اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بعد الليل‮..‬‮ ‬عرض مهموم بقضايا الوطن المزمنة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

أجراس عديدة تلك التي‮ ‬يدقها العرض المسرحي‮ "‬بعد الليل‮"‬،‮ ‬من إنتاج مركز الإبداع التابع لصندوق التنمية الثقافية،‮ ‬دقات أجراس تشير وتنبه إلي‮ ‬أمراض عديدة أصابت مجتمعنا المصري‮ ‬منذ سنوات،‮ ‬تفاقمت بالسكوت والصمت والتغاضي‮ ‬حتي‮ ‬باتت صداعًا وهمًّا‮ ‬يؤرق كل من‮ ‬يشعر بصدق الانتماء‮ "‬لمصر‮" ‬بتاريخها الألفي،‮ ‬وموروثها المجتمعي‮ ‬الخاص جدًا علي‮ ‬كل الأصعدة‮.‬
وعلي‮ ‬غرار عرض‮ "‬قهوّة سادة‮" ‬العرض الذي‮ ‬قدمه مركز الإبداع أيضًا عام‮ ‬2008‮ ‬وبنفس تكنيكه تأليفًا وإخراجًا،‮ ‬جاء عرض‮ "‬بعد الليل‮" ‬ليكمل البكائية الحزينة للوطن الجريح في‮ ‬قالب تراجيكوميدي‮ ‬ينحو إلي‮ ‬شكل الكبارية السياسي‮ ‬بشكله أدواته الساخرة،‮ ‬التي‮ ‬تخرج من عين المتلقي‮ ‬دموعًا ساخنة حزينة مختلطة بدموع ضحك هستيري،‮ ‬حيث تختلط المشاعر لديه وهو‮ ‬يشاهد سوءات وطنه عارية‮ ‬يجسدها مجموعة من شباب الهواة لتتحقق مقولة‮ "‬شر البلية ما‮ ‬يضحك‮".‬
‮"‬بعد الليل‮" ‬كتبه وقام بإخراجه خالد جلال،‮ ‬وقدمه بمجموعة وصلت إلي‮ ‬اثنين وثلاثين شابًا وشابة هم خريجو الدفعة الأولي‮ ‬من استوديو المواهب،‮ ‬وهو قسم‮ ‬يتبع مركز الإبداع ويضم الهواة ويقوم بتدريبهم علي‮ ‬كل عناصر الفن المسرحي‮ ‬من ديكور وأزياء وإخراج وتمثيل،‮ ‬مقابل مصروفات،‮ ‬بخلاف القسم المجاني‮ ‬الذي‮ ‬يأخذ شكل المنحة من وزارة الثقافة،‮ ‬بالمركز نفسه الذي‮ ‬يديره الفنان خالد جلال منذ فترة‮.‬
يدور العرض في‮ ‬مجموعة شاهد منفصلة متصلة تأخذ شكل الاسكتشات المتتابعة سريعة الإيقاع،‮ ‬وتتناول عدة قضايا ومشاكل كما ذكرنا من قبل منها مشكلات‮: "‬الرشوة،‮ ‬والتحرش في‮ ‬الزحام،‮ ‬ووسائل المواصلات،‮ ‬والغلاء‮" ‬حيث‮ ‬يستعرض ظروف موظف مطحون‮ ‬يحاول حل معادلة قلة الراتب في‮ ‬مواجهة‮ ‬غلاء الأسعار،‮ ‬كما تناول‮ "‬مشكلة العنوسة وزواج الشباب‮"‬،‮ ‬وكذلك اللهاث وراء المال من خلال أحد الآباء الذي‮ ‬يترك زوجته وأبناءه فريسة للفقر والعوز،‮ ‬يبخل عليهم بالإنفاق والرعاية،‮ ‬كما تضم الاسكتشات مشهد الشيخ جلاش الذي‮ ‬يتاجر باسم الدين من خلال إحدي‮ ‬القنوات الفضائية وهو‮ ‬يعرض منتجات وهمية من العسل وغير ذلك،‮ ‬ويلقي‮ ‬العرض الضوء علي‮ ‬الانقسام والتناحر علي‮ ‬أشكاله بين الشباب والعواجيز،‮ ‬الفقراء والأغنياء،‮ ‬مدعين الثورية والفلول والليبراليين والإسلاميين،‮ ‬ويتهمهم العرض جميعًا بأنهم‮ ‬يقومون بتقسيم المجتمع إلي‮ ‬فئات واتجاهات بمسميات لم نسمعها ونتداولها من قبل حيث‮ ‬ينتهي‮ ‬المشهد الذي‮ ‬يتناول ذلك بلفهم جميعًا بالحبال وينعتهم بالمتطرفين المتعصبين‮.‬
