس للتعديلات الدستورية بنعم‮ .. ‬الوعي‮ ‬مازال‮ ‬غائباً‮ ‬والمسرح الإقليمي‮ ‬في‮ ‬واد والناس في‮ ‬واد آخر‮ .. ‬هناك عروض تقام وتنفض دون أن‮ ‬يدري‮ ‬بها حتي‮ ‬سكان البيت المجاور لقصر الثقافة‮.‬
المسرحيون في‮ ‬الأقاليم مظلومون ومعذرون ولا حيلة لهم‮.. ‬دماؤهم موزعة بين المسئولين في‮ ‬أقاليمهم وبين إدارة المسرح‮ ..‬لايوجد إيمان حقيقي‮ ‬لدي‮ ‬أغلب المسئولين بجدوي‮ ‬المسرح‮ .. ‬بعضهم‮ ‬يتنفس الصعداء عندما تنتهي‮ ‬الفترة المحددة لتقديم العرض ويردد بينه وبين نفسه أو علي‮ ‬مرأي‮ ‬ومسمع من الجميع‮ ( ‬غار في‮ ‬ستين داهية‮ ).‬
المتابع لعروض المسرح الإقليمي‮ ‬يدرك تداعي‮ ‬هذا المسرح واندحاره وحصاره‮ .. ‬ويدرك أنه‮ ‬يتاج فعلاً‮ ‬خطة إنقاذ عاجلة حتي‮ ‬لايكون حاله المايل ذريعة لمن‮ ‬يتربصون به الآن ويتحينون الفرصة لتوجيه الضربة القاضية إليه‮.‬
الانفعالات وحدها ليست كافية لنعرف إن المسئولين في‮ ‬إدارة المسرح قلبهم علي‮ ‬المسرح فعلاً‮..  ‬والتعامل مع كل صاحب رأي‮ ‬مخالف باعتباره عدواً‮ ‬أو عميلاً‮ ‬سيؤدي‮ ‬إلي‮ ‬المزيد من النكبات‮ .‬
لماذا‮ ‬يجتمع مخرجو الثقافة الجماهيرية في‮ ‬ساحة روابط لمناقشة مشكلات مسرحهم ؟أكيد اجتماعهم في‮ ‬إدارة المسرح سيؤدي‮ ‬إلي‮ ‬انفعالات وتشنجات واتهامات هم في‮ ‬غني‮ ‬عنها‮ .. ‬لو كانت الأمور تسير بشكل جيد فيه من المحبة والرغبة في‮ ‬التعاون من أجل المسرح فقط لعقد المخرجون اجتماعهم في‮ ‬إدارة المسرح‮ .. ‬لكن المشكلة أن الإدارة تظن أنها وحدها التي‮ ‬تفهم في‮ ‬كل شئ وأن بيدها وحدها عمل كل شئ وأي‮ ‬شئ‮.. ‬مع إننا في‮ ‬ظل أجواء ثورية ترفض الدكتاتورية والانفراد بالرأي‮ .. ‬لكن إدارة المسرح ـ للأسف ـ لم تدرك ذلك حتي‮ ‬الآن‮ .. ‬ويتعامل المسئولون فيها مع مخاليق ربنا بتعال ودكتاتورية‮ ‬غريبة ولايقبلون سماع نصيحة أو اقتراح ويعملون علي‮ ‬نفي‮ ‬كل من‮ ‬يخالفهم الرأي‮.‬
لابد أن‮ ‬يشارك المسرحيون في‮ ‬رسم‮ (‬صورة مسرحهم‮ )‬التي‮ ‬تنفرد الإدارة وحدها برسمها مع إنها إدارة للمسرح وليست إدارة للفنون التشكيلية‮ .. ‬متي‮ ‬يكف الفنانون التشكيليون الذين في‮ ‬إدارة المسرح عن شخبطاتهم التي‮ ‬يظنونها لوحات فنية مع إنها مجرد شخبطات لاينافسها سوي‮ ‬شخبطات أديب الشباب محمود عبد الرازق عفيفي‮ ‬التي‮ ‬شوهت جدران البلاد‮.. ‬وقد تاب عبدالرازق عفيفي‮ ‬عن ذلك‮ ‬‮.. ‬متي‮ ‬يتوب الفنانون التشكيليون الذين في‮ ‬إدارة المسرح ؟

 

