اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

لما بدا‮ ‬يتثني‮ ‬ الأوضاع المعكوسة ما بين البساطة والبدائية‮ ‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يبدأ عرض لما بدا‮ ‬يتثني‮ ‬بفرح وزفة مصرية طويلة حاول فيها المخرج ان‮ ‬يوظف مكان العرض‮- ‬حديقة مجمع الفنون بالجزيرة-بشكل‮ ‬يدمج الجمهور مع المعازيم،‮ ‬متجاوزا فكرة كرسي‮ ‬الصالة الثابت حيث لم‮ ‬يقدم الفرح فوق الخشبة ولكن في‮ ‬ركن من الحديقة،‮ ‬وبعد انتهاء الزفة ودخول العروسان إلي‮ ‬شقتهما– صعودهما إلي‮ ‬المسرح‮-‬يجد المتفرج نفسه مضطرا لتحويل كرسيه نحوهما،‮ ‬وهي‮ ‬محاولة جيدة لكسر جمود التلقي‮ ‬القائم علي‮ ‬فكرة كرسي‮ ‬الصالة الثابت،‮ ‬وزاوية الرؤية الواحدة،‮ ‬ولكنها لم توظف جيدا لأن زمن الفرح استهلك الكثير من مقدمة العرض ولم‮ ‬يتصل بشكل عضوي‮ ‬وموضوعي‮ ‬مع طبيعة الفكرة ومعالجتها القائمة علي‮ ‬التناص مع شخصيات تراثية في‮ ‬قالب حديث،‮ ‬وبالتالي‮ ‬جاءت مسألة تحويل زاوية التلقي‮ ‬شكلانية جدا،‮ ‬لأن العرض كان من الممكن ان‮ ‬يبدأ بعد الفرح مباشرة او مع نهاية الزفة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن هناك حاجه لكل الطاقة المهدرة في‮ ‬الرقص والغناء والتعليق الصوتي‮ ‬الساخر من الفرقة الموسيقية علي‮ ‬العريس والمعازيم‮.‬
وادرك شهريار الصباح
في‮ ‬الداخل حيث شقة العرسان نكتشف حقيقة وضع العروس النفسي‮ ‬وكونها تعاني‮ ‬من عقدة سادية تجعلها ترغب في‮ ‬اذلال الرجال المتمثلين في‮ ‬زوجها،‮ ‬وهي‮ ‬العقدة التي‮ ‬تنبع عادة من زيادة قسوة الأب في‮ ‬مرحلة معينة،‮ ‬وهو ما تشير إليه بالفعل في‮ ‬حوارها مع الزوج،‮ ‬هذه العقدة تجعلها تخرج علي‮ ‬زوجها مرتدية زي‮ ‬محاربة اسود اللون ممسكة بسيف كبير رمز سلطتها المنتزعة من الرجل،‮ ‬وامام انتصاب السيف‮ ‬يكون ارتخاء نفسية العريس الذي‮ ‬كان‮ ‬يمني‮ ‬نفسه بليلة دخلة كلها الوان من المتع‮.‬
هنا‮ ‬يتناص العرض مع اول شكل تراثي‮ ‬يستلهمه وهو ثنائي‮ ‬الف ليلة الشهير ولكن مع انعكاس تام للوضع التراثي‮ ‬حيث شهرزاد تجلس علي‮ ‬اريكة الحكم الذكوري‮ ‬المتمثلة في‮ ‬كنبة بركن الخشبة بينما‮ ‬يجلس شهريار علي‮ ‬ارضية الحكي‮ ‬الانثوية عند اقدام شهرزاد،‮ ‬وعبر لوحات تحمل اسماء اشهر شخصيات الحواديت التراثية العربية‮ ‬يتخذ وضع شهريار المعكوس عمقا ومنطقية اكثر من مجرد الاسقاط الساخر علي‮ ‬انقلاب الاوضاع في‮ ‬الاسرة الحالية‮.‬