نجح العرض في‮ ‬تحقيق متعة الفرجة والمشاهدة والاستمتاع بالكوميديا إلي‮ ‬جانب طرح مضمونه الأليم في‮ ‬معادلة دائمًا ما تكون صعبة التحقيق،‮ ‬وذلك علي‮ ‬عدة مستويات،‮ ‬فعلي‮ ‬مستوي‮ ‬الشكل العام لمسرح العرض،‮ ‬وهو قاعة مركز الإبداع المتدرجة،‮ ‬حيث تزركشت جدرانها بنقوش وكلمات وجمل تحمل تساؤلات العرض التي‮ ‬تنطلق من وقت لآخر علي‮ ‬ألسنة شخوصه،‮ ‬منها‮ "‬ليه‮"‬،‮ "‬إنت مين‮"‬،‮ "‬إنت ليه كده‮"‬،‮ "‬إنت إيه وصّلك لكدة‮"‬،‮ ‬مع بعض الأرقام والتواريخ،‮ ‬وقد كتبت كلها بشكل واضح وبألوان فسفورية تسطع في‮ ‬الظلام لتكون حاضرة طوال العرض أمام عين المتلقي‮ ‬تلح عليه بالقراءة مع متابعته للعرض وما‮ ‬يجري‮ ‬علي‮ ‬المسرح‮.‬
جاء في‮ ‬أحد مشاهد العرض صورة درامية شديدة البشاعة تلك التي‮ ‬قطع فيها أحدهم‮ "‬يد‮" ‬أبيه بعد مماته ليستغل أصابعه في‮ ‬البصم علي‮ ‬عقود تنازل وبيع لصالحه،‮ ‬وقد أخرج الممثل من بين جنباته‮ ‬يدًا‮ ‬– ‮ ‬إكسسوار‮ ‬– ‮ ‬ملطخة بالدماء لتتحقق الصدمة لدي‮ ‬المتلقي‮ ‬مما آل إليه الإنسان من تحجر وجمود مقابل اهتمامه وسعاره للمادة والمال‮.‬
قدم عرض‮ "‬بعد الليل‮".. ‬من خلال عدة عناصر سينوجرافية تكون منها شكل العرض وأجواؤه،‮ ‬فقد تقسم المسرح بطبيعة استطالته المعكوسة‮ ‬– ‮ ‬حيث‮ ‬يواجه الجمهور الضلع الأصفر للمستطيل‮ ‬– إلي‮ ‬عدة مستويات أفسحها مجالاً‮ ‬المستوي‮ ‬الأول المواجه للجمهور حيث جاءت مساحته لاستيعاب كم الممثلين الكبير الذي‮ ‬تجاوز الثلاثين والذين لم‮ ‬يغادروا المسرح إلاّ‮ ‬نادرًا،‮ ‬وفي‮ ‬العمق كانت هناك ثلاثة مستويات متدرجة أقصاها ارتفاعًا آخرها الذي‮ ‬لم‮ ‬يستخدم تقريبًا،‮ ‬وقد اكتست أرض المسرح بمستوياته باللون البرتقالي،‮ ‬وظهرت خطوط طولية في‮ ‬شكل مستطيلين وجاءت خطوطًا بيضاء ربما قصد بها الإخراج أن المجتمع حبيس لمشاكل‮ ‬يمكن إزالتها فقضيتها ليست بالغلاظة المستعصية لو كانت هناك إرادة‮.‬
استخدمت مجموعة من بالات‮ "‬التبن‮" ‬بأشكال مختلفة كمقاعد وغير ذلك فكانت سهلة التحريك والتكوين في‮ ‬أشكال متعددة،‮ ‬وقد صممت الديكور‮ "‬ندي‮ ‬عبد المجيد‮" ‬ومعها عمر رأفت وهما من شباب مركز الإبداع‮.‬
عنصر آخر من عناصر سينوجرافيا العرض برز‮ ‬يحمل كثيرًا من الدلالات والرمزية،‮ ‬وهو عنصر الملابس التي‮ ‬جاءت مصنوعة من قماش‮ "‬الدمور‮" ‬الرخيص‮ ‬يشبه فيها الممثلون والممثلات‮ "‬الممياوات‮" ‬بتلك الأربطة التي‮ ‬طوقت أجسادهم فربما أرادت الدلالة أن تعكس أن الناس كالأموات لم‮ ‬يعودوا‮ ‬يتأثرون أو‮ ‬يأبهون لشيء بعد أن أصبحت السلبيات جبالاً‮ ‬وركامًا‮ ‬يحيط بهم من كل جانب،‮ ‬وقد صممت الملابس تغريد عز الدين،‮ ‬التي‮ ‬أفلحت في‮ ‬تصميم ملابس الشخصية الشبحية التي‮ ‬تشبه الفراشة المشوهة،‮ ‬وهي‮ ‬شخصية الجنية المتخيلة التي‮ ‬تبث سمومها في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وهي‮ ‬أيضًا تمثل نموذج الأشرار الذين‮ ‬يحيطون به من كل جانب‮ ‬يشحتون لآلامه ويعملون علي‮ ‬انهياره وقد جسدتها‮ "‬بسنت هشام‮" ‬باقتدار وأداء حركي‮ ‬متميز،‮ ‬ونجحت في‮ ‬رسم علامات وملامح البرود والتبلد والشماته،‮ ‬حيث كانت الشخصية التي‮ ‬أراد بها المخرج أن تكون المعادل لشخصية‮ "‬الراوي‮"‬،‮ ‬الذي‮ ‬يقود كل أحداث العرض،‮ ‬يفتتح كل مشهد وينهيه‮..‬