الذي‮ ‬يحدث في‮ ‬مسرح الأقاليم هذه الأيام خطير جداً‮ ‬وينذر بكوارث‮  ‬شديدة‮ .. ‬هناك مخطط واضح وصريح وعلني‮ ‬لضرب هذا المسرح والقضاء عليه تماماً‮ .‬
مبدئياً‮ ‬فإن الأمر لايتعلق تحديداً‮ ‬بإدارة المسرح حتي‮ ‬لايتوتر مديرها وينفعل ويسب أمي‮ ‬وأبي‮ .. ‬مدير المسرح مغلوب علي‮ ‬أمره ولايستطيع عمل شئ وأنا متعاطف معه وأمري‮ ‬لله بعد أن أصبحت ميزانيات المسرح في‮ ‬يد رؤساء الأقاليم‮ ‬يفعلون بها مايشاءون‮ .‬
أخبرني‮ ‬صديق أن أحد المخرجين العاملين بقصور الثقافة ذهب ليعمل في‮ ‬موقع بالصعيد لكن رئيس الإقليم صرفه طالباً‮ ‬منه أن‮ ‬يأتي‮ ‬بموافقة جهة عمله أولاً‮ ‬وإلا لن‮ ‬يخرج إلا في‮ (‬المراحيض‮ ).. ‬عبث مابعده عبث والله‮.‬
موافقة جهة العمل التي‮ ‬طلعت علينا بها دولة الموظفين لإذلال المبدعين والتنكيل بهم والانتقام منهم لم تعد هي‮ ‬المشكلة الوحيدة‮ .. ‬ثمة عوائق كثيرة‮ ‬يتم وضعها الآن أمام العمل المسرحي‮ ‬في‮ ‬الأقاليم لاهدف لها إلا القضاء عليه وضربه في‮ ‬مقتل والجدع‮ ‬يتكلم‮.‬
وحسب معلوماتي‮ ‬فإن فرق القصور لم تنتج هذا الموسم سوي‮ ‬أربعة عروض فقط‮ .. ‬أما فرق البيوت فلم تنتج عرضاً‮ ‬واحداً‮ ‬حتي‮ ‬الآن ويبدو أنها لن تنتج‮..‬نريد أن نعرف أين ميزانيات هذه العروض‮ .. ‬هل مازالت موجودة أم تم صرفها في‮ ‬أمور أخري‮ ‬؟
الحظة التاريخية الفارقة التي‮ ‬نعيشها الآن كانت تستوجب مضاعفة انتاج المسرح في‮ ‬الأقاليم وتقديم نوعية خاصة من العروض بهدف توعية وتثقيف الناس‮ .. ‬لكن‮ ‬يبدو أن أحداً‮ ‬لايريد ذلك‮ .. ‬دعهم في‮ ‬جهلهم‮ ‬يرزحون‮.. ‬دعهم نهباً‮ ‬للأفكار المتطرفة والمتعصبة‮.. ‬هذا هو مانريده‮.. ‬المسرح رجس من عمل الشيطان واهدار للمال العام‮ .. ‬هيا بنا نقضي‮ ‬عليه‮ .‬
إذا لم تقم هيئة قصور الثقافة بدورها في‮ ‬هذه اللحظة وتستخدم المسرح كأفضل وسيلة لمخاطبة الجماهير فمتي‮ ‬ستقوم بهذا الدور إذن‮.. ‬كنت أظن أن الهيئة ستحشد كل طاقتها هذه الأيام لتقديم المسرح في‮ ‬كل مدينة وقرية ونجع لكنها لم تقم حتي‮ ‬الآن حتي‮ ‬بما كانت تقوم به في‮ ‬الأيام العادية‮ .. ‬أين‮ ‬يكمن الخلل‮.. ‬ومن المسئول عن هذه المهزلة‮.. ‬وماذا‮ ‬يريد الموظفون تحديداً‮ ‬من المسرح ومن‮ ‬يحركهم لهدمه‮.. ‬وهل هي‮ ‬بداية للقضاء علي‮ ‬كل نشاط جاد ومحترم لصالح الاكتفاء بشغل الإبرة والكروشية وفصول محو الأمية وتعليم الخياطة‮.. ‬لمصلحة من‮ ‬يتم ذلك الآن تحديداً‮ ‬؟‮.‬
المفترض أن مخرجي‮ ‬الثقافة الجماهيرية عقدوا اجتماعاًأول أمس في‮ ‬ساحة روابط لمناقشة أزمة المسرح الإقليمي‮ .. ‬اكتب طبعاً‮ ‬قبل عقد الاجتماع ولاأعرف إلي‮ ‬أي‮ ‬شئ انتهي‮ .. ‬وإن كنت أظن أنه لن‮ ‬يسفر عن أي‮ ‬شئ ولن‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬أي‮ ‬شئ ولن‮ ‬يحرك ساكناً‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مكان‮ .. ‬هناك قوة أكبر من المبدعين والمثقفين هي‮ ‬التي‮ ‬تتحكم في‮ ‬الأمور الآن‮ .. ‬هذه القوة تتمثل في‮ ‬الموظفين الذين اتخذوا قرارهم وانتهي‮ ‬الأمر‮.. ‬انتهي‮ ‬الأمر لأننا أصبحنا في‮ ‬مصر الثورة‮.. ‬أصبحنا في‮ ‬لحظة فيها من السيولة والرخاوة ما‮ ‬يجعل كل واحد‮ ‬يفعل مايريد دون أن‮ ‬يقول له أحد‮ ( ‬تلت التلاتة كام‮ ).. ‬مصر بهذا الإسلوب رايحة في‮ ‬ستين داهية‮ .. ‬ونحن معها طبعاً‮ .. ‬مايحدث شئ مقرف بجد‮ .‬

 

استأذن رئيسك أولاً‮ ‬إذا أردت أن تدخل الحمام‮.. ‬واستأذنه قبل الخروج‮ .. ‬واستأذنه إذا أردت أن تقول كلمة حلوة أو وحشة لزوجتك‮.. ‬واستأذنه في‮ ‬اختيار ملابسك والأغاني‮ ‬التي‮ ‬ستسمعها والأفلام والمسرحيات التي‮ ‬ستشاهدها والكتب التي‮ ‬ستقرأها‮.. ‬استأذنه قبل أن تنام وقبل أن تصحو‮ - ‬هذه تحديدًا لا أعرف كيف تنفذها‮ - ‬استأذنه قبل أن تقول لأحد‮ »‬صباح الفل‮« ‬أو حتي‮ ‬صباح القطران‮.. ‬إياك أن تحلم أو تأكل أو تشرب أو تعمل راجل عندما‮ ‬يأتي‮ ‬المساء قبل أن تستأذن السيد الرئيس‮.‬
السيد رئيسك في‮ ‬العمل بما أننا في‮ »‬مصر الثورة‮« ‬الآن هو ولي‮ ‬نعمتك والمتحكم في‮ ‬كل قراراتك‮.. ‬احذر أن تفعل شيئًا أو حتي‮ ‬تفكر في‮ ‬فعل شيء قبل استئذان سعادته‮.. ‬نحن في‮ ‬ثورة‮ ‬يا أخي‮ ‬ويجب أن تكون ملتزمًا ومهذبًا وتمشي‮ ‬جنب الحيط‮.. ‬رئيسك في‮ ‬العمل هو كل شيء في‮ ‬حياتك‮.. ‬التزم بتعليمات السيد الرئيس داخل العمل وخارجه‮.. ‬في‮ ‬أيام الدوام وأيام الراحات‮.. ‬في‮ ‬الأعياد والمناسبات الرسمية‮.‬
التزم أحسن لك‮.. ‬خاصة لو كنت كاتبًا أو مبدعًا‮.. ‬هذه تحديدًا تلزمك بتقبيل حذائه صباحًا ومساء وعند الظهر‮.. ‬سيشطب علي‮ ‬إبداعك بأستيكة إذا أنت خالفته‮.. ‬توكل علي‮ ‬الله وقبل رأسه وحذاءه‮.. ‬فأنت إذا فكرت أن تنشر مقالاً‮ ‬أو قصيدة أو دراسة مثلا في‮ ‬إحدي‮ ‬مطبوعات وزارة الثقافة لابد أن تحصل علي‮ ‬إذنه أولاً‮.. ‬هكذا قرر موظفو هيئة قصور الثقافة‮.. ‬وإذا تلقيت دعوة لإلقاء محاضرة في‮ ‬أسوان احصل علي‮ ‬إذن كتابي‮ ‬منه واحرص علي‮ ‬الإذن جيدًا‮.. ‬لا تنم في‮ ‬القطار حتي‮ ‬لا‮ ‬يسرقه أحد منك‮.. ‬وعندما تصل بالسلامة قابضًا علي‮ ‬الإذن ادفع به إلي‮ ‬موظف الثقافة حتي‮ »‬يمشي‮ ‬معك قانوني‮« ‬ويسوي‮ ‬الأوراق المطلوبة ويكون من حقك ساعتها أن تحصل علي‮ »‬إذن صرف‮« ‬قيمته ثمانون جنيها‮.. ‬لا أعرف بعد أن تقف لك ساعتين تلاتة في‮ ‬طابور مكتب البريد لصرف هذه الثروة هل سيوافق الموظف علي‮ ‬صرف الإذن أم سيطلب منك الحصول علي‮ ‬موافقة رئيسك في‮ ‬العمل أولاً‮ ‬وإلا لن‮ ‬يصرفه لك‮.. ‬السيد الرئيس لابد أن‮ ‬يطلع علي‮ ‬مصادر ثروتك‮.. ‬نحن في‮ ‬ثورة‮ ‬يا أخي‮ ‬فالتزم حتي‮ ‬تعيش وتكتب‮.‬
وحتي‮ ‬عند الكتابة لابد أن تتوخي‮ ‬الدقة وتعرف اتجاهات وذوق السيد الرئيس أولا وإلا سيمنعك من النشر‮.. ‬إذا كنت شاعرًا حداثيًا وكان رئيسك‮ ‬يحب الشعر العمودي‮ ‬فعليك أن تعصر علي‮ ‬نفسك شوال ليمون وتكتب القصيدة عمودية‮. ‬لا أعرف ماذا ستقول له إذا أردت أن تكتب دراسة في‮ »‬مسرحنا‮« ‬عن السينوجرافيا أو فن الممثل أو أي‮ ‬شيء من هذا القبيل وكان الرجل من ألد أعداء المسرح أساسًا أو من الذين‮ ‬يعتبرونه حرامًا وما أكثرهم هذه الأيام‮.‬
هيئة قصور الثقافة مهمتها الأساسية هي‮ ‬النشاط الثقافي‮ ‬من ندوات ومؤتمرات ومسرح وسينما وفن تشكيلي‮ ‬ونشر وخلافه‮.. ‬ومهمة موظفي‮ ‬الهيئة تنظيم هذه الأنشطة والإشراف عليها وإنهاء إجراءاتها المالية‮.. ‬هذه هي‮ ‬مهمتهم‮.. ‬فما الذي‮ ‬سيفعله الموظفون إذا توقفت هذه الأنشطة‮.. ‬وأكيد ستتوقف طالما أصروا علي‮ ‬حصول المحاضر أو الكاتب علي‮ ‬موافقة جهة عمله‮.. ‬ما الذي‮ ‬سيفعله الموظفون تحديدًا‮.. ‬طالب أحدهم ذات مرة بإلغاء جميع مطبوعات الهيئة وتوزيع الأموال التي‮ ‬تنفق عليها علي‮ ‬موظفي‮ ‬الهيئة‮.. ‬مع إنه‮ ‬يعلم تمامًا استحالة تنفيذ هذا الأمر لأن كل بند له مخصصات‮.‬
إصرار الموظفين علي‮ ‬حصول أي‮ ‬قائم بنشاط علي‮ ‬موافقة جهة عمله هو إصرار علي‮ ‬وقف جميع أنشطة الهيئة‮.. ‬أي‮ ‬إصرار علي‮ ‬إغلاق هذه الهيئة‮.. ‬هذا الأمر‮ - ‬في‮ ‬ظل مصر الثورة‮ - ‬ليس مستغربًا من الموظفين‮.. ‬لكنه مستغرب فعلاً‮ ‬من وزير الثقافة ورئيس الهيئة‮.. ‬سكوتهما‮ ‬يعني‮ ‬الموافقة علي‮ ‬ذلك‮!!‬

 

يبدو‮  ‬أن أمورنا تسير من سيء إلي‮ ‬أسوأ‮..  ‬يبدو أن شيئًا في‮ ‬مصر لم‮ ‬يتغير إلا إلي‮ ‬الأسوأ فعلاً‮.. ‬لكننا بالعند في‮ ‬أعداء الثورة لن نردد،‮ ‬كما‮ ‬يفعل المحبطون والانهزاميون
‮"‬ولا‮ ‬يوم من أيامك‮ ‬يا مبارك‮"‬
الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة‮.. ‬الشاعر سعد عبد الرحمن رئيس هيئة قصور الثقافة‮: ‬تحية واحترامًا‮.. ‬أما بعد فقد زهقنا من تعامل الموظفين معنا‮.. ‬زهقنا فعلاً‮.. ‬وأمامكما أمران لا ثالث لهما‮.. ‬إما حل المشاكل التي‮ ‬تواجهنا مع الموظفين‮.. ‬وإما إغلاق هذه الجريدة‮.. ‬وأعتقد أن إغلاقها سيكون إنجازًا مهمًا سيذكره لكما أعداء الثقافة والمنتمون إلي‮ ‬عصر الناقة‮.‬
لقد طلع علينا الموظفون ببند‮ ‬غريب قالوا إنه ورد في‮ ‬القانون مؤداه أن كل من‮ ‬يكتب مقالاً‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مطبوعة لابد أن‮ ‬يحصل علي‮ ‬موافقة جهة عمله‮.. ‬يا صلاة النبي‮.. ‬لم‮ ‬يحدث هذا الأمر‮ - ‬علي‮ ‬ما أظن‮ - ‬في‮ ‬أي‮ ‬عصر من العصور‮.. ‬ولم‮ ‬يحدث بطبيعة الحال في‮ ‬عصر حسني‮ ‬مبارك أكثر العصور انحطاطًا وديكتاتورية‮.‬
الذي‮ ‬أعرفه أن من‮ ‬يعمل في‮ ‬مطبوعة بشكل ثابت ويكون لديه عمل آخر في‮ ‬جهة لا تتبع هذه المطبوعة لابد أن‮ ‬يحصل علي‮ ‬موافقة جهة عمله،‮ ‬أما من‮ ‬يكتب مقالاً‮ ‬بشكل‮ ‬غير ثابت فلا حاجة به إلي‮ ‬موافقة جهة عمله‮.‬
الإصرار علي‮ ‬حصول الكاتب علي‮ ‬موافقة جهة عمله هو اتجاه إلي‮ ‬إذلال الكتاب ومراقبتهم والتضييق عليهم‮.. ‬تصوروا‮ ‬يحدث هذا في‮ ‬مصر الثورة‮.. ‬هل قامت الثورة لحصار المبدعين وكبتهم وتزهيقهم ومنعهم من الكتابة؟ وأين؟ في‮ ‬مطبوعات وزارة الثقافة‮!‬
قبل الثورة وفي‮ ‬أسوأ عصور الديكتاتورية كان وزير الثقافة نفسه‮ ‬يكتب مقالات ودراسات في‮ ‬العديد من المطبوعات ولم‮ ‬يسأله أحد أين موافقة جهة عملك‮.. ‬ونفس الأمر بالنسبة لرئيس الهيئة‮.. ‬فماذا حدث وهل هو مخطط فعلاً‮ ‬يتم تدبيره بدقة شديدة لضرب الثقافة في‮ ‬مقتل‮.. ‬وأين الوزير وأين رئيس الهيئة ولماذا لا‮ ‬يتدخلا لوقف هذه المهزلة إذا كانا فعلاً‮ ‬ضد هذا الإجراء الغريب والعجيب والمريب‮.‬
الأمر لا علاقة له بـ‮ »‬مسرحنا‮« ‬تحديدًا لكنه‮ ‬ينسحب علي‮ ‬كل مطبوعات قصور الثقافة‮.. ‬ومعناه إغلاق هذه المطبوعات بالضبة والمفتاح‮.. ‬أو الاكتفاء بمقالات العاملين بالهيئة وعدم الاستعانة بأي‮ ‬كاتب من الخارج ما لم‮ ‬يقف مثل التلميذ أمام رئيسه في‮ ‬العمل‮ ‬يستسمحه بأن‮ ‬يتفضل ويتعطف ويتكرم بالموافقة علي‮ ‬قيامه بكتابة مقال في‮ ‬إحدي‮ ‬مطبوعات هيئة قصور الثقافة ليحصل علي‮ ‬120‮ ‬جنيهًا علي‮ ‬مقاله في‮ ‬النهاية‮.‬
ما هذا العبث‮ ‬يا ناس وأي‮ ‬قانون هذا الذي‮ ‬يشترط موافقة جهة العمل علي‮ ‬الكتابة‮.. ‬في‮ ‬أي‮ ‬عصر نحن أيها السادة المسئولون‮.. ‬كيف بالله عليكم ترضون هذا الإذلال للكتاب والمبدعين وأنتم تنتمون إليهم أساسًا‮.. ‬هذا أمر‮ ‬غريب ومريب فعلا والسكوت عليه أكثر‮ ‬غرابة وريبة‮.‬
ربما كان الأمر أخف وطأة لو كانت وزارة الداخلية مثلاً‮ ‬تضع هذا الشرط للكتابة في‮ ‬مطبوعاتها أما أن تضعه وزارة الثقافة وتصر عليه فهذه هي‮ ‬الفضيحة التي‮ ‬تستحق أن‮ ‬يتحدث بها العالم أجمع‮.. ‬يتحدث بها مشيرًا إلي‮ ‬تخلفنا وديكتاتوريتنا وارتدادنا إلي‮ ‬الخلف مئات السنوات‮.. ‬وزارة الثقافة التي‮ ‬من المفترض أنها تدافع عن الحرية وتنشر مبادئ الاستنارة والتقدم تشترط حصول المبدعين علي‮ ‬موافقة جهة عملهم للكتابة في‮ ‬مطبوعاتها‮.. ‬هل رأيتم عبثًا أكثر من ذلك‮.‬
أرجو ألا‮ ‬يحتج أحد بالقانون‮.. ‬فالقانون واضح وصريح ولا لبس فيه إلا عند الموظفين‮.. ‬وحتي‮ ‬لو ذهبنا إلي‮ ‬آخر الشوط وافترضنا أن هناك بندًا‮ ‬يشترط موافقة جهة العمل علي‮ ‬الكتابة في‮ ‬مطبوعات وزارة الثقافة تحديدًا‮.. ‬فهل‮ ‬يليق أن‮ ‬يسكت الوزير المثقف ورئيس الهيئة المثقف علي‮ ‬هذا الأمر المخجل الذي‮ ‬يذل المثقف ويراقبه ويضيق عليه ويتغابي‮ ‬عليه ويتعامل معه كأننا في‮ ‬عصر منحط لم تقم فيه ثورة أذهلت العالم كله‮.. ‬أما أننا مازلنا وسنظل أمة ضحكت من جهلها الأمم‮. ‬اضحكي‮ ‬يا أمم‮!‬

أن يصحو أحد السادة الوزراء من نومه ثم يتخذ قرارًا بالاستيلاء علي منشأة ثقافية كبري وتحويل مسرحها إلي قاعة محكمة فهذا هو العبث بعينه والفوضي بعينها.

الرجل اتخذ قراره، هكذا من تلقاء نفسه، وأرسل رجاله الذين –   هكذا أيضًا من تلقاء أنفسهماقتحموا المكان مصطحبين معهم العمال الذين لم يكذبوا خبرًا وانقضوا بكل همة علي مقاعد المسرح ونزعوها من أماكنها.. ورجال الوزير كانوا في غاية الفرح يرددون: الهمة يا رجالة.

هذا ما حدث في "مصر الثورة".. قرر وزير –  لا أعرف هل هو وزير الداخلية أم وزير العدلالاستيلاء علي مسرح قصر ثقافة الإسماعيلية وتحويله إلي قاعة لمحاكمة المتهمين في مجزرة بورسعيد.

الوزير الذي اتخذ القرار وأمر بتنفيذه فورًا لم يحصل علي موافقة وزير الثقافة ولم يستأذنه، ولم يكلف نفسه حتي بإخطاره.. هذا ما أعلنه د. شاكر عبد الحميد وزير الثقافة في بيان له أعلن فيه أيضًا رفضه ورفض كل هيئات ومؤسسات الوزارة استغلال أي منشأة ثقافية في أي نشاط أو عمل غير ثقافي وطالب بالبحث عن أي مكان آخر بعيدًا عن المنشآت الثقافية.

هيئة قصور الثقافة برئاسة الشاعر سعد عبد الرحمن لم تسكت وانتفضت بجميع قياداتها مطالبة بوقف هذا العبث الذي اعتبرته إهدارًا لقيمة الثقافة والمثقفين وقررت إغلاق القصر في وجه المستهترين واعتبرت أن هذه الممارسات نوع من أنواع البلطجة وشغل العصابات الذي لم يحدث حتي في عصر حسني مبارك.

وبعيدًا عن موقف المسئولين في وزارة الثقافة، وهو موقف قوي ومحترم، فإن أفضل ما حدث في هذه الواقعة المخجلة التي لا يمكن حدوثها في أتفه دولة بالعالم، هو الموقف القوي الذي اتخذه المثقفون سواء في الإسماعيلية أو مدن القناة أو القاهرة.. فقد اعتصم المئات داخل قصر ثقافة الإسماعيلية وأعلنوا استعدادهم للتضحية بحياتهم في سبيل منع هذه الجريمة، ونظم العشرات وقفات احتجاجية أمام وزارتي الثقافة والعدل واشتعل الفيس بوك وتويتر ببيانات الاحتجاجات والاستنكار، واهتمت أغلب وسائل الإعلام بالواقعة.. وكانت النتيجة في النهاية هي التراجع وقيام الشركة التي نزعت مقاعد المسرح بإعادة تركيبها مرة أخري.

هذا شيء مفرح.. أن يستشعر المثقفون الخطر الذي يحيق بهم ويقفوا معًا "وقفة رجالة" فيعلم العابثون أنهم قوة لا يستهان بها.. فقط عندما يتكتلون معًا.. أما عندما يتشرذمون ويبحث كل منهم عن مصلحته الخاصة أو يتفرغ لتصفية حساباته مع غيره من المثقفين فإن ضربهم في مقتل يصبح أسهل ما يكون.

هناك من يتربص بالثقافة والمثقفين ومن يسعي إلي ضرب مكتسباتهم والقضاء عليها وإعادتنا إلي عصر الناقة.. وفي ظني أن "واقعة الإسماعيلية" كانت مجرد جس نبض.. فإذا "عدت" دون اعتراض كانت ستتبعها وقائع أخري.. لكن حسنًا.. رب ضارة نافعة فقد أثبت المثقفون وعيهم وقوتهم وقدرتهم علي حماية مكتسباتهم وتلقين العابثين درسًا قاسيًا لن ينسوه.

