اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

زيارة سعيدة جدا‮ ..‬ عرض دعائي‮ ‬بامتياز‮ ‬يحارب الإرهاب بأسلحة منتهية الصلاحية‮ !

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬كلمة ألقاها المخرج الكبير مراد منير في‮ ‬افتتاح‮  ‬عرضه‮  "‬زيارة‮  ‬سعيدة جدا‮" ‬علي‮ ‬مسرح الهناجر قال‮ : "‬جئنا لمواجهة الإرهاب‮". ‬غير أن العرض كان أكثر أمانة في‮ ‬التعبير عن نفسه‮ ‬،‮ ‬وأخبرناـ دون أن‮ ‬يدري‮ ‬ـ‮  ‬بأنه‮ : ‬لا شيء تغير‮! ‬
بل‮ ‬يمكننا أن ننظر إلي‮ ‬عرض‮ "‬زيارة سعيدة جدا‮" ‬بوصفه نموذجا لخطابات الاستهلاك الفاشلة،‮ ‬والكاذبة،‮ ‬التي‮ ‬صرنا نراكمها في‮ ‬مواجهة قضايانا الكبري،‮ ‬والمصيرية،‮ ‬دون شعور بأننا بتنا جزءا من المشكلة،‮ ‬وربما كنا نحن أنفسنا المشكلة‮!‬
فما الذي‮ ‬قاله العرض عبر أدواته نفسها‮ ‬،‮ ‬الأكثر صدقا في‮ ‬التعبير عن محتواه؟‮ ‬
يقول العرض ـ دون أن‮ ‬يقصد،‮ ‬ودون أن‮ ‬يعني‮ ‬بنوعية جمهوره ــ‮  ‬إنه‮ ‬يتوجه لجمهور لا تشغله كثيرا مسألة مواجهة الإرهاب هذه‮ ‬،‮ ‬ولا الدماء التي‮ ‬تسيل هنا وهناك منذ25 ‮ ‬يناير ولا تزال تسيل‮ . ‬هو ذلك الجمهور الذي‮ ‬يقبل علي‮ ‬السينما من أجل‮ "‬المناظر‮" ‬وعد القبلات،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يقبل علي‮ ‬المسرح‮ (‬الخاص‮) ‬من أجل الفرفشة والضحك،‮ ‬والعيش لحظات مع مباذل النجوم،‮ ‬وهو ما منحه العرض مساحة معتبرة‮ ‬،‮ ‬شغلها ـ بإسراف‮ ‬يشبه الهوس ـ بالإفيهات الجنسية المبتذلة‮ ‬،‮ ‬وبأحاديث المؤخرات،‮ ‬والأجساد‮ ‬،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يجرح أي‮ ‬رسالة جادة‮ ‬يمكن أن‮ ‬يوصلها‮ ‬،‮ ‬ناهيك عن قضية الإرهاب وخطورتها في‮ ‬ظرفنا المصري‮ ‬والعربي‮ ‬الراهن‮ !‬
عند النظر إلي‮ ‬بنية العرض‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬الدراما‮ ‬،‮ ‬كما علي‮ ‬مستوي‮ ‬الصورة المسرحية التي‮ ‬قدمها،‮  ‬فلن‮ ‬يكون من العسير الإحساس‮  ‬بقدر‮ "‬الحشو‮" ‬الذي‮ ‬شكل قوامه‮  ‬في‮ ‬الزمن‮ ‬،‮ ‬وأفقده حضوره الحي‮ ‬كفعل مسرحي،‮ ‬ينمو ويتطور،‮ ‬كما أفقده إيقاعه وتدفقه،‮  ‬كذلك لن‮ ‬يكون من العسير أيضا اكتشاف مقدار‮ "‬التلفيق‮" ‬الذي‮ ‬أفقده مصداقيته كرسالة‮ ‬يمكن أن تصل مقنعة إلي‮ ‬المتفرج‮ ‬،‮ ‬كما أفقده تماسكه كعرض‮. ‬
أما عن‮ " ‬الحشو‮ " ‬فأعني‮ ‬به هنا‮  ‬أن‮ " ‬الحدوتة‮ " ‬التي‮ ‬تدور علي‮ ‬المسرح‮ ‬،‮ ‬بما تحمله من مادة درامية قابلة للتمدد والتنامي‮ ‬خلال الزمن المسرحي‮ ‬،‮ ‬كانت نحيلة‮  ‬وقصيرة‮ ‬،‮ ‬يمكن معالجتها في‮ ‬زمن أقل‮ ‬،‮ ‬غير أن العرض قام بحشوها بالكثير من المادة‮ ‬،‮ ‬التمثيلية‮ ‬،‮ ‬والغنائية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬لم تنجح في‮ ‬شحن الحدوتة بالدراما،‮ ‬كما لم تستطع الاستفادة منها في‮ ‬تشكيل فرجة ممتعة،‮ ‬ومن ثم لم تنجح في‮ ‬تحويلها إلي‮ ‬حضور‮ ‬ينبض علي‮ ‬الخشبة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬كشف عن مساحة كبيرة من الترهل في‮ ‬زمن العرض‮ .     ‬
أدرك أن المسألة نسبية‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يمكن أيضا معالجة‮ "‬حدوتة قصيرة‮ "  ‬في‮ ‬زمن أطول نسبيا،‮ ‬غير أن الأمرـ في‮ ‬هذه الحالة ـ‮  ‬يتوقف علي‮ ‬قدرة صناع العرض وعلي‮ ‬رأسهم المؤلف في‮ ‬إدارة الحوارات بين الشخصيات‮ ‬،‮ ‬وتقديم المزيد من المعلومات‮ ‬،‮ ‬والتنويع علي‮ ‬الثيمة الدرامية‮ ‬،‮ ‬وضخ الدماء في‮ ‬عناصرها؛‮  ‬بحيث لا‮ ‬يشعر المتفرج بالملل من التكرار‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬يتوقف الأمر أيضا علي‮ ‬أداء الممثلين ومدي‮ ‬نجاحهم في‮ ‬الاحتفاظ بانتباه المشاهد‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬يملكونه من حضور خاص‮ ‬،‮ ‬يشحنون‮  ‬به أدوارهم‮ ‬،‮ ‬ويؤكدون به صدقها وقدرتها علي‮ ‬الإقناع،‮ ‬وهو ما فشل العرض في‮ ‬القيام به لعدة أسباب‮ ‬يمكن تلخيصها في‮: ‬دوران حوار الشخصيات حول نفسه‮ ‬،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬جرد هذه الشخصيات،‮ ‬وصب كل منها في‮ ‬جملة تلخصها ببساطة‮ ‬،‮ ‬وهو ما جعل كل ما تقوله مجرد تكرار لما قالته من قبل،‮ ‬وهو ما‮ ‬ينسحب أيضا علي‮ "‬الحدوتة‮ " ‬ودورانها حول محورها دون زخم درامي‮ ‬يحملها،‮  ‬كذلك انشغال الحوار بتبادل وتكرار الإفيهات الجنسية المبتذلة و"السمجة‮"‬،‮ ‬فضلا عن افتقاده للعمق والذكاء‮ ‬،‮ ‬وهو ما جرد العرض من قيمته الفكرية‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يبرر التوجه الكوميدي‮ ‬للعرض‮ ‬،‮ ‬سطحية‮  ‬لغته أو ابتذالها‮ . ‬أضف إلي‮ ‬ذلك عدم امتلاك الممثلين ربما باستثناء‮ "‬محمد محمود‮" ‬ما‮ ‬يمكنهم من فرض حضورهم علي‮ ‬الخشبة‮ ‬،‮ ‬وتحدي‮ ‬ترهلات العرض،‮ ‬ونمطية أدوارهم‮ ‬،‮ ‬فبدوا أقرب إلي‮ ‬أداء الواجب،‮ ‬وبدت الكلمات ثقيلة أحيانا علي‮ ‬ألسنتهم‮ ‬،‮ ‬ومتكلفة أحيانا‮ ‬،‮ ‬وهو ما كان واضحا في‮ ‬أداء‮ (‬الأم‮ / ‬انتصار‮) ‬وخاصة في‮ ‬مونولوجها الحزين،‮ ‬تناجي‮ ‬ابنها الغائب