‮ ‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮: ‬بين الحضور السنيمائي،‮ ‬والفتور المسرحي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

منذ أيام،‮ ‬شاهدت أنا وابني‮ -‬الذي‮ ‬يبلغ‮ ‬من العمر ثماني‮ ‬سنوات‮- ‬فيلم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬البوليس الحربي‮. ‬وقد كانت ضحكاته تعلو وتعلو من جراء المواقف المختلفة التي‮ ‬يتعرض لها إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬الفيلم،‮ ‬وقد وصل به الأمر إلي‮ ‬تقليد حركاته،‮ ‬وإلقاء بعض نكاته‮. ‬وبعد أيام‮..‬حينما طُلب مني‮ ‬المشاركة‮  ‬بالكتابة في‮ ‬ملف إسماعيل‮ ‬ياسين،‮ ‬قمت أنا وابني‮ ‬– أيضا‮-  ‬بمشاهدة مسرحية‮ "‬كل الرجالة كدة‮"‬،‮ ‬وأخبرته أن‮ (‬سُمعة‮) ‬هو البطل إلا أن هذه المرة قد انصرف عن مشاهدة المسرحية‮. ‬هذا استدعي‮ ‬عندي‮ ‬تساؤلا وهو لماذا تحقق الأثر الكوميدي‮ ‬من الفيلم،‮ ‬ولم‮ ‬يتحقق في‮ ‬المسرحية؟ وقد حاولت أن أجب عن هذا التساؤل من خلال محاولة رصد الأداء التمثيلي‮ ‬عند إسماعيل‮ ‬ياسين بين السينما والمسرح‮.‬
لقد قدم إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬السينما شخصية‮ " ‬سُمعة‮" ‬أو‮ "‬سيماعين‮" ‬تلك الشخصية المحورية،التي‮ ‬تتمتع بصفات البطل المحوري‮ ‬فيما‮ ‬يعرف بـ‮ "‬كوميديا الموقف‮".  ‬فشخصية‮ "‬سمعة‮"  ‬تدور حولها الأحداث،‮ ‬ولا تتغير أو تتحول،‮ ‬فهي‮ ‬شخصية نمطية تتعرض لكثير من المواقف المختلفة،‮ ‬وغير المتوقعة،‮ ‬إلا أنها تنتهي‮ ‬نهاية سعيدة،‮ ‬كأن‮ ‬يحصل‮ (‬سُمعة‮) ‬علي‮ ‬مكافأة مالية،‮ ‬أو وظيفة،‮ ‬أو زوجة‮. ‬أو‮ ‬ينضم إلي‮ ‬سلاح الطيران‮..‬إلخ‮. ‬وتبدو المواقف التي‮ ‬يتعرض إليها مواقف بسيطة للغاية،‮ ‬إلا أن قدرتها في‮ ‬التأثيرعلي‮ ‬المتفرج تعتمد علي‮ ‬مهاراته الذاتية‮. ‬
فقد نبعت قدرات إسماعيل‮ ‬ياسين‮  ‬من كونه‮ ‬يتمتع بمهارات مختلفة تؤهله للأداء الكوميدي،‮ ‬وتجعله علامة فارقة في‮ ‬التاريخ الكوميدي‮ ‬السينمائي‮. ‬فبداية من شكله الخارجي‮ ‬الذي‮ ‬استخدمه ووظفه في‮ ‬أدائه،‮ ‬ساخرا من اتساع فمه تارة ومن قبحه في‮ ‬كثير من الأحيان،‮  ‬ومرورًا‮  ‬بلزماته الحركية المتكررة مثل‮ ( ‬حركة فمه ويديه اللذان‮ ‬يعبران عن تورطه أو دهشته من موقف ما‮) ‬،‮ ‬حتي‮ ‬إصداره لبعض الأصوات المتكررة‮ ( ‬مثل الشهقة التي‮ ‬اشتهر بها في‮ ‬أفلامه‮). ‬ولم تتوقف مهارات إسماعيل‮ ‬ياسين الكوميدية عند هذا الحد،‮ ‬وإنما اشتهر كذلك بقفشاته المضحكة،‮ ‬وكلماته المتكررة مثل كلمة‮ ( ‬يا خووويا‮..) ‬و‮( ‬بُتيتا‮..)‬،‮ ‬وأيضا قدرته‮ ‬– غير العادية‮- ‬علي‮ ‬إلقاء النكات‮. ‬وتجسيد دور المرأة ببراعة‮. ‬هذا بالإضافة إلي‮ ‬قدرته علي‮ ‬إلقاء المنولوجات،‮ ‬والغناء وتوظيفهما في‮ ‬العمل السينمائي‮ ( ‬وقد أخبرتني‮ ‬صديقة لي‮ -‬متخصصة في‮ ‬الموسيقي‮- ‬أن إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬يملك المقومات الصوتية للمطرب‮).‬
والمهارات الكوميدية التي‮ ‬يتمتع بها إسماعيل‮ ‬ياسين تحيلنا إلي‮ ‬ما‮ ‬يعرف باللاتزي‮ ‬ Lazzi في‮ ‬مسرح الكوميديا المرتجلة أو الكوميديا دي‮ ‬لارتي‮  ‬Comedia del Arte‮ ‬وهي‮ ‬مجموعة من اللزمات الصوتية والحركية التي‮ ‬كان‮ ‬يستخدمها الممثلون في‮ ‬هذا المسرح‮. ‬أو ما‮ ‬يطلق عليه‮ "‬صندوق الحيل‮"‬،‮. ‬هذا ما‮ ‬يجعلنا نصنف الأداء التمثيلي‮ ‬عنده وفق الأداء التمثيلي‮ ‬النمطي‮ ‬أو الشخصية النمطية؛ علي‮ ‬غرار ممثلي‮ ‬الكوميديا ديلارتي‮ ‬مثل بنتالون،‮ ‬وكولومبيان،‮ ‬وهارليكان‮. ‬حيث امتلك إسماعيل‮ ‬ياسين مجموعة من المهارات الصوتية والحركية التي‮ ‬لم تتغير من دور لآخر‮. ‬وقد ساهمت كاميرات السنيما،‮ ‬وفن المونتاج،‮ ‬فضلا عن دور المخرج‮  ‬في‮ ‬إبراز هذه المهارات الأدائية عنده،‮ ‬والتركيز عليها‮.  ‬ففي‮ ‬السينما لا‮ ‬يتحمل الممثل‮- ‬بمفرده‮- ‬مسئولية الصورة النهائية،‮ ‬وإنما تشترك فيها العناصر السابقة جميعها‮. ‬
أما بالنسبة لمسرح إسماعيل‮ ‬ياسين الذي‮ ‬أنشأه عام‮ ‬(1954)، فلم‮ ‬يكن نوعا مسرحيا بالمفهوم التقني‮ ‬للمسرح الجاد؛ فقد كان تجاريا؛ حيث هدف إلي‮ ‬تحقيق عنصرين أولهما‮:  ‬التسلية،‮ ‬والثاني‮: ‬الربح‮ ( ‬فشل في‮ ‬تحقيقه حتي‮ ‬وفاته‮). ‬وتمثلت مقومات مسرحه في‮ ‬الاعتماد علي‮ ‬نصوص كوميدية قام بتأليفها أبو السعود الإبياري،‮ ‬وكذلك قيام العديد من المخرجين البارزين مثل السيد بدير،‮ ‬ومدبولي،‮ ‬نور الدمرداش بالإخراج فيه‮.‬
‮ ‬وفيما‮ ‬يتعلق بالأداء التمثيلي‮ ‬في‮ ‬مسرحه‮ ‬– في‮ ‬رأيي‮ ‬– أن إسماعيل‮ ‬ياسين لم‮ ‬يتمتع بالتميز أو التفرد في‮ ‬الأداء الكوميدي‮ ‬الذي‮ ‬حظي‮ ‬به في‮ ‬السينما‮. ‬فمن خلال العمل المسرحي‮ (‬اليتيم‮) (‬مسرحية كل الرجالة كدة‮)-  ‬المسرحية الوحيدة التي‮ ‬بقيت من أعمال لا تقل عن ستين عملا لإسماعيل‮ ‬ياسين‮- ‬قد رأيت أنه بالرغم من استخدامه لمهاراته الكوميدية نفسها التي‮ ‬استخدمها في‮ ‬السينما‮ (‬اللزمات الصوتية والحركية‮) ‬لتجسيد شخصية‮ (‬عباس الأفلاطوني‮) ‬البقال؛ لم تتميز بالتأثير الكوميدي‮ ‬لشخصية‮ (‬سُمعة‮) ‬في‮ ‬أفلامه‮. ‬وإنما نبعت الكوميديا في‮ ‬هذه المسرحية من خلال كوميديا الموقف التي‮ ‬تقدمها الأنماط الشخصية الكوميدية المتعارضة مثل‮:  "‬عباس الأفلاطوني‮" ‬البقال‮ (‬إسماعيل‮ ‬ياسين‮) ‬،‮ ‬وابن عمه‮ " ‬عباس الأفلاطوني‮" ‬المحامي‮ ‬الشهير‮ (‬محمود