اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بعد الليل‮ ..‬ عرض بطله المنظر المسرحي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

وأجدني‮ ‬مجبراً‮ ‬علي‮ ‬تحليل العرض المسرحي‮ " ‬بعد الليل‮ " ‬للمخرج و المدرب‮ " ‬خالد جلال‮" ‬قبل التطرق إلي‮ ‬وجهة نظري‮ ‬حيال المستوي‮ ‬الأدائي‮ ‬للممثلين‮ ‬،‮ ‬رغم أني‮ ‬كنت أود أن أبدأ بالحديث عن طبيعة المهارات المختلفة التي‮ ‬تم العمل عليها خلال الورشة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬من المفترض أن تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬نسقين متعارف عليهما هما النسق الخيالي‮ ‬لدي‮ ‬الممثل‮ ‬،‮ ‬و النسق التقني‮ ‬الذي‮ ‬يركز علي‮ ‬تدريبه الجسدي‮ ‬والصوتي‮ ‬الذي‮ ‬يمكن ترجمته في‮ ‬العروض المسرحية بأشكال متعددة كالغناء أو الرقص أو المبارزة‮.. ‬إلخ من المهارات،‮ ‬بجانب الأداء الحياتي‮ ‬العادي‮ ‬و اليومي‮ ‬في‮ ‬حياة الناس والتعبير عنه بشكل ممسرح مبتكر،‮ ‬لكن المفردات التي‮ ‬طرحت داخل العرض المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يبدو أنه قد بني‮ ‬علي‮ ‬ارتجالات الممثلين‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬بنيت بدورها علي‮ ‬أرضية إظهار المشاكل الاجتماعية التي‮ ‬يواجهها كل منهم علي‮ ‬حدة مكونة مشكلة أكبر تواجه الجميع،‮ ‬كي‮ ‬تشكل عنصر الصراع في‮ ‬العرض‮ ‬،‮ ‬وإعادة صياغة تلك المفردات العديدة المتناثرة في‮ ‬نسق واحد للوحة مسرحية تتبعها لوحة أخري‮ ‬تعبر عن مشكلة جديدة،‮ ‬ثم لوحة ثالثة‮.. ‬وهكذا،‮ ‬ويتم التعبير عن كل لوحة درامية بأدوات مادية بسيطة إضافة إلي‮ ‬أجساد الممثلين أو الكتلة البشرية التي‮ ‬يكونونها معاً‮ ‬لتشكيل الصورة البصرية الأكبر،‮ ‬وهنا تظهر مهارة الصياغة الدرامية للمخرج وخبرته الطويلة في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬فكل هذه الأفكار المتناثرة التي‮ ‬تصل إلي‮ ‬حد الفوضي،‮ ‬تم دمجها داخل دراما واحدة‮ ‬،‮ ‬ومنظر مسرحي‮ ‬يكاد‮ ‬يكون واحدًا وغير متغير ليحقق فكرة المكان المسرحي،‮ ‬لكنه مكان مجهول المعالم‮ ‬،‮ ‬فعندما دخل الجمهور إلي‮ ‬صالة العرض وجد علي‮ ‬الجدران الجانبية مجموعة كبيرة من العلامات الكتابية التي‮ ‬لم‮ ‬يجد أحد لها أية دلالة سوي‮ ‬في‮ ‬نهاية العرض،‮ ‬وكان هناك في‮ ‬مقدمة المسرح عدد من مكعبات القش متناثرة بلا تكوين مقصود‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬العمق‮  ‬مستويان