اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تاريخية العلاقة بين المسرح والكنيسة الغربية في‮ ‬العصور الوسطي

قييم هذا الموضوع
(3 تقيم)

 

يشترك كل من الدين والمسرح في‮ ‬غاية محددة وهي‮ ‬التوجه نحو المجتمع ورسم طريق للإنسان للحضور في‮ ‬العالم‮. ‬فإذا كان الدين‮ ‬يزود الإنسان بالمعرفة الدينية وما تحملها من ابعاد روحية وأخلاقية لتحقيق المجتمع المثالي،‮ ‬فإن المسرح‮ ‬يهتم بالكشف عن الابعاد الإنسانية في‮ ‬المجتمع ومراجعة الأفكار التي‮ ‬تدور فيه لتحقيق المجتمع المثالي‮. ‬لذا فالدين والمسرح لهما هدف واحد هو تحديد مصائر الإنسان وإن اختلفت السبل والوسائل‮.‬
‮ ‬يكشف تاريخ الإنسانية علي‮ ‬أن فن المسرح خرج من عباءة الدين ومن حضن طقوسه المختلفة طبقاً‮ ‬لأفكار كل ديانة،‮ ‬فمثلا المسرح الفرعوني‮ ‬ولد من كنف طقوس أوزريس،‮ ‬كما ولد المسرح اليوناني‮ ‬من طقوس الإله ديونيسيوس في‮ ‬اليونان‮. ‬ونكتشف من خلال قراءة تاريخ المسرح وصعوده وهبوطه أن له مع الدين المسيحي‮ ‬حكاية لها ابعادها الأخلاقية والمعرفية تستدعي‮ ‬معرفة حكاية علاقتهما معاً‮. ‬بل‮ ‬يمكن القول إن لهذه الحكاية مسارات درامية تتراوح بين النبذ والاحتواء،‮ ‬والاقصاء والاستعادة‮. ‬هذه الحكاية تتلخص في‮ ‬محاولة الكنيسة الغربية لجعل المسرح في‮ ‬خدمة الدين فتنبذه مرة لحماية العقيدة،‮ ‬وتحتويه تارة أخري‮ ‬وتوظفه وتسهم في‮ ‬خروجه للمجتمع مرة أخري‮ ‬
مسار الاقصاء‮:‬
مع بداية القرن الرابع الميلادي،‮ ‬بدأ الدين المسيحي‮ ‬في‮ ‬السيطرة علي‮ ‬الحضارة الغربية محملاً‮ ‬بقيم تدعو إلي‮ ‬الخلاص الروحي‮ ‬للإنسان ومتسلحة بمعرفة جديدة مغايرة لما ألفها الإنسان،‮ ‬فأصبحت الكنيسة الغربية تمثل بجانب حضورها كسلطة روحية سلطة علمية ومرجع للمنضمين تحت لوائها في‮ ‬تدبير شئونهم الدنيوية والآخرية،‮ ‬ومن هنا بدأت الكنيسة الغربية في‮ ‬مراجعة المعارف التي‮ ‬تنتشر في‮ ‬الحضارة الغربية وكان منها فن المسرح،‮ ‬وحاولت نفيه من المدينة الغربية لأسباب أخلاقية في‮ ‬الأساس منها‮:‬
1ـ إن فن المسرح‮ ‬يستمد وجوده من موضوعات وثنية تجاوزها الدين المسيحي،‮ ‬ويتناول موضوعات تختص بآلهة وثنية وتنفي‮ ‬الذات الإلهية،‮ ‬كما احتوت العروض علي‮ ‬بعض الإشارات التي‮ ‬تحرمها الديانة المسيحية‮.‬
2ـ تناول المسرح بعض الشعائر المسيحية بطريقة هزلية مما‮ ‬يهدد نفوذ الكنيسة الغربية وبالتالي‮ ‬سلطتها الروحية والعلمية‮.‬