شكرًا للمسئول الذي استيقظ من نومه وقرر، هكذا من تلقاء نفسه، تدمير أكبر مسرح تملكه هيئة قصور الثقافة.. لن أقول له "أوعي تعمل كده تاني" لأنه لن "يعملها" مرة أخري.. هو أو غيره!!

 

في‮ ‬مدينة‮ »‬مون لورييه‮« ‬الكندية جمعتني‮ ‬جلسة مع عمدة المدينة ميشيل أدريان،‮ ‬وجيل بواييه مدير المهرجان و»دوبل ديفي‮« ‬المسرحي‮ ‬الدولي‮.. ‬العمدة والمدير‮ ‬يتحدثان الفرنسية‮.. ‬ولذلك وحرصاً‮ ‬علي‮ ‬العلاقات الطيبة بين مصر وكندا اصطحبت معي‮ ‬صديقين من فرقة‮ »‬تواصل‮« ‬المصرية التي‮ ‬شاركت في‮ ‬المهرجان،‮ ‬المخرج أحمد حسين والمنسقة زهرة جلال‮.‬
الصديقان‮ ‬يتحدثان الفرنسية بطلاقة‮.. ‬وأنا أيضا أتحدثها ولكن بحماقة‮.. ‬أقول أي‮ ‬كلام وزي‮ ‬ما تيجي‮.. ‬ولأنه في‮ ‬كندا عاملونا بشكل محترم للغاية واحتفوا بنا كما لم‮ ‬يحتفوا بأي‮ ‬فرقة أخري،‮ ‬فقد حرصت أن‮ ‬يكون معي‮ ‬الصديقان حتي‮ ‬تمر الأمور بسلام ولا تقع حرب عالمية ثالثة تتسبب فيها لغتي‮ ‬الفرنسية الحمقاء‮.‬
قبل هذا اللقاء بيوم طلبت من مدير المهرجان موعداً‮ ‬لإجراء حوار لـ»مسرحنا‮«.. ‬ظننت أن الرجل سيطلب من سكرتيرته تحديد موعد واحنا وحظنا لأنه مشغول في‮ ‬المهرجان لشوشته‮.. ‬أو ربما اعتذر أصلاً‮.. ‬لكن الرجل فاجأني‮ ‬وكنا نقف في‮ ‬الشارع أمام مقر المهرجان‮. ‬قال تحب نجلس هنا أم ندخل مكتبي‮.. ‬قلت متي؟ قال الآن‮.. ‬هل لديك وقت أم أنك مشغول؟‮.. ‬ادعيت التواضع وقلت لست مشغولاً‮ ‬لمدة ساعة اتفضل ندخل مكتبك‮.‬
المهم إن جلسة العمدة والمدير والتي‮ ‬مرت بسلام بسبب وجود الصديقين أحمد وزهرة دارت حول المسرح المصري‮ ‬و»مسرحنا‮«.. ‬أبديا دهشتهما عندما تحدثنا عن عدد الفرق التي‮ ‬في‮ ‬مصر ونوعية العروض التي‮ ‬تقدمها‮.. ‬طبعا بالغناء قليلاً‮ ‬حتي‮ ‬نعطي‮ ‬صورة طيبة عن المسرح المصري‮.. ‬وانبسط الرجلان جداً‮ ‬وأبديا امتنانا للمعلومات التي‮ ‬زودناهما بهما عن مسرحنا المصري‮.‬
أما‮ »‬مسرحنا‮« ‬الجريدة‮.. ‬والتي‮ ‬اطلعا علي‮ ‬أعدادها العشرة الأخيرة‮.. ‬فقد كررا سؤالاً‮ ‬واحداً‮: ‬هل هي‮ ‬عن المسرح فقط‮.. ‬وهل تصدر بشكل أسبوعي‮ ‬فعلاً‮..‬؟ وعندما تكررت اجابتنا بنعم استغربا الأمر وقال العمدة،‮ ‬الذي‮ ‬عمل ممثلاً‮ ‬في‮ ‬شبابه،‮ ‬وبعد أن شرحنا له محتوي‮ ‬الجريدة،‮ ‬إن آخر شيء كان‮ ‬يتصوره أن تكون لمصر جريدة أسبوعية عن المسرح‮.. ‬وقال الرجل أيضا متداركا وحتي‮ ‬لا نفهمه خطأ،‮ ‬إن استغرابه ليس تقليلاً‮ ‬من قيمة وحجم مصر،‮ ‬فهو‮ ‬يتصور مثلاً‮ ‬أن‮ ‬يكون لدينا مجلة فصلية أو شهرية‮.. ‬لكن جريدة أسبوعية فهذا‮ ‬يدل علي‮ ‬اهتمام المسئولين في‮ ‬مصر بالمسرح وتقديرهم له وهذا شيء عظيم‮.‬
وأنا لم أعقب علي‮ ‬فكرة اهتمام المسئولين بالمسرح هذه‮.. ‬واكتفيت بايماءة تؤكد كلامه وقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬يا سلام لو اهتموا‮.. ‬ويا سلام لو كانوا معنا ولمسوا بأنفسهم مدي‮ ‬إعجاب الناس بتجربتنا في‮ »‬مسرحنا‮«.. ‬ويا سلام لو شاهدوا عرض‮ »‬الدرس‮« ‬الذي‮ ‬قدمته فرقة تواصل وقارنوا بينه وبين العروض الأخري‮ ‬التي‮ ‬مثلت‮ ‬25‮ ‬دولة لأدركوا أن لدينا صحافة مسرحية‮ ‬غير مسبوقة في‮ ‬العالم أجمع ومسرحا محترما لديه القدرة علي‮ ‬المنافسة في‮ ‬أي‮ ‬مهرجان دولي‮.. ‬ولا‮ ‬يحتاج فقط سوي‮ ‬اهتمام المسئولين‮.. ‬سواء كان هذا المسرح لفرق مستقلة أو هواة أو فرق جامعية أو أي‮ ‬فرق أخري‮.‬
أقول لك الحق إن ما سمعته من العمدة والمدير عن‮ »‬مسرحنا‮« ‬بقدر ما أسعدني‮ ‬فقد أحزنني‮.. ‬أما لماذا؟ فأحيلك إلي‮ ‬ايماءتي‮ ‬للعمدة بما‮ ‬يعني‮ ‬موافقتي‮ ‬علي‮ ‬اكتشافه أن المسئولين لدينا مهتمون بالمسرح‮.. ‬وسمعنا الصلاة علي‮ ‬النبي‮. ‬

 

