اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‮....... ‬أقول لكم عن بهائي تجربة ما قبل الرحيل

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

لست من هواة المقالات ذات الطابع المناسباتي‮ ‬التذكاري‮ ‬،‮ ‬ولست ممن‮ ‬يهوون الرثاء‮ ‬،‮ ‬ولست ممن حضروا كارثة بني‮ ‬سويف‮ ... ‬رغم كل ذلك أحدثكم عن بهائي‮ ‬المرغني‮ .. ‬أحدثكم عن إدارة المسرح‮ .. ‬أحدثكم عن الإيمان بفكرة كان الجميع‮ ‬يلتف حولها‮ .. ‬ولأن البذور ليست تفني‮ ‬حين تدفن كما‮ ‬يقول نجيب سرور‮ ‬،‮ ‬فأنا لن أتحدث عن بهائي‮ ‬بصفته الراحل‮ ‬،‮ ‬وإنما بصفته مسرحيًا أثر‮  ‬فينا جميعا،‮ ‬وغرس داخلنا إيمانه الشديد بما‮ ‬يقوم به‮.‬
‮ ‬    شب الحريق في‮ ‬كافة جوانب المسرح‮.. ‬خرج ووراءه في‮ ‬الداخل الكثير ممن‮ ‬يعانون وغير قادرين علي‮ ‬الخروج‮ .. ‬التفت وراءه بنظرته التي‮ ‬تحمل علي‮ ‬الدوام طابعا حزينا حتي‮ ‬في‮ ‬حالة ابتهاجه‮ ‬،‮ ‬نفس النظرة التي‮ ‬شاهدته فيها لأول مرة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مدينة الإسماعيلية‮ ‬،‮ ‬عندما اقترب مني‮ ‬وأنا أنفذ إضاءة أحد عروض نوادي‮ ‬المسرح في‮ ‬الساحة التي‮ ‬أمام القصر بشكل‮ ‬يدوي،‮ ‬كان‮ ‬يراقبني‮ ‬بعناية لدرجة جعلتني‮ ‬أنتبه إليه‮ ‬،‮ ‬وبمجرد أن انتهي‮ ‬العرض وضع‮ ‬يده علي‮ ‬كتفي‮ ‬ليسألني‮ ‬كيف كنت أقوم بهذا العمل خاصة وأن الإضاءة كانت معقدة بعض الشيء‮ ‬،‮ ‬كنت موقنا في‮ ‬داخلي‮ ‬أن الأمر ليس صعبا‮ ‬،‮ ‬ولكن كعادة الصغار كنت أعشق إثارة اهتمام الآخرين خاصة وأني‮ ‬حينها لم أتجاوز السابعة عشر من عمري‮ ‬،‮ ‬فصرت أشرح له وأنا في‮ ‬قمة سعادتي‮ ‬وهو‮ ‬يستمع لي‮ ‬بعناية وكأنه‮ ‬يجهل ما أقول‮ ‬،‮ ‬لم أكن أفهم حينها لماذا تصنع الاهتمام بي‮ ‬بهذه الطريقة الملفتة والتي‮ ‬كانت مبالغًا فيها في‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬حقيقة الأمر إن ذلك الموقف الذي‮ ‬قام به دفعني‮ ‬أن أذهب بعد ذلك إلي‮ ‬إدارة المسرح لأتعمد المرور أمامه لألقي‮ ‬عليه السلام ويعاود اهتمامه بي،‮ ‬خاصة في‮ ‬حضور مجموعة من المسرحيين ويعلن إعجابه بي‮ ‬أمامهم‮  ‬ويصف أثر ما كنت أقوم به داخل العرض،‮ ‬كان ذلك سببا رئيسيا في‮ ‬انتظاري‮ ‬ليوم الأحد والأربعاء بشغف شديد لأذهب في‮ ‬الخامسة مساء إلي‮ ‬قاعة منف وأنا أرتدي‮ ‬أفضل ما عندي‮ ‬،‮ ‬ذلك المكان الذي‮ ‬يشعرني‮ ‬وأنا في‮ ‬سن السابعة عشر أنني‮ ‬أهم شخص في‮ ‬الكون‮ .‬
    لم أنس نظرته وراءه إلي‮ ‬المسرح وهو‮ ‬يحترق ليدخل مرة أخري‮ ‬في‮ ‬محاولة منه لإنقاذ من لا‮ ‬يستطيعون الخروج‮ ‬،‮ ‬ليدخل مرة أخري‮ ‬،‮ ‬لكن ذلك الدخول كان له معني‮ ‬عميق جدا في‮ ‬حياتي‮ ... ‬لأنني‮ ‬أعرف جيدا أنه لا‮ ‬ينسي‮ ‬الآخرين‮ ‬،‮ ‬خاصة عندما كان‮ ‬يخرج من قاعة منف وحوله نخبة من كبار المسرحيين‮ ‬يركبون الباص أمام القاعة في‮ ‬رحلتهم إلي‮ ‬متابعة مهرجان مسرح المكان المفتوح‮.. ‬كنت أقف في‮ ‬الداخل‮ ‬،‮ ‬و أري‮ ‬الجميع‮ ‬يعطيني‮ ‬ظهره في‮ ‬طريقهم إلي‮ ‬الرحيل‮ ‬،‮ ‬فجأة وجدت من‮ ‬يلتفت وراءه ليدخل مرة أخري‮ ‬إلي‮ ‬قاعة منف متجها إلي‮ ‬ليسألني‮ ‬إن كنت أرغب في‮ ‬الذهاب معهم‮ ‬،‮ ‬لم أتردد في‮ ‬الموافقة‮.. ‬والسعادة‮  ‬بدت علي‮ ‬وجهي‮ ‬بشكل واضح،‮ ‬لم أكن مصدقا بأنني‮ ‬سأذهب معهم وسأجلس بجانب تلك النخبة التي‮ ‬أغلبها من الأساتذة الكبار‮.. ‬أمسك بيدي‮ ‬وصعدنا الباص سويا وأجلسني‮ ‬بجانبه‮ ‬،‮ ‬ليشرح لي‮ ‬طوال الرحلة رغم صغر سني‮ ‬طبيعة مشروع الأماكن المفتوحة وأهميته بالنسبة لمسرح الأقاليم وفلسفته‮ ‬،‮ ‬بالطبع لم أكن أفهم كل الكلام‮ ‬،‮ ‬إلا أن اهتمامه الشديد بأن أفهم جعلني‮ ‬أتلمس ولو من بعيد ما كان‮ ‬يقصده‮ ‬،‮ ‬خاصة بعد مشاهدتي‮ ‬لكل العروض التي‮ ‬تم تقديمها‮ .‬
    خرج من الحريق مرة أخري‮ ‬ومعه شخص تم إنقاذه‮ ‬،‮ ‬جلس علي‮ ‬ركبتيه‮ ‬يلتقط أنفاسه‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يقف ويهم بالدخول مرة أخري    .. ليغيب عن الأنظار‮.. ‬مثلما‮ ‬غاب عن نظري‮ ‬عندما هم واقفا من جانبي‮ ‬ونحن ننتظر بدء آخر عروض الأماكن المفتوحة وكان عرض الأستاذ سيد فجل‮ "‬ثمن القمر‮" ‬،‮ ‬لم أعرف سبب ذهابه المفاجئ لكن عند عودته عرفت السبب‮ ‬،‮ ‬فبمجرد جلوسه‮ ‬،‮ ‬بدأ القائمون علي‮ ‬العرض تعريف الحضور‮ .. ‬يشرفنا حضور فلان وفلان والدكتور كذا والأستاذ فلان‮ .. ‬وفي‮ ‬وسط الأسماء فوجئت بأن اسمي‮ ‬يتم إعلانه بين الحضور في‮ ‬الميكرفون‮ ‬،‮ ‬فاندهشت عندما سألته عن السبب قال لي‮ ‬إنه فعل ذلك لأني‮ ‬أستحق ذلك ببساطة،‮ ‬وأخبرني‮ ‬أنني‮ ‬في‮ ‬يوم من الأيام سأكون ذا شأن‮ ‬،‮ ‬كانت الجملة لها رنين خاص داخلي‮ ‬،‮ ‬صحيح إنني‮ ‬لم أستطع تحقيق نبوءته التي‮ ‬تحمل شيئا من التحفيز‮ ...‬إلا أنني‮ ‬مع الوقت أدركت أن هذا لم‮ ‬يكن معي‮ ‬وحدي‮ ‬بل مع العديد من الشباب الجاد من أبناء مسرح الثقافة الجماهيرية،‮ ‬أدركت أن الإيمان الحقيقي‮ ‬هو الإيمان بالحركة المسرحية التي‮ ‬يجب تجديد دماءها والتي‮ ‬تعد الأساس الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يرتكز عليه مسرح الأقاليم‮ ..‬الإيمان بالإنسان الذي‮ ‬يعد الأمل الوحيد في‮ ‬استمرار تلك الحركة‮ ‬،‮ ‬ذلك كان المشروع الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬تبنته إدارة المسرح علي‮ ‬مر سنين طويلة‮.‬
    خرج من الحريق وهو‮ ‬ينقذ شخصًا آخر‮ .. ‬إن المشروع الذي‮ ‬يؤمن به ويمثل جدوي‮ ‬الحياة بالنسبة له‮ ‬يحترق أمامه‮.. ‬هؤلاء الشباب الذين أضاع حياته من أجلهم‮ ‬يحترقون‮..‬ظل‮ ‬يعاود عملية الإنقاذ أكثر من مرة‮ .. ‬وأخيرا لم‮ ‬يخرج‮.. ‬وغاب‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يبق منه شيئ‮ .. ‬كنت متأثرا جدا‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حالة نفسية سيئة عندما أتذكر من افتقدناهم‮ .. ‬إلي‮ ‬أن دخلت الإدارة العامة للمسرح ذات‮ ‬يوم وفوجئت بالأستاذة نجاة تلقي‮ ‬بالتحية الصباحية علي‮ ‬مجموعة صور تحتفظ بها علي‮ ‬سطح المكتب من بينهما صورة الأستاذ بهائي‮ ‬المرغني،‮ ‬وعندما لاحظت اندهاشي‮ .. ‬ابتسمت وقالت‮ : ‬أنا لست مجنونة إنهم ما زالوا أحياء‮ .. ‬هم معي‮ ‬علي‮ ‬الدوام‮ .. ‬ابتسمت أيضا وفي‮ ‬داخلي‮ ‬حدثت الصورة وقلت له لا تقلق هناك الكثير منا لم‮ ‬يحترق وأنا منهم وأقف الآن في‮ ‬قاعة منف‮ ...... ‬سلام‮.‬

 

خالد رسلان

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here