اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
مجرد بروفة

مجرد بروفة (234)

 

لدينا في‮ ‬مسرحنا أربع صفحات مخصصة لعرض الكتب‮.. ‬كنا متفاءلين بأننا سنعثر كل أسبوع علي‮ ‬مادة تغطي‮ ‬هذه الصفحات‮.. ‬لكن طلع‮ »‬نقبنا علي‮ ‬شونة‮«.. ‬في‮ ‬البداية لجأنا إلي‮ ‬عرض الكتب القديمة‮.. ‬مع أن الباب مخصص لعرض أحدث الإصدارات‮.. ‬قلنا لا بأس من المهم أن نعيد عرض الكتب التي‮ ‬صدرت منذ الستينيات وحتي‮ ‬الآن كنوع من التوثيق،‮ ‬وكذلك تنشيط الذاكرة‮.‬
عرضنا الكثير من الكتب لنلفت نظر المهتمين إليها‮.. ‬وأعتقد أن أحدًا لم‮ ‬يلتفت نظره‮.. ‬بعدها لم نجد ما نعرضه‮.. ‬خلاص بح‮.. ‬هل نقفل الصفحات أو ننقل الجريدة كلها ونريح ونستريح‮.. ‬قلنا لا بأس نعرض الكتب الأدبية‮: ‬روايات‮.. ‬دواوين شعر‮.. ‬مجموعات قصصية وكتب المسرح إذا وجدت‮.. ‬ثم إن الروائيين والشعراء بعرض كتبهم في‮ ‬جريدة للمسرح من شأنه أن‮ ‬يجذبهم إلي‮ ‬هذا العالم‮.. ‬وهو ما تحقق بالفعل حيث اقترب بعضهم من المسرح وبدأوا الكتابة فيه‮.. ‬نقدًا أو إبداعًا‮.. ‬وهذا شيء جميل‮ ‬يجدد طاقة المسرح في‮ ‬بلادنا‮.. ‬أثره طبعًا لن‮ ‬يظهر بين‮ ‬يوم وليلة‮.. ‬المسألة محتاجة وقتًا‮.‬
لم نخلص من الإخوة المسرحيين‮.. ‬بعضهم قال إننا انحزنا إلي‮ ‬أصلنا‮.. ‬باعتبار رئيس التحرير شاعرًا فلابد أن‮ ‬ينحاز إلي‮ ‬فصيله‮.. ‬وهذا كلام فارغ‮ ‬طبعًا‮.. ‬فالسبب والغرض أوضحته لسعادتك في‮ ‬السطور السابقة‮.. ‬هذا ليس انحيازا ولكنه اضطرار ثم وجدنا أنه أفضي‮ ‬بنا إلي‮ ‬شيء جيد ومفيد وقررنا الاستمرار فيه‮.‬
تمنيت أن نجد كتابًا أو كتابين كل أسبوع عن المسرح‮.. ‬لدينا حركة مسرحية بغض النظر عن مستواها تتطلب العديد من الاجتهادات سواء من خلال النقد التطبيقي‮ ‬أو من خلال التنظير أو من خلال الترجمة‮.. ‬لكن ماذا نفعل في‮ ‬كسل المسرحيين‮.. ‬لو أعددنا من‮ ‬يقومون بالتدريس في‮ ‬المسرح في‮ ‬المعهد العالي‮ ‬للفنون المسرحية أو في‮ ‬أقسام المسرح بالكليات المختلفة لوصلوا إلي‮ ‬أكثر من‮ ‬300‮ ‬أستاذ جامعي‮.. ‬أضف إليهم المهتمين بالمسرح من نقاد ومبدعين خارج أسوار الجامعة‮.. ‬كل هؤلاء لديهم أوراق وأقلام،‮ ‬ولديهم،‮ ‬وهذا هو الأهم،‮ ‬أفكار‮.. ‬لكنهم لا‮ ‬يكتبون‮.. ‬وتلك هي‮ ‬المشكلة‮.‬
يحتاج المسرح المصري،‮ ‬في‮ ‬موازاة عروضه التي‮ ‬تنهال علينا من كل جانب،‮ ‬إلي‮ ‬كتابات تتابع وتنظر وتثقف‮.. ‬كم كتابًا لدينا في‮ ‬الديكور‮.. ‬كم كتابًا لدينا في‮ ‬النقد‮.. ‬كم كتابًا لدينا في‮ ‬فن الممثل؟ عد‮ ‬غنماتك‮ ‬يا جحا‮.. ‬فمتي‮ ‬ينشط كتابنا وأكاديميونا؟‮ .. ‬انشطوا وسوف نبيع الروائيين والشعراء في‮ ‬ثوان‮.. ‬فجحا أولي‮ ‬بلحم ثوره‮.. ‬المسرحيون أولي‮ ‬بمسرحنا‮.. ‬بعيدًا عن المثل الشعبي‮ ‬فلا هم جحا ولا نحن ثوره‮!!‬

 

