دراما الإقصاء

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

دائما ما تبدأ الدراما بوجود حالة استقرار لدي‮ ‬شخوصها‮ ‬،‮ ‬فلا صراع ولا تحولات ولا حتي‮ ‬عنف حواري‮ ‬،‮ ‬ثم تبدأ الدنيا في‮ ‬التغيير صعودا باتجاه خطأ ما ترتكبه إحدي‮ ‬شخصيات هذا المجتمع الساكن‮ ‬،‮ ‬ليتحول الأمر إلي‮ ‬صراع عنيف بين قوتين إحداهما ترغب في‮ ‬أحد الأمور بشدة والأخري‮ ‬لها رغبة مضادة‮ ‬،‮ ‬يستمر الصراع بين القوتين حتي‮ ‬يصل إلي‮ ‬نقطة الإذعان‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تدمر فيها إحدي‮ ‬القوتين الأخري‮ ‬وقد تختلف النهاية عن ذلك فيكون هناك تصالح مثلا‮ ‬،‮ ‬سواء كانت هذه هي‮ ‬النهاية أو تلك هي‮ ‬النهاية‮ ‬،‮ ‬أو حتي‮ ‬كانت هناك نهاية ثالثة،‮ ‬ما‮ ‬يحدث داخل الدراما لا‮ ‬يختلف كثيرا عما‮ ‬يحدث داخل الواقع الراهن في‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬ثمة صراع دائر علي‮ ‬أشده الآن بين القوي‮ ‬المدنية في‮ ‬طرف‮ ‬،‮ ‬وبين القوي‮ ‬الإخوانية الحاكمة في‮ ‬طرف آخر،‮ ‬ظهر ذلك جليا في‮ ‬معركة جمعة‮ "‬كشف الحساب‮"  ‬كلا الطرفان‮ ‬يحاول فرض سيطرته،‮ ‬مع الفارق في‮ ‬ميزان القوي،‮ ‬والمحسوم بالطبع لصالح الإخوان،‮ ‬فهم‮ ‬يمتلكون مؤسسات الدولة عبر امتلاكهم للحكم‮ ‬،أما الآخرون فهم لا‮ ‬يمتلكون إلا أفكارهم وطموحاتهم وعزائمهم اللامحدودة‮ .‬
الإخوان‮ ‬يريدون السيطرة علي‮ ‬مفاصل البلاد جميعها،‮ ‬حالة الطمأنينة لديهم لن تتوافر إلا عبر ذلك،‮ ‬فهم منحدرين من جماعة محظورة كانت مطاردة وتعمل سرا تحت الأرض في‮ ‬معظم أنشطتها إلي‮ ‬جماعة متصدرة للمشهد السياسي‮ ‬في‮ ‬الدولة‮ ‬،‮ ‬الفارق كبير بين الحالتين‮ ‬،‮ ‬وهذا الفارق لا‮ ‬يكمن فقط في‮ ‬مقدار تصدرها للمشهد من عدمه وإنما‮ ‬يتجاوز ذلك فيصبح فارقا نفسيا أيضا‮ ‬،‮ ‬فما زال‮ ‬غالبية الإخوان‮ ‬غير مطمأنين وبنسب كبيرة‮ ‬،‮ ‬فبرغم تهليل شيوخ المساجد في‮ ‬خطب‮ ‬يوم الجمعة‮ ‬،‮ ‬وتهليلات الصحف الحكومية والميديا كلها للرئيس وللوزراء إلا أنهم جميعا‮ ‬يشعرون في‮ ‬حقيقة الأمر بأنهم لم‮ ‬يحكموا قبضتهم فعليا علي‮ ‬البلاد‮ ‬،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجعلهم في‮ ‬حيرة من أمرهم‮ ‬،‮ ‬الحكومة مازالت كما كانت في‮ ‬العهد السابق تنتظر التوجيهات والتعليمات‮ ‬،‮ ‬والرئيس نفسه لم‮ ‬يستقر علي‮ ‬نمط أدائي‮ ‬واحد‮ ‬يقابل به شعبه‮ ‬،‮ ‬لذا نجده‮ ‬يستعير كاريزمات زعامية سابقة في‮ ‬خطبه‮ ‬،‮ ‬تارة تلمح فيه كاريزما ساداتية،‮ ‬وأخري‮ ‬ناصرية‮ ‬،‮ ‬وثالثة أحمديه نجادية‮ ‬،‮ ‬ورابعة رجبيــــــة أردوغانية،‮ ‬وهذا ليس عيبا ولا ميزة بقدر ما هو دال علي‮ ‬عدم استقرار الأمور في‮ ‬البلاد‮ ‬،‮ ‬والأمور لن تستقر إلا بالاعتراف بالقوة الأخري‮ ‬المقابلة للإخوان والتي‮ ‬تتمثل في‮ ‬مجموع القوي‮ ‬المدنية والنظر إليها علي‮ ‬أنها شريك أساسي‮ ‬في‮ ‬البلاد‮ ‬،‮ ‬شريك قد‮ ‬يرقي‮ ‬يوما لأن‮ ‬يأتي‮ ‬عليه الدور ويحكم البلاد‮ ‬،‮ ‬وتتغير الأدوار‮ ‬،‮ ‬وهذا وارد جدا في‮ ‬ظل دولة سيادة القانون‮ .‬
لكي‮ ‬يستقر صراع الواقع‮ ‬يجب الاعتراف بأهمية طرفي‮ ‬الصراع وعدم التشكيك‮ ‬،‮ ‬حرية النقد مكفولة،‮ ‬وإقصاء طرف لآخر لن‮ ‬يلغيه حتي‮ ‬لو كان الطرف الذي‮ ‬يقصي‮ ‬هو الطرف الذي‮ ‬يحكم‮ ‬،‮ ‬التاريخ‮ ‬يقول عكس ذلك‮ ‬،‮ ‬فإقصاء نظام مبارك للإخوان لم‮ ‬يقض عليهم بل زاد من تماسكهم مما مكنهم من الوصول للحكم‮ ‬،‮ ‬وأقول طرفي‮ ‬الصراع علي‮ ‬اعتبار أن القوة العسكرية محايدة في‮ ‬كل الظروف‮ ‬،‮ ‬ولن تدخل إلي‮ ‬أرضية الصراع إلا إذا توترت الأحوال وخرجت عن السيطرة وهو مالا‮ ‬يتمناه أحد لا في‮ ‬الوقت الراهن ولا في‮ ‬الأوقات القادمة‮ ‬،‮ ‬التمسك بالإقصاء‮ - ‬إن استمر في‮ ‬الوجود‮ - ‬هو ما سيعيده إلي‮ ‬المشهد السياسي‮ ‬مرة أخري‮ ‬،‮ ‬وهو ما لا‮ ‬يرضي‮ ‬جميع الأطراف‮ ‬،‮ ‬فالمؤسسة العسكرية لها مهامها الجسام التي‮ ‬لا‮ ‬يجب أن تنشغل بغيرها حتي‮ ‬لا تتحول دراما الوقع المريرة إلي‮ ‬دراما مأساوية‮. ‬

 

إبراهيم الحسيني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٥
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي