اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

ريتشارد الثالث‮..‬ صناعة الطاغية

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

أسئلة عديدة وشيفرات ملتبسة أثارها العرض المسرحي‮ ‬التونسي‮ ‬الذي‮ ‬حاز جائزة أفضل عرض في‮ ‬الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي‮ ‬التي‮ ‬أقيمت في‮ ‬الشارقة تحت رعاية الدكتور سلطان بن محمد القاسمي‮ ‬عضو المجلس الأعلي‮ . ‬حاكم الشارقة‮ ‬،‮ ‬أولها‮ ‬يتعلق بصعوبة اللحاق بشيفرات العرض المتوالية والتي‮ ‬تحاول جذب المتلقي‮ ‬لأكثر من قضية في‮ ‬ذات اللحظة فأيهم‮ ‬يتابع بدقة؟ صراع العائلة التونسية أم صراع الحكم في‮ (‬ريتشارد‮) ‬أم صراع الصور والأضواء التي‮ ‬تقوم علي‮ ‬الهدم والبناء بعناية فائقة وقدرة هائلة علي‮ ‬خلخلة المعاني‮ ‬الثابتة؟ أم صراع اللغة بين العامية التونسية ذات التراكيب الشفوية المربكة والعربية الفصحي‮ ‬الجلية ؟ أم أن عليه أن‮ ‬يتتبع صراع الأجساد التي‮ ‬وضح أنها قد استعدت بقوة وفعالية كبيرة لتهيمن علي‮ ‬الخشبة العارية من أية ديكورات،‮ ‬فقد كان الممثل والضوء والموسيقي‮ ‬هم عماد الخشبة لكن أي‮ ‬ممثل وأي‮ ‬ضوء وأية موسيقي؟ وقد امتد الصراع في‮ ‬العرض ليحيط بالماضي‮ ‬والحاضر ويضع سؤاله واضعا في‮ ‬الاعتبار ما كان وما‮ ‬يمكن ان‮ ‬يكون في‮ ‬الواقع السياسي‮ ‬العربي‮ ‬وفي‮ ‬الأسرة المفككة التي‮ ‬غابت عنها أواصر المحبة والإخلاص واتشحت بالكرة والتسلط والعنف والإقصاء‮.‬
حقيقة لقد استطاع الثنائي‮ -  ‬محفوظ‮ ‬غزال مؤلف النص وجعفر القاسمي‮ ‬مخرج العرض‮ -  ‬أن‮ ‬يختارا موضوعا شديد الحساسية إذ إن التناول جاء بعد بداية ثورات الربيع العربي‮ ‬بعامين أي‮ ‬بعد أن اشتد الصراع في‮ ‬الفضائيات والشوارع والمقاهي‮ ‬والمنازل وكان سؤالهم المحوري‮ ‬يدور حول‮ (‬صناعة الطاغية‮) ‬والعرض جاء في‮ ‬مجمله ليدين الشعوب التي‮ ‬ساهمت في‮ ‬تكوين وتضخيم هؤلاء الحكام القتلة المتعطشين للدماء والسطو والكذب والإذلال والجبروت والطغيان‮ ... ‬إلي‮ ‬آخر تلك المعاني‮ ‬،‮ ‬ولما لم تكن التيمات والمواقف‮ ‬غير جديدة علي‮ ‬الواعي‮ ‬بموضوع ريتشارد المعروف تاريخيا من خلال تناول وليم شكسبير،‮ ‬فإن اللعبة في‮ ‬كيانها الجديد اتكأت علي‮ ‬صنع أحداث موازية تخص العائلة التونسية التي‮ ‬يحكمها ديكتاتور‮ ‬يطمع في‮ ‬إخوته ويتخلص منهم واحدا