لنفترض مثلاً‮ ‬أنني‮ ‬أصدرت ديوانًا شعريًا أو نصًا مسرحيًا أو كتابًا من أي‮ ‬نوع،‮ ‬وجاء كاتب صهيوني‮ ‬أو شاذ أو أي‮ ‬حاجة وحشة‮ ‬يعني‮ ‬وأشاد بهذا الكتاب،‮ ‬هل تعتبرني‮ ‬سعادتك،‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة صهيونيًا أو شاذًا أو أي‮ ‬حاجة وحشة لا سمح الله‮ .. ‬لو اعتبرتني‮ ‬كذلك تبقي‮ ‬راجل مغفل وسوف أعمل لك‮ »‬بلوك‮«.‬
ما ذنبي‮ ‬أنا في‮ ‬إشادة مثل هذا الناقد،‮ ‬بعمل لي،‮ ‬وما قدرتي‮ ‬علي‮ ‬منعه من الكتابة عني‮.. ‬أليست القراءة للجميع؟ فلماذا لا تكون الكتابة للجميع إذن؟
ولقد هللت جزيرة حي‮ ‬قطر عندما عرضت لقطة لمواطن في‮ ‬التحرير‮ ‬يرفع صورة السيسي‮ ‬مع صورة مبارك‮.. ‬لم أشاهد اللقطة لكن أصدقائي‮ ‬من المتعاطفين مع الإخوان عايروني‮ ‬بها،‮ ‬واعتبروها مشهدًا مسرحيًا بامتياز‮ ‬يؤكد أن السيسي‮ ‬سيكون صورة طبق الأصل من مبارك‮.. ‬شوف إزاي؟‮!‬
وبغض النظر عن أن هذه اللقطة حقيقية أم مفبركة فليس ذنب السيسي‮ ‬أو من‮ ‬يؤيدون السيسي‮ ‬أن مواطنًا متخلفًا رفع صورته مع صورة مبارك‮.. ‬وأعتقد أن هذا المواطن‮ - ‬لو كان رفعها فعلاً‮ - ‬قد نال من التهزيئ ما‮ ‬يكفيه طوال عمره‮.. ‬ثم إن الميدان كان مفتوحًا للجميع ولا أحد‮ ‬يستطيع منع مواطن من دخوله كما تدعي‮ ‬الجزيرة الكاذبة‮.‬
يقول أحدهم إن بعضًا ممن‮ ‬يؤيدون ثورة‮ ‬30‮ ‬يونيو ويؤيدون السيسي‮ ‬معروف أنهم انتهازيون وفلول وفاسدون فكيف تضع نفسك مع هؤلاء‮.. ‬وهو نفس منطق‮ »‬شوفت الراجل اللي‮ ‬رفع صورة مبارك‮«.. ‬كل واحد متعلق من عرقوبه‮.. ‬وكل واحد‮ ‬يؤيد لأسباب تخصه ويراها موضوعية‮.. ‬يكفي‮ ‬أن الجميع اتفق علي‮ ‬أن جماعة الإخوان جماعة إرهابية وغير جديرة بحكم مصر‮.. ‬صحيح لها مؤيدون ولكن أغلبهم من المغرر بهم ويكفي‮ ‬أنهم‮ ‬يهتفون في‮ ‬مظاهراتهم‮ »‬بالروح والدم نفديك‮ ‬يا إسلام‮« ‬وكأن من لا‮ ‬يؤيد ارهاب الإخوان ليس مسلمًا‮.. ‬كما‮ ‬يهتفون ويدعون إلي‮ ‬هدم الجيش‮.. ‬هكذا مرة واحدة باعتباره جيش الأعداء ولتتولي‮ ‬قطر أو حماس حماية مصر‮.‬
لا‮ ‬يعنيني‮ ‬نوعية من‮ ‬يؤيدون ثورة‮ ‬30‮ ‬يونيو ويؤيدون ترشح السيسي‮ ‬للرئاسة،‮ ‬ما‮ ‬يعنيني‮ ‬هو اتفاقهم علي‮ ‬أن الإخوان إرهابيون وأنهم خرجوا من الحياة السياسية إلي‮ ‬الأبد إلا من تاب منهم ولم تلوث‮ ‬يداه بالدماء‮.‬
السؤال الذي‮ ‬يشغلني‮ ‬حقًا عندما أشاهد الجزيرة وأكاذيبها وأصادف من‮ ‬يصدقها من البسطاء والمغرر بهم،‮ ‬أين المسرح من كل ذلك‮.. ‬أين دوره في‮ ‬توعية الناس‮.. ‬ستقول إن دور المسرح أكبر من ذلك‮.. ‬وأقول إن المسرح إذا لم‮ ‬يقم بدوره في‮ ‬التوعية في‮ ‬هذه اللحظة التاريخية الفارقة فمن الأفضل له ولنا أن‮ ‬يغلق أبوابه ويوفر ما‮ ‬ينفقه علي‮ ‬عروض تافهة لأغراض أكثر أهمية‮.‬
التوعية السياسية والدينية إذا جاءت في‮ ‬إطار الفن والتزمت بشروطه‮ ‬يمكن أن تنهض بالمسرح وتجعله أكثر اقترابًا من الناس‮.. ‬يحتاج المواطن الآن إلي‮ ‬عروض مسرحية ناضجة فيها من الفن والمتعة والتسلية والتوعية ما‮ ‬يفيده ويطور وعيه وينقذه من بين براثن وسائل الإعلام الملطوطة والتي‮ ‬لا تعرف سوي‮ ‬الكذب والتضليل‮.. ‬والنبي‮ ‬بلاش التعالي‮ ‬علي‮ ‬الناس‮.. ‬الأمر لا‮ ‬يحتمل الفذلكة والادعاءات الفارغة‮.‬

 

وما مصر إلا مجموعة لجان‮.. ‬عندك لجان ما أنزل الله بها من سلطان‮.. ‬للشعر والقصة والنقد والمسرح وكافة شيء‮.. ‬وأنت إذا سألت شاعرًا أو قاصًا أو مسرحيًا أو ناقدًا ماذا فعلت لك لجنتك المحترمة؟ سيجيبك فورًا‮ ‬يا راجل عيب إحنا إخوات‮.. ‬وهي‮ ‬إجابة سريالية لا علاقة لها بأي‮ ‬شيء‮.. ‬تشبه إجابة واحد اسمه الشرقاوي‮ ‬يسألونه عن أحوال الطقس فيجيب بأنه تم اغتيال السيسي‮ ‬في‮ ‬قاعدة بحرية في‮ ‬الإسكندرية‮!!‬
دعك من لجان القصة والشعر والنقد فقد قلنا فيها من‮ »‬المنقي‮ ‬يا خيار‮« ‬وخليك في‮ ‬لجنة المسرح‮.. ‬ماذا قدمت هذه اللجنة للمسرح منذ إنشائها قبل مائة وخمسين عامًا من الآن؟ أعتقد لا شيء قدمته هذه اللجنة أو ستقدمه‮.. ‬وأعتقد أيضًا أن الحياة‮ ‬يمكن أن تستمر وتتزوج البنات وينجبن وينكدن علي‮ ‬أزواجهن‮.. ‬ويتزوج الشباب ويلعنون اليوم الذي‮ ‬ولدوا فيه‮.. ‬لكن الحياة تستمر دون أن‮ ‬يؤثر عدم وجود اللجنة سلبا أو إيجابًا في‮ ‬استمراريتها ونكد الزوجات ولعنات الأزواج‮.‬
ليس ذلك والله طعنًا في‮ ‬كفاءة أعضاء اللجنة ومكانتهم الإبداعية والنقدية والعلمية والمعملية‮.. ‬جميعهم علي‮ ‬راسي‮ ‬من فوق‮.. ‬لكن ما سلطتهم علي‮ ‬المسرح المصري‮.. ‬ما أفكارهم التي‮ ‬وضعوها لتطوير وتفعيل الحركة المسرحية في‮ ‬أرجاء مصر المحروسة كافة‮.. ‬وحتي‮ ‬إذا كانت هناك أفكار‮.. ‬وأثق أن أغلبهم مفكرون استراتيجيون‮.. ‬ما آلية تنفيذ هذه الأفكار وهل هي‮ ‬ملزمة لجهات الإنتاج المسرحي؟‮. ‬الذي‮ ‬أعرفه مثلا أن هيئة قصور الثقافة لديها ما‮ ‬يسمي‮ ‬بفرق القوميات وفرق القصور وفرق البيوت‮.. ‬والثابت أنها ما هي‮ ‬إلا مسميات‮.. ‬فالآلية واحدة ونمط الإنتاج واحد‮.. ‬هل فكرت لجنة المسرح الموقرة في‮ ‬اختراع جديد‮ ‬يجعل هناك تمايزًا ولو نسبيًا بين هذه وتلك‮.. ‬هل إذا فكرت واخترعت سوف تستجيب الثقافة الجماهيرية؟
نفس الأمر‮ ‬ينطبق علي‮ ‬مسرح الدولة‮.. ‬هل فكرت لجنة المسرح في‮ ‬آلية مختلفة لنمط الإنتاج في‮ ‬هذا المسرح‮.. ‬هل بحثت في‮ ‬أسباب انصراف الجمهور عنه‮.. ‬هل حتي‮ ‬فكرت في‮ ‬إلزام مسرح الدولة بأن‮ ‬يقدم عروضه في‮ ‬توقيتات مبكرة نسبيًا حتي‮ ‬يستطيع المواطنون الغلابة والفتيات والسيدات من الأماكن النائية في‮ ‬القاهرة الكبري‮ ‬ارتياد هذه المسارح‮.. ‬هل‮ ‬يعقل أن تنتهي‮ ‬بعض عروض مسرح الدولة ونحن في‮ ‬عز الشتاء بعد منتصف الليل وتوقف حركة مترو الأنفاق؟‮!‬
ما أقوله ليس ترفًا وليس شيئًا هينًا أو تافها لا‮ ‬يصح أن‮ ‬ينشغل به المفكرون في‮ ‬لجنة المسرح‮.. ‬فحكاية المواعيد هذه معمول بها في‮ ‬كل دول العالم المحترمة‮.. ‬وهي‮ ‬جزء من أزمة المسرح لدينا لأن مفهومنا عن مرتادي‮ ‬المسارح أنهم‮ »‬ناس فاضية‮«.‬
هناك الكثير من الأمور التي‮ ‬يجب أن تنشغل بها لجنة المسرح إذا أرادت أن تكون فاعلة حقًا ولها دور في‮ ‬دفع عجلة المسرح إلي‮ ‬الأمام‮.. ‬وهناك كذلك ضرورة لأن‮ ‬يمنح وزير الثقافة هذه اللجنة صلاحيات تمكنها من لعب دورها بدءًا من مشاركتها في‮ ‬اختيار قيادات المسرح ومرورًا بوضع آليات جديدة لعمل المسارح وإلزامها بإعلان خطتها لمدة عام علي‮ ‬الأقل،‮ ‬وكذلك تحديد مواعيد عروضها بما‮ ‬يتناسب مع ظروف الناس،‮ ‬وانتهاء بوضع خطط بعيدة المدي‮ ‬لتطوير العملية المسرحية برمتها،‮ ‬والاهتمام بالفرق المستقلة ودعم الجاد منها،‮ ‬وكذلك الهواة وفرق الجامعات والمسرح المدرسي‮ ‬وغيره‮.. ‬هل التفتت هذه اللجنة للمسرح المدرسي؟
أعتقد أن الأعضاء الموقرين لو التفتوا فقط للمسرح المدرسي‮ ‬لقدموا خدمة مهمة وتاريخية للمسرح المصري‮.. ‬المشكلة أنهم لا‮ ‬يلتفتون‮.. ‬والمشكلة أننا نلتفت إلي‮ ‬أدائهم ونردد كفاية حرام‮.. ‬الحياة أحلي‮ ‬بدون لجنة المسرح ولجنة السينما ولجنة كفالة الأيتام‮!‬

