اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

محسن مصيلحي كما عرفته

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

لم أكن واحدًا من أبناء الأجيال الذين لحقوا بالدكتور محسن مصيلحي‮ ‬الأستاذ الأكاديمي‮ ‬المتطور حين التحقت بالمعهد للدراسة كان هو‮ ‬يعد أوراقه ليسافر إلي‮ ‬لندن حيث أعد رسالة الدكتوراه ولم أشاهده إلا في‮ ‬محاضرات قليلة قبل السفر وحين عاد كنت طالبا بالدراسات العليا وكنت مشغولا بالمسرح الإنجليزي‮ ‬المعاصر وسألته مباشرة عن شعبية‮ "‬هارلود بنتر‮" ‬هناك إلا أنه فاجأني‮ ‬بأنهم هناك مشغولون أكثر بكتابات لإدوارد بوندي‮ ‬والذي‮ ‬اشتهر بإعادة صياغته لرائعة وليم شيكسبير‮ »‬الملك لير‮« ‬فقد كتب بوند‮ »‬لير‮« ‬مرة أخري‮ ‬متأثرًا بالمجازر التي‮ ‬كانت تحدث في‮ ‬البوسنة والهرسك وبعد اللقاء بعدة شهور دعاني‮ ‬المخرج الطليعي‮ »‬محمد أبو السعود‮« ‬كي‮ ‬أشاهد بالهناجر‮ »‬لير‮« ‬من ترجمة محسن مصيلحي‮ ‬ولعب البطولة وقتها الممثل اللامع خالد صالح وكان عرضًا شيقًا مشحونًا باللحظة الراهنة بقدر ما هو مشحون بروح شيكسبير‮ ‬يومها فقط بدأت ألتفت لمحسن مصيلحي‮ ‬ككاتب ومعد وناقد وصرنا أصدقاء بعد مناقشة مطولة عن عالم النص الذي‮ ‬أثر علي‮ ‬أوروبا بأسرها وتطرق الحوار لأونسكو الذي‮ ‬استقي‮ ‬عن شيكسبير أيضا‮ »‬ماكبث‮« ‬وكانت قد ترجمتها للعربية الدكتورة هدي‮ ‬وصفي‮ ‬وقدمها صديقي‮ ‬الناقد والمخرج هشام إبراهيم لقصر ثقافة‮ ‬6‮ ‬أكتوبر،‮ ‬بعد ذلك اليوم توطدت علاقتي‮ ‬بالفنان البسيط المحتر محسن مصيلحي‮ ‬وبدأت أقرأ نصوصه وأحضر عروضه وندواته وأتعلم من تحليله الرصين وقدرته الفائقة علي‮ ‬شد الانتباه لإشاراته وفهمه للعروض المسرحية التي‮ ‬كانت تقدم في‮ ‬المواسم المختلفة أو المصاحبة لفعاليات مهرجان القاهرة الدولي‮ ‬للمسرح التجريبي‮.‬
والحقيقة التي‮ ‬شدتني‮ ‬وقتها هي‮ ‬قدرته كمؤلف علي‮ ‬التنوع فنصوصه القليلة شديدة التباين والاختلاف لا تعكس اهتمامًَا كاملاً‮ ‬بالتاريخ وحده أو العصر وحده وإنما هي‮ ‬خليط بين هذا وذاك وكان عرضه الأول مع المخرج الكبير عصام السيد»درب عسكر‮« ‬قد أثار اهتمامًا كبيرًا بين أوساط المهتمين فالنص‮ ‬يعكس فهم الكاتب لطبيعة النص الارتجالي‮ ‬متي‮ ‬يدون وكيف تتم قضاياه وكيف‮ ‬يمكن مساعدة الممثل علي‮ ‬تطوير الأفكار المطروحة وكذا طرق تقديمها للآسف لم أشاهد العرض ولكني‮ ‬قرأت ذكريات محسن مصيلحي‮ ‬عنه وقرأت النص الذي‮ ‬اعتمد بعد نهاية العرض الذي‮ ‬أكد فيه المؤلف أن النص الذي‮ ‬بين أيدينا ليس إلا تدوينًا للعرض بعد تعديلات وفهم مجموعة الممثلين والمخرج فهو‮ ‬يعترف ضمنًا أن الفضل‮ ‬يعود لهؤلاء قبل أن‮ ‬يعود له وهو أمر‮ ‬يعكس تواضعه واعترافه العلمي‮ ‬بأن النص الارتجالي‮ ‬هو شراكه بين كل القائمين علي‮ ‬العمل الإبداعي‮ ‬بدءًا من الدراماتورج إلي‮ ‬اللاعبين والملحن والسينوغراف والمخرج والسمة التي‮ ‬طرحت بها أن روح العمل تنطوي‮ ‬علي‮ ‬السخرية الشديدة وإبراز الجانب التهكمي‮ ‬والكوميدي‮ ‬وهي‮ ‬مسألة صاحبته في‮ ‬نصوص تالية في‮ ‬آخريات حياته كـ»نازلين المحطة الجاية‮«.‬
والغريب أن وعيه المتميز بالطرق الجديدة في‮ ‬فنون الكتابة لم‮ ‬يشغله كثيرًا عن دوره الأساس كأحد نقاد المسرح البارزين ورغم أنه لم‮ ‬يقدم مؤلفات كثيرة في‮ ‬هذا المجال إلا أن مؤلفاته المتاحة ودراسته التي‮ ‬بين أيدينا تبدي‮ ‬مدي‮ ‬أهميته واختلافه لحد الصدام مع المعلومة الواردة في‮ ‬كتب تاريخ المسرح،‮ ‬فعادة ما كنا ننقل عن كتب تاريخ المسرح العربي‮ ‬أن موضوع أحد الرواد المؤسسين وإذا بمحسن مصيلحي‮ ‬يفاجئنا بدراسة عبقرية جاءت لتفتت‮ ‬يقيننا وأوهامنا فكتب بعنوان‮ »‬من الذي‮ ‬كتب مسرحيات‮ ‬يعقوب صنوع‮« ‬والدراسة تبين أهمية صنوع المزيفة والتي‮ ‬خدعت كثير من النقاد والمؤرخين مبنية بطريقة تعلل التواريخ وتقف عند التحولات في‮ ‬حياة صنوع لتبين بشكل جلي‮ ‬أنه ابن رابيه من حيث المبدأ‮ ‬يقدم خدماته وفقًا لمصلحته الشخصية وهو الأمر الذي‮ ‬اضطره لتغيير انتقاداته حسب السلطة الحاكمة وعلاقتها به‮.‬
بعد عام‮ ‬1990‮ ‬قدم محسن مصيلحي‮ ‬مع عصام السيد عرضًا عبقريًا عن شخصية طلعت حرب ولم‮ ‬يكن العرض واحدًا من العروض التي‮ ‬تبحث في‮ ‬تاريخ الرجل وتعلمنا كيف‮ ‬يكون وماذا فعل،‮ ‬وإنما كان عرضًا‮ ‬يستحضر شخصية طلعت حرب ويضعه في‮ ‬الظرف التاريخي‮ ‬الراهن،‮ ‬وكان عرضًا مليئًا بالأفكار الهزلية الممرورة والتي‮ ‬تحاول أن تأخذ بأيدي‮ ‬الناس لتنتشلهم من السحابة التي‮ ‬أغمت عيونهم عن الحقائق الاجتماعية والسياسية التي‮ ‬صاحبت الفترة ولكن في‮ ‬الوقت نفسه كان ممزوجًا بروح الهزيمة والاختناق ففي‮ ‬النهاية كانت الأغنية تتهم الناس علانية بالخنوع والخوف والرعب والاتكال،‮ ‬وقد لعب وقتها شخصية طلعت حرب الممثل الجميل سامي‮ ‬عبد الحليم بأدائه البسيط الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتطور لحد الجنون فقد استطاع آن‮ ‬يضحكنا ويبكينا في‮ ‬اللحظة نفسها‮.‬
وأتمني‮ ‬لو‮ ‬يسعفني‮ ‬الوقت لأقدم لكم تباعًا تحليلاً‮ ‬لأعمال محسن مصيلحي‮ ‬الذي‮ ‬اختطفه الحادث الأليم من بين أيدينا ولكنه كغيره من شهداء بني‮ ‬سويف مازال حاضرًا في‮ ‬أفكارنا وحواراتنا‮ ‬يجيب عن الأسئلة الغائبة،‮ ‬ويرشدنا بخفة ظله وفهمه لكيفية إدارة الأزمات بروح خفيفة وتعامل بسيط وفهم عميق لطبيعة الموقف لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون محسن مصيلحي‮ ‬قد مات طالما هو حي‮ ‬في‮ ‬تلاميذه ومريديه‮.

أحمد خميس‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here