اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

هولوكوست بني‮ ‬سويف‮ ‬ من محرقة الإنسان‮ .. ‬إلي‮ ‬محرقة المسرح

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يبدو أن ثورة‮ ‬25 يناير سوف تجعلنا،‮ ‬نستعيد بعض الأحداث من ذاكراتنا المسرحية لنراها من جديد،‮ ‬لنعيد اكتشاف ذواتنا،‮ ‬ونطرح من خلالها سؤالاً‮ ‬علي‮ ‬أنفسنا هل تعلمنا من تجاربنا؟ هل جعلنا من مأساتنا دافعًا جديدًا للتطور والبحث عن إمكانات أفضل لخلق مناخ مسرحي‮ ‬حقيقي‮ ‬لنصبح قوة نشكل بها الرأي‮ ‬العام‮.‬
نرجع للخلف سبعة أعوام لنسترجع الكارثة،‮ ‬الزمن‮: ‬5 ‮ ‬سبتمبر‮ ‬2005، المكان‮: ‬بني‮ ‬سويف،‮ ‬الحدث‮: ‬اجتمع مجموعة من المسرحيين لمشاهدة عرض مسرحي‮ ‬وفي‮ ‬أثناء نهاية العرض واستعدادهم للتحية نشب حريق التهم المكان بأكمله‮. ‬بصرف النظر عن أسباب الحريق هل‮ ‬يرجع لأسباب فنية أم بسبب مؤامرة مدبرة بصورة مباشرة فهذا ليس الهدف من المقال‮. ‬لكن‮ ‬يمكن القول إن ما حدث أحد اسرار النظام السابق وأحد ألغازه التي‮ ‬يجب هتكها،‮ ‬لأن الوقائع تثبت أن منطق تعامله مع الحدث الكبير أنه اكبر المستفيدين من هذه المأساة‮.‬
محرقة بني‮ ‬سويف كصناعة ثقافية
في‮ ‬البداية،‮ ‬يمكن قراءة الحدث الكبير من خلال التسمية التي‮ ‬أطلقت عليه وهي‮ "‬محرقة بني‮ ‬سويف‮" ‬إلي‮ ‬صناعة ثقافية تكشف عن نفي‮ ‬الدولة لفكرة المسرح من خلال الممارسات التي‮ ‬اتخذتها لعلاج الكارثة الفنية‮. ‬إن‮ "‬محرقة بني‮ ‬سويف‮" ‬تحولت إلي‮ ‬حكاية أو سردية مسرحية تحمل بين طياتها ملامح ثقافة ونظام وإنسان،‮ ‬لقد تحول الحدث الكبير مع تعاقب الوقائع إلي‮ ‬عبارة مجازيه تم تفريغها من قوتها،‮ ‬فإذا كانت المحرقة وقودها النار،‮ ‬فإن النار لها دلالة هي‮ ‬اقتحام المجهول والمقدس،‮ ‬وتحول الحدث بدلاً‮ ‬من اقتحام المقدس والمقصود هنا النظام وإعلان مسئوليته عما حدث من مأساة وبالتالي‮ ‬إسقاطه أصبحت‮ "‬النار برداً‮ ‬وسلاماً‮ ‬عليه‮"‬،‮ ‬ونفض النظام‮ ‬يده من المأساة وحصرها في‮ ‬بعد تقني‮ ‬فقط،‮ ‬ليتستر علي‮ ‬السبب الحقيقي‮  ‬لحدوث الحريق وهو ممارساته التي‮ ‬أفرزت نظام مسرحي‮ ‬يجب حرقه حتي‮ ‬تكون للمسرح بداية جديدة‮ ‬يسترد فيها عافيته،‮ ‬واكتملت أركان التستر بإغلاق المسارح من أجل توافر حفنة من خراطيم ورشاشات المياة،‮ ‬وقد أثبت الوقائع فيما بعد أن هذه التقنيات التي‮ ‬اتخذتها الدولة لمنع كوارث مماثلة لم تمنع حدوث حريق المسرح القومي‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬2009‮.‬