 

انهالت علي‮ ‬رأس أمي‮ ‬مكالمات الهاتف المحمول والأرضي‮ ‬ورسائل الفيس بوك والتوك توك والأساتوك‮: ‬كيف بالله عليك‮ ‬يا رجل تشيد بعرض محمد رمضان‮.. ‬ألم تر أن الميزانسين ضايع‮.. ‬ألم تر كيف انحرف المسرح عن جادة الصواب‮.. ‬ألم تر كيف أنه استهدف جمهورًا بيئة‮.. ‬كيف‮ - ‬ثكلتك أمك‮ - ‬ترضي‮ ‬بأن تطأ أقدام هؤلاء تلك البقعة المقدسة من أرض العتبة‮.. ‬هل ترضي‮ ‬علي‮ ‬أختك أو بنتك أو أمك أن تظهر بفستان تحت الركبة كما فعلت دنيا عبد العزيز عاكسة مفهومها للمسرح‮.. ‬يا للهول لقد أتيت إثما لا‮ ‬يغتفر وعليك أن تعلن براءتك من هذا العرض وتنفض‮ ‬يدك من الجريمة التي‮ ‬اقترفتها‮.. ‬أين جديتك وكيف لرئيس تحرير جريدة رصينة تتوجه إلي‮ ‬النخبة أن‮ ‬يكتب بهذه الطريقة‮.. ‬ثم كيف تظهر صورتك وأنت ترتدي‮ ‬تيشرت‮.. ‬أين البدلة والكرافتة أيها الصايع؟‮!‬
ولقد تلقيت في‮ ‬المقابل برقيات عديدة من هيئة الصرف الصحي‮ ‬تشكرني‮ ‬فيها علي‮ ‬مساهمتي‮ ‬في‮ ‬تخفيف الضغط علي‮ ‬الشبكات حيث أصيب معظم المعترضين بالإمساك نتيجة ضياع الميزانسين وانحرافه‮.‬
وأنت إذا جئت للجد بقي‮ ‬فلابد أن تعترف أن مشكلة المثقفين هي‮ ‬نفس مشكلة الشيخ حسني‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬الكيت كات‮« ‬المأخوذ عن رواية‮ »‬مالك الحزين‮« ‬لصديقي‮ ‬الراحل الأديب الكبير إبراهيم أصلان‮.. ‬كان الشيخ حسني‮ ‬أعمي‮ ‬ولا‮ ‬يصدق أنه أعمي‮.. ‬تلك هي‮ ‬المشكلة‮.‬
لقد ابتعدنا عن الناس وتسببنا في‮ ‬تطفيشهم بسبب عمانا هذا‮.. ‬عمانا عن احتياجاتهم‮ .. ‬ظللنا نردد كلامًا ملغزًا وملتبسًا دون إدراك أننا نتعامل مع شعب نسبة الأمية فيه أكثر من‮ ‬40‮ ‬٪‮ ‬ونسبة الأمية الثقافية أكثر من‮ ‬90‮ ‬٪‮ .. ‬وظللنا نرهب كل من تسول له نفسه كتابة قصة أو قصيدة أو مسرحية‮ ‬يفهمها الناس‮.. ‬أقمنا مباريات في‮ ‬الغموض‮.. ‬كلما كنت‮ ‬غامضًا وملتبسًا كلما كنت مبدعًا ما بعد حداثيًا‮.. ‬والنتيجة أننا أصبحنا نكتب لأنفسنا ونعرض لأنفسنا‮.. ‬تركنا الناس نهبًا لتجار الدين وأصحاب توكيلات الحق الإلهي‮.. ‬أصبحنا منبوذين كما لو كان الجرب قد أصابنا‮.‬
إذا أردنا استعادة دورنا وفاعليتنا علينا مراجعة أنفسنا وطرح الأسئلة عليها‮.. ‬ما دورنا الآن تحديدًا‮.. ‬هل من المفروض أن ننرل للناس ونأخذ بأيديهم أم نظل في‮ ‬أبراجنا العاجية باعتبارنا كائنات منقرضة؟
أما ميزانسين عرض‮ »‬رئيس جمهورية نفسه‮« ‬الذي‮ ‬رآه أحد النقاد ضائعًا فلا بأس هناك محل في‮ ‬العتبة قريب من مسرح متروبول‮ ‬يبيع الميزانسين الطازة‮. ‬أرجو من سامح بسيوني‮ ‬أن‮ ‬يتوجه إليه‮.. ‬وياريت‮ ‬يكون معاه جركن محكم الغلق‮.. ‬عشان ما‮ ‬يخرش ميزانسين‮!!‬

 