عندما تقرأ هذا المقال أكون طرت قد إلي‮ ‬روسيا بصحبة شلة إسكندرانية‮ »‬بنت لذينة‮« ‬وربنا‮ ‬يستر ويعديها علي‮ ‬خير‮.. ‬يكفي‮ ‬أن من بينها فني‮ ‬الثغر الأول إبراهيم الفرن‮.. ‬وبقية أسماء فريق عرض‮ »‬القطة العميا‮« ‬أنت تعرفه وإذا لم تعرفه اتصل بالفرن‮ ‬يخبرك به وهذا رقمه‮ ‬01222351980‮ .‬
أجواء روسيا تعجبني‮ ‬وتناسبني‮.. ‬ذهبت إليها أكثر من مرة وأحببتها من أول نظرة‮.. ‬ولابد أن تكون أحبتني‮ ‬هي‮ ‬الأخري‮ ‬ولا تسألني‮ ‬من أين جاءتك هذه الثقة؟ تجربتي‮ ‬مع كل ما أحببت ومن أحببت تؤكد ذلك‮.‬
تعجبني‮ ‬روسيا وأجواؤها‮.. ‬لي‮ ‬فيها ذكريات جميلة لا تنسي‮.. ‬دعك من فتياتها ممشوقات القوام‮ .. ‬لا تناسبني‮ ‬فتيات روسيا الفاتنات‮.. ‬ليس بسبب فرق‮ »‬الأطوال‮« ‬طبعًا‮.. ‬هذا أمر لا‮ ‬يسبب لي‮ ‬أي‮ ‬عقدة أو حرج‮..  ‬قالوا له‮: ‬ما هذه الرائحة‮ ‬يا رجل ألا تستحم،‮ ‬فقال بثقة‮ ‬يحسد عليها‮ »‬إنها رائحتي‮ ‬وأنا فخور بها‮«..  ‬رجل مغفل طبعًا لكني‮ ‬مضطر لاستدعائه لأقول‮ »‬إنه طولي‮ ‬وأنا فخور به‮« ‬ثم أعلم أن‮ »‬العلم في‮ ‬الراس مش في‮ ‬الكراس‮« ‬ولا تسألني‮ ‬ما علاقة ذلك بموضوعنا‮.. ‬واعلم‮ - ‬مرة أخري‮ - ‬أن أغلب العظماء كانوا من قصار القامة‮ .. ‬وإن كنت قد صادفت مغفلين كثيرين كانوا‮ - ‬للأسف الشديد‮ - ‬من قصار القامة‮.. ‬وهذا أمر مربك والله‮.. ‬لكن لا تأخذ في‮ ‬بالك وأعلم‮ - ‬للمرة الثالثة‮ - ‬أنني‮ ‬زهقت من المسرح المصري‮ ‬الرسمي‮ ‬وقلت فرصة أشاهد نوعًا آخر من المسرح ونوعًا آخر من الباليه في‮ ‬مدينة الباليه الروسية‮ »‬بيرم‮«.. ‬مع إنني‮ ‬بصراحة،‮ ‬أحب الرقص الشرقي‮ ‬أكثر من الباليه وأحب البنت التي‮ ‬ترقص مع منير في‮ ‬كليب‮ »‬أقر أنا المذكور أعلاه‮« ‬أكثر مما أحب أبو تريكة ذات نفسه‮.. ‬أظنك الآن عرفت لماذا تناسبني‮ ‬أجواء روسيا ولا تناسبني‮ ‬فتياتها‮.. ‬عمومًا أرجو ألا أكون كمن‮ ‬يستجير من الرمضاء بالنار‮.. ‬يعني‮ ‬أرجو ألا‮ ‬يكون مهرجان بيرم المسرحي‮ »‬مقلب‮« ‬لأنه إذا طلع كذلك ممكن أترك مشاهدة المسرح وأنحرف‮!‬
اطمئن ليس الانحراف الذي‮ ‬في‮ ‬بالك‮.. ‬ليس لي‮ ‬في‮ ‬هذا الكلام الفارغ‮.. ‬ثم إنني‮ ‬مرتبط‮.. ‬أقصد مرتبط بمواعيد كثيرة مع أصدقاء مصريين وعرب‮.. ‬وأقصي‮ ‬شوط‮ ‬يمكن أن أقطعه علي‮ ‬طريق الانحراف هو الجلوس علي‮ ‬شاطئ نهر‮ »‬كاما‮« ‬الجميل أدخن وأدعو للعشاق بالتوفيق‮.. ‬كل العشاق طبعًا‮.. ‬الذين في‮ ‬روسيا والذين في‮ ‬مصر‮.‬
أما مصر التي‮ ‬أتركها أمانة في‮ ‬عنقك وأرجو أن تخلي‮ ‬بالك منها بجد فعليك إخبارها‮ - ‬لأنني‮ ‬مكسوف أقول لها بنفسي‮ - ‬أنني‮ ‬واخد علي‮ ‬خاطري‮ ‬منها وحزين لأجلها‮.. ‬فكلما ظننت أنها فاقت أفاجأ بها وقد أغمي‮ ‬عليها وهذا شيء محزن ومؤسف وبسببه ممكن أن أنحرف فعلاً‮ ‬في‮ ‬روسيا حتي‮ ‬أنسي‮.. ‬لكنه أيضًا ليس الانحراف الذي‮ ‬في‮ ‬بالك‮.‬
آخر مرة ذهبت فيها إلي‮ ‬المسرح قبل السفر أصابني‮ ‬الاكتئاب‮.. ‬ليس مهمًا أن تعرف إلي‮ ‬أي‮ ‬مسرح ذهبت‮.. ‬أهو مسرح وخلاص‮.. ‬المسرح كان خاليًا تمامًا من الجمهور‮.. ‬عشرة أفراد علي‮ ‬أقصي‮ ‬تقدير كانوا في‮ ‬الصالة الواسعة‮.. ‬كواليس المسرحية نفسها آخر عكننة‮.. ‬كله مختلف مع كله‮.. ‬كله‮ ‬يشكو كله‮.. ‬أما العرض نفسه فلا‮ ‬يشاهده أحد‮.. ‬وأنت لا تعرف علي‮ ‬أي‮ ‬شيء‮ ‬يتصارع الناس‮.‬
المسرح المصري‮ ‬الرسمي‮ ‬وضعه كارثي‮.. ‬وضع البلد كله كارثي،‮ ‬نعم‮.. ‬لكن أمراض المسرح وصراعاته وإخفاقاته في‮ ‬ظل الوضع الكارثي‮ ‬العام الذي‮ ‬نحياه الآن‮ ‬يمكن أن تقضي‮ ‬عليه تمامًا‮.. ‬هذه أفضل فرصة للمتربصين بالمسرح للانقضاض عليه والقضاء علي‮ ‬البقية الباقية منه‮.‬
المسرح المصري‮ ‬الرسمي‮ ‬في‮ ‬خطر‮.. ‬ولابد من إنقاذه علي‮ ‬وجه السرعة‮.. ‬ولابد من إنقاذي‮ ‬أنا أيضًا لأنني‮ ‬كلما تذكرت حال المسرح وأنا في‮ ‬غربتي‮ ‬فكرت فعلاً‮ ‬في‮ ‬الانحراف‮.. ‬وإن كنت أحمد الله أن طريقي‮ ‬إلي‮ ‬الانحراف مسدود مسدود‮.. ‬لأنني‮ ‬مرتبط‮.. ‬اسألني‮ ‬عندما أعود‮ »‬مرتبط بمين‮« ‬وكن علي‮ ‬ثقة أنك لن تحصل علي‮ ‬إجابة تريحك‮!!‬

