اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

حكاوي‮ ‬ عندما‮ ‬يمتزج عالم السرد بالغناء

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ ‬ومن أروع ما قرأته عن الحكي‮ ‬أنه‮   ‬مارس علي‮ ‬الإنسان سلطة قوية منذ بدء الخليقة حيث في‮ ‬البدء كانت الكلمة‮ .. ‬ومن خلال‮  ‬الثقافة الشفاهية ثم حفظ تاريخ الإنسان التعبيري‮ ‬فسلطة الكلمة‮ ‬،‮ ‬التي‮  ‬مارسها الحكواتي‮ ‬القديم‮  ‬في‮ ‬كل الثقافات‮ ‬،‮ ‬بقيت هي‮ ‬نفسها من مهابهاراتا‮  ‬إلي‮ ‬هوميروس‮ ‬،‮ ‬التوراة‮  ‬وحتي‮ ‬الفردوسي‮ ‬أو جون رونالد رويل‮ " ‬الذي‮ ‬كتب كلاً‮ ‬من رواية الهوبيت والجزءين الأول والثاني‮ ‬من سيد الخواتم‮ " ..  ‬فسلطة تمرير الخطاب أدبا كان‮ ‬،‮ ‬سياسيا تربويا أو دينيا‮. ‬فهي‮ ‬ذاتها،‮ ‬التي‮ ‬مارستها شهرزاد‮  ‬علي‮ ‬الملك شهريار أولا وحولت‮  ‬هذا الوحش السفاح المتعطش للدماء إلي‮ ‬حمل وطفل وديع‮ ‬ينتظر حكاية قبل النوم كل ليلة‮  .. ‬ثم إستمرت سلطة تمرير الخطاب علي‮ ‬أجيال‮  ‬وأجيال‮  ‬لاحقة حتي‮  ‬اليوم‮ . ‬
هذه السلطة نحسها اليوم كذلك في‮ ‬قوة سحر سلطة أكبر حكواتي‮ ‬عرف في‮ ‬التاريخ‮ ‬،‮ ‬مؤسسة هوليوود‮  ‬للأفلام‮ . ‬فتأثير فن الحكي‮ ‬هو نفسه لم‮ ‬يفقد‮  ‬شيئا‮  ‬من قوته‮  ‬مثلما كان‮  ‬في‮ ‬الماضي،‮ ‬الفرق الوحيد هو‮  ‬تغيير الأدوات التعبيرية‮. ‬فالغرب مثلا عرف هو الآخر تقاليد عريقة في‮ ‬فن الحكي‮ ‬إبتداء من الأساطير الأغريقية حتي‮ ‬الحرب العالمية الثانية‮ ‬،‮ ‬حيث إضمحلت هذه التقاليد تماما،‮ ‬غير أن الإفتتان‮  ‬الغربي‮ ‬الكبير‮  ‬بالحكي‮ ‬بقي‮ ‬حيا‮ ‬،‮ ‬تعبر عنه الملتقيات‮ ‬،‮ ‬التظاهرات والمهرجانات الكثيرة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬يعرفها سنويا عدد من المدن‮  ‬الغربية وبلغات شتي‮  ‬بل حتي‮ ‬في‮ ‬بعض المناطق الريفية‮  ‬أحيانا فمن خلال ذلك الإقبال علي‮ ‬هذا الفن‮ ‬،‮ ‬يشعر الإنسان بأهمية الحكي‮ ‬في‮ ‬الحياة المعاصرة،‮ ‬حيث أصبح التواصل الإنساني‮ ‬المباشر محصورا‮  ‬وفي‮ ‬تقلص دائم مما دفع الإنسان إلي‮ ‬البحث عن قنوات تواصل‮  ‬مباشرة‮  ‬بين الحكواتي‮ ‬والمستمع المشاهد بقصد‮  ‬إحياء شعور الفطرة‮ ‬،‮ ‬العودة الي‮ ‬سنوات المهد‮. ‬
ففن الحكي‮  ‬ليس مجرد خرافات،‮ ‬أساطير وحكايات‮  ‬متعددة المصدر‮ ‬،‮ ‬بل هو أكثر من ذلك‮ .. ‬فهو مرآة لروح البشر‮ ‬،وإعلان عن خيالاتهم‮ ‬،‮ ‬أحلامهم،‮ ‬تطلعاتهم‮ ‬،‮ ‬أسلوب تفكيرهم ومعتقداتهم من أجل فتح‮  ‬أفق آخر‮ ‬غير الأفق الموجه والمقنن سواء أكان سياسيا أو أخلاقيا‮.  ‬ففن الحكي‮ ‬،‮ ‬لما فيه من تلقائية الإسلوب والمباشرة‮ ‬،‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يلعب دورا‮  ‬مهما في‮ ‬هذا المجال اليوم كما في‮ ‬الغد‮  ‬كذلك‮.. ‬إنه‮  ‬يمنحنا أحيانا إمكانية التواصل المباشر مع المتلقي‮ ‬دون تدخل أي‮ ‬سلطة كانت خفية أو علنية فالحكواتي‮  ‬هو سيد اللحظة المتصرف فيها دون خطوط حمراء‮ .. ‬إن بمقدوره‮  ‬حصاد‮  ‬ثمرات حكايته في‮ ‬حقل الوجوه المتلقية لخطابه‮  ‬فورا وفي‮ ‬اللحظة ذاتها‮ ‬،‮ ‬الشيئ‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يستعصي‮ ‬علي‮ ‬الكاتب فعله‮  ‬،‮ ‬سواء كان روائيا‮  ‬أو قصاصا،‮ ‬حيث‮ ‬يكون‮  ‬إبداعه رهينا بالناقد المتخصص‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬ينقل له موقفه الخاص من الإبداع عبر كتابة مضادة أو مؤيدة‮ ..  ‬ففن الحكي‮ ‬يمنحنا إمكانية العبور والغوص في‮ ‬حياة‮  ‬هؤلاء الناس المحكي‮ ‬عنهم‮ ‬،‮ ‬وإعادة كتابتها من جديد‮  ‬عبر أدوات الكلمة‮ ‬،‮ ‬الوليدة للتو والتي‮ ‬تستمد قوتها من الحضور‮ ‬،‮ ‬من قسمات الوجوه المشاركة في‮ ‬خلق اللحظة‮ . ‬
إن فن الحكي‮ ‬بطريقة عملية‮ ‬،‮ ‬كثيرا ما حلم بها مسرحيون كبار مثل الألماني‮ ‬برتولد بريشت في‮ ‬نظريته‮ ‬،‮ ‬تحطيم الجدار الرابع‮  ‬والإنجليزي‮ ‬بيتر بروك‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬كتب بعد رحلة‮  ‬مسرحية عبر كثير من الدول الأفريقية‮ " ‬هذا هو المسرح الذي‮ ‬كنا نحلم به‮.‬“  حين‮  ‬شهد حكواتيا في‮ ‬جنوب الجزائر‮ .. ‬
إذن فالحكي‮ ‬هو حلم لكثير من المسرحيين حيث العلاقة المباشرة ما بين الجمهور والحكاء‮ .. ‬والحكي‮ ‬من أصعب أنواع الأداء والإلقاء والتي‮ ‬تحتاج إلي‮ ‬ممثل أو حكاء متمرس ومتمكن من أدواته في‮ ‬الربط والجذب والتشويق ولعل الكثير من هذه الأدوات‮ ‬يمتلكها القليل من الحكاءين في‮ ‬مسرحنا المعاصر ومنهم الفنان‮ / ‬رمضان خاطر الذي‮ ‬يمتلك الكثير من أدوات فن الحكي‮ ‬ومفاتيحه‮ .‬
ورمضان خاطر أحد الأعمدة الرئيسية في‮ ‬فرقة الورشة المسرحية والتي‮ ‬تم إنشاؤها عام‮ ‬1987مع حسن الجريتلي‮ ‬الذي‮ ‬يري‮ ‬أن‮ "‬فن الحكي‮ ‬هو نتاج لإدراك الموهبة الربانية بالنسبة‮ "‬للحكاوي‮" ‬بالإضافة للمهارات المكتسبة من خلال الورش والمحاضرات التدريبية المكثفة‮" ‬وإنه‮ ‬يجب إسترجاع فن الحكي‮ ‬الذي‮ ‬بدأ هو الآخر بالإختفاء تدريجياً‮ ‬بعد أن كان تراثاً‮ ‬يتداوله الأبناء والأجداد علي‮ ‬طريقة الحكاوي‮ ‬الليلية قبل النوم أو حتي‮ ‬من خلال الحياة اليومية‮ .. ‬ورمضان خاطر حكاء مصري‮ ‬له العديد من الأفلام السينمائية والليالي‮ ‬المسرحية القائمة علي‮ ‬الحكي‮ ‬وهو‮ ‬يري‮ ‬أن فن الحكي‮ ‬هو مجموعة ثوابت‮ ‬يتم إستنباطها من قبل الحكاء نفسه وذلك لخلق علاقة حميمة مع الجمهور المتلقي‮ ‬لضمان نجاح العمل،‮ ‬وهذه الثوابت عبارة عن كيفية التعلم الفردي،‮ ‬فكرة الجمع بين الحكي‮ ‬والتمثيل،‮ ‬التفاعلات الجسمانية،‮ ‬التنوع في‮ ‬الصوت والألحان أثناء الحكي‮ ‬بالإضافة لوجوب أن‮ ‬يكون الدافع لدي‮ ‬الحكاء في‮ ‬أقوي‮ ‬حالاته‮ .‬