‮أظن أن ناقدًا حاذقًا‮ - ‬من الحذق عند دخول الحمام‮ ‬يعني‮ - ‬سيتعامل مع عرض‮ »‬رئيس جمهورية نفسه‮« ‬من فوق‮.. ‬وسيضرب فيه قلمه مشرحًا أمه ومشرشحًا عائلته كلها بدءًا من خالته ومرورًا بعمته وانتهاء بالحاجة ذات نفسها مشردًا الأسرة الكريمة ومنكلاً‮ ‬بها وفاضحًا لها علي‮ ‬رءوس الأشهاد‮.‬
دعك من التربص‮.. ‬ودعك كذلك من استعراض العضلات النقدية مع عرض من هذه النوعية لا‮ ‬يدعي‮ ‬أنه‮ ‬يُحدث فتحًا في‮ ‬تاريخ المسرح المصري‮ ‬أو‮ ‬يأتي‮ ‬بما لم‮ ‬يأت به الأولون‮.. ‬فهو عرض‮ ‬يعرف سكته ويعرف إلي‮ ‬من‮ ‬يتوجه ويدرك صناعه مقصدهم تمامًا‮.. ‬المهم الوسيلة التي‮ ‬ذهبوا بها والهيئة التي‮ ‬ذهبوا عليها‮.. ‬هل ذهبوا علي‮ ‬توك توك في‮ ‬هيئة أراجوزات‮.. ‬أم في‮ ‬وسيلة أشيك وهيئة مواطنين طبيعيين‮ ‬يحترمون أنفسهم وجمهورهم‮.‬
أقول لك الحق إنني‮ ‬ذهبت إلي‮ ‬العرض حاملاً‮ ‬قرن‮ ‬غزال‮ - ‬حظي‮ ‬أن اللجان الليلية لا تفتشني‮ - ‬ومرددًا‮ »‬أديك في‮ ‬الجركن تركن‮« ‬ومؤهلاً‮ ‬نفسي‮ ‬لما هو أكثر من الجركن والبستلة والفانلة وغيرها من مفردات البيئة التي‮ ‬تربيت وترعرعت فيها وإن كنت انفصلت عنها باستثناء‮ ‬يومي‮ ‬الخميس والجمعة من كل أسبوع‮.. ‬يمكنك أن تقابلني‮ ‬في‮ ‬قهوة فلفل بروض الفرج في‮ ‬هذين اليومين اللذين‮ ‬يكونان البيئة كما‮ ‬يقول الكتاب‮!‬
ليس شرطًا أن‮ ‬يكون مسرح الدولة كله موجهًا لأصحاب النظارات المقعرة والياقات المنشاة مثل‮ ‬ياقة القميص الذي‮ ‬ارتداه هشام عطوه في‮ ‬المسرحية‮.. ‬وأموت وأعرف الخياطة التي‮ ‬فصلته‮.. ‬وليس شرطًا أن‮ ‬ينتع الممثلون جملاً‮ ‬ربما تلتبس عليهم هم أنفسهم باعتبار أن ذلك هو البنية العميقة في‮ ‬أعمق تجلياتها التي‮ ‬يمكنها مخاطبة عمق المواطن العميق‮ ».. ‬لكم دينكم ولي‮ ‬دين‮«.‬
مطلوب من مسرح الدولة أن‮ ‬يخاطب أبناء الدولة علي‮ ‬اختلاف طبقاتهم وشرائحهم وشرائعهم أيضا حتي‮ ‬لا‮ ‬يغضب الأخوة المتدينون‮.. ‬مع إننا متدينون والله ولسنا من كفار قريش أو من نصابي‮ ‬قناة قطر المسماة بالجزيرة‮..‬
للطليعة ناسها‮.. ‬وللقومي‮ ‬ناسه ولمحمد رمضان ناسه‮.. ‬فإذا كنا قادرين علي‮ ‬جذب هؤلاء الناس عبر آليات فنية تسعي‮ ‬إلي‮ ‬احتضانهم وتعويدهم الذهاب إلي‮ ‬المسرح دون تدن أو ابتذال وقادرين في‮ ‬الوقت نفسه علي‮ ‬تحقيق معادلة الجماهيرية والفنية فلماذا لا نفعل‮.‬
العرض نجح إلي‮ ‬حد كبير في‮ ‬تحقيق هذه المعادلة،‮ ‬ونجح كذلك في‮ ‬أن‮ ‬يرضي‮ ‬هؤلاء وهؤلاء‮.. ‬هؤلاء البسطاء جمهور محمد رمضان‮.. ‬وهؤلاء المثقفين الذين‮ ‬يتعاملون مع المسرح في‮ ‬رحابته وتنوعه وقدرته علي‮ ‬التواصل مع أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع وتحقيقه للمتعة والتسلية والتنوير والتطوير وهذه رسالة المسرح‮.. ‬أما إذا أراد الانغلاق علي‮ ‬نفسه والاكتفاء بمقاعد خاوية حتي‮ ‬ينتع الممثلون علي‮ ‬راحتهم فهو حر والجمهور أيضًا حر‮.‬
عن نفسي‮ ‬خرجت راضيًا ومبسوطًا سواء من الرؤية الإخراجية لسامح بسيوني‮ ‬التي‮ ‬ابتعدت عن الشيفرات المغلقة والافتكاسات المقلقة‮.. ‬وأدركت أن مهمتها في‮ ‬التعامل مع جمهور بسيط تتطلب قدرًا من البساطة والسلاسة ولا تخلو من العمق في‮ ‬الوقت نفسه‮.. ‬ليس مطلوبًا جلد الناس أو التنكيد عليهم‮.. ‬وليس مطلوبًا تطفيش المزيد من الجمهور‮.‬
التمثيل كذلك جاء إلي‮ ‬حد كبير متوافقًا مع طبيعة العرض والغرض منه‮.. ‬محمد رمضان كان واعيًا طوال الوقت بأبعاد الشخصية‮.. ‬كبح جماح نفسه‮ - ‬إلا قليلاً‮ - ‬عن الخروج الذي‮ ‬يفسد اللحظة‮.. ‬في‮ ‬ديالوج من أقوي‮ ‬المشاهد بينه وبين هشام عطوة أكله لسانه وقال أديك في‮ ‬مش عارف إيه تعمل إيه‮.. ‬لكنه عاد سريعًا إلي‮ ‬وعيه منقذًا المشهد من تصدير دلالة عكس الدلالة المرادة تمامًا‮.. ‬وكذلك جاء أداء هشام عطوة منضبطًا ورصينًا ليؤكد أنه‮ - ‬فضلاً‮ ‬عن تميزه الإخراجي‮ - ‬ممثل مسرحي‮ ‬موهوب،‮ ‬وعلي‮ ‬عبد الرحيم أيضًا برسوخه وخبرته وإن أفورها بعض الشيء بتأثير محمد رمضان،‮ ‬وكانت نيرمين كمال حاضرة بأدائها المتمكن والمنضبط وصوتها المجلجل ورباب إبراهيم ودينا عبد العزيز وحتي‮ ‬شمس بفجاجتها‮.. ‬فجاجة الشخصية وليست الأخت شمس نفسها ومعهم بقية الممثلين الذين لم‮ ‬يكن هناك بامفليت لأعرف أسماءهم‮.. ‬وإن عرفت مصمم الإضاءة لأنه صاحبي‮ ‬إبراهيم الفرن الذي‮ ‬كان بليغًا في‮ ‬إضاءته باعتبار البلاغة هي‮ ‬مطابقة الكلام لمقتضي‮ ‬الحال‮.. ‬إضاءة طبيعية طول الوقت وبعض الإفكتات هنا أو هناك لكنه أدي‮ ‬المطلوب وزيادة‮.‬
ومهندس الديكور د‮. ‬محمود سامي‮ ‬وإن جاءت ديكوراته أقل مما توقعت منه وربما كانت خشبة متروبول البائسة قد حجمت من طموحاته‮.‬
استعراض الأوفرتير وإن جاء خارج السياق كان لطيفًا ودالاً‮ ‬وهو شيء لزوم الشيء‮.. ‬يخص محمد رمضان الذي‮ ‬يري‮ - ‬عبر الاستعراض وأرجو أن‮ ‬يكون ذلك خارجه أيضًَا‮ - ‬أن المسرح هو الأهم والأبقي‮ ‬حتي‮ ‬لو منحته السينما ملايين الجنيهات وعشرات المزز‮.. ‬وأطمئنه أنه سيجد ضالته في‮ ‬المسرح أيضًا‮.. ‬ليس ملايين الجنيهات طبعًا ولكن عشرات المزز اللاتي‮ ‬أصبحن أكثر من الهم علي‮ ‬القلب‮.. ‬بس النفس‮ ‬يا معلم‮!    ‬