 

كانت المرة الأولي‮ ‬التي‮ ‬اصطحب فيها بناتي‮ ‬لمشاهدة عرض مسرحي‮ ‬للأطفال‮.. ‬وللأسف كانت الأخيرة‮.‬
قبل هذه المرة تكفلت المدرسة بتدمير علاقتهن بالمسرح‮.. ‬المدرسة اسمها‮ »‬كلية السلام‮« ‬وتقع عند إشارة روكسي‮ ‬لمن‮ ‬يريد أن‮ ‬يقدم شكوي‮ ‬ضدها‮.. ‬نظمت أكثر من رحلة إلي‮ ‬مسرح الحديقة الدولية لمشاهدة عروض مسرحية تنتجها فرق‮ »‬بير السلم‮« ‬وتسوقها لدي‮ ‬المدارس التي‮ ‬يبدو أنها لا تدقق كثيرًا،‮ ‬أو حتي‮ ‬قليلاً،‮ ‬في‮ ‬العروض التي‮ ‬تدعو تلاميذها إلي‮ ‬مشاهدتها‮.‬
المهم أنني‮ ‬أقنعت بناتي‮ ‬بأن العرض الذي‮ ‬سنذهب إليه من إنتاج مسرح الدولة وسوف‮ ‬يعجبهن جدًا‮.. ‬ذهبنا وكان ما كان‮.. ‬أصيبت البنات بصدمة سواء من حيث الفكرة التي‮ ‬يدور حولها العرض أو من حيث مستوي‮ ‬الديكورات والملابس والأقنعة والعرائس‮.. ‬وعلقت أصغرهن وكانت في‮ ‬KG2‮ ‬قائلة‮: »‬هذا عرض تافه‮«.. ‬ومن‮ ‬يومها لم تذهب أي‮ ‬واحدة منهن إلي‮ ‬المسرح رغم الإغراءات الرهيبة التي‮ ‬أقدمها لمن تقل عقلها وتأتي‮ ‬معي‮ ‬إلي‮ ‬المسرح‮!‬
وأنا‮ - ‬باعتباري‮ ‬دقة قديمة‮ - ‬لم أدرك أن الأطفال في‮ ‬سن بناتي‮ ‬وقتها تجاوزوا مثل هذه العروض بمسافات شاسعة‮.. ‬فالنت أمامهم،‮ ‬وفضاءيات الأطفال عربي‮ ‬وأجنبي‮ ‬شغالة‮ ‬24‮ ‬ساعة‮ ‬يوميًا بما‮ ‬يتيح لهم عالمًا جديدًا‮ ‬غير الذي‮ ‬نعرفه تمامًا‮.. ‬بسلبياته وإيجابياته طبعا‮.. ‬لكنه عالم في‮ ‬غاية الثراء والإبهار‮.. ‬والأهم أنه‮ ‬يحترم ذكاءهم‮.‬
لماذا أحدثك في‮ ‬هذا الموضوع الآن؟ أحدثك لأنني‮ ‬علمت أن هيئة قصور الثقافة قررت ألا تزيد ميزانية أي‮ ‬عرض للأطفال عن‮ ‬20‮ ‬ألف جنيه وهو مبلغ‮ ‬لا‮ ‬يفي‮ ‬حتي‮ ‬بشراء نص جيد ومحترم نقدمه للأطفال‮.. ‬فما بالك ببقية العناصر من إخراج وتمثيل وديكور وموسيقي‮ ‬وعرائس وخلافه‮.‬
المشكلة أننا نتعامل مع الطفل الآن كما لو أنه هو نفس طفل الخمسينيات والستينيات الذي‮ ‬تبهره عروض الحاوي‮ ‬والأراجوز‮.. ‬وقصص الأرنب الغضبان،‮ ‬والبطة السوداء،‮ ‬وعادل‮ ‬يزرع الفول وسعاد تأكله‮.. ‬عندما طوروا التعليم استبدلوا أمل وعمر بعادل وسعاد‮.‬
كارثة أن نعتبر عروض الطفل درجة ثالثة ونحدد لها ميزانية لا تتجاوز‮ ‬20‮ ‬ألف جنيه باعتبار أن الأطفال في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬عمل بسيط‮ ‬يسليهم ويضحكهم‮.. ‬وأن الشاطرة تغزل برجل حمار وتكفي‮ ‬الـ‮ ‬20‮ ‬ألف جنيه تمامًا لإنتاج العرض‮.. ‬وربما‮ ‬يتبقي‮ ‬منها مبلغ‮ ‬ننتح به عرضًا آخر للذين في‮ »‬BB. Clas‮«.‬
لا أعرف‮ - ‬صراحة‮ - ‬من صاحب هذا القرار العجيب وان كنت استبعد أن‮ ‬يكون رئيس الهيئة‮.. ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬يفعلها‮.. ‬الرجل شاعر ومثقف ويعرف تمامًا أهمية ربط الأطفال بالمسرح‮.. ‬ويعرف أن هذا الربط لن‮ ‬يتم بعشرين ألف جنيه‮.. ‬بل تلزمه ميزانيات ضخمة حتي‮ ‬نستطيع إنتاج عرض مسرحي‮ ‬ينافس الوسائط الأخري‮ ‬التي‮ ‬تستحوذ علي‮ ‬اهتمام الأطفال‮.‬
ليس مهما‮ - ‬إذا كانت الميزانيات في‮ ‬الهيئة لا تسمح‮ - ‬أن ننتج عشرين عرضًا للأطفال كل عام‮.. ‬خمسة عروض بميزانيات جيدة أفضل بكثير‮.. ‬ولنجعل هذه العروض تتجول في‮ ‬أقاليم مصر خلال إجازة الصيف مثلاً‮.. ‬أما توزيع الميزانية علي‮ ‬عدد كبير من العروض‮.. ‬فسوف تكون نتيجته عروضًا ضعيفة وفاشلة تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬طفشان الأطفال من المسرح‮.. ‬وتصيب من‮ ‬يذهب منهم بالتخلف العقلي‮.. ‬ومصر مش ناقصة وأعتقد أن رئيس الهيئة بيحب مصر‮!!‬

 

بعد شبرا مباشرة تأتي‮ ‬الإسكندرية كواحدة من أحب المدن إلي‮ ‬قلبي‮.. ‬شبرا هي‮ ‬أعظم مكان في‮ ‬العالم‮.. ‬الأسباب كثيرة وتحتاج إلي‮ ‬مجلدات لشرحها وأظنك مش فاضي‮.. ‬اخطف رجلك إلي‮ ‬هناك لتري‮ ‬بنفسك وتدعو لي‮.‬
أما الإسكندرية فهي‮ ‬مدينتي‮ ‬الساحرة الملهمة‮.. ‬بالمناسبة أنا لست من عشاق الكورنيش‮.. ‬إسكندريتي‮ ‬في‮ ‬الحواري‮ ‬والأزقة‮.. ‬الناس الذين بعبلهم‮.. ‬تستطيع أن تقول‮ »‬الدم‮ ‬يحن‮«.‬
ذهبت إلي‮ ‬الإسكندرية للمشاركة في‮ ‬ندوات مهرجان التذوق المسرحي‮ »‬مسرح بلا إنتاج‮«.. ‬فرحت بالمهرجان ولم أفرح‮ - ‬لأول مرة في‮ ‬حياتي‮ - ‬بالإسكندرية كنت مشغولاً‮ ‬عنها بأشياء أخري‮.. ‬فكرني‮ ‬أذكرها لك في‮ ‬نهاية العالم‮.‬
البهجة الحقيقية كانت في‮ ‬المهرجان‮.. ‬بسم الله ما شاء الله شبان وبنات‮ ‬يملأون مسرح ليسية الحرية كل ليلة‮.. ‬وشبان وبنات زي‮ ‬الورد‮ ‬يقدمون عروضًا جميلة ومتقنة وتشرح القلب‮.. ‬العروض السكندرية التي‮ ‬شاهدتها في‮ ‬المهرجان كانت عروضًا بنكهة الإسكندرية فعلاً‮.. ‬الشباب هناك قطعوا شوطًا طويلاً‮ ‬نحو ما‮ ‬يمكن تسميته بالمسرح السكندري‮.. ‬إسكندرية مدينة مسرح‮.. ‬بل تستطيع وأنت مطمئن أن تعتبرها مدينة المسرح الأولي‮ ‬في‮ ‬مصر الآن‮.. ‬هناك طاقات لا حصر لها في‮ ‬هذه المدينة الفاتنة‮.. ‬والأجمل هو الجمهور‮.. ‬كثيرًا ما نشاهد مهرجانات في‮ ‬القاهرة بلا جمهور أصلاً‮.. ‬في‮ ‬الإسكندرية الجمهور حاضر بكثافة‮ ‬غريبة‮.. ‬فاهم ومتفاعل مع العروض ومشارك كذلك في‮ ‬الندوات‮.. ‬حركة المسرح في‮ ‬الإسكندرية التي‮ ‬تقوم،‮ ‬في‮ ‬أغلبها،‮ ‬علي‮ ‬مجهودات الهواة الذين‮ ‬يدفعون من جيوبهم لأجل المسرح،‮ ‬تحتاج إلي‮ ‬رعاية أكثر واهتمام أكثر‮.. ‬تحتاج إلي‮ ‬إعلام‮ ‬يقدر قيمة ما‮ ‬يحدث في‮ ‬هذه المدينة‮.. ‬لم أشاهد في‮ ‬المهرجان لا صحفيين ولا كاميرات تليفزيونية ولا أي‮ ‬شيء من هذا القبيل‮.. ‬الإعلام في‮ ‬الإسكندرية‮ - ‬مثل القاهرة طبعًا‮ - ‬كسول وكاره للفن والثقافة عمومًا‮.‬
لم‮ ‬يكن التجاهل الإعلامي‮ ‬هو اللافت للنظر فقط في‮ ‬هذا المهرجان‮.. ‬هيئة قصور الثقافة نفسها التي‮ ‬يعقد المهرجان تحت رعايتها وينظمه قصر التذوق التابع لها،‮ ‬بدت كأن المهرجان لا‮ ‬يعنيها في‮ ‬شيء‮.. ‬لم أشاهد أي‮ ‬مسئول في‮ ‬المهرجان‮. ‬لا مدير التذوق ولا مدير القصور المتخصصة ولا أي‮ ‬موظف من العلاقات العامة حتي‮ ‬يرحب بالضيوف الذين‮ ‬يكفي‮ ‬وجود واحد منهم فقط في‮ ‬أي‮ ‬مكان لحشد العديد من المسئولين والموظفين‮.. ‬لكن تقول إيه‮.. ‬لولا الجهد الذي‮ ‬بذله الصديق المخرج د‮. ‬جمال‮ ‬ياقوت رئيس المهرجان والشباب المعاونون له ما كان لهذا المهرجان أن‮ ‬يخرج بهذا الشكل المبهر عروضًا وتنظيمًا وإقبالاً‮ ‬جماهيريًا‮.. ‬وكذلك الصديق المخرج حسين مليس المشرف العام علي‮ ‬مسارح الإسكندرية الذي‮ ‬بذل هو ومعاونوه جهودًا كبيرة من أجل إنجاح المهرجان‮.‬
حتي‮ ‬الدروع والميداليات التي‮ ‬طلبها المهرجان لتوزيعها علي‮ ‬الفائزين،‮ ‬الذين لا‮ ‬يحصلون علي‮ ‬أي‮ ‬مقابل مادي،‮ ‬لم تستجب الهيئة واكتفت تقريبًا بشهادات تقدير‮.. ‬مع إن الهيئة لديها العديد من الدروع والميداليات التي‮ ‬كان بإمكانها أن تسعد بها هؤلاء الشباب الموهوبين الذين‮ ‬يعملون بروح الهواية‮ ‬غير عابئين بأي‮ ‬مقابل مالي‮.‬
ليس مطلوبًا أن‮ ‬يحضر رئيس الهيئة المهرجان مع إن حضوره كان سيسعد الشباب المشاركين ويعطي‮ ‬للمهرجان المزيد من الثقل،‮ ‬لكن علي‮ ‬الأقل كان‮ ‬يجب حضور مدير القصور المتخصصة أو حتي‮ ‬مدير التذوق‮ - ‬لم‮ ‬يحضر أحد وتجاهلوا جميعًا المهرجان‮ - ‬مع إن هيئة قصور الثقافة‮ ‬يجب أن تفخر بمثل هذا المهرجان المهم الذي‮ ‬أفرز عشرات الموهوبين‮.. ‬وهو في‮ ‬ظني‮ ‬أهم وأقوي‮ ‬وأكثر نجاحًا من معظم المهرجانات المسرحية التي‮ ‬تنظمها الهيئة وتنفق عليها بشكل جيد‮.. ‬علمت أن ميزانية المهرجان لم تتجاوز‮ ‬30‮ ‬ألف جنيه وهو رقم هزيل جدًا مقارنة بجدوي‮ ‬المهرجان وفائدته‮.‬
وعلمت،‮ ‬كذلك،‮ ‬أن شباب المهرجان اقترحوا إقامته في‮ ‬الأعوام القادمة بعيدًا عن إشراف الهيئة وهو أمر لو تم سيكون خسارة كبيرة للهيئة التي‮ ‬من أهم أدوارها اكتشاف المبدعين ورعايتهم‮.. ‬وليس إهمالهم وعدم الاستجابة لأبسط مطالبهم‮.‬

الصفحة 15 من 17
You are here