علي‮ ‬الجبهة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬الأداء الميلودرامي‮ ‬لـ‮ (‬الدكتور‮/ ‬محمود‮ ) ‬الذي‮ ‬يؤكد فيه سلامة‮ (‬الزوج‮ / ‬فتحي‮ ‬سعد‮) ‬من الجنون‮ ‬،‮ ‬ودعوته الخطابية‮  ‬للثورة علي‮ ‬استبداد القائد،‮ ‬ومعظم مساحة دور‮ (‬البوسطجي‮ / ‬يوسف‮) ‬الذي‮ ‬أظنه‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬الكثير من التدريب،‮ ‬وكذلك في‮ ‬أداء شخصية الزوج‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬لا تشعر بأن وراءها وعيا‮ ‬ينظم حركتها علي‮ ‬المسرح،‮ ‬فبدت عشوائية في‮ ‬انتقالاتها الكثيرة‮  ‬بين الرضوخ الكامل لاستبداد القائد الأمريكي‮ ‬،‮ ‬والتمرد عليه‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬قتله في‮ ‬النهاية‮ ‬،‮ ‬بتشجيع أفراد الأسرة‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من عدم معرفتهم بمقتل ابنهم علي‮ ‬الجبهة‮ !  ‬كذلك جاءت الأغاني‮ ‬للراحلين أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام،‮ ‬التي‮ ‬أدتها عزة بلبع‮ ‬،‮ ‬مقحمة علي‮ ‬الموضوع،‮  ‬وقد سعي‮ ‬العرض‮ ‬

 

إلي‮ ‬استثمار زخمها الثوري‮ ‬ـ الذي‮ ‬كان لها ـ‮  ‬في‮ ‬غير موضعه،‮ ‬وفي‮ ‬غير ضرورة‮ ‬،‮ ‬فبدت أقرب إلي‮ ‬الإجراء الدعائي،‮ ‬الذي‮ ‬شكل سمة أخري‮ ‬من سمات العرض،‮ ‬منها إلي‮ ‬العنصر الفني‮ ‬الضروري‮ ‬،‮ ‬الموافق لمقتضي‮ ‬العرض‮ ‬،‮ ‬فلم تشكل أي‮ ‬إضافة تذكر،‮ ‬بل‮ ‬يمكن عدها أيضا من بين عناصر‮ "‬التلفيق‮"  ‬الكثيرة التي‮ ‬كانت السمة الأخري‮ ‬الأبرز من سمات العرض‮. ‬
أما عن عناصر‮ "‬التلفيق‮"  ‬الأخري‮ ‬التي‮ ‬يمكن رصدها في‮ ‬العرض‮ ‬،‮ ‬فيمكننا أن نشير بعد ذلك‮  ‬إلي‮ " ‬الحبكة المسرحية‮ "  ‬التي‮ ‬تم لي‮ ‬عنقها‮ ‬،‮ ‬ونقلها بتصرف‮ " ‬فانتازي‮! " ‬من سياقها المسرحي‮ ‬والتاريخي؛ حيث تدور أحداثها في‮ ‬إحدي‮ ‬قري‮ ‬المجر،‮ ‬الهادئة‮ ‬،‮ ‬إبان الحرب العالمية الثانية‮ ‬،‮  ‬كما وضعها مؤلفها استيفان أوركيني‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬مصر،‮ ‬في‮ ‬محاولة من المخرج‮/ ‬الكاتب مراد منير الاستفادة من الحكاية المتواترة عن العلاقة الحميمة بين‮  ‬أمريكا والتيار الديني‮ ‬،‮ ‬وهو ما بثه عبر عدد من إشارات حبكته المقحمة مثل صورة أوباما ملتحيا‮ ‬،‮ ‬وإلباس‮ ( ‬العاهرة‮ / ‬المومس حسب منطوق العرض‮  ) ‬غطاء رأس وتآمرها لمصلحة المخابرات الأمريكية‮ ‬،‮ ‬وغير ذلك من إشارات ظلت معلقة في‮ ‬فضاء الحكاية ومتنها،‮ ‬المعلق أيضا في‮ ‬غير زمان ولا مكان محددين‮ ‬،‮ ‬حيث لم تنجح الحبكة المنقولة بتصرف في‮ ‬موضعة نفسها في‮ ‬فضاء دلالي‮ ‬كاشف ومحدد‮ ‬يخص لحظتنا الاجتماعية الراهنة‮ ‬،‮ ‬اللهم القول بأن أمريكا تتلاعب بنا،‮ ‬وبالعالم،‮ ‬وتصنع الإرهاب‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يقين بات مبذولا حتي‮ ‬للأطفال،‮  ‬ولا‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬لي‮ ‬عنق النص الأصلي‮ ‬،‮ ‬بهذه الطريقة‮ ‬،‮ ‬كما لم تقدم تلك الإشارات إلي‮ ‬التيار الديني،‮ ‬جديدا‮ ‬،‮ ‬بالنظر إلي‮ ‬كونها متاحة ومكررة من ناحية‮ ‬،‮ ‬ومن حيث عدم فعاليتها داخل الحبكة‮ ‬،‮ ‬وكونها مقحمة علي‮ ‬الحدوتة من ناحية أخري‮ . ‬
ذلك ما‮ ‬يجعلنا نري‮ ‬أن العرض انشغل‮  ‬بالجانب الدعائي‮ ‬،‮ ‬الخطابي،‮ ‬وهو ما‮ ‬يدعمه هذا الكم الكبير من التأكيد علي‮ ‬حب مصر،‮  ‬أكثر من اهتمامه بالبحث عن صيغة مسرحية مقنعة‮ . ‬
كذلك وضع نص العرض أقوالا وأشعارا‮  ‬علي‮ ‬ألسنة بعض شخصياته لا تتصل بمادته الدرامية‮ ‬،‮ ‬ولا تجد ما‮ ‬يبررها كمثل ترديد البوسطجي‮ ‬لأبيات صلاح عبد الصبور‮ "‬رعب أكثر من هذا سوف‮ ‬يجيء‮"‬،‮ ‬ولرباعية صلاح جاهين‮ : "‬أنا اللي‮ ‬بالأمر المحال اغتوي‮"‬،‮ ‬وكذلك إشارة أحد الممثلين للإرهاب الذي‮ ‬يقتل أبناءنا،‮ ‬دون أن ندري‮ ‬أي‮ ‬إرهاب‮ ‬يقصد،‮ ‬وأين‮ ‬يقع في‮ ‬الفضاء الذي‮ ‬يخص موضوعنا،‮ ‬ومن‮ ‬يفعله‮ ! ‬وعلي‮ ‬مستوي‮ ‬آخر نجد تناقضا بين ما تحكيه الأم‮ ( ‬مريم‮ / ‬انتصار‮ ) ‬بين عملها وبين ملابسها الأنيقة،‮ ‬وقد ذكرت أنها تعمل كناسة في‮ ‬السينما،‮ ‬لتساعد زوجها العامل في‮ ‬المطافئ علي‮ ‬تربية ابنها الغائب علي‮ ‬الجبهة‮ . ‬
أما علي‮ ‬مستوي‮ ‬الديكور الذي‮ ‬صممه إبراهيم المطيري‮ ‬فقد جاء هجينا،‮ ‬لا‮ ‬يمت للبيئة المصرية في‮ ‬قراها ومدنها بصلة،‮ ‬كما بدا‮ ‬غريبا عن التوجه الكوميدي‮ ‬للعرض،‮ ‬وقد اتبع المطيري‮ ‬في‮ ‬تصميم لوحاته وموتيفاته إرشادات النص الأصلي،‮ ‬حيث الجبال‮ ‬،‮ ‬وغابات الصنوبر التي‮ ‬تحيط بمكان الأحداث،‮ ‬إضافة إلي‮ ‬تجريدات لونية مموهة‮ ‬،‮ ‬ربما توحي‮ ‬أو تقارب ألوان الزي‮ ‬العسكري‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يرتديه القائد الأمريكي،‮  ‬مع مجسم طولي‮ ‬علي‮ ‬جانبي‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬يحاكي‮ ‬بعض الموتيفات المصرية القديمة كأعمدة المعابد وغيرها‮ ‬،‮ ‬بينما لا‮ ‬يمكنك أن تعثر علي‮ ‬خشبة المسرح علي‮ ‬علامة بصرية واحدة تحيلك إلي‮ ‬مكان في‮ ‬مصر،‮  ‬تقطنه أسرة مصرية بسيطة‮ ‬،‮ ‬باب لغرفة نوم زجاجي‮ ‬مستدير،‮ ‬يتم تحريكه من العمق إلي‮ ‬الأجناب ومائدة‮ ‬مستطيلة لزوم إعداد الطعام‮ ‬،‮ ‬وصناعة العلب وكرسي‮ ‬هزاز‮ ‬،‮ ‬وعدد من الشدات الخشبية التي‮ ‬لا نعرف إلي‮ ‬ما تشير‮ ‬،‮ ‬وقد أشارت الأخت ـ تقريبا ـ أنها‮ ‬غابة‮! ‬