‮ ‬وتأصيلا لدور الحكي‮ ‬في‮ ‬التراث المسرحي‮ ‬وإقتناعا من القائمين علي‮ ‬الحركة المسرحية الآن بوجوب التنوع في‮  ‬الأشكال المسرحية التي‮ ‬يقدمونها كان إهتمام الفنان شادي‮ ‬سرور ومسرح الشباب والقائمين عليه‮  ‬بتقديم شكل آخر ومختلف من أشكال المسرح والقريب من مسرح الفرجة الشعبية ألا وهو مسرح الحكي‮ ‬وليالي‮ ‬الحكاواتي‮ .. ‬وذلك من خلال العمل الفني‮ ( ‬حكاوي‮ ) ‬الذي‮ ‬يقدمه لنا المخرج أسامة رؤوف ويحكيها‮ / ‬رمضان خاطر‮ .‬
ومسرحية‮ " ‬حكاوي‮ " ‬عمل فني‮ ‬في‮ ‬هيئة فرجة مسرحية بسيطة تقوم علي‮ ‬فن الحكي‮ ‬وفنون أخري‮ ‬مثل فن الإنشاد والترانيم من خلال مجموعة قليلة من الفناين فهناك رمضان خاطر الراوي‮ ‬والحكاء الأساسي‮ ‬والذي‮ ‬يجلس علي‮ ‬دكة الحكاواتي‮ ‬في‮ ‬المنتصف ومن خلفه صنع له المخرج عالما بسيطا وكأننا في‮ ‬حارة شعبية في‮ ‬قلب القاهرة القديمة بأبوابها المتجاورة القديمة ومشربياتها التي‮ ‬تطل علينا من الأعلي‮ ‬وعلي‮ ‬يمين الراوي‮ ‬ويساره جلست فرقة المنشدين والمطربين في‮ ‬جلاليب بيضاء وبلدية علي‮ ‬دكك خشبية كذلك‮ ‬يقفون بين الحين والآخر حين‮ ‬يشاركون في‮ ‬العمل بالغناء بينما‮ ‬يجلس الجمهور أمامهم علي‮ ‬هيئة مربع‮ ‬غير مكتمل في‮ ‬ضلعه الرابع الذي‮ ‬تمثله الفرقة وتحيط أقمشة الخيامية بالجمهور والفرقة معا حتي‮ ‬تُحدث خصوصية ما للحكاية وتقلص من مساحة الفضاء المسرحي‮ ‬الممتد من حولهم حيث أن المسرحية تتم في‮ ‬الساحة الواقعة أمام باب المسرح العايم بالمنيل‮ .. ‬وببساطة التكوين الشديدة والدالة في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يبدأ الراوي‮ ‬في‮ ‬الحكي‮ ‬وهو‮ ‬يمزج في‮ ‬حكاياته ما بين أحداث حقيقة وأخري‮ ‬أسطورية أو من خياله وخلال الحكاية تتداخل الأغاني‮ ‬وإنشاد المنشدين في‮ ‬شكل مزيج رائع وساحر رغم بساطته الشديدة وهذه هي‮ ‬روعة هذا النوع من الفرجة حيث‮ ‬يتدفق العمل الفني‮ ‬ويتسارع إيقاعه بحيث‮ ‬يبدأ وينتهي‮ ‬دون أن تشعر بملل أو إنفصال عما‮ ‬يتم أمامك وقد اعتمد ذلك بطريقة كبيرة علي‮ ‬قدرة المخرج في‮ ‬ربط عناصر الفرجة بعضها ببعض في‮ ‬توافقية وإنسجام شديدين‮ ‬،‮ ‬كما إعتمد علي‮ ‬قدرة الراوي‮ ‬الحكاء في‮ ‬جذبك لأطراف حكايته دون أن‮ ‬يتسرب إليك أي‮ ‬شعور بالملل‮ .. ‬بل علي‮ ‬العكس ففي‮ ‬تشويق حكاياته وتدفق الأغاني‮ ‬ما‮ ‬يجعلك تسعي‮ ‬للإستزادة‮ .. ‬وقد صدح المنشدون بأصوات عذبة فتمخض العرض عن مجموعة من الأصوات الرائعة المتميزة مثل محمد إسماعيل ذي‮ ‬الصوت المميز القوي‮ ‬والأداء المسرحي‮ ‬البسيط والقدرة الشديدة علي‮ ‬التعبير‮ ‬،‮ ‬وكذلك أمين صبحي‮ ‬وباسم وديع وصليب فوزي‮ .. ‬كما أعطي‮ ‬الحكاية شكلها الشعبي‮ ‬المميز وجود منشد مثل بدر الدين فهمي‮ ‬أو بدر الأسواني‮ ‬كما‮ ‬يطلقون عليه وبصحبته فرقة مميزة مثل فرقة إبراهيم القط بآلاتها البسيطة الدالة وملابسهاالفلكورية ذات الطابع الشعبي‮ ‬وأدائهم المميز‮ .. ‬،‮ ‬ومما أعطي‮ - ‬ما نسميه مجازا مسرحية حكاوي‮ ‬– ما أعطاها بُعدا تفاعلايا مع الجمهور أن المخرج والحكاء‮  ‬جعلا الجمهور شريكا أساسيا في‮ ‬الحدث الأساسي‮ ‬وهو هنا الحكي‮ ‬فقد تركا مساحة للجمهور المتفرجين بأن‮ ‬يشاركوا بحكاياتهم فيخرج أحد الجالسين ليحكي‮ ‬حكاية من عندياته وهذا‮ ‬يؤكد علي‮ ‬الحميمية الموجودة بين من‮ ‬يقومون بالحكي‮ ‬والغناء وبين الجمهور ومن أروع الحكايات التي‮ ‬قام رمضان خاطر بحكيها‮ .. ‬حكايته كمسلم مع الترانيم المسيحية والتي‮ ‬كان‮ ‬يستمتع بها من خلال الكنيسة التي‮ ‬يمر عليها‮ ‬يوميا وهو في‮ ‬طريقه للمسرح وذلك الموقف الذي‮ ‬تعرض له مع احد أمناء الشرطة والذي‮ ‬يقوم بحراسة الكنيسة حيث شك في‮ ‬رمضان وحسبه إرهابيا وظن كيس الفول الأخضر الذي‮ ‬يحمله قنبلة وهنا ظهر قس الكنيسة وأمر الشرطي‮ ‬أن‮ ‬يترك رمضان‮ ‬يذهب لحاله‮ ‬،‮ ‬ورغم بساطة الموقف إلا أنه عميق الأثر حيث أكد علي‮ ‬مسألة الوحدة الوطنية في‮ ‬شكل رمزي‮ ‬بسيط وفي‮ ‬حدوته تكاد من صياغتها المحكمة أن لا تفرق بين كونها مؤلفة أم حدثا حقيقيا‮ .. ‬لا فرق بين مسلم ومسيحي‮ ‬في‮ ‬هذا الوطن‮ .. ‬رسالة سريعة تصلك بدون تكلف أو تشنج أو تضخيم وتدلك علي‮ ‬أن مصر ووحدتها الوطنية أكبر بكثير من تجارة المتزيدين‮ ‬،وقد جاء المشهد بسيطا ومتكاملا في‮ ‬الوقت ذاته حيث‮ ‬يقف الراوي‮ ‬ويدور في‮ ‬مكانه وهو‮ ‬ينظر‮ ‬يمينا ويسارا ومن خلفه تصدح ترانيم الكنيسة فنشعر وكأننا نتجول معه داخل أروقة المكان ونذهب إلي‮ ‬حيث‮ ‬يذهب ونعيش داخل حكايته‮ .. ‬وهكذا تتدفق الحكايات داخل العرض محدثة أثرا نفسيا شديد الأثر مع المتلقي‮ .. ‬وهذا ما جعل عرض الفرجة‮ ( ‬حكاوي‮ ) ‬رغم بساطته من أجمل وأفضل العروض التي‮ ‬يمكن أن تستمتع بمشاهدتها‮ ..

خالد حسونه ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: حكاوي
  • جهة الانتاج: فرقة مسرح الشباب -القاهرة
  • عام الانتاج: 2011
  • تأليف: أدء : رمضان خاطر
  • إخراج: أسامة رؤوف
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here