لقد صنع النظام حكاية المحرقة اعتماداً‮ ‬علي‮ ‬منطق التقنية،‮ ‬بدلاً‮ ‬من منطق الفكر،‮ ‬والمسافة المعرفية والدلالية بين المنطقين كبير،‮ ‬وأدي‮ ‬هذا التعامل مع الحدث الكبير بواسطة منطق التقنية إلي‮ ‬تحويل المبدعين من شهداء إلي‮ ‬ضحايا،‮ ‬لأن المبدع هو ضحية انتهي‮ ‬عمره نتيجة خطأ عابر أوقعه حظه السئ في‮ ‬التواجد في‮ ‬مكان الحادث،‮ ‬إذن كانت بداية صناعة الثقافية ونفض النظام‮ ‬يده،‮ ‬عليه تحويل المبدعين إلي‮ ‬ضحايا‮ ‬يمثلون أنفسهم فقط ولا‮ ‬يدافعون عن قيم المجتمع وارساء الفكر المستنير بين جمهوره،‮ ‬علي‮ ‬عكس لفظة الشهيد الذي‮ ‬يمثل شريحة أو طائفة مثل العمل أو المجتمع في‮ ‬حالة الحرب،‮ ‬فخسارة الشهيد بمثابة خسارة للمجتمع كله لفرد‮ ‬يدافع عن كبرياء الوطن‮. ‬عندما تم تحويل شهيد بني‮ ‬سويف إلي‮ ‬ضحية كان من الطبيعي‮ ‬أن‮ ‬يعبر عن الكارثة بعض صفحات الحوادث وتنشر الصور المفزعة للشهداء ليعلن النظام لمواطنيه أنه حزين للمأساة ولكن المسكوت عنه هو أنها تقول له هذا جزاء من‮ ‬يقترب من خطر اسمه المسرح‮.‬
إن الصناعة الثقافية لمحرقة‮ "‬بني‮ ‬سويف‮" ‬التي‮ ‬أدي‮ ‬بطولتها النظام،‮ ‬جعل جزءًا من المسرحيين‮ ‬يدخلون في‮ ‬اكتئاب مزمن وينكفئون داخل ذواتهم،‮ ‬أما الجزء الآخر تاجر بالحدث،‮ ‬فمنهم من بحث عن دعم خارجي‮ ‬بحجة تعويض أسر الشهداء ومازال‮ ‬يبحث الانتهازي‮ ‬المسرحي‮ ‬عنهم حتي‮ ‬هذه اللحظة ووضع الفلوس في‮ ‬البنوك باسمه حتي‮ ‬يعثر علي‮ ‬أسر الشهداء‮ (‬بعد عمر طويل‮)‬،‮ ‬والبعض الآخر من المبدعين تاجر بالظرف من أجل الاستفادة ببعض الفرص المسرحية تمشياً‮ ‬مع مبدأ‮ (‬ابجني‮.. ‬تجدني‮) ‬في‮ ‬ظل نظام صنع معظم من‮ ‬يتعاملون مع المسرح سواء كانوا مبدعين علي‮ ‬أنه سبوبة،‮ ‬كما جعل من بعض نقاده عبارة عن مرتزقة‮ ‬يبحثون عن مصدر رزق للعيش رافعاً‮ ‬لهم شعار‮ "‬إما تدخلوا في‮ ‬الحظيرة‮ ... ‬أو تقعوا في‮ ‬المحظور‮). ‬
من هنا،‮ ‬تكتمل الصناعة الثقافية‮ " ‬لمحرقة بني‮ ‬سويف‮" ‬بدخول بعض المسرحيين مع النظام في‮ ‬حبكة واحدة،‮ ‬الفريق الأول‮: ‬ويمثله بعض المسرحيين ويريدون الاستفادة من المأساة وأوصلهم خيالهم الدرامي‮ ‬إلي‮ ‬استلهام نموذج مسرحية‮ "‬الأم شجاعة‮" ‬واستفادتها من الحرب في‮ ‬مسرحية بريخت،‮ ‬أما الفريق الثاني‮ ‬وهو النظام‮ ‬يريد التغطية علي‮ ‬خطيئته وإسكات المسرحيين المكلومين نتيجة فقدان أصحابهم،‮ ‬فضحك عليهم النظام وأدخلهم في‮ ‬حبكة درامية شبيهه بحبكة فيلم‮ "‬المواطن مصري‮" ‬لعمر الشريف وعزت العلايلي‮ ‬وخاصة في‮ ‬مشهد النهاية الذي‮ ‬يجمع بين العمدة المستبد الذي‮ ‬اشتري‮ ‬ابن المزارع الفقير ليذهب إلي‮ ‬الجيش للدفاع عن الوطن بدلاً‮ ‬من ابنه ومات ابن المزارع في‮ ‬الدفاع عن الوطن ولكي‮ ‬يسترضي‮ ‬العمده المزارع البسيط المكلوم ويخفف من آلامه‮ ‬يعطيه بعض الأموال تجنباً‮ ‬للفضيحة‮. ‬وقد‮ ‬ينطبق ما حدث في‮ ‬الفيلم مع قول أحد قيادات النظام السابق بأن شهداء بني‮ ‬سويف أغبياء لأنهم ذهبوا من أجل مبالغ‮ ‬مالية متواضعة،‮ ‬لذا فهم‮ ‬يستحقون الموت وسوف‮ ‬يتم تعويض أسرهم مادياً‮. ‬هذا ما فعله النظام مع بعض المسرحيين فكان التعويض أشبه برشوه مقنعة لهم تمثل في‮ ‬حفنة من الأموال البسيطة جداً‮ ‬لقد اتفق الفريقان علي‮ ‬أكل جسد الشهداء موتا علي‮ ‬مائدة‮ ‬يجمعها الانتهازية والجشع‮.‬