وعلي‮ ‬الرغم من ذلك،‮ ‬لا أدري‮ ‬كيف سوغ‮ ‬المخرج الكبير مراد منير نسبة النص إلي‮ ‬نفسه‮ ‬،‮ ‬فمرة لم‮ ‬يذكر علي‮ (‬الأفيش‮) ‬اسم النص المأخوذ عنه العرض‮ ‬،‮ ‬ولا اسم كاتبه‮ ‬،‮ ‬واكتفي‮ ‬بوضع اسمه كمؤلف ومخرج‮ ‬،‮ ‬ومرة أشار إلي‮ ‬أن العرض مأخوذ عن‮ "‬عائلة توت‮" ‬دون ذكر لاسم مؤلفه الأصلي،‮ ‬مكتفيا بكتابة اسمه علي‮ ‬الأفيش وبجواره‮ : ‬كتابة وإخراج مراد منير،‮ ‬مبررا ذلك بقوله في‮ ‬أحد حواراته المنشورة في‮ ‬الصحف‮: "‬أخذت روح الكاتب المجري‮ ‬أوركيني‮ ‬في‮ ‬مسرحية‮ "‬عائلة توت‮" ‬ووضعتها في‮ ‬قالب مصري‮ ‬خالص،‮ ‬لذلك أعتبر العرض من تأليفي،‮ ‬ولا‮ ‬يعد تمصيراً‮ ‬بل هو عمل جديد مثلما فعل الكاتب الكبير ألفريد فرج في‮ ‬مسرحية‮ "‬عطوة أبو مطوة‮"‬ المأخوذة عن مسرحية‮ "‬أوبرا الثلاث بنسات‮"‬ للكاتب الألماني‮ ‬بريخت‮.‬
وهو رأي‮ ‬ـ أظنه ـ‮ ‬يجانبه الصواب تماما‮ ‬،‮ ‬حيث لم‮ ‬يأخذ مراد‮ "‬روح‮" ‬الكاتب المجري‮ "‬استيفان أوركيني‮" ‬فحسب‮ ‬،‮ ‬إنما أخذ الحبكة كلها،‮ ‬بحدوتتها،‮ ‬وتناميها،‮ ‬وشخصياتها‮ ‬،‮ ‬منذ ظهور‮ "‬البوسطجي‮"‬،‮ ‬بنزقه وخروجه عن المألوف،‮ ‬وعلاقته بالرسائل التي‮ ‬يحملها،‮ ‬حاملا رسالة الابن الذي‮ ‬علي‮ ‬جبهة القتال لأسرته‮ ‬،‮ ‬يخبرها فيها بأمر دعوته لقائده‮ " ‬الميجور‮ "  ‬لأن‮ ‬يقضي‮ ‬بعض الوقت بينهم‮ ‬،‮ ‬لإراحة أعصابه المتعبة من الحرب‮ ‬،‮ ‬وإبلاغهم بصفات هذا القائد‮ ‬،‮ ‬ما‮ ‬يحبه وما لا‮ ‬يحبه‮ ‬،‮ ‬ثم محاولة أسرة هذا الجندي‮ ‬تهيئة الأجواء،‮ ‬والهدوء اللازم‮  ‬لهذا الضيف المرتقب،‮ ‬واستتباع ذلك الأمر ظهور شخصيات الجيران،‮ ‬ومنهم‮ (‬العاهرة‮ / ‬المومس حسب منطوق‮  ‬العرض‮) ‬والتي‮ ‬قامت بدورها‮ (‬هنادي‮)‬،‮ ‬ثم حضور ذلك القائد وإتيانه لنفس التصرفات الاستبدادية‮ ‬،‮ ‬وممارساته القهرية علي‮ ‬أفراد الأسرة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬تقبل كل هذه الممارسات وتخضع لها طمعا في‮ ‬أن‮ ‬يوفر هذا القائد لابنهم حياة أفضل علي‮ ‬الجبهة‮ ‬،‮ ‬حينما‮ ‬يعود‮ ‬،‮ ‬ويبعده عن ساحة القتال‮ ‬،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬كان القائد نفسه‮ ‬يلح عليه،‮ ‬ويغذيه،‮ ‬من أجل أن‮ ‬يستمر في‮ ‬ممارسة سلطانه عليهم وقهرهم‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬اللعبة التي‮ ‬أنهكهم بها‮ "‬لعبة التعليب‮"‬،‮ ‬أو صناعة اللعب‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬من ضمن حبكة النص الأصلي‮ .. ‬هذه هي‮ ‬أبرز ملامح هيكل الحبكة التي‮ ‬قدمها نص‮ " ‬عائلة توت‮ " ‬وهي‮ ‬نفسها التي‮ ‬اعتمدها خطيا نص العرض‮ " ‬زيارة سعيدة جدا‮ " ‬فكيف بعد ذلك‮ ‬يغفل المخرج مراد منير ذكر اسم المؤلف الأصلي‮ ‬،‮ ‬واعتبار أن ما أخذه من النص هو‮ "‬روح‮ "  ‬المؤلف‮ !  ‬ربما‮ ‬يمكننا ـ مع الكثير من التسامح ــ اعتبار بعض التصرفات التي‮ ‬أجراها المخرج علي‮ ‬النص الأصلي‮ ‬هي‮ ‬من قبيل عمل الدراماتورج‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬لو كان‮  ‬قد‮  ‬نقل النص إلي‮ ‬العامية المصرية‮ ‬،‮ ‬واستبدل شخصية بأخري‮ ‬،‮ ‬وحذف أخري،‮  ‬أو جعل الابنة أختا للزوجة‮ (‬شمس‮) ‬أو أوجد بعض الإشارات لعلاقة أمريكا بالتيار الديني‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تلك التصرفات التي‮  ‬فرغت النص الأصلي‮ ‬من حمولاته الدلالية‮ ‬،‮ ‬وحملته بتوجهات دعائية‮ ‬،‮ ‬لم تنجح في‮ ‬النهاية‮  ‬أن تقدم عرضا متماسكا‮! . ‬
إن عرضا مثل‮ "‬زيارة سعيدة جدا‮" ‬بما‮ ‬يقف وراءه من نجوم كبار،‮ ‬وإنتاج ضخم‮ ‬،‮ ‬يجعلنا فخورين بمسرحنا الفقير‮ ‬،‮ ‬مسرح‮  ‬الثقافة الجماهيرية‮ ‬،‮ ‬وخاصة تجربة نوادي‮ ‬المسرح التي‮ ‬لا‮ ‬يتعدي‮ ‬إنتاجها الألف جنيه،‮ ‬وكذلك العروض التي‮ ‬يقدمها د‮. ‬جمال‮ ‬ياقوت في‮ ‬الإسكندرية في‮ ‬مهرجان‮ "‬مسرح بلا إنتاج‮"  ‬ومع ذلك تقدم تجارب جديرة بالاحترام‮ ‬،‮ ‬تتفوق في‮ ‬جدارتها بالانتساب إلي‮ ‬المسرح‮  ‬علي‮ ‬الكثير من العروض الكبري‮ ‬التي‮ ‬ينتجها مسرحنا المصري‮ ‬في‮ ‬ثوبه البالي،‮ ‬العجوز‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬وقفة،‮ ‬تضبط ميزانه المختل‮ ‬،‮ ‬وتمنح المسرح الشاب‮  ‬فرصة التمدد علي‮ ‬خريطة مصر‮ ‬،‮ ‬بتكلفة أقل‮! ‬هذا لو كنا فعلا بنحب مصر‮ ‬،‮ ‬ونسعي‮ ‬بجدية لمحاربة الإرهاب الأسود‮ ‬،‮ ‬والمتاجرين بالدين‮ !.‬

محمود الحلواني

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: زيارة سعيدة جدا " عن عائلة توت "
  • جهة الانتاج: مركز الهناجر للفنون
  • عام الانتاج: ٢٠١٤
  • تأليف: استيفان اوركيني
  • إخراج: مراد منير
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here