 

لم أتمكن من الذهاب إلي‮ ‬المنصورة في‮ ‬الجولة التي‮ ‬قام بها وزير الثقافة لمسرحها القومي‮ ‬بعد الحادث الإرهابي‮ ‬الذي‮ ‬استهدف مديرية الأمن‮.. ‬لكنني‮ ‬شاهدت صور الزيارة وهالتني‮ ‬الحالة المتردية التي‮ ‬وصل إليها هذا المسرح التاريخي‮ ‬العريق‮.‬
بالتأكيد فإن هذه الحالة ليست جراء التفجير الإرهابي‮ ‬وحده‮.. ‬فقد أهمل المسئولون عن البيت الفني‮ ‬للمسرح هذا الصرح‮.. ‬أهملوا صيانته وإن لم‮ ‬يهملوا تستيف الأوراق الخاصة بتعيين مدير له‮.. ‬أعتقد أنه لم‮ ‬يغادر القاهرة مرة واحدة بنية الاطمئنان علي‮ ‬أن المسرح مازال موجودًا‮.. ‬عينوا مديرًا وطاقمًا للعمل ولا أدري‮ ‬ماذا كان‮ ‬يفعل هؤلاء تحديدا‮.‬
المعروف أن هناك ميزانية للصيانة‮.. ‬وحسب معلوماتي‮ - ‬وأرجو أن تكون خاطئة‮ - ‬فإن رئيس البيت السابق ماهر سليم أعاد إلي‮ ‬خزينة الدولة‮ ‬4‮ ‬ملايين جنيه من هذا البند‮.. ‬لا أدري‮ ‬هل فعلها ليقول للدولة إنه حقق إنجازًا تاريخيًا ووفر لها مبلغًا بهذا الحجم‮.. ‬أم أنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يدري‮ ‬أن لديه مسرحًا بهذه العراقة‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬ترميم عاجل وسريع‮.. ‬أعتقد أن أي‮ ‬دولة محترمة لديها مسرح بهذه العراقة وحدث له ما حدث لحاكمت المسئولين عن هذا الإهمال بشكل عاجل وحاسم وسريع ليكونوا عبرة لغيرهم‮.‬
ولا أدري‮ ‬ماذا فعل رئيس البيت الحالي‮ ‬فتوح أحمد تجاه هذا الصرح‮.. ‬هل أرسل مذكرات عاجلة إلي‮ ‬وزير الثقافة‮ ‬يستصرخه فيها إنقاذ المسرح‮.. ‬هل لجأ إلي‮ ‬الإعلام ليثير هذه القضية الخطيرة‮.. ‬أم أنه اكتفي‮ ‬بمطاردة محمد رمضان ليلعب بطولة‮ »‬رئيس جمهورية نفسه‮« ‬ليكون بذلك‮ - ‬أقصد رئيس البيت‮ - ‬قد حقق إنجازًا تاريخيًا للمسرح المصري؟
إن حالة مسرح المنصورة القومي‮ ‬تدعو إلي‮ ‬الأسي‮ ‬والرثاء‮.. ‬وتكاسل المسئولين وتخاذلهم عن محاولة إنقاذه‮ ‬يعكس بشكل واضح المستوي‮ ‬الإداري‮ ‬المتدني‮ ‬لهؤلاء الناس الذين‮ ‬يبدو أن فكرة‮ »‬استشعار المسئولية‮« ‬لم ترد علي‮ ‬خاطرهم إطلاقًا‮.‬
ماذا لو لم‮ ‬يحدث هذا التفجير الإرهابي‮.. ‬ماذا لو لم‮ ‬يذهب الوزير ليشاهد بنفسه؟
أكيد كنا سنفاجأ‮ ‬يومًا بانهيار هذا المسرح الذي‮ ‬تفخر وزارة الثقافة بأنه شهد حفلات لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب،‮ ‬ومسرحيات ليوسف وهبي‮ ‬ونجيب الريحاني‮ ‬وعلي‮ ‬الكسار‮.. ‬كان المسرح سينهار وينتهي‮ ‬أثره‮.. ‬وكان مديره والعاملون به سيظلون في‮ ‬مواقعهم ويصرفون رواتبهم وحوافزهم وبدلات السهر الذي‮ ‬لم‮ ‬يسهروه أو سهروه في‮ ‬المقهي‮ ‬أو الكافيه أو ملاهي‮ ‬أدهم لأنها الوحيدة التي‮ ‬تليق بهم‮.‬
عمومًا رب ضارة نافعة فقد جاء التفجير الإرهابي‮ ‬وزيارة الوزير التي‮ ‬أعقبته ليعجل بمشروع ترميم المسرح الذي‮ ‬نتمني‮ ‬أن‮ ‬ينتهي‮ ‬علي‮ ‬خير‮.. ‬ونتمني‮ ‬أن‮ ‬يضع البيت الفني‮ ‬للمسرح خطة لإضاءة هذا المسرح عقب انتهاء ترميمه وبرنامجًا طموحًا ليعيد إليه أمجاده‮.. ‬وإن كنت أشك في‮ ‬استعادة أي‮ ‬أمجاد للمسرح في‮ ‬ظل هؤلاء المسئولين الذين لا‮ ‬يرجي‮ ‬علي‮ ‬أيديهم أي‮ ‬إصلاح لأحوال المسرح في‮ ‬بلادنا‮.. ‬الأحوال التي‮ ‬لن تنصلح إلا بالهدم وإعادة البناء من أول وجديد‮.. ‬لأن الترميم إذا كان‮ ‬ينفع مع المبني‮ ‬فإنه مع البني‮ ‬آدمين مجرد حرث في‮ ‬البحر‮!!‬

 

إذا كانت الدولة جادة فعلاً‮ ‬في‮ ‬تقديم مسرح‮ ‬يفيد الناس ويمتعهم ويبهجهم فعليها أولاً‮ - ‬وقبل أي‮ ‬شيء‮- ‬أن تنسف التقاليد البالية المتعلقة بنظام الترقي‮.. ‬طالما بقيت هذه التقاليد فلن نحظي‮ ‬بقيادات مسرحية فاعلة لديها منهجها ومشروعها لتطوير العمل المسرحي‮.‬
أغلب القيادات المسرحية الآن جاء إلي‮ ‬منصبه بهذه الطريقة العقيمة،‮ ‬والحاصل أن المسرح الرسمي‮ ‬أو الذي‮ ‬تقدمه الدولة‮ ‬يحتضر ولا‮ ‬يشاهده أحد‮.. ‬نحن نكذب علي‮ ‬أنفسنا عندما نقول إننا نقدم مسرحًا‮.. ‬وإلا أين هي‮ ‬نتيجة ما نقدمه؟
إذا أراد د‮. ‬صابر عرب وزير الثقافة أن‮ ‬يقدم خدمة تاريخية للمسرح المصري،‮ ‬فعليه ألا‮ ‬ينظر عند اختياره لأي‮ ‬قيادة مسرحية إلي‮ ‬فكرة الأقدمية أو النجومية أو السن أو أي‮ ‬شيء من هذا القبيل‮.. ‬المشروع وحده هو الذي‮ ‬يزكي‮ ‬صاحبه‮.‬
كيف نحصل علي‮ ‬مشروع أو عدة مشاريع لانتشال المسرح المصري‮ ‬من الهوة التي‮ ‬سقط فيها،‮ ‬ولا‮ ‬يبدو في‮ ‬الأفق أي‮ ‬أمل لانتشاله منها؟
لن‮ ‬يحدث ذلك إلا بقرار ثوري‮ ‬من الوزير‮: ‬الإعلان عن طلب مديري‮ ‬مسارح ورؤساء للبيوت الفنية‮ ‬يكون الشرط الوحيد هو التقدم بمشروع لتطوير وتفعيل المكان المراد شغله‮.. ‬وتشكيل لجان محايدة للنظر في‮ ‬هذه المشروعات واختيار أفضلها‮.‬
وعندما نختار عددًا من أصحاب المشاريع المحترمة،‮ ‬بغض النظر عن أعمارهم أو حتي‮ ‬تخصصاتهم،‮ ‬علينا أن نرسلهم في‮ ‬بعثات إلي‮ ‬الدول المتقدمة مسرحيًا مثل إنجلترا،‮ ‬أو ألمانيا،‮ ‬أو فرنسا،‮ ‬أو‮ ‬غيرها من الدول‮.‬
تستطيع العلاقات الثقافية الخارجية أو وزارة التعاون الدولي‮ ‬القيام بهذه المهمة بأقل التكاليف‮.. ‬يذهب المختارون إلي‮ ‬إحدي‮ ‬هذه الدول لمدة ثلاثة أوستة أشهر‮.. ‬لابد من اشتراط إجادة لغة أجنبية واحدة علي‮ ‬الأقل‮.. ‬يشاهدون العروض المسرحية‮.. ‬ويتجولون في‮ ‬المسارح ويتعرفون علي‮ ‬آلية عملها‮. ‬من الألف إلي‮ ‬الياء بدءًا من اختيار النص ومرورًا بالفنانين والفنيين وانتهاء بالتسويق‮.. ‬وبعد عودتهم‮ ‬يعد كل منهم مشروعاً‮ ‬جديداً‮ ‬متضمنا ما تعلمه في‮ ‬الخارج‮.. ‬بعدها‮ ‬يتم تسكين المتميزين منهم‮.. ‬كل في‮ ‬المكان الذي‮ ‬يناسبه‮.‬
هذه أولي‮ ‬خطوات إنقاذ المسرح المصري،‮ ‬لكنها ليست الوحيدة،‮ ‬يجب أن‮ ‬يتزامن معها تطوير بنية المسارح نفسها وتعديل أوضاع العاملين بها،‮ ‬وتنظيم ورش تدريبية لهؤلاء كل في‮ ‬تخصصه،‮ ‬والنظر في‮ ‬تطوير مناهج المعهد العالي‮ ‬للفنون المسرحية وأقسام المسرح بالجامعات المختلفة بما‮ ‬يتناسب مع احتياجات المسرح فعلاً‮.‬
إذا ظلت الآلية القديمة معمولاً‮ ‬بها فلن نتقدم خطوة واحدة إلي‮ ‬الأمام‮.. ‬نريد قيادات مسرحية شابة ومثقفة وطموحة‮.. ‬ما المشكلة أن‮ ‬يتولي‮ ‬رئاسة البيت الفني‮ ‬مثلاً‮ ‬شاب في‮ ‬الأربعين من عمره أو حتي‮ ‬في‮ ‬الثلاثين‮.. ‬ما المشكلة أن‮ ‬يتولاه حتي‮ ‬خريج حقوق أو هندسة أو حاسب آلي‮ ‬أو أية كلية ما دام لديه منهج ومشروع،‮ ‬مادام لديه وعي‮ ‬وإحساس بقيمة وأهمية المسرح‮.. ‬ليس شرطًا أن‮ ‬يكون ممثلاً‮ ‬أو ناقدًا أو خريج فنون مسرحية‮.. ‬مديرة أكبر مسرح في‮ ‬مدينة مثل‮ »‬هانوفر‮« ‬الألمانية لا هي‮ ‬ممثلة ولا مخرجة ولا كاتبة‮.. ‬خريجة إدارة لكنها‮ - ‬بسم الله ما شاء الله‮ - ‬بقيادات المسرح في‮ ‬مصر جميعًا‮.. ‬بأفكارها ومشروعاتها وخطتها التي‮ ‬تضعها لمسرحها لثلاث سنوات قادمة‮.‬
الأمر‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬جرأة‮.. ‬أعتقد أن د‮. ‬صابر عرب‮ ‬يملكها‮.. ‬لو فعلها سيظل المسرح المصري‮ ‬مدينا له بأنه أنقذه من رقاده وأحياه من جديد‮.. ‬أرجو أن‮ ‬يفعلها‮.. ‬ساعتها سنشعر أننا بدأنا نضع أقدامنا فعلاً‮ ‬علي‮ ‬الطريق الصحيح‮.. ‬لأن ما‮ ‬يحدث الآن في‮ ‬المسرح المصري‮ ‬لا علاقة له بالفن ولا بالإدارة ولا بالتخطيط ولا بأي‮ ‬شيء‮. ‬

 