مرتفعان خلفهما في‮ ‬نهاية المسرح ظهر لفراش معدني‮ ‬قد نراه في‮ ‬السجن أو المستشفي‮ ‬أو أماكن حكومية كثيرة تنتمي‮ ‬للدولة‮ ‬،‮ ‬و الأرضية بكاملها مغطاة بلون قرمزي‮ ‬ساخن‮ ‬،‮ ‬ثم تتوالي‮ ‬مشاهد النقد الاجتماعي‮ ‬التي‮ ‬تناقش تقريباً‮ ‬كل ما نراه في‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬من مشكلات تستحق النقد،‮ ‬من مشكلة التحرش إلي‮ ‬مشكلة التهويل الإعلامي‮ ‬ومشايخ الفضائيات و الانفلات الأمني‮ ‬وعقوق الوالدين وغياب الرومانسية ومشاكل الزواج و العنوسة وقضية الفقر والغنا وتشرذم الفصائل السياسية والشقاق المجتمعي‮ ‬و التشدد و التعصب بكافة أنواعه وغياب دور الفن،‮ ‬كل ذلك في‮ ‬إطار مجموعة كبيرة من العواطف المتناقضة التي‮ ‬يعبر عن بعضها بشكل كوميدي‮ ‬وأخري‮ ‬في‮ ‬إطار التراجيديا،‮ ‬حتي‮ ‬نجد أنفسنا في‮ ‬النهاية أمام أحد الممثلين الذي‮ ‬يلعب شخصية‮ "‬راضي‮"  ‬المعبرة عن المواطن المصري‮ ‬جالسا في‮ ‬مقعد المريض في‮ ‬العيادة النفسية أمام الطبيبة وبجوارها شيطانة أفكاره التي‮ ‬يراها وحده،‮ ‬وأن كل ما رأيناه كان مجرد أفكار متصارعة في‮ ‬رأسه‮ ‬،‮ ‬وأن شخصيته بمشاكلها النفسية قد تم تفكيكها إلي‮ ‬مجموع الشخصيات التي‮ ‬رأيناها علي‮ ‬الخشبة تطرح المشاكل الاجتماعية التي‮ ‬يجابهها المواطن المصري‮ ‬في‮ ‬حياته الآنية‮ ‬،‮ ‬خالقة هذا الجو من الفوضي‮ ‬في‮ ‬رأسه‮  ‬الذي‮ ‬عبر عنها مصمما الديكور‮ "‬ندي‮ ‬عبد المجيد‮" ‬و"عمر رأفت‮ " ‬بتلك الإشارات‮ ‬غير المفهومة علي‮ ‬الجدران وبظهر السرير المعدني‮ ‬في‮ ‬العمق الذي‮ ‬أشرت له سالفاً،‮ ‬كي‮ ‬لا‮ ‬يكتمل المنظر المسرحي‮ ‬إلا بلحظة النهاية الدرامية‮ ‬،‮ ‬لنكتشف بمفارقة رائعة أننا جميعاً‮ ‬داخل مصحة للأمراض النفسية‮ ‬،‮ ‬فيصبح التعبير البصري‮ ‬الموازي‮ ‬للتعبير الدرامي‮ ‬أكثر عمقاً‮ ‬ودهشة،‮ ‬إضافة إلي‮ ‬الملابس التي‮ ‬صممتها‮ " ‬تغريد عز الدين‮ " ‬التي‮ ‬تصنف كملابس مسرحية من الدرجة الأولي،‮ ‬فكانت عبارة عن لفائف مهلهلة من لون محايد كلفائف الكتان التي‮ ‬يلف بها جسد المومياوات،‮ ‬فقد حققت بعدين لونيين أولهما الحياد اللوني‮ ‬ذو الدلالة المفتوحة لعين المتلقي‮ ‬بكافة مستوياته‮ ‬،‮ ‬فهناك من سيراها أنها دلالة علي‮ ‬حالة الفقر وهناك من سيري‮ ‬علاقتها بالبعد التاريخي‮ ‬،‮ ‬وهناك من‮ ‬ينظر لها من مستوي‮ ‬الدلالة اللونية المطلقة‮ ‬،‮ ‬أما البعد الثاني‮ ‬فقد تحقق بقطع الإكسسوار البسيطة التي‮ ‬كانت تنقلنا من مشهد لمشهد بعلاقات لونية سهلة و معبرة،‮ ‬مثل ارتداء الممثل لملفحة حمراء أومعطف أو منديل رأس مضاف إليه شعر مستعار،‮ ‬فشكلت كل هذه المفردات والأفكار المرتجلة عرضاً‮ ‬مسرحياً‮ ‬أنقذه من التناثر وضعه داخل وحدة موضوعية لفكرة المصح النفسي‮ ‬التي‮ ‬حققتها الصورة البصرية و المشهد الأخير‮.‬
لكن لو عدنا إلي‮ ‬موضوعنا الرئيسي‮ ‬وهو الورشة التدريبية لاستوديو المواهب بمركز الإبداع‮ ‬،‮  ‬وما ظهر من نتاج لها‮ ‬،‮ ‬فسنجد أننا أمام عدد كبير من المتدربين علي‮ ‬التمثيل تنوعوا علي‮ ‬حسب قوة كل منهم‮ ‬،‮ ‬فهناك من ظهر بمظهر جيد في‮ ‬كل الشخصيات التي‮ ‬لعبها،‮ ‬وهناك من تميز في‮ ‬شخصيات وأخفق في‮ ‬أخري‮ ‬وهناك من كنا نراه في‮ ‬أدوار اعتيادية ثم ارتفع مستواه التمثيلي‮ ‬بشكل ملفت‮ ‬،‮ ‬وهناك من تمت التغطية علي‮ ‬ضعف أدائه بشكل حرفي‮ ‬من المخرج فلم‮ ‬يظهر سيئا بشكل مطلق لكنه مر مرور الكرام وكأنه لم‮ ‬يدخل المسرح ولم‮ ‬يلق حتي‮ ‬التحية علي‮ ‬هذه الورشة التدريبية‮.‬
وبشكل عام كان هناك سمتان أدائيتان ميزتا العرض ككل‮ ‬،‮ ‬أولاهما كانت ارتفاع أصوات الممثلين بشكل‮ ‬غير مبرر إلي‮ ‬درجة تقترب من الصراخ وليس رفع الطابق الصوتي،‮ ‬و السمة الأخري‮ ‬كانت السرعة المبالغ‮ ‬فيها في‮ ‬إنتاج الوحدات الزمنية للصوت بطريقة تقترب من اللهاث في‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬،‮ ‬مما كان‮ ‬يؤثر علي‮ ‬الإيقاع العام للعرض‮ ‬،‮ ‬وهذا اللهاث هو طاقة زائدة للممثل تتناقض مع فكرة الاقتصاد الواجب توافرها في‮ ‬الممثل الجيد المتحكم في‮ ‬طاقته الداخلية بشكل منضبط‮ ‬،‮ ‬خاصة في‮ ‬هذا الشكل المعتمد في‮ ‬الأساس علي‮ ‬الارتجال المعد سلفاً،‮ ‬فقد تحول هذا الارتجال إلي‮ ‬نص مكتوب له ثبات نسبي،‮ ‬يستطيع الممثل أن‮ ‬يبني‮ ‬علي‮ ‬أفكاره شخصياته التي‮ ‬يريدها،‮ ‬خاصة في‮ ‬هذا الشكل الجروتسكي‮  ‬الذي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬تضخيم مفردات الشخصية بطريقة كاريكاتورية‮ ‬،‮ ‬وتصبح تلك الشخصيات منسجمة تماماً‮ ‬مع طبيعته الأدائية دون الحاجة إلي‮ ‬لي‮ ‬ذراع شخصية ما والتعامل معها بطريقة‮ ‬غير منطقية أو منسجمة مع أداء زملائه حوله،‮ ‬فقد ظهر العديد من الممثلين‮- ‬مقارنة بزملائهم المجيدين‮ - ‬غير مسيطرين علي‮ ‬شخصياتهم التي‮ ‬يلعبونها،‮ ‬وقد بدا‮ ‬غالبية الممثلين وكأنما‮ ‬يراقبون أنفسهم وزملاءهم علي‮ ‬المسرح‮ ‬،‮ ‬وبدت الشخصية أكبر منهم‮  ‬وكـأنما‮ ‬يرتدون ملابس