المليجي‮) ‬،‮ ‬الزوجة المتطلعة إلي‮ ‬المظاهر‮  (‬تحية كاريوكا‮)‬،‮ ‬والخطيبة المتواضعة‮ ( ‬خطيبة محمود المليجي‮)‬،‮ ‬ووالد الزوجة المتطلع،‮ ‬والأب التركي‮ ‬والأم التركية‮ (‬اللذان‮ ‬يعيشان علي‮ ‬أمجاد الماضي‮)‬،‮ ‬هذا بالإضافة إلي‮ ‬شخصية الخادمة الفضولية التي‮ ‬تسرق سيدها‮ ( ‬جمالات زايد‮)‬،‮ ‬وشخصية‮ (‬شديد بيه عبد القوي‮) ‬المريض،‮ ‬وشخصية الصعيدي‮ ‬الذي‮ ‬يعاني‮ ‬من عاهة مرضية‮...‬إلخ من الشخصيات النمطية‮. ‬فكل هذه الشخصيات تقدم الحدث المسرحي‮ ‬البسيط من خلال تصرفاتها مما‮ ‬يبرز عيوب كل منها‮. ‬
‮ ‬كما ساهم الإخراج في‮ ‬تحقيق حالة من الملل،‮ ‬بداية من الديكور الثابت،‮ ‬وحتي‮ ‬الممثلين،‮ ‬فلم‮ ‬يتحرك الممثلون لملء الفراغ‮ ‬المسرحي‮ ‬واكتفوا في‮ ‬مشاهد كاملة بالجلوس علي‮ ‬الأرائك‮. ‬أو الإصطفاف كصف واحد وإلقاء جملهم الحوارية وكأنهم‮ ‬يؤدون في‮ ‬مشهد سينمائي‮ ‬وليس في‮ ‬مشهد مسرحي،‮ ‬كذلك لم تستخدم تقنيات أخري‮ ‬كالإضاءة وغيرها من تقنيات العرض التي‮ ‬توظف لخدمة الممثل علي‮ ‬خشبة المسرح‮.  ‬مما ساهم ذلك في‮ ‬خلق إيقاع رتيب للعرض المسرحي‮ ‬أثر بدوره في‮ ‬أداء الممثلين،‮ ‬وعلي‮ ‬رأسهم إسماعيل‮ ‬ياسين‮.‬
لقد تمكن إسماعيل‮ ‬ياسين في‮ ‬إبداع الشخصية النمطية في‮ ‬السينما،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬يتمكن من هذا التألق في‮ ‬المسرح،‮ ‬فمن المتعارف عليه أن الشخصية المسرحية لا تكتمل إلا حينما تتجسد فعليا علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬وهذا التجسيد لا‮ ‬يتحقق إلا بأداء الممثل الذي‮ ‬بدوره‮ ‬يضفي‮ ‬عليها من صفات متفردة،‮ ‬فيعطيها أبعادا خاصة‮. ‬فلم‮ ‬يهتم إسماعيل‮ ‬ياسين ببناء شخصية عباس الأفلاطوني،‮ ‬وإنما اهتم بالقاء النكات والقفشات،‮ ‬واستخدام لزماته الحركية،‮ ‬والصوتية،‮ ‬والغناء،‮ ‬فضلا عن تقليده بسخرية لبعض حركات الشخصيات الأخري‮. ‬تلك المهارات التي‮ ‬تتناسب وشخصية‮ (‬سُمعة‮) ‬ولكنها لا تعبر بأي‮ ‬حال من الأحوال مع شخصية عباس الأفلاطوني‮. ‬ومن ثم لم‮ ‬يتحقق له الحضور المسرحي‮ ‬أو التأثير الكوميدي‮ ‬السنيمائي‮.‬
‮ ‬وفي‮ ‬حقيقة الأمر،لا أعرف إذا كانت مسرحيات إسماعيل‮ ‬ياسين‮ ‬– التي‮ ‬أتلفها الإهمال‮-  ‬ينطبق عليها ما سبق أم لا‮..‬إلا أن ما أعرفه جيدا أن هذا الفنان‮ -‬بما قدمه‮- ‬سيظل حاضرا في‮ ‬وجداننا،‮  ‬وأن إعجاب الأجيال المختلفة بأدائه‮ ‬يعكس مدي‮ ‬تأثيره وأهميته‮ ‬،‮ ‬وأنه بالفعل ظاهرة كوميدية سينمائية لن تتكرر‮.‬

 

‮ ‬د‮. ‬صديقة لاشين

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٣
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي