اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

قصة الإضاءة من الشمس إلي الليزر مروراً بالمشاعل والمصابيح الكيروسين

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

ما بين وضاحة النهار وعتمة الليل .. أدرك الإنسان منذ بدء الخليقة أن الضوء والإضاءة من الضروريات الأساسية وظيفيا في حياته بعيدا عن التأثيرات الإبداعية والجمالية الأخري .. وكان هذا مدخلا للكثير من التغيرات التي كان وراءها دراسات طويلة .. فيعد الضوء من أقدم المجالات التي بحث فيها الإنسان مليا وأسس من أجلها علوما .. ولعله من أكثر ما اختصته الدراسات المختلفة تاريخيا .. وربط هذا الاهتمام بدوره بين الضوء والمسرح ليأخذه إلي أبعاد أخري إبداعية وجمالية ...

لزم الضوء الفن المسرحي منذ نشأته الأولي .. بل وطوعه .. ودليل ذلك أن الفراعنة والإغريق آثروا تقديم عروضهم المسرحية نهارا استغلالا لضوء الشمس كأول مصدر له عرفه الإنسان .. رغم الآثار السلبية لذلك نتيجة ما يحتاجه المؤدون من سمات جسدية كقوة البدن والصوت التي تناسب عروضا في الهواء الطلق.

ولكنه الإنسان بذكائه الفطري الذي خلقه الله عليه أراد أن يستغل هذا الالتزام .. فيختار أوقاتا مختلفة حسب طبيعة النصوص وعروضها .. والتي حاول فيها الكتاب تجنب المشاهد الليلية .. وإن ظلت هذه المشكلة تؤرق المسرحيين وقتها .. وأخذوا يبحثون عن حل لها .. إلي أن واتتهم فكرة استخدام النار من خلال مشاعل أرضية ثم علوية تسمح لهم بتقديم عروض ليلية .. بل وابتكروا في ذلك في تجارب لم تستمر قدموا خلالها عروضا علي أجزاء .. بعضها نهاري والبعض الآخر ليلي.

هذه البداية أوحت بمراحل التطور التالية كما أكدت علي حقيقة أن المسارح عندما تصمم يؤخذ في الحسبان عدة اعتبارات أهمها الضوء .. ودليل ذلك أن المسارح الإغريقية والرومانية الباقية أثارها حتي الآن صممت علي شكل حفرة بين اثنين من التلال تحتضن أشعة الشمس التي تأتي عمودية عليها .. مما يعني أن الضوء يؤثر أيضا في اختيار الموقع المناسب فيفترض أن تسلط الأشعة عليه بصفة مستمرة للحصول علي أفضل نتاج من الضوء الطبيعي.

كما توضح الدراسات التاريخية في إضاءة المسرح أن القدماء سبقوا مسرحي العصر الحديث في الاهتمام بالتصميم الضوئي والتخطيط له بدقة .. ودليل ذلك مسرح ديونيسوس بأثينا الذي أسس عام 330 قبل الميلاد .. وكذلك مسرح يوربيدس الذي يعود تاريخه لعام 340 قبل الميلاد .. وفيهما استخدمت بعض المرايا والمواد الأخري لتجميع الضوء من ناحية ثم تسليطها إلي الناحية الأخري .. وتعد هذه نظرية فرعونية في الضوء مسجلة علي أحد الجدران.

تؤكد بعض المصادر أن المسارح قبل الميلاد استخدمت المشاعل .. وإن نفي بعض المؤرخين ذلك .. وبعيدا عن حقيقة هذا من عدمه .. فتعد المشاعل هي أول مصدر ضوئي استخدم في المسارح المغلقة .. من أجل تقديم العروض المسرحية ليلا .. ولكن صاحبها العديد من المشاكل أهمها أدخنتها المتصاعدة والمخاطر الناتجة عنها كالتعرض للحرائق والاختناق أحيانا .. إلي جانب استحالة السيطرة علي ضوئها وعدم ثباته .. مما يجعل مجال الرؤية سيئا.

ولهذا وبعد تجارب عدة .. استخدمت المسارح بعد الميلاد الشموع التي عالجت بعضا من مشاكل المشاعل .. فهي أقل خطورة .. وأكثر ثباتا .. ولكنها أضعف من المشاعل وبالتالي مجال رؤية أقل .. كما أنها أكثر تكلفة .. وبالرغم من هذا ظلت المصدر الأساسي للإضاءة لفترة طويلة وأثر هذا علي تطور المسرح .. وجعلت المسرحيين يلجأون إلي العروض النهارية من خلال تركيب مجموعة مرايا عاكسة تؤدي بالضوء إلي داخل المسرح من عدة زوايا.

ورغم الطفرة التي أحدثها اختراع المصابيح الزيتية بمميزاتها الكبيرة عن الشموع .. فإن تكلفتها الكبيرة جعلت استخدام الشموع أكثر شيوعا .. حتي فتحت تلك المصابيح بابا لتطور جذب المسرحيين إليه .. ومنها تخليق الضوء الملون من خلال سوائل في زجاجات .. بألوان مختلفة حسب نوع السائل .. فيستخدم النبيذ لإنتاج اللون الأحمر والزعفران للأصفر وكلوريد الأمونيوم في وعاء من النحاس للأزرق .. وكانت تلك أول إشارة للعلاقة الوثيقة بين الضوء والألوان.

بدأ الضوء يكتسب بعض الأهمية .. في المسرح .. وأخذ بعض المسرحيين يبحثون في سماته وخصائصه المختلفة كالكثافة والانتشار والألوان .. وإجراء تجارب تضيف قدرا من الإثارة والجاذبية .. وأخري تبحث عن حلول للصعوبات المتعلقة بالمشاعل والشموع والمصابيح الزيتية وأخطارها .. وغيرها تبحث عن بدائل لها.

ومن المستحدثات التي توصلوا إليها واستخدمت خلال القرنين السادس والسابع عشر هو استخدام الإضاءة الأرضية بوضع مصابيح علي الخشبة .. أو شموع داخل أسطوانات معدنية من أجل التحكم فيها .. كما استخدم لأول مرة عاكس بدائي عن طريق أوراق مصقولة وراءها شموع.

وفي ظل استمرار تفضيل الشموع في المسارح جاء اختراع مصباح الكيروسين بالفتيل ليمثل نقلة هامة في الإضاءة المسرحية حيث أجريت التجارب الخاصة به جزئيا في فرنسا ثم انتشر استخدامه في المسارح الإنجليزية .. وتزامن ذلك مع استخدام غاز الفحم في الإضاءة وإن ظل مصباح الكيروسين الأكثر شعبية.

طفرة أخري واختراع آخر في القرن التاسع عشر .. عندما اكتشف بنسن لهبا خاصا من خلال تسخين قطعة جيرية حتي تصدر ضوءا .. وتابع في تجاربه حتي قام بتركيب بعض المصابيح التي تعمل من خلال هذا اللهب والذي تميز ضوءه بالقوة والشدة .. وإن كان أقل كثافة من المشاعل ومصابيح الكيروسين .. ولكنه أضفي جمالا وجاذبية.

أما الطفرة الأسطورية فكانت مع اكتشاف الكهرباء .. واختراع المصابيح التي تضاء بها في القرن العشرين .. وإن تأخرت المسارح كثيرا في استخدام هذه المصابيح نظرا لتكلفتها العالية في تلك الفترة .. وإن أسهم هذا الاكتشاف وما تبعه من اختراعات في تطوير العديد من المفاهيم المتعلقة بالإضاءة المسرحية.

المصباح الكهربي ثم الطفرات العلمية واختراع الدوائر الإلكترونية الدقيقة .. واختراع أجهزة مختلفة في استخداماتها في العموم .. ثم تصميم أجهزة مختلفة بشكل خاص للمسرح ليس فقط للإضاءة والرؤية بوضوح ولكن لإحداث تأثيرات نفسية وجمالية مختلفة .. ليتبلور دور الإضاءة وبالتالي دور مصمميها ومعه تتغير وظائف الإضاءة في المسرح.

ولنعيد الفضل لأصحابه والذين غامروا .. وسبقوا غيرهم في استخدام مصادر الضوء المختلفة .. فإن المسرحيين في إيطاليا وتحديدا مسرح الأوليمبك ثم إنجلترا بمسرح إنجو جونسن أول من استخدموا الشموع للإضاءة في المسرح .. بينما استخدم المصباح الزيتي لأول مرة في سويسرا .. أما المصباح الغازي فظهر لأول مرة بمسرح شارع شيستنت بفلاديفيا بالولايات المتحدة الأمريكية .. واللمبات الكهربائية بمسرح سافوي اللندني .. ثم الكشافات العملاقة بمسرح لويس هيرمان الإنجليزي.

ويؤكد تاريخ المسرح وتزايد فنون الإضاءة المسرحية علي أهمية المتابعة واستكمال المسيرة من حيث انتهي الآخرون .. ويتضح ذلك من خلال التجول بين بعض الأسماء والتواريخ الهامة بداية من عام 1545 والذي شهد استخدام "سابستيانو سيرليو" للأضواء الملونة لأول مرة من خلال سوائل في زجاجات .. ثم عام 1550 والذي قام فيه "ليون دي سومي" بعمل إضاءة كاملة للمشاهد المبهجة وقاتمة للمشاهد المأساوية وذلك باستخدام المشاعل والشموع والمصابيح الزيتية والمعلقة معا.

ويستطرد "إينيجو جونز" بروما عام 1573 كأول من استخدم قوس الأضواء المسرحية النصف دائري .. والذي أوحي له ولغيره بالعديد من الأفكار وعام 1618 استخدمت في مسرح برانيزي بباري بإيطاليا الستائر للسيطرة علي الإضاءة وخلق ظلال لأول مرة .. وصولا لجوزيف فوريستنباش الذي أدخل للمسرح الإضاءة المسرحية الأرضية والجانبية عام 1628.

ويستكمل المسير "نيكولا ساباتيني" الذي أبدع في استخدام الشموع في أسطوانات معدنية للتحكم في شدة وكثافة الضوء وذلك عام 1638 .. وكان المسرح الوطني بباريس علي موعد مع استخدام الغاز في الإضاءة عام 1700 .. ومازلنا في باريس حيث استخدم مصباح الكيروسين بالفتيل وإلحاق المسارح التي استخدمته بمدخنة لأول مرة عام 1783.

وعلي طريق الاختراعات تمكن "ويليام موردوك" من التحكم في كمية الضوء عن طريق التحكم في كمية الغاز بالمصباح الغازي في تجاربه الخاصة عام 1791 .. ثم كانت النقلة الهامة في عالم الإضاءة عبر العالم "هنري دريموند" الذي أنتج لهبا مركبا من الأوكسجين والهيدروجين ناتج عن تسخين قطعة من الجير واستخدمه في الإضاءة لأول مرة في أوبرا باريس عام 1803.

وشهد مسرح دوري لين بإنجلترا استخدام الغاز بالإضاءة ليصبح أول مسرح يضاء بالغاز وذلك عام 1845 .. ولكن الأمر لم يستمر طويلا .. فبعد عام واحد اكتشف المصباح الكهربي .. ورغم أنه لم ينتشر بشكل كبير ولكن أوبرا باريس أسرعت إليه بل واستخدمت أقواس كهربائية بعد عام واحد .. ونعود إلي مسرح سافوي الذي سجل اسمه من ذهب كأول مسرح يستخدم الإضاءة المسرحية الكهربائية بشكل كامل عام 1881.

وترتبط التطورات التالية بالطفرة المسرحية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية فها هو مسرح "بيجو" ببوسطن يسبق جميع المسارح في العالم بوضع نظام إضاءة كهربي كامل يتم السيطرة عليه من خلال لوحة تحكم خارجية بداية من عام 1885 .. ويستمر التطور حتي يشهد مسرح "ميتروبوليتان" بنيويورك أضخم نظام كهربي عرف حتي قيام الحرب العالمية الأولي به 96 مدخل تحكم ضوئي و20 دائرة كهربية.

شهد القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين تطورات كبيرة وثورة في عالم الإضاءة وصولا إلي استخدام أشعة الليزر وهي حزمة ضوئية تحتفظ بأكبر قدر من طاقتها غير المشتتة ذات سرعة شديدة إلي درجة اختراق كل العوائق وتفاديها .. وسهل ذلك من استخدام آلاف القنوات الضوئية مما أحدث تطورات تكنولوجية أوحت بفكر إبداعي مختلف تبلور في آلاف المؤثرات الضوئية التي تخصصت العديد من الشركات في تركيب وصناعة جهاز خاص لكل مؤثر.

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢٦
أخر تعديل في الثلاثاء, 13 آذار/مارس 2012 12:24

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here