اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

باليه طائر النار‮ ..‬ الكلاسيكية من منظور مابعد حداثي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ ‬بعد انتظار وترقب من جانب الجمهور المحب لفن الباليه،‮ ‬وصل‮ "‬طائر النار‮" ‬في‮ ‬ثوبه الإبداعي‮ ‬الجديد،‮ ‬محلقا في‮ ‬سماء دار الأوبرا المصرية،‮ ‬حاملا علي‮ ‬جناحيه ألحانا ذات مقامات عديدة متنافرة شديدة التعقيد،‮ ‬وبصورة دفعت البعض لاعتبارها ألحانا تصيب مستمعيها بالدوار،‮ ‬فأثارت بذلك ضجة كبري‮ ‬منذ ظهورها في‮ ‬أجواء العالم الموسيقي‮ ‬في‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬تمخض عنها بداية عهد حداثي‮ ‬جديد في‮ ‬تاريخ الموسيقي‮ ‬الغربية،‮ ‬أعلن عن قطع الصلة بكل ما له علاقة بالماضي،‮ ‬وهذه الألحان كانت من تأليف الموسيقار الروسي‮ "‬إيجور سترافنسكي‮" (‬1882 – 1971‮)‬ وقد أبدي‮ ‬توفيق الحكيم في‮ ‬كتابه‮ "‬زهرة العمر‮" ‬إعجابه الشديد بها بالرغم من تعقيداتها اللحنية المتشابكة‮. ‬العرض من إخراج وتصميم رقصات‮ "‬وليد عوني‮" ‬رائد الرقص المسرحي‮ ‬الحديث الذي‮ ‬آب إلي‮ ‬دار الأوبرا المصرية بعد‮ ‬غياب دام سنوات عديدة‮ - ‬منذ عرضه الأخير‮ "‬بين الغسق والفجر‮" ‬2005 – بمشاركة فرقة باليه أوبرا القاهرة،‮ ‬وأوركسترا القاهرة السيمفوني‮ ‬بقيادة المايسترو‮ "‬ناير ناجي‮".‬
إن الخطوط الرئيسية لأحداث الباليه قد استلهمها‮ "‬ميشيل فوكين‮" ‬من الفولكلور الشعبي‮ ‬الروسي‮ ‬وحكايات الجنيات الخيالية،‮ ‬وقدمته لأول مرة فرقة الباليه الروسي‮ ‬علي‮ ‬المسرح القومي‮ ‬في‮ ‬باريس عام‮ ‬1910  ويتكون العرض من فصل ومنظرين،‮ ‬وتدور أحداثه في‮ ‬أجواء خيالية فنتازية تجمع بين شخصيات ميتافيزيقية كالجنيات والعفاريت‮ ‬،‮ ‬وأخري‮ ‬فانتازية مجردة تحمل أبعادا فكرية مثل عصفور النار وشجرة الحياة والفصول الأربعة والعناصر الأربع والأجنحة المكسورة،‮ ‬إلي‮ ‬جانب شخصيات إنسانية مثل الأميرة الحمراء والأميرات المسحورات والأمير والمنقذين،‮ ‬حيث‮ ‬يقع الأمير إيفان في‮ ‬حب الأميرة الحمراء المسحورة،‮ ‬التي‮ ‬كابدها سحرا أسود،‮ ‬كان علي‮ ‬الأمير أن‮ ‬يعتقها منه حتي‮ ‬يكتمل وجود الحب بينهما،‮ ‬وينجح الأمير في‮ ‬النهاية ويحررها من بوتقة السحر بمساعدة طائر النار والمنقذين‮.‬
قبل بداية عرض‮ "‬طائر النار‮" ‬قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة عرضا آخر من فصل واحد‮ "‬رقصات نلتقي‮ ‬بها‮" ‬من تصميم‮ "‬تيري‮ ‬مالاندان‮" ‬يحوي‮ ‬عدة رقصات‮ ‬يؤديها مجموعة من الشباب والفتيات معا علي‮ ‬متتالية الموسيقار الألماني‮ ‬يوهانس برامز‮ ‬
‮(‬(1833 – 1897) ( Hungarian danc  es سبب اختيار هذا العرض وإقحامه علي‮ ‬المسرح إلي‮ ‬جانب‮ "‬طائر النار‮"‬،‮ ‬أنه لم‮ ‬يكن هناك أي‮ ‬ترابط فكري‮ ‬أو درامي‮ ‬بينهما،‮ ‬بقدر ماهو مجرد إشغال فراغ‮ ‬زمني‮ ‬بسبب قصر زمن عرض‮ "‬طائر النار‮" ‬وهناك ثغرة كبري‮ ‬خاصة بإشكالية المصطلح النقدي‮ ‬قد برزت في‮ ‬ثنايا هذا العرض،‮ ‬إذ إن تقنيات الرقص التي‮ ‬قام عليها العرض كانت ترتبط بمفردات الرقص الابتكاري‮ ‬الحديث التي‮ ‬لا تتقيد بأوضاع القدم الخمس،‮ ‬وأوضاع الذراعين السبع المكونة لماهية رقص الباليه،‮ ‬واعتمدت بدلا من ذلك علي‮ ‬الانفعال النفسي‮ ‬الجسدي‮ ‬الحر للراقص بما تمليه عليه الموسيقي‮ ‬من أحاسيس‮ ‬،‮ ‬دون التقيد بأوضاع الباليه الكلاسيكية المطلوبة منه،‮ ‬ومن ثم كان من الخطأ تسمية العرض بمصطلح باليه،‮ ‬لأن العرض قد فقد السمات والمعايير النقدية الهامة المتفق عليها كشروط أساسية لابد من توافرها لكي‮ ‬يكتسب فن الباليه ذاتية،‮ ‬والمتعلقة بالتعبير الحركي‮ ‬ومفردات الرقص،‮ ‬فمصطلح الباليه‮ ‬يقصد به في‮ ‬تاريخ الرقص تلك الفترة التاريخية منذ القرن السابع عشر وحتي‮ ‬ثلاثينيات القرن العشرين،‮ ‬أما فيما بعد فغالبية العروض الراقصة المصممة تندرج تحت مسمي‮ ‬الرقص الحديث الذي‮ ‬سبق وأضرمت شعلته كل من‮ "‬مارثا جارهام‮"‬،‮ ‬و"إيزادورا دنكان‮" ‬فالعرض صمم وقدم لأول مرة عام‮ ‬1978 بتقنيات رقص مغايرة لتقنيات الباليه،‮ ‬فلماذا‮ ‬يسمي‮ ‬باليه؟‮!‬
عقب انتهاء‮ "‬رقصات نلتقي‮ ‬بها‮"‬،‮ ‬يأتي‮ ‬باليه‮ "‬طائر النار‮" ‬بعد فاصل قصير،‮ ‬وتصدح موسيقي‮ ‬سترافنسكي‮ ‬معبرة عن أجواء الواقع المسرحي‮ ‬الخيالي‮ ‬في‮ ‬جو‮ ‬يسوده السحر والغموض،‮ ‬ففضاء المسرح مقسم إلي‮ ‬قسمين،‮ ‬قسم علوي‮ ‬في‮ ‬خلفية المسرح،‮ ‬وآخر في‮ ‬المقدمة علي‮ ‬مستوي‮ ‬الخشبة،‮ ‬تحوطه من الجانبين شاشتا عرض إلي‮ ‬جانب شاشة كبيرة في‮ ‬أعلي‮ ‬الخلفية،‮ ‬بما‮ ‬يكشف عن توظيف المخرج لبعض تقنيات مابعد الحداثة في‮ ‬الإخراج المسرحي،‮ ‬التي‮ ‬أتاحت للراقصين سرعة الانتقال من مكان لآخر دون جهد مبذول في‮ ‬تغيير الديكور،‮ ‬وكذلك استغلالها في‮ ‬تصوير الواقع النفسي‮ ‬الغامض الذي‮ ‬تدور فيه الأحداث،‮ ‬من خلال عدة علامات أيقونية كشعلة النار،‮ ‬التي‮ ‬ترمز إلي‮ ‬عصفور النار وتصاحبه عند ظهوره،‮ ‬وعيون الجنيات والسحب والنباتات الخضراء،‮ ‬
وإبراز انعكاس الظل عليها فتظهر الشخصيات وكأنها خيالية،‮ ‬إلي‮ ‬جانب استخدامها في‮ ‬اللحظات الأخيرة لعرض فيديو‮ ‬يظهر سترافنسكي‮ ‬وهو‮ ‬يقود الأوركسترا وبصورة متزامنة مع قيادة ناير ناجي‮ ‬للأوركسترا،‮ ‬كحلية جمالية تشكيلية مكملة لفضاء العرض‮.‬
وفي‮ ‬هذا الجو المريب الغامض تظهر الأميرات المسحورات علي‮ ‬خشبة المسرح في‮ ‬وضع أفقي‮ ‬علي‮ ‬أرضية المسرح،‮ ‬ويبدأن في‮ ‬الوقوف وكأنهن قد جئن إلي‮ ‬الأرض من مكان ناءٍ،‮ ‬يرقصن رقصات منذرة باقتراب شيء ما،‮ ‬ليظهر عصفور النار فيما بعد ويأتي‮ ‬بالأمير،‮ ‬فتتحول الشاشة الخلفية إلي‮ ‬أشجار خضراء توحي‮ ‬بالحياة،‮ ‬وتظهر الفصول الأربعة بألوانها الخلابة،‮ ‬لكن الظلام‮ ‬يسدل ستاره فجأة،‮ ‬وتبرز الأميرة الحمراء الأسيرة،‮ ‬وينصرف الأمير لتحريرها،‮ ‬وهنا تتجلي‮ ‬رؤية وليد عوني‮ ‬الإخراجية المرتبطة بالأحداث الجارية في‮ ‬مصر،‮ ‬حيث‮ ‬ينجح الأمير في‮ ‬إطلاق سراح الأميرة بمساعدة منقذين‮ ‬يرتدون ملابس الجيش،‮ ‬الذي‮ ‬أعاد الحياة إلي‮ ‬الأميرة‮ ‬،‮ ‬أو كما‮ ‬يبدو من ثنايا العرض،‮ ‬أعاد الحياة إلي‮ ‬مصر‮.‬
وبذلك فقد وظف المخرج تقنيات الواقع الفني‮ ‬المتخيل للتعبير عن أجواء الأحداث الخارجية التي‮ ‬مرت بها مصر في‮ ‬الآونة الأخيرة‮ ‬،‮ ‬بصورة إبداعية تحسب له،‮ ‬لكن بالرغم من هذا الجهد المبذول من جانبه في‮ ‬الإخراج،‮ ‬الذي‮ ‬لايمكن التقليل من شأنه،‮ ‬فإن الأداء الحركي‮ ‬للراقصين لم‮ ‬يكن متوافقا ومنسجما في‮ ‬كثير من اللحظات الدرامية مع الإيقاع اللحني‮ ‬لموسيقي‮ ‬سترافنسكي‮ ‬نظرا لصعوبتها الشديدة وتعقيداتها الكونترابنطية المغايرة لكل ماهو سابق عليها منذ عهد‮ "‬باخ‮" ‬في‮ ‬عصر الباروك وحتي‮ ‬بدايات القرن العشرين‮ ‬،‮ ‬لكن باستثناء ذلك فإن عرض‮ "‬طائر النار‮" ‬في‮ ‬مجمله‮ ‬يحوي‮ ‬لغة بصرية ثرية مليئة بالدلالات الدرامية ذات الأبعاد الفكرية العميقة التي‮ ‬تعكس ظلال الواقع المصري‮ ‬الخارجي‮.‬
ورغم رحيل‮ "‬طائر النار‮" ‬عقب انتهاء العرض،‮ ‬وعودته ثانية إلي‮ ‬ذاكرة البالية العالمي،‮ ‬فمازال رحيقه اللحني‮ ‬متناثرا في‮ ‬أجواء وجداننا بما أثراه من قيم جمالية تشكيلية مثيرة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬ثوب ما بعد حداثي‮ ‬جديد،‮ ‬أعاد الحياة مرة أخري‮ ‬إلي‮ ‬الروح الكلاسيكية في‮ ‬صورة عصرية جديدة،‮ ‬أبقت علي‮ ‬حياتها من الفناء،‮ ‬مما‮ ‬يؤكد ذلك أن روح الفن خالدة علي‮ ‬مر التاريخ مهما اختلفت تقنيات عرضها علي‮ ‬خشبة المسرح‮.

بلال الجمل‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: بالية طائر النار
  • جهة الانتاج: دار الأوبرا المصرية
  • عام الانتاج: ٢٠١٤
  • تأليف: موسيقي ايجور سترافنسكي
  • إخراج: وليد عوني
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here