انتهي‮ ‬مهرجان ألوان لمسرح الشارع الذي‮ ‬أشرف عليه المركز القومي‮ ‬للمسرح برئاسة الفنان ناصر عبد المنعم،‮ ‬وحقق نتائج طيبة وإن لم تكن مبهرة‮.‬
النتائج الطيبة تمثلت في‮ ‬هذه الفرق التي‮ ‬جاءت من عدة محافظات وعلي‮ ‬كل شكل ولون‮.. ‬المهرجان اسمه‮ »‬ألوان‮«.. ‬كانت هناك عروض للحكي‮ ‬وأخري‮ ‬للمايم وثالثة لأي‮ ‬حاجة وبغض النظر عن التصنيف‮.. ‬من العروض الأخيرة العرض الذي‮ ‬قدمه شباب حي‮ ‬الإمام الشافعي‮.. ‬المخرج جمع عددًا من شباب الحي‮ ‬ووظف كل واحد حسب إمكانياته فرأينا من‮ ‬يمثل ومن‮ ‬يغني‮ ‬ومن‮ ‬يرقص ليتضافر كل ذلك مشكلاً‮ ‬حالة طيبة تعكس مشكلة ما‮ ‬يعيشها شباب الحي‮.‬
بالتأكيد تنقص العرض أشياء كثيرة ليصبح عرضًا ذا قوام متماسك‮.. ‬لكن بالنظر إلي‮ ‬طبيعة الفرقة وظروفها تستطيع القول إنها تجربة جيدة وجديرة بالتشجيع‮.. ‬وكما قال ناصر عبد المنعم فإن مثل هذه التجربة لو رأيناها في‮ ‬جميع أحياء مصر لتغيرت صورة البلد تمامًا وأنا معه بالتأكيد‮.‬
من إيجابيات المهرجان كذلك مجموعة الندوات التي‮ ‬أقيمت عقب العروض،‮ ‬وهو تقليد أتمني‮ ‬استمراره في‮ ‬كل المهرجانات،‮ ‬وإن كنت أتمني‮ ‬أكثر جذب المزيد من النقاد والتدقيق أكثر في‮ ‬الاختيارات‮.. ‬مثل هذه المهرجانات الشعبية البسيطة‮ ‬يجب أن تتيح الفرصة لنقاد جدد ويجب أن تتيحها أكثر للجمهور نفسه حتي‮ ‬لو قال كلامًا لا علاقة له بأي‮ ‬شيء‮ .. ‬هناك نقاد‮ ‬يفعلون ذلك وبدم بارد وبعيون تندب فيها مائة رصاصة‮.‬
النتائج طيبة وإن لم تكن مبهرة‮.. ‬نعم لم تكن مبهرة‮.. ‬إنها أخطاء التجارب الأولي‮.. ‬التوقيت لم‮ ‬يكن مناسبًا‮.. ‬لماذا مثلاً‮ ‬لم ننتظر إجازة نصف العام‮.. ‬مفهوم الشارع لم‮ ‬يتحقق بشكل كامل لأن بعض الفرق أصرت علي‮ ‬العرض داخل حديقة السيدة زينب‮.. ‬صحيح أنها أقرب إلي‮ ‬الشارع لكن من‮ ‬يمر أمام الحديقة لا‮ ‬يشعر أن هناك مهرجانا أو أي‮ ‬حاجة‮.‬
تمنيت مثلاً‮ ‬أن أري‮ ‬سيدات الحي‮ ‬البسيطات ورجال وشباب الحي‮ ‬يتابعون العروض ويشتبكون معها‮.. ‬تمنيت أن‮ ‬يجري‮ ‬المركز استطلاعًا للرأي‮ ‬مع هؤلاء الناس البعيدين تمامًا عن المسرح‮.. ‬رأيهم أهم من رأي‮ ‬النقاد‮.. ‬كان‮ ‬يجب أن‮ ‬يحدث ذلك وتخضع هذه الآراء للبحث والتحليل لنعرف بدقة احتياجات الناس من المسرح‮.. ‬لأننا حتي‮ ‬الآن بعيدون عن احتياجات الناس ونقدم لهم ما‮ ‬يناسبنا نحن لا ما‮ ‬يناسبهم هم‮.‬
عمومًا فإن الجهد الذي‮ ‬بذله ناصر عبد المنعم وكريم مغاوري‮ ‬مدير المهرجان‮ ‬يستحق الثناء والتحية والتشجيع علي‮ ‬أن تكون هذه دورة المهرجان الأولي‮ ‬التجريبية وهي‮ ‬نسخة ناجحة‮ ‬يمكن تكرارها مرتين أو ثلاث مرات حتي‮ ‬في‮ ‬العام وفي‮ ‬أماكن متفرقة‮.. ‬مع الحرص علي‮ ‬اختيار التوقيتات المناسبة‮.. ‬لو فعلها المركز القومي‮ ‬للمسرح سنكسب جمهورًا كبيرًا‮.. ‬وسننجح في‮ ‬تشكيل وعي‮ ‬المواطنين بصورة جيدة تنعكس علي‮ ‬الوطن كله‮.. ‬وستكون لدينا‮ - ‬كما‮ ‬يتمني‮ ‬ناصر عبد المنعم‮ - ‬فرقة مسرحية في‮ ‬كل حي‮.. ‬لماذا لا‮ ‬يعتبر ناصر عبد المنعم هذا المهرجان مشروعه الأهم لنشر فن المسرح في‮ ‬كافة أنحاء مصر‮.. ‬لماذا لا‮ ‬يصدر الوزير د‮. ‬صابر عرب‮  ‬قرارًا باستمرار هذا المهرجان مرة كل ثلاثة أشهر‮.. ‬هذا سيكون أفضل وأكثر تأثيرًا من أنشطة نخبوية نصرف عليها الملايين ولا تحقق أي‮ ‬عائد‮.‬

 لست أشكك فى نبل الأهداف التى ىسعى إلى تحقىقها وزىر الثقافة د‮. ‬محمد صابر عرب،‮ ‬ولست أخالفه رأىه الذى ىردده دائمًا حول قدرة المسرح على محاربة الإرهاب واحتىاجنا له فى هذه اللحظة تحدىدًا‮.‬
جمىل جدًا أن تكون هذه رؤىة المسئول الأول عن الثقافة فى مصر،‮ ‬غىر أن أهدافه وجهوده المحترمة والصادقة فعلاً،‮ ‬كثىرًا ما تصطدم بمعوقات ىمكنها أن تدمر قارة بأكملها ولىس المسرح فحسب‮.. ‬ىأتى على رأس هذه المعوقات بعض القىادات التى لا تعمل وفق خطة أو منهج أو استراتىجىة أو أى شىء‮.‬
وما ىحدث الآن مع عرض‮ »‬مىراث الرىح‮« ‬للمخرج طارق الدوىرى،‮ ‬أبلغ‮ ‬دلىل على العشوائىة التى ىعمل بها البىت الفنى للمسرح‮.‬
منذ عام تقرىبًا بدأ طارق الدوىرى بروفاته‮.. ‬لكن شىئًا ما ىحول دائمًا بىنه وبىن تقدىم العرض‮.. ‬أشىاء فى الكوالىس تتدخل دائمًا لتعوىق العرض‮.. ‬حتى أن هناك أربعة عروض بدأت بعده بشهور وتم تقدىمها بىنما ىزاح‮ »‬مىراث الرىح‮« ‬فجأة وبطرق‮ ‬غرىبة وعجىبة ومرىبة‮.‬
آخر تجلىات البىت الفنى مع هذا العرض هو منع تقدىمه على مسرح مىامى لأن هناك عرضًا لمحمد رمضان بدأت بروفاته هذا الأسبوع وسىتم تقدىمه ىوم‮ ‬20‮ ‬دىسمبر الحالى ولا تسأل كىف،‮ ‬فهذه إرادة رئىس البىت الفنان فتوح أحمد الذى ىبدو أنه فى حالة انبهار واندهاش لأن محمد رمضان سىعمل على مسرح الدولة باعتبار أن ذلك قمة نجاح أى رئىس لأى بىت حتى لو كان بىت برنارد ألبا‮.‬
فرحة واندهاش واسبهلال السىد رئىس البىت جعلته ىطىح بعرض جاد من إنتاج المسرح القومى لمخرج أثق أنه سىقدم عرضًا محترمًا ىلىق بالقومى،‮ ‬وذلك كله لأن معجزة التمثىل والغناء والرقص والتألىف والتلحىن محمد رمضان تنازل وتكرم وتعطف ووافق على تقدىم نص‮ »‬الدخان‮« ‬لمىخائىل رومان،‮ ‬وإكرامًا لحضرته وافقوا على تغىىر اسم العرض إلى‮ »‬رئىس جمهورىة نفسه‮«.‬
المهم أن السىد فتوح طلب من الدوىرى مغادرة المسرح إلى مسرح آخر،‮ ‬وعندما رفض المخرج،‮ ‬قال فتوح إنه سىحاول توفىر مسرح الجمهورىة لعرض رئىس الجمهورىة وإذا لم ىوفق فلن ىكون أمامه سوى مىامى وعلى‮ »‬مىراث الرىح‮« ‬أن ىركن حبتىن‮.. ‬فما كان من فرىق عرض القومى إلا أن قرر الاعتصام فى المسرح حتى تحل المشكلة‮.‬
هل فى هذه الأجواء ىمكننا أن نقدم مسرحًا جىدًا ىلتف حوله الناس؟ هل ىصح أن ىعمل البىت الفنى دون وجود أى خطة أو تنسىق لعروضه؟ هل هناك عرض فى الدنىا تستمر بروفاته أسبوعىن فقط ثم ىتوكل على الله وىواجه الناس؟ هل بهذه الأسالىب العشوائىة وهذه القىادات المنبهرة المسبهلة ىمكننا أن نحارب الإرهاب بالمسرح؟
أسئلتى موجهة إلى السىد وزىر الثقافة د‮. ‬محمد صابر عرب‮.‬