هولوكوست المبدع‮ .. ‬هولوكوست المسرح‮ ‬
اطلقت لفظة الهولوكوست علي‮ ‬المجزرة التي‮ ‬حدثت لليهود في‮ ‬عام‮ ‬1942 أثناء الحرب العالمية الثانية،‮ ‬وهي‮ ‬مجزرة‮ ‬غير مؤكدة،‮ ‬حيث‮ ‬يتهم اليهود هتلر بأنه قام بحملات تصفية واعتقال لهم،‮ ‬وقد استفاد اليهود منها حتي‮ ‬يومنا هذا‮. ‬إن ماحدث في‮ ‬بني‮ ‬سويف هو هولوكوست مسرحي‮ ‬حيث تم تصفية المسرحيين وفقد المسرح ما‮ ‬يقرب من الخمسين مبدعاً،‮ ‬وساهم بعض المسرحيين في‮ ‬هذه المأساة،‮ ‬ونتيجة تخاذلهم في‮ ‬أعقاب كارثة بني‮ ‬سويف صمتوا عن أفعال النظام في‮ ‬تحويل هولوكوست المبدعين ببني‮ ‬سويف إلي‮ ‬هولوكوست للمسرح ذاته،‮ ‬وفرح بعض المسرحيين ببعض البنيات المسرحية المليئة بالعيوب الفنية ولكن ذات شكل براق،‮ ‬سيراميك،‮ ‬وكراسي‮ ‬مريحه،‮ ‬ولكن خشبتها المسرحية من تقنيات وزوايا ورؤية للمشاهد‮ ‬غير صالحة لمنتج مسرحي‮ ‬جيد‮. ‬وصمت المسرحيون أيضاً‮ ‬علي‮ ‬أن النظام المسرحي‮ ‬استنسخ النظام السياسي‮ ‬الذي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬الفرد الذي‮ ‬يمتص المؤسسة وتكرر نموذج مبارك في‮ ‬قيادات المسرح واصبحت هناك كائنات نرجسية أو طاووسية لا تشغل بالها بصناعة المسرح ذاتها،‮ ‬بل كان هدف بعضها التمسك بالكرسي‮ ‬والتحدث عن مغامراتها القبانية‮ (‬نسبة إلي‮ ‬نزار قباني‮) ‬في‮ ‬العالم،‮ ‬كما أستغل بعضهم معرفته الحديثة ليس بغرض تطوير المؤسسة ولكن للمباهاة والافتخار وليثبت أنه أحسن من الآخرين لتتعارض معرفته الحداثية وما بعد الحداثية مع سلوكه الذي‮ ‬يروج لابشع أنواع الاستبداد مثل اقصاء الآخر ومحاربة الكفاءات‮. ‬وطاووس آخر‮ ‬يمسك أصدار مسرحي‮ ‬يصب فيه نرجسيته المفرطة‮.. ‬وغيرهم من الطاوويس‮.. ‬من هنا اكتملت صناعة النظام لهولوكوست المسرح فأصبح النظام المسرحي‮ ‬يخدم النظام السياسي‮ ‬ويروج لقيم الزيني‮ ‬بركات التي‮ ‬صنعها النظام لحصار المسرح والمسرحيين ليجعل الكل تحت الأنظار،‮ ‬وجراء ذلك تم حرق المسرح تماماً‮ ‬حينما تفريغة من ثوريته وتحويل معظم مبدعيه إلي‮ ‬موظفين بدلاً‮ ‬من قادة للرأي‮ ‬العام‮. ‬عذرا صديقي‮ ‬حازم شحاته والدكتور محسن مصيلحي‮ ‬ونزار سمك وبهائي‮ ‬ميرغني‮ ‬وحسن عبده وحسني‮ ‬أبوجويله،‮ ‬لقد ساهم بعض المسرحيين في‮ ‬تحويل مأساتكم إلي‮ ‬هولوكوست ولم ننجو نحن من هذه المحرقة وساهمنا فيها سواء بالمشاركة أو التواطؤ بالصمت‮.. ‬عذراً‮ ‬لأن حقكم المعنوي‮ ‬لم‮ ‬يعد‮.. ‬عذراً‮ ‬لأن حقكم في‮ ‬البحث عن مسرح أفضل لم‮ ‬يعود‮... ‬لكن سيعود قريباً‮ ‬بعد اسقاط معرفة النظام المسرحي‮ ‬وقيمه ولوائحه‮.          

د‮. ‬محمد سمير الخطيب         ‬
‮        ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here