شخصيات الشاطر حسن وعروس البحور وعلاء الدين والسندباد‮ ‬يستحضرها الزوج المقهور للكشف عن طبيعة الأوضاع المعكوسة في‮ ‬زماننا،‮ ‬وتتلون هذه الشخصيات برمادية العصر وتعلوها اتربته فالشاطر حسن نموذج‮ ‬يظهر كمواطن سلبي‮ ‬يجلس لتلقي‮ ‬المعلومة الصماء السطحية من صندوق الأعلام المغلق ويكون فعله الوحيد هو الادعاء بأنه صاحب حقيبة مفقودة للحصول عليها دون شرف أو ضمير،‮ ‬صحيح أن هذا‮ ‬يفتح عليه ابواب جهنم عندما نكتشف ان الحقيبة ملك اثنين من المتطرفين الإسلاميين إلا أن النص‮ ‬يسقط فكرة البطل الحواديتي‮ ‬الشريف ذي‮ ‬السريرة البيضاء ويجرده من نقائه الأسطوري‮ ‬ليلطخه بواقعية الآني‮ ‬الذي‮ ‬لو عاشت فيه الشخصية الأسطورية لتلوثت‮.‬
أزمة البساطة‮ ‬
المشاهد لعروض الهواة أو أنصاف"المحترفين‮"‬يضع في‮ ‬حسبانه دوما مدي‮ ‬ضعف الإمكانيات المتوافرة بالنسبة لهم علي‮ ‬مستوي‮ ‬الإنتاج أو التنفيذ والفرق الذكية هي‮ ‬التي‮ ‬تحول ضعف الامكانيات إلي‮ ‬حالة من البساطة والحميمية،‮ ‬ولكن‮ ‬يظل هناك خيط رفيع ما بين البساطة والبدائية،‮ ‬وهو ما نلمحه‮ ‬يظهر في‮ ‬هذا العرض،‮ ‬فالبساطة تتمثل في‮ ‬طبيعة الديكورات المستخدمة والتي‮ ‬لا تغدو اكثر من جدار خشبي‮ ‬دوار في‮ ‬منتصف الخشبة‮ ‬يتغير علي‮ ‬حسب طبيعة اللوحة وتعلق فوقه حكمه من الحكم الكثيرة المنتشرة فوق جدران المجتمع،‮ ‬والممثلون‮ ‬يتحركون بلا كواليس تقريبا حيث نراهم‮ ‬يدخلون ويخرجون من جنبات الخشبة بل وينزلون إلي‮ ‬المساحة الضيقة ما بين الخشبة والصف الأول ويخالطون الجمهور بشكل صريح‮ ‬يتجاوز كسر الايهام إلي‮ ‬الارتجال الكامل،‮ ‬وكلها عناصر تكسب العرض دفئا وبساطة،‮ ‬ولكن تلك البساطة تتجاوز ذلك لبدائية ركيكة تتمثل في‮ ‬الرغبة المستمرة في‮ ‬اضحاك الجمهور واطلاق الافيهات المكررة،‮ ‬والمأخوذ بعضها من افلام شهيرة،‮ ‬وفي‮ ‬اختلال الإيقاع الزمني‮ ‬العام لبعض اللوحات مثل لوحة السندباد الذي‮ ‬يدخل في‮ ‬مشهد ثنائي‮ ‬بينه وبين الزوج‮ ‬يستخدم فيه اكسسوارات نمطية مثل الزعانف او النظارات الغريبة التي‮ ‬تعطي‮ ‬شكلا لم‮ ‬يعد مضحكا‮  ‬ومثل مشهد الزفة والفرح في‮ ‬البداية،‮ ‬ومثل لوحة ملكة جمال مصر التي‮ ‬تصارح موظف الجمارك ان في‮ ‬حقيبتها هيروين فيتركها تغادر بينما‮ ‬يمسك ببذور القمح التي‮ ‬جلبها العالم الزراعي،‮ ‬او مثل الصورة النمطية لمذيعات الاعلام الحكومي‮ ‬التافهات،‮ ‬او مثل مناداة الممثلين بعضهم بالاسم في‮ ‬ارتجال بدائي‮ ‬يمسخ شخصية العرض،‮ ‬صحيح أننا امام لوحات تحمل قدراً‮ ‬من العبثية ولكن هناك مساحة بين منطقية العبثي‮ ‬وبين الاستسهال تحت دعاوي‮ ‬الهواية والتجريب‮. ‬
ان الفرق ما بين الهاوي‮ ‬والناضج-ولا نقول المحترف-هو أن الهاوي‮ ‬يتساهل بحجة ضعف الامكانيات او كسر التقليدي‮ ‬اما الناضج فلا‮ ‬يسمح لشئ ان‮ ‬يخل بمنطقية الأمور وتركيزها قدر الإمكان،‮ ‬مدركا طبيعة الشكل الذي‮ ‬اتخذه واللون الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬يدعيه‮.‬
والعرض‮ ‬يتخذ عمقا حقيقيا رغم نمطية الافكار المطروحة كالبيروقراطية والواسطة والتطرف الديني‮ ‬والتعذيب في‮ ‬المعتقلات،‮ ‬فاللوحات تغطي‮ ‬اغلب مفاسد العناصر الاجتماعية التي‮ ‬حولنا بداية من الاعلام إلي‮ ‬الشرطة إلي‮ ‬البحث العلمي‮ ‬إلي‮ ‬استغلال الدين وبالتالي‮ ‬يصبح انقلاب الوضع الاجتماعي‮ ‬داخل الاسرة الصغيرة-المتمثل في‮ ‬زوجة متسلطة وزوج خاضع-والتي‮ ‬هي‮ ‬نواة المجتمع هو جزء ونتيجة في‮ ‬نفس الوقت لكل الأوضاع المعكوسة والعبثية خارج عش الزوجية‮.‬
بلد شعارات
من اكثر عناصر العرض جذبا تصميم الملابس خصوصا ملابس الزوج والزوجة فالزوجة تبدأ بملابس سوداء لمحاربة عنيفة ثم تتلون ملابسها تدريجيا مع تطور علاقتها بزوجها بينما تحافظ علي‮ ‬البنطالون كموتيفة ملابس اساسية بحكم خشونتها الذكورية ورغبتها في‮ ‬ابعاد اي‮ ‬شبه انثوية تغوي‮ ‬زوجها،‮ ‬ثم في‮ ‬المشهد الاخير عندما بدأت تشعر بالميل السوي‮ ‬تجاه رجلها نجدها ترتدي‮ ‬فستانا حريميا رقيقا‮ ‬يشي‮ ‬برغبتها في‮ ‬اعادة الوضع الاسري‮ ‬المعكوس لنصابه خاصة ان الزوج‮ ‬يفقد خشونته تدريجيا ويستأنس لوضع الخاضع بل ويبدو كمن‮ ‬يتلذذ بخضوعه دون مبرر حقيقي‮ ‬حتي‮ ‬ولو عبثي‮ ‬وطريف ويذكرنا بمحمود عبد العزيز في‮ ‬فيلم سيداتي‮ ‬آنساتي‮ ‬لرأفت الميهي‮.‬
كذلك استخدم المخرج شريط صوت مفعم بأغاني‮ ‬موظفة بشكل ساخر ومجسدة لروح الزمن الحالي‮ ‬رغم تراثية الأسماء مثل اغاني‮ ‬نانسي‮ ‬عجرم وابو الليف،‮ ‬كذلك عنصر تحوير الشعارات الشهيرة التي‮ ‬تمتلئ بها مؤسساتنا والتي‮ ‬تحولت إلي‮ ‬مبادئ عكسية ضد كل ما‮ ‬يروج من دعاوي‮ ‬التقدم مثل(العلم سيد الحلاق)و(الصبر مفتاح الفرج)وتحتها لفظ السخرية الشعبي‮(‬هأووووو‮)‬،‮ ‬فانهيار اي‮ ‬مؤسسة اجتماعية‮ ‬يبدأ من انهيار الشعار الذي‮ ‬تعمل من خلاله وتحوله إلي‮ ‬مادة للسخرية والعبث بمصائر الناس‮.‬
ويبقي‮ ‬اننا عقب انتهاء العرض نجدنا في‮ ‬حالة جدل مع العنوان،‮ ‬فهو اسم موشح شهير ولكنه باستثناء ذلك لا‮ ‬يتفاعل مع الاحداث ولا‮ ‬يخلق قوس الشمولية أو احتواء افكار النص فيما عدا مسألة الاستلهام التراثي‮ ‬للأسماء والأشكال السردية-كألف ليلة-وهو ما‮ ‬يصنع علامة تعجب تراود المتلقي‮ ‬فما هي‮ ‬علاقة لما بدا‮ ‬يتثني‮ ‬بكل ما رأيناه من اوضاع معكوسة وفساد متغلغل حتي‮ ‬لو كان من خلال اقنعة شخصيات تراثية؟‮!

رامي‮ ‬عبد الرازق ‬
‮ ‬
‮   ‬
‮ ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: لما بدا‮ ‬يتثني
  • جهة الانتاج: فرقة المرصيين - القاهرة
  • عام الانتاج: 2011
  • تأليف: ياسر علام
  • إخراج: ‬ياسر أبو العينين
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here