اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

قضية"سعيد"في‮ ‬انتظار الرئيس القادم‮...‬قضية"سعيد"في‮ ‬انتظار الرئيس القادم‮...‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

سيادة الرئيس‮...‬أكتب إليك قبل أيام معدودات من وقوف ملايين المصريين أمام الصناديق ليدلوا بأصواتهم في‮ ‬شأن اختيارك،‮ ‬وتحديد هوية من تكون.وفي‮ ‬هذا السياق لا أعرف من أنت،‮ ‬ولا علي‮ ‬أي‮ ‬نحو ستتشكل وفق إرادة الغالبية المفترضة من أبناء الوطن الذي‮ ‬يضمنا علي‮ ‬أرضه،‮ ‬ولست أستطيع أن أخاطب فيك‮- ‬هنا‮- ‬ما أتمناه،‮ ‬وما استقر في‮ ‬ضميري‮ ‬عن هويتك‮. ‬ولكن آثرت من ناحية ثانية أن أصيخ السمع إلي‮ ‬همسات الناس من حولي،‮ ‬وتعليقاتهم في‮ ‬الطرقات والمركبات العامة،‮ ‬في‮ ‬المقاهي‮ ‬الشعبية والجلسات الخاصة ومحطات الثرثرة اليومية‮.‬
والواقع أنني‮ ‬عند هذا الإيثار وبصفتي‮ ‬من رجال المسرح،‮ ‬تذكرت أن شاعرنا الراحل"صلاح عبد الصبور"سبقني‮ ‬إلي‮ ‬خطاب مماثل،‮ ‬علي‮ ‬لسان بطله"سعيد"في‮ ‬عمله الشهير"ليلي‮ ‬والمجنون‮".‬فمن خلف قطبان السجن،‮ ‬الذي‮ ‬أودع فيه"سعيد"إثر تمكنه من تسديد ضربته إلي‮ ‬رأس الخائن"حسام‮" ‬فكاد‮ ‬يفتك به،‮ ‬ويطلق عقيرته بما‮ ‬يتم أغنية وجوده الحائر الباحث عن الجدوي‮ ‬والمعني‮ ‬معا،‮ ‬راح‮ ‬يوصي‮"‬أستاذه بأن‮ ‬يحمل للقادم من بعد،‮ ‬رئيسا وقائدا ومخلصا ملتفا بأوشحة الغيب،‮ ‬رسالته باسم الفلاحين والملاحين والحدادين والحلاقين والحمّارة والبحارة والعمال وأصحاب الأعمال وصبيان البقالين والأعيان والبوابين‮..‬إلخ،‮ ‬وكذا لم‮ ‬ينس الشعراء باعتبارهم في‮ ‬أغلب الظن التعبير الأكثر حساسية عن وجدان وأحلام وطموح الجماعة البشرية التي‮ ‬ينتمون إليها.إلا أن"عبد الصبور"الذي‮ ‬أوصي‮ ‬بخطابه سنة‮"‬1969"بينما المجتمع بأسره‮ ‬يعاني‮ ‬من تداعيات هزيمة عسكرية بالغة القسوة والأثر،‮ ‬ويتطلع بالتأكيد إلي‮ ‬تجاوزها واسترداد كبريائه وكرامته السياسية،‮ ‬اكتفي‮ ‬بتضمين خطابه معني‮ ‬واحد،‮ ‬لا‮ ‬يزيد عن التعجيل بالوصول وبأقصي‮ ‬سرعة‮:"‬فالصبر تبدد‮/ ‬واليأس تمدد‮/ ‬إما أن تدركنا الآن‮/ ‬أو لن تدركنا بعد‮"‬،‮ ‬ولعل السياق التاريخي‮ ‬والنفسي‮ ‬الذي‮ ‬تولد فيه هذا الخطاب،‮ ‬ما دعاه لأن‮ ‬يضيف في‮ ‬حاشيته للقادم‮:"‬لا تنس أن تحمل سيفك‮".‬
وربما بدا مثيرا أن الجماعة المصرية بمجمل أطيافها الاجتماعية والسياسية تتعجل بشوق محموم‮  - ‬الآن أيضا‮- ‬أن تأتي‮ ‬وبأقصي‮ ‬سرعة،‮ ‬وإن لم تكن تعاني‮ ‬هزيمة عسكرية،‮ ‬ولا تتحين نصرا‮ ‬يرد إليها كبرياءها بسيف لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬ينسي،‮ ‬ولا بد أن‮ ‬يشهر.ولكن ربما كان في‮ ‬شفرة"سعيد"دراميا ما‮ ‬يشحن خطابه للقادم بظلال من المعاني‮ ‬الضمنية والخبيئة،‮ ‬أكبر وأكثر اتساعا من أن‮ ‬يتعجل وصوله بسرعة،‮ ‬فهو شفرة أيديولوجية مركبة في‮ ‬تكوينه الشخصي‮ ‬شاعرا مهزوما،‮ ‬وفي‮ ‬تكوينه الاجتماعي‮/‬الاقتصادي‮ ‬من طبقة مطحونة عانت ذل الاحتياج وإهدار الكرامة،‮ ‬والوجود المؤجل والعجز عن الفعل وتجاوز آلام الشكوي‮ ‬واجترار الأوراق الممزقة من‮ ‬غرف التذكارات السوداء،‮ ‬وفي‮ ‬فعله السياسي‮ ‬المجهض بما أحاطه من خونة وانتهازيين وأفاقين من ذوي‮ ‬الوجوه الملتبسة بالأقنعة من كل لون وصنف،‮ ‬فانتهكوا"ليلي‮"‬ومرغوها رمزا للوطن وذاتا معشوقة،‮ ‬في‮ ‬الأوحال‮.‬
فالراجح عندي‮ ‬سيادة الرئيس أن"سعيدا‮"‬يود‮- ‬وإن‮ ‬يكن علي‮ ‬نحو ضمني‮ ‬لا‮ ‬يخلو من وضوح في‮ ‬الوقت نفسه‮- ‬أن‮ ‬يتجاوز شفرته المستغلقة في‮ ‬شوقه المحموم إلي‮ ‬مستقبل مغاير،‮ ‬فيبلور مجموعة من المطالب أو الشعارات التي‮ ‬يسأل القادم المعني‮ ‬أن‮ ‬يضعها في‮ ‬برنامجه،‮ ‬ويحدد بها أولوية فعله السياسي،‮ ‬فمن ناحية‮ ‬يحلم مع من تصور أنه‮ ‬يتحدث باسمهم،‮ ‬بمناخ وصيغة حياة تعترف بحريته وحقه في‮ ‬أن تصان كرامته الإنسانية،‮ ‬ومن ناحية ثانية‮ ‬يحلم بما‮ ‬يعد"خبزا"أو توافر الاحتياجات الأساسية لإقامة الحياة الكريمة،‮ ‬والتي‮ ‬يسميها الإنجليز‮"‬main needs"? لكن في‮ ‬إطار مبدأ"العدالة الاجتماعية‮"‬،‮ ‬الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يشكل كلية مجتمعنا وينقي‮ ‬ثوبها من التسلط واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان‮. ‬ولا أظنه خافيا علي‮ ‬فطنة سيادتك أن"سعيدا‮"- ‬وإن‮ ‬يكن شاعرا مهزوما‮- ‬ليس من الحمق مهما تعجل أن‮ ‬يأت القادم،‮ ‬بحيث‮ ‬يمنحه تفويضا موقّعا علي‮ ‬بياض‮!!‬،‮ ‬فيتشوق له علي‮ ‬نحو محموم بوصفه وصيا علي‮"‬قصّر‮"‬،‮ ‬يكفيهم منحهم من لدنه خارطة الأفعال التي‮ ‬تجود بها قريحته،‮ ‬أو‮ ‬يهبهم سياسات لا تنبت إلا في‮ ‬رأسه وفي‮ ‬رأس حاشيته،‮ ‬وكأنها تخصهم وحدهم،‮ ‬ثم‮ ‬يفجرها حوله باعتبارها نضح"الأقدار‮"‬،‮ ‬فلا‮ ‬يبق لسعيد إلا أن‮ ‬يسأل لطف الله ورحمته منها‮.‬
سيادة الرئيس إنني‮ ‬أحوج ما أكون إليك لأتفهم معك خطاب"سعيد"وأفكك شفرته الملتفة بالظلماء،‮ ‬ولعل تماثل وضعي‮ ‬معه من الناحية التي‮ ‬يسميها النقاد‮- ‬عليهم اللعنة‮- ‬بنيوية،‮ ‬ما‮ ‬يدفعني‮ ‬لأحدثك بشأنه الآن،‮ ‬خاصة أن أستاذي‮- ‬أطال الله عمره‮- ‬طالما حدثني‮ ‬عن لذة الفهم،‮ ‬وقوة المعرفة وثراء تبادل الرأي‮.‬فإن كنت واحدا ممن‮ ‬يعنيهم"سعيد"بالقادم،‮ ‬فلا شك أنك"ثروتي‮"‬في‮ ‬فهمه وفي‮ ‬فهم خطابه معا،‮ ‬ولا شك أن هذا الخطاب أيضا‮ ‬يكتسب معناه ومدلوله من السياق الذي‮ ‬ورد فيه،‮ ‬وهذا السياق أقرب في‮ ‬معناه لما‮ ‬يدعي‮ ‬في‮ ‬الثقافة الإسلامية بأسباب النزول،‮ ‬التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تقرأ بضوئها الآيات القرآنية،‮ ‬لتضفي‮ ‬عليها المعني‮ ‬وتمدها بالدلالة الواجبة.ومن هنا فلتسمح ليّ‮ ‬بالسؤال عما إذا كان‮ ‬يمكن أن نعزل تلهف"سعيد"عليك،‮ ‬عن حادثة ثورته علي‮ ‬الخائن"حسام"الذي‮ ‬انتهك ليلي‮ ‬ومحاولة تحطيم رأسه بضربة التمثال،‮ ‬ومن ناحية ثانية عن ذلك الخبر الذي‮ ‬يزفه إليه"أستاذه‮"‬،‮ ‬بأن حساما أفلت من الموت،‮ ‬وأن عليه بالتبعية أن‮ ‬يأمل خيرا في‮ ‬محام بارع‮ ‬يدفع عنه وينجيه من الجلاد وقضبان السجن؟؟.ألا تري‮ ‬أن"سعيدا"صدم بهذا الخبر الذي‮ ‬يوصف تداعيات ثورة‮ ‬غضبه‮ - ‬وإن‮ ‬يكن علي‮ ‬نحو ضمني‮- ‬بأنها ناقصة ولم تسفر عن القضاء علي‮"‬حسام"وتطهير الأرض منه ألا تري‮ ‬أن هذا التوصيف نفسه من الأسباب التي‮ ‬دعت سعيدا لمزيد من الشعور بتبدد الصبر،‮ ‬وامتداد اليأس والإحباط؟،‮ ‬هل‮ ‬يخامرك الظن مع الأستاذ الطيب،‮ ‬أن"سعيدا"كان‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يطير فرحا لنجاة"حسام"من الموت،‮ ‬وانتهاء قضيته إلي‮ ‬أروقة المحاكم تتقاذفها أقدام المحامين المدعين بالحقوق المدنية،‮ ‬وعن المتهمين الأوغاد؟،‮ ‬وهل كانت فعلة"سعيد"ثورة في‮ ‬هذه الحالة أو مشاجرة بين رجلين علي‮ ‬امرأة؟‮. ‬سيادة الرئيس‮- ‬في‮ ‬تقديري‮ ‬وربما أكون مخطئا‮- ‬أن"سعيدا"تعجل أن تأتي‮ ‬لتنقذ"ثورته"وتتمها،‮ ‬فلا تسخط إلي‮ ‬مستوي‮ ‬مشاجرة،‮ ‬وتخرجها من التيه في‮ ‬أروقة المحاكم،‮ ‬ومن حيل المحامين مهما كانوا بارعين وأرباب تسلية‮.‬
ولكن سيادة الرئيس‮..‬لا تنس أيضا"ليلي‮"‬،‮ ‬فسعيد لم‮ ‬يثر لنفسه لأن"حساما"داس علي‮ ‬طرفه،‮ ‬إنما ثار لأن"ليلي‮"‬خدعت بكلمات القوة والقدرة علي‮ ‬الفعل،‮ ‬انتهكت بالأوغاد الذين باعوا أنفسهم في‮ ‬السجن لمن‮ ‬يملك مفاتيح السجن،‮ "‬ليلي‮"‬هي‮ ‬الكل وليست‮ ‬يا سيدي‮ ‬جزءا من كل.إن سعيدا أبي‮ ‬أن توصم"ليلي‮"‬بالعهر حتي‮ ‬بعد أن انتهك منها العرض بغير زواج،‮ ‬ففي‮ ‬أعماقه المقهورة رجل لا وغد أو كلب،‮ ‬لم‮ ‬يملك في‮ ‬النفق المظلم الذي‮ ‬امتد من محبسه إلي‮ ‬باب السجن إلا أن‮ ‬يتمزق مغلولا ويصوغ‮ ‬خطابه لك،‮ ‬فقبل قليل جاءته‮- ‬ولعلك تذكر‮-"‬ليلي‮" ‬وقد شق الأوغاد ثوبها ونهشوا جسدها بأعينهم،‮ ‬وركلوها بأقدامهم وبصقوا عليها لعابهم الدنس،‮ ‬ورموها بأقذع الشتائم والألفاظ وسحلوها علي‮ ‬الأرض،‮ ‬أسقطوها مغشيا عليها من هول الصدمة والكرب،‮ ‬وهي‮ ‬تشهد"حاميها"المفترض‮ ‬يتحول إلي‮ ‬لص أو وغد،‮ ‬يسائلها أن تستسلم بين‮ ‬يديه"لكشف العذرية‮"‬،‮ ‬ومرة أخري‮ ‬وهي‮ ‬تباغت بشهود كانت تتمني‮ ‬لو نطقوا بكلمة رحمة أو حق،‮ ‬فإذا بهم‮ ‬يسألونها باشمئزاز واستنكار‮: ‬هل من محترمة‮ ‬يا أختاه تضحي‮ ‬بالأزرار وتضم أطراف عباءتها ب"الكباسين‮"!!."‬ليلي‮"‬ابتليت سيدي‮ ‬بأوصياء عليها،‮ ‬لا‮ ‬يفكرون إلا بنصفهم السفلي،‮ ‬ولا‮ ‬يترددون عن دهان ترهاتهم بصبغة المقدس،‮ ‬فلا‮ ‬يرونها إلا"فتنة‮"‬يتبختر بجسدها الشيطان واجب الرجم،‮ ‬أو واجب الحبس خلف جدران الخيمة أو البيت،‮ ‬إذ‮ ‬يحملونها مسئولية كافة مظاهر الفساد في‮ ‬الأرض‮. ‬وفي‮ ‬الطرف المقابل‮ ‬يرونها متعة‮  ‬باسم الجارية والمحظية وما ملكت الأيمان ولا تترك حتي‮ ‬للموت إلا بما أسموه"مضاجعة الوداع‮"  ‬ولأنهم‮ ‬يخشون منها ما‮ ‬يدعونه حدة"الغُلمة‮"‬،‮ ‬يكرمونها"بالختان‮".‬
إن"سعيدا"سيادة الرئيس‮..‬حين‮ ‬يوصيك ألا تنسي‮ ‬سيفك،‮ ‬فلعله‮ ‬يقصد ذلك الحد الدقيق والحاسم بين المفاهيم الملتبسة والقيم المختلة فيمن‮ ‬يحيطون بفراش"ليلي‮"‬الآن‮. ‬ولكن لا تنس أيضا أن سعيدا‮ "‬شاعر‮"‬،‮ ‬يقتات علي‮"‬الأخيلة‮"‬،‮ ‬ويضيف مجانا صبح مساء مع قبيلة"الفنانين"علي‮ ‬موائد المجاز،‮ ‬ويروي‮ ‬بضرب الأمثال والتورية والاستعارة،‮ ‬وما شابه،‮ ‬ولعلك تعرف أن موائده بما عليها تحتاج دقة الفهم ورهافة الشعور وحساسية نوعية في‮ ‬الاستجابة إليه تتجنب عموما‮"‬غلظة الجلد‮"‬،‮ ‬وكثافة الشعر وندرة الوعي‮.‬ولما كانت"الثورة"تستدعي‮ ‬أصلا وفرعا من القدرة علي‮"‬التخيل‮"‬،‮ ‬وتحليق الوعي‮ ‬في‮ ‬أجواز"حرية الإبداع‮"‬،‮ ‬فإن سعيدا لن تفهمه‮- ‬في‮ ‬أغلب الظن‮- ‬إلا إذا امتلكت سيادة الرئيس"خيال سياسي‮"‬،‮ ‬وإلا قابلت خطاب محنته مع ليلي،‮ ‬بإيداعه السجن،‮ ‬وتساويت بالعدم‮.‬

 

د.سيد الإمام

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here