في‮ ‬أوائل التسعينيات ظهر جيل جديد من شعراء العامية،‮ ‬أطلقوا عليه جيل الثمانينيات‮.. ‬كان أكثر الأجيال شغبًا وحدة‮.. ‬وكان‮ - ‬وهذا هو الأهم‮ - ‬أكثرها مغامرة وكسرًا للقواعد وخروجًا علي‮ ‬المألوف‮.‬
ضم هذا الجيل عشرات من الشعراء‮ »‬المغامير‮« ‬المغامرين‮.. ‬كان علي‮ ‬رأسهم بالطبع الراحل الكبير بحق مجدي‮ ‬الجابري‮ ‬ومعه مسعود شومان ومحمود الحلواني،‮ ‬وإبراهيم عبد الفتاح،‮ ‬وطاهر البرنبالي‮ ‬ومدحت منير ومجدي‮ ‬السعيد والراحل محمد الحسيني‮ ‬والراحل خالد عبد المنعم وأسامة شهاب وأخيرًا وليس آخرًا‮ ‬يسري‮ ‬حسان‮.‬
أغلب شعراء هذا الجيل لم‮ ‬يكن‮ ‬يعجبهم العجب‮. ‬كان الماضي‮ ‬بالنسبة لهم‮ »‬حمام قديم‮« ‬يجب نسفه‮.. ‬من‮ ‬يُضبط وهو‮ ‬يقرأ أمل دنقل مثلاً‮ ‬تقليدي‮ ‬وكلاسيكي‮ ‬ويجب أن‮ ‬يخلع عباءة الجيل‮.. ‬أما من‮ ‬يسمع أم كلثوم أو حتي‮ ‬عبد الحليم حافظ فتحق عليه اللعنة‮.‬
أحمد فؤاد نجم،‮ ‬بالنسبة لمعظم أبناء هذا الجيل مجرد زجال،‮ ‬ثوري،‮ ‬مهيج،‮ ‬شعره واضح وشعبي‮ ‬وجماهيري‮.. ‬وكل ذلك مجرد‮ »‬ماضي‮ ‬راح وانتهي‮« ‬ولم‮ ‬يعد مناسبًا لمرحلتنا‮ »‬ما بعد الحداثية‮«.‬
كان أمرًا طبيعيًا أن ننظر وراءنا بغضب‮.. ‬ولا بأس من أن ننظر باستهزاء‮.. ‬أي‮ ‬جيل صاعد ومختلف‮ ‬يعتبر أن جزءًا من تحققه‮ ‬يكمن في‮ ‬نفي‮ ‬الآخر وتسفيه إنجازه‮.‬
استمرت هذه النظرة عدة سنوات حتي‮ ‬حقق هذا الجيل‮ - ‬أو بعض أبنائه‮ - ‬إنجازه الشعري‮ ‬المغاير،‮ ‬وتم الاعتراف به من قبل النقاد وترجمت قصائده إلي‮ ‬عدة لغات،‮ ‬وبعدها بدأ‮ ‬ينظر للماضي‮ ‬نظرة أكثر حنوًا وإنصافًا وبدأ‮ ‬يراجع نفسه في‮ ‬مواقفه الحادة وآرائه المتعسفة فاكتشف جمالاً‮ ‬وإنجازًا في‮ ‬هذا الماضي‮ ‬وتأكد من إمكانية التعايش والتجاور في‮ ‬محبة وسلام‮.‬
لم أكن صديقًا لعم أحمد فؤاد نجم ولا من حوارييه ومريديه‮.. ‬ظلت علاقتنا من بعيد لبعيد قائمة علي‮ ‬الاحترام والتقدير المتبادلين،‮ ‬وكان‮ ‬يصلني‮ ‬دائمًا رأيه في‮ ‬شخصي‮ ‬وشعري‮ ‬من أصدقاء مشتركين كان‮ ‬يقول‮ »‬حسان شاعر راجل‮«.. ‬أهداني‮ ‬كتابه‮ »‬حكايات القصائد‮« ‬وكتب إهداء لطيفًا اعتز به جدًا‮.. ‬لن أذكره حتي‮ ‬لا تتهمني‮ ‬بالغرور لكني‮ ‬أحتفظ به لأولادي‮ ‬يفخرون به من بعدي‮.‬
المهم أن تحولاً‮ ‬كبيرًا حدث في‮ ‬موقفي‮ ‬من شعر نجم بعد أن أمعنت النظر فيه لأكتشف أنني‮ ‬أمام شاعر كبير بحق ساهم بقصائده بشكل مؤثر في‮ ‬مسيرة شعر العامية وقربه إلي‮ ‬الناس لأنه كتبه منهم وإليهم ببساطة متناهية وأحيانًا بقلة أدب لكنها قلة الأدب التي‮ ‬لا بديل عنها والتي‮ ‬في‮ ‬مكانها الصحيح‮.‬
لم‮ ‬يكن نجم مجرد شاعر عامية كبير‮.. ‬لكنه أيضًا كان مناضلاً‮ ‬جسورًا دفع ثمن مواقفه سنوات طويلة من عمره أمضاها في‮ ‬السجون دون أن‮ ‬يؤدي‮ ‬ذلك إلي‮ ‬تغيير مواقفه‮.‬
زرته في‮ ‬حجرته البسيطة في‮ »‬حوش آدم‮« ‬وفي‮ ‬شقته المتواضعة بمساكن الزلزال في‮ ‬المقطم وشاهدت رجلاً‮ ‬يعيش علي‮ ‬حد الكفاف مع أنه كان‮ ‬يستطيع العيش كملك لكنه أبي‮ ‬دائمًا إلا أن‮ ‬يكون أحمد فؤاد نجم الفلاح‮.. ‬الشعبي‮.. ‬المناضل‮.. ‬الشاعر‮.. ‬كنت أظن أن مصر في‮ ‬لحظتها المرتبكة هذه تحتاج أكثر ما تحتاج إلي‮ ‬شاعر مثله‮.. ‬لكن الموت أبي‮ ‬واختطفه‮.. ‬مع السلامة‮ ‬يا عم أحمد‮!‬

الصفحة 9 من 17
You are here