اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

عـــلــي‮ ‬فـــــــــرزات

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

كانت ليلة شتوية قارصة البرودة من ليالي‮ ‬أول‮ ‬يناير من هذا العام‮ ‬،‮ ‬الجميع من حولنا‮ ‬يتعايشون مع برد دمشق بسلام‮ ‬،‮ ‬فكرت أن أهمس في‮ ‬أذن صديقي‮ ‬الكاتب السوري‮ ‬جمال عبود أن‮ ‬يـُـعيدني‮ ‬أنا وزوجتي‮ ‬إلي‮ ‬الفندق‮ ‬،‮ ‬لكنني‮ ‬وجدته‮ ‬يهتف‮ : ‬انظر من أمامك‮ ... ‬نظرت فإذا بي‮ ‬أجد رجلاً‮ ‬متوسط الطول‮ ‬،‮ ‬يرتدي‮ ‬بالطو أسمر طويلا ويلف كوفية فوق رقبته‮ ‬،‮ ‬نحيف جداً‮ ‬،‮ ‬عيناه تومض ببريق خاطف‮ ‬،‮ ‬دائم الحركة حتي‮ ‬وهو‮ ‬يقف ليتحادث مع أحد أصحاب المحال الصغيرة‮ ‬،‮ ‬قـُـلت‮ : ‬من هو‮ ...‬؟ فقال لي‮ ‬صديقي‮ : ‬إنه رسام الكاريكاتير السوري‮ ‬الشهير علي‮ ‬فرزات‮ ...‬
تعرفت بالرجل فإذا به‮ ‬يمتلك حكمة الدنيا‮ ‬،‮ ‬خبرة العلماء‮ ‬،‮ ‬خيال الشاعر‮ ‬،‮ ‬وعذاب المـُـبدع المـُعارض لكل الأنظمة السياسية التي‮ ‬تمر عليه‮ ‬،‮ ‬دعانا فرزات لكي‮ ‬نشرب قهوته العربية في‮ ‬الجاليري‮ ‬الخاص به وأشار لنا علي‮ ‬مكانه‮ ‬،‮ ‬كان في‮ ‬الجهة المـُـقابلة من الشارع وعلي‮ ‬مسافة بعض الأمتار من ميدان‮ ‬يوسف العظمة بوسط دمشق‮ ‬،‮ ‬اعتذرنا لتأخر الوقت وكان ميعادنا في‮ ‬اليوم التالي‮ ... ‬
الجاليري‮ ‬الخاص بفرزات عبارة عن شقة صغيرة لا توجد بها‮ ‬غير حجرة واحدة مغلقة‮ ‬،‮ ‬بينما ترك المساحة المتبقية كمعرض دائم لرسوماته‮ ‬،‮ ‬الفنان بداخل الرجل تحرر من كل القيود الإبداعية التي‮ ‬قد‮ ‬يهتم البعض بعدم الخروج عليها‮ ‬،‮ ‬فرسوماته سلسة‮ ‬،‮ ‬بسيطة‮ ‬،‮ ‬تنحاز طوال الوقت للمواطن البسيط‮ ‬،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬دهسه قطار الحياة وغمست السياسات الداخلية والخارجية رأسه في‮ ‬الطين‮ ‬،‮ ‬شخصياته مبتكرة‮ ‬،‮ ‬يهتم بتلك النوعية من الرسومات الكاريكاتيرية التي‮ ‬لا تحتاج إلي‮ ‬تعليق أو شرح بالكلمات‮ ...‬
خرجت رسوماته من الصفحات الورقية والجرائد‮ ‬،‮ ‬لتمتد إلي‮ ‬بعض الأشياء الأخري‮ ‬،‮ ‬فقد رسم فرزات علي‮ ‬الفناجين‮ ‬،‮ ‬الأكواب الزجاجية‮ ‬،‮ ‬التيشيرتات‮ ‬،‮ ‬حوامل الأوراق والأقلام‮ ‬،‮ ... ‬فرزات‮ ‬يستغل هذه الأشياء بشكل تجاري‮ ‬،‮ ‬فالرجل لا‮ ‬يعمل بشكل منتظم‮ ‬،‮ ‬فترات الازدهار في‮ ‬عمله قليلة‮ ‬،‮ ‬فهو مطرود من جنة المؤسسة الرسمية‮ ‬،‮ ‬لذا فهو لا‮ ‬يحصل علي‮ ‬أي‮ ‬من عطاياها‮ ‬،‮ ‬ويعتمد في‮ ‬عيشه اليومي‮ ‬علي‮ ‬التقاط ما‮ ‬يسمح به الطيران خارج السرب‮ ...‬
حزنت كثيراً‮ ‬علي‮ ‬حال الرجل الآن وهو‮ ‬يرقد داخل أحد مستشفيات دمشق‮ ‬،‮ ‬عظامه مكسورة‮ ‬،‮ ‬أنفه مجذوع‮ ‬،‮ ‬أطرافه جميعاً‮ ‬تختفي‮ ‬تحت الضمادات وهي‮ ‬مكسورة‮ ‬،‮ ‬إنه‮ ‬يدفع الآن ثمن طيرانه خارج السرب‮ ‬،‮ ‬وربما هذه هي‮ ‬الحالة الوحيدة التي‮ ‬يـُـصبح فيها الدفع هو إضافة لرصيد الرجل سواء كان ذلك في‮ ‬المحبة‮ ‬،‮ ‬الوطنية‮ ‬،‮ ‬التاريخ‮ ‬،‮ ... ‬أطالع الآن آخر كــُـتب الرجل‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬بعض رسوماته الكاريكاتيرية التي‮ ‬تختصر مسيرة زادت علي‮ ‬الثلاثين عاماً‮ ‬في‮ ‬عالم الكاريكاتير الساخر‮ ‬،‮ ‬وأتأمل إهداءه لي‮ " ‬احترم ما فيك‮ ‬،‮ ‬عشقك لفكرة الوطن‮ ‬،‮ ‬لكن لكلٍ‮ ‬منــّـا حريته في‮ ‬العشق والتعبير‮ ‬،‮ ‬كما أتساءل في‮ ‬دهشة‮ : ‬كيف أوتي‮ ‬هذا الرجل كل هذه المقدرة علي‮ ‬العشق‮ ... 

إبراهيم الحـُـسيني ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢٠
المزيد من مواضيع هذا القسم: « مخاض مسرحي أردوغان والمسرح‮..‬ »

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here