من ثم،‮ ‬كان عام‮ ‬391 م أثناء حكم تيودوس لروما علامة فارقة في‮ ‬العلاقة الحدية بين الكنيسة والمسرح،‮ ‬وتم تحريم المسرح،‮ ‬وأصدرت الكنائس الغربية ومجامعها دعوات بحرمان الممثلين والممثلات المسيحيين من مزاولة الطقوس الدينية وطردهم من الكنيسة‮. ‬وتحالف مع الكنيسة الملوك والأباطرة في‮ ‬تحريم مهنة التمثيل،‮ ‬وظل هذا الوضع حتي‮ ‬القرن السادس الميلادي‮.‬
مسار الإحياء والاستعادة‮:‬
إذا كان رجال الدين سبباً‮ ‬رئيسياً‮ ‬في‮ ‬اقصاء المسرح من المجتمع،‮ ‬فإنهم كانوا فيما بعد أحد أسباب رجوع المسرح مرة أخري‮ ‬إلي‮ ‬الحياة،‮ ‬فكانت النصوص المحفوظة في‮ ‬الأديرة لبعض الكتاب المسرحيين مثل تيرانس وبلوتس،‮ ‬تقرأ سراً‮ ‬من وقت لآخر لسببين‮:‬
الأول‮: ‬معرفة أسرار اللغة اللاتينية والتي‮ ‬تعد لغة ضرورية لمعرفة أمور الدين‮.‬
الثاني‮: ‬جمال الأسلوب اللغوي‮ ‬للكتاب الوثنيين ووصولها بسهولة إلي‮ ‬العقول،‮ ‬واعجاب بعض الرهبان ببلاغتها‮.‬
لقد كان القرن العاشر الميلادي‮ ‬نقطة تحول لظهور المسرح مرة أخري‮ ‬في‮ ‬الكنيسة،‮ ‬علي‮ ‬يد راهبة اسمها روزيتا من راهبات دير‮ "‬جندر شليم‮" ‬بإقليم سكسونيا،‮ ‬وقامت بمحاكاة نصوص تيرنس وبلوتس وتطويع أسلوبهما الدرامي‮ ‬في‮ ‬خدمة الدين،‮ ‬وتمثيلها لرجال الدين‮  ‬وألفت مسرحية‮ "‬دلشتيوس‮" ‬التي‮ ‬تدور حول ثلاث من العذاري‮ ‬المسيحيات‮ ‬يرفضن أوامر الامبراطور دقلديانوس من قرار زواجهن،‮ ‬ويعهد الامبراطور للحاكم دلشتيوس بحبسهن ولكن‮ ‬يولع الحاكم بجمالهن،‮ ‬ويأمر بحبسهم بغرفة القدور والحلل،‮ ‬وذهب الحاكم ليلاً‮ ‬لاغتصابهن ولكن تحدث معجزة فيخيل له أن القدور ما هي‮ ‬إلا البنات المسيحيات،‮ ‬ويلطخ وجه الحاكم بالسواد من القدور ويفتضح أمره وتنتهي‮ ‬المسرحية باعدام المسيحيات‮. ‬ونلمح من هذه التمثيلية أن طابعها الدرامي‮ ‬يمزج بين الهزل والجد‮.‬
المسرحة في‮ ‬خدمة الدين‮:         ‬
ولكن هناك نقطة في‮ ‬غاية الأهمية وهي‮ ‬أن طقوس الدين المسيحي‮ ‬لاتخلو من العنصر الدرامي‮ ‬وخاصة القداس الكاثوليكي‮ ‬لما‮ ‬يحتويه من حركات تمثيلية،‮ ‬فكل حركة لها دلالة ومعن وتشير إلي‮ ‬لحظة مهمة في‮ ‬حياة المسيح،‮ ‬بجانب وجود اللغة اللاتينية التي‮ ‬بدأت في‮ ‬التواري‮ ‬عن تداول الشعب بها مع توالي‮ ‬القرون‮. ‬فلجأ البابا جريجوري‮ ‬الأول في‮ ‬القرن السادس الميلادي‮ ‬بتقسيم القداس إلي‮ ‬جماعتين‮ ‬يتناوبان التراتيل بين النشيد الفردي‮ ‬والجماعي‮. ‬ثم بدأ الحوار بين الجماعتين في‮ ‬القداس،‮ ‬ولجأت الكنيسة في‮ ‬القرن التاسع الميلادي‮ ‬نظراً‮ ‬لجهل العامة باللغة اللاتينية بإدخال مشهد قصير‮ ‬يسمونه تروب‮ ‬trope  علي‮ ‬صورة سؤال وجواب وهو حوار مقتبس من الكتاب المقدس في‮ ‬بعض مشاهده‮ ‬يقوم به قس‮. ‬وتطور الأمر بعد ذلك،‮ ‬وأضيف قس آخر،‮ ‬وأصبح هناك قسان‮ ‬يتحاوران باللغة اللاتينية مصحوبين بالحركة والإيماءة مما جعل العامة‮ ‬يفهمون الطقوس الدينية التي‮ ‬كانت عصية علي‮ ‬الفهم لجهل العامة باللغة اللاتينية،‮ ‬وأصبح النص تمثيلية مكونة من أربعة سطور‮. ‬وكان لجوء الكنيسة إلي‮ ‬المسرح في‮ ‬الأساس لخدمة الدين‮.‬
وتطور الأمر بعد ذلك،‮ ‬بأخذ نصوص من الكتاب المقدس الإصحاح السادس عشر في‮ ‬انجيل مرقص الذي‮ ‬يدور حول زيارة المريمات الثلاث‮ (‬مريم المجدلية،‮ ‬ومريم أم‮ ‬يعقوب،‮ ‬ومريم سلوما‮) ‬لقبر المسيح بعد قيامته وصعوده،‮ ‬وتم نسج تمثيلية قصيرة منها وهي‮ "‬قيامة المسيح من اللحد‮" ‬وكانت تمثل في‮ ‬قداس عيد الفصح،‮ ‬قسيس‮ ‬يقوم بدور الملاك‮ ‬يرتدي‮ ‬ثوباً‮ ‬أبيضاً‮ ‬وفي‮ ‬يده سعف من النخل جالس بجوار المذبح ويقوم ثلاثة قساوسة بدور المريمات الثلاثة‮. ‬وتكتمل في‮ ‬هذه التمثيلية أركان الدراما،‮ ‬حيث‮ ‬يتوافر فيها المكان المحدد وهو القبر أو اللحد،‮ ‬وممثلون‮ ‬يقومون بأداء الأدوار المختلفة مصحوبة باللغة والحركة‮.‬
ثم بدأ الانفتاح علي‮ ‬الكتاب المقدس وتم نسج العديد من التمثيليات التي‮ ‬تستمد حكايتها من نصوصه،‮ ‬ففي‮ ‬القرن العاشر الميلادي‮ ‬تم عمل تمثيلية‮ "‬زيارة المهد‮" ‬في‮ ‬دير سان مارسيال في‮ ‬مدينة ليموج‮. ‬ونستنتج من هذا أن أعياد الفصح والقيامة كانت أول الأعياد التي‮ ‬عرفت العروض التمثيلية في‮ ‬داخل الكنيسة وكان‮ ‬يقوم بتمثيل أدوار الرجال والنساء القساوسة في‮ ‬مدة لا تتعدي‮ ‬الدقائق القليلة،‮ ‬محتفظة بتقاليد الكنيسة الكاثوليكية مثل عدم تجسيد الذات الألهية أو السيد المسيح أو السيدة مريم العذراء،‮ ‬واستبدالهم بالعرائس أو التماثيل،‮ ‬ثم حدث تطوير فيما بعد علي‮ ‬تمثيلية الميلاد وأضافوا إليها بعض المقدمات وبعض التفاصيل المشوقة،‮ ‬وتخللت بعض النصوص مقطوعات شعر منظومة باللاتينية لتصل مدتها إلي‮ ‬ربع ساعة‮. ‬ونتيجة لهذه الإضافات المختلفة انفتحت اللغة اللاتينية علي‮ ‬لغة الشعب العامية،‮ ‬فظهر نوع جديد من التمثيليات المعروفة وهي‮ ‬التمثيلات اصف الطقوسية،‮ ‬بدأ دخول اللغة الشعبية علي‮ ‬التمثيليات الطقوسية وظهرت تمثيلية العرائس،‮ ‬ثم بدأ عصر التأليف بتمثيلية أو مسرحية‮ "‬آدم‮".

د.محمد سمير الخطيب ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 223

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here