متسعة،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من أن الأدوار لم‮ ‬يكن لها طبيعة خاصة مثل الأداء الموقع علي‮ ‬الموسيقي‮ ‬أو الأداء الراقص‮ ‬،‮ ‬فقد كان العرض خالياً‮ ‬تماماً‮ ‬من إظهار مهارات أخري‮ ‬غير الأداء التمثيلي‮ ‬الاعتيادي‮ ‬رغم أن العرض كان مساحة مفتوحة لوضع ما‮ ‬يريدون التعبير عنه بأية طريقة‮ ‬،‮ ‬خاصة أن الموضوع الذي‮ ‬تم اختياره‮ ‬يعتمد علي‮ ‬تداعي‮ ‬الإرهاصات الفكرية في‮ ‬عقل مشوش‮ ‬،‮ ‬ويبدو أن المخرج‮ / ‬المدرب قد هرب من محاولة إظهار مهارات خاصة للممثلين خوفاً‮ ‬من درجة إتقان البعض لهذه المهارات‮ ‬،‮ ‬مثل الأداء الجماعي‮ ‬المتقن الذي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬مدي‮ ‬التناغم بين المجموع وحفاظ كل ممثل عليه بشكل فردي،أو حتي‮ ‬التوافق العصبي‮ ‬العضلي‮ ‬لدي‮ ‬المؤدي‮ ‬،‮ ‬إلا أنه قد ظهرت مواهب فذة بين هذا العدد الكبير،‮ ‬مثل الممثل‮ " ‬إسلام عبد الله‮ " ‬الذي‮ ‬أجاد في‮ ‬تنويع أدائه بين مختلف الشخصيات التي‮ ‬لعبها‮ ‬،‮ ‬ووضع خطوطاً‮ ‬فاصلة بينها بشكل مهاري‮ ‬واضح،‮ ‬و الممثل‮ " ‬محمود الليثي‮ " ‬الذي‮ ‬بدا مالكاً‮ ‬أدواته كممثل مكتمل القدرات واعيا لكل ما‮ ‬يحدث حوله شديد التركيز،‮ ‬و الموهوب جداً‮ " ‬توني‮ ‬ماهر‮" ‬بأدائه الهاديء السلس الذي‮ ‬يعضده حضوره الواضح،‮ ‬وهنا نري‮ ‬أنفسنا قد خرجنا بثلاثة ممثلين من ورشة تدريبية قوامها‮ ‬يتعدي‮ ‬الثلاثين،‮ ‬وأنا لا أقلل من شأن المواهب الأخري‮ ‬التي‮ ‬في‮ ‬سبيلها للاكتمال وأمامها الكثير من التجارب كي‮ ‬تثبت فيها صدق ما لديها من موهبة‮.‬
ولا‮ ‬يسعني‮ ‬في‮ ‬النهاية إلا أن أقول لهم‮ : ‬عليكم أن تستمتعوا بالمسرح كلعبة تمارسونها وأنتم في‮ ‬غاية النشوة،‮ ‬ودعكم من مراقبة النفس و الآخرين وصرف النظر عن القدرات الفردية للغير،‮ ‬فسيجعل هذا من الممثل داخلكم لاعباً‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يخرج بفعله من مساحة العقل إلي‮ ‬المساحة الفارغة علي‮ ‬الخشبة،‮ ‬وأن‮ ‬يكون فعله حراً‮ ‬تلقائياً‮ ‬جديداً‮ ‬وليس مقيداً‮ ‬متكلفاً‮ ‬،‮ ‬كي‮ ‬يصل إلي‮ "‬الكينونة‮ " ‬،‮ ‬أي‮ ‬كي‮ ‬يحول الحياة علي‮ ‬المسرح إلي‮ ‬حياة تقترب كثيراً‮ ‬مما نشعر به في‮ ‬الواقع‮.‬

احمد الحناوي

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: بعد الليل
  • جهة الانتاج: مركز الابداع
  • عام الانتاج: 2014
  • تأليف: خالد جلال
  • إخراج: خالد جلال
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here