عنصران آخران من عناصر سينوجرافيا العرض ساعدا علي‮ ‬تشكيل طقسه وأجوائه هما الإضاءة وإدارة الصوت وقد قام بهما كل من‮: ‬أحمد عبد التواب،‮ ‬ومحسن حسن،‮ ‬وأسامة محمد،‮ ‬ووليد فوزي‮ ‬وهم أيضا من شباب مركز الإبداع،‮ ‬إذ نجحت الإضاءة في‮ ‬تجسيد المشاهد وصناعة مزيج ممتع‮ ‬يضيف إلي‮ ‬صورة مجموعات الممثلين خاصة في‮ ‬المشاهد الجماعية والتشكيلات علي‮ ‬المسرح وكذلك الأداء التمثيلي‮ ‬والتعبيرات الجسدية المختلفة،‮ ‬أما الصوت وإدارته فتمثل في‮ ‬بث الأغاني‮ ‬لأم كلثوم وعبد الوهاب،‮ ‬ومقتطفات خطب الزعيم جمال عبد الناصر ومقاطع من أغاني‮ ‬عبد الحليم ومطربي‮ ‬الزمن الجميل كما‮ ‬يطلق عليهم،‮ ‬وهي‮ "‬التيمة‮" ‬نفسها التي‮ ‬جسدها خالد جلال في‮ ‬عرضه‮ "‬قهوّة سادة‮"‬،‮ ‬وقد أثري‮ ‬كل ذلك عرض‮ "‬بعد الليل‮" ‬وساعد علي‮ ‬حالة الاستمتاع التي‮ ‬عاشها مشاهدوه‮.‬
كان من الممكن أن نعلق بالسلب علي‮ ‬طول مدة العرض التي‮ ‬جاوزت الساعة والنصف،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن النجاح في‮ ‬الحفاظ علي‮ ‬إيقاعه جاء في‮ ‬صالحه وكان طول المدة الزمنية ضرورة لطبيعة العرض نفسه الذي‮ ‬يقدمه حشد كبير من الهواة كمنتج نهائي‮ ‬يعكس ما تلقوه من تدريبات وتعلم خلال دوره استوديو المواهب‮.‬
جسد شخصيات العرض وأدواره مجموعة كبيرة من المتدربين الهواة،‮ ‬مبرزين جميعهم جدارة في‮ ‬الأداء التمثيلي،‮ ‬لا تنتج إلاّ‮ ‬من موهبة صادقة،‮ ‬حيث ظهروا كمحترفين في‮ ‬ثقتهم بأدائهم،‮ ‬وقد تخيلتهم بشكل خاص‮ ‬يردون علي‮ ‬كل من‮ ‬يتهكم علي‮ ‬المسرح المصري‮ ‬أو‮ ‬يدعي‮ ‬نضوبه وتراجعه،‮ ‬فأنا من‮ ‬غير المؤمنين بهذا،‮ ‬وأدعو هؤلاء المدعين أن‮ ‬يتابعوا عروض الشباب،‮ ‬وليس في‮ ‬القاهرة فقط،‮ ‬ولكن في‮ ‬الأقاليم والمحافظات الأخري،‮ ‬حيث مواهب واعدة لا تنضب ولا تكل وهي‮ ‬تعمل في‮ ‬أصعب ظروف وبلا تكلفة إنتاجية،‮ ‬فما‮ ‬يهمهم هو ماذا‮ ‬يفعلون وكيف‮ ‬يفعلونه‮.‬
برز في‮ ‬العرض إسلام عبد الله،‮ ‬الذي‮ ‬تفوق علي‮ ‬نفسه في‮ ‬أدوار متعددة جسدها باقتدار،‮ ‬وجعل الجمهور‮ ‬يضحك من أعماقه بلا ابتذال،‮ ‬وكذلك الممثلون‮: ‬محمد عز،‮ ‬ونوري‮ ‬الحافظ،‮ ‬ومحمود الليثي،‮ ‬وأحمد سالم،‮ ‬وإليا نادر،‮ ‬وتوني‮ ‬ماهر،‮ ‬وأحمد هاشم،‮ ‬ومحمد مجدي،‮ ‬وماهر الشافعي،‮ ‬وماجد الشريف،‮ ‬وعصام زيدان،‮ ‬والممثلات‮: ‬جيهان الرازي،‮ ‬وميرنا جميل،‮ ‬وسارة إبراهيم،‮ ‬وإسراء صابوني،‮ ‬ورانا هريدي،‮ ‬ودينا هريدي،‮ ‬ونهلة كمال‮.

رامي البكري‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: بعد الليل
  • جهة الانتاج: مركز الابداع صندوق التنمية الثقافية
  • عام الانتاج: ٢٠١٤
  • تأليف: خالد جلال
  • إخراج: خالد جلال
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٠
أخر تعديل في الأحد, 30 تشرين2/نوفمبر 2014 11:04

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here