تلو الآخر متخذا من المقنعين والمأجورين‮ ‬يداً‮ ‬من حديد‮ ‬يعملها وقتما‮ ‬يشاء‮ ‬،‮ ‬وقد عمد كل من المؤلف والمخرج في‮ ‬هذه التفصيلة إلي‮ ‬استخدام الأسماء الحقيقية لمجموعة الممثلين ليكشفا حدود اللعبة من ناحية وليمزجا بين ريتشارد التاريخي‮ ‬والطغاة العرب الذين‮ ‬يجدون ضالتهم في‮ ‬الشعوب الخانعة الذليلة التي‮ ‬ترضي‮ ‬وتوافق وتشارك في‮ ‬الجريمة بقدرة هائلة علي‮ ‬التهليل والترحيب والخوف‮ ‬،‮ ‬أو بتعبير الممثل الذي‮ ‬قام بدور ريتشارد حينما تخلي‮ ‬عنه رئيس الجند‮ (‬اليوم‮ ‬ينقمون وأمس‮ ‬يصفقون ويهللون‮... ‬يسبحون باسمي‮ ‬ويدعون لي‮ : ‬بالسداد والرشاد‮ ‬يا ريتشارد‮ . ‬ألست صنيعتهم ؟ ألم‮ ‬يباركوا كل مافعلت؟ قتلت فصفقوا،عاقبت فهللوا،‮ ‬عذبت فكبروا‮).‬
‮ ‬وهكذا تدار اللعبة وفق شروط تخلط الماضي‮ ‬بالحاضر والحلم بالحقيقة المرة والنص الكلاسيكي‮ ‬بالحاضر المتلون وتتبدي‮ ‬بشكل سافر الأطماع والمخاوف والهواجس داخل كيان الأسرة التي‮ ‬دخلت في‮ ‬متاهة حقيقية وصراع مرير وسط‮ ‬غياب متعمد لصوت العقل والحكمة‮ ‬،‮ ‬وحتي‮ ‬الأم لم‮ ‬يكن باستطاعتها أن تلم شمل أولادها وتعيد بناءهم من جديد‮ ‬،‮ ‬ولكي‮ ‬يتخلص كل منهم من أثر الضغط النفسي‮ ‬الذي‮ ‬كان قد أنشأه فيهم الأب الآمر الناهي‮ ‬تتبدي‮ ‬أمامنا بعض الأمراض الجسدية والنفسية في‮ ‬صورة فورات انفعالية قاسية تغطي‮ ‬فضاء الخشبة بالأصوات والحركات العنيفة التي‮ ‬تصل لحد التشنج في‮ ‬بعض اللحظات‮ ‬،‮ ‬وكان علي‮ ‬المتلقي‮ ‬أن‮ ‬يتابع في‮ ‬لحظة واحدة أكثر من تكوين وصراع ملتهب ولا‮ ‬يتركك المخرج في‮ ‬توهة مشهدية معقدة وإنما‮ ‬يضخ بعض المشاهد الدالة حتي‮ ‬تتكون لديك فكرة عن علامات التناول فتمسك بها لتعينك علي‮ ‬اللحاق بالمعني‮ ‬والقيمة‮ ‬،‮ ‬ومن ثم فالتلقي‮ ‬هنا‮ ‬يحتاج لمشاهد واع‮ ‬يشتبك مع شيفرات الحدث المعقد ويعيد صياغة الاحداث وفق وعية وقدرتة وفهمة المبني‮ ‬علي‮ ‬الخلط المتعمد بين تفاصيل العائلة المفتتة بين ابن جائع للسلطة بمفهومها الانتقامي‮ ‬وأخ انخرط في‮ ‬إدمان الخمور فضاع وضيع زوجته وأخ ارتمي‮ ‬في‮ ‬حضن القوي‮ ‬المتطرفة ودخل في‮ ‬صفقات السلاح وأخت سرقتها الأحداث المتلاحقة فبدت مهزومة وتحاول أن تنقذ أخيها الأكبر من إدمان المخدرات،‮ ‬والغريب في‮ ‬هذا التكوين أن تجد في‮ ‬لحظات حركية موزعة علي‮ ‬مشاهد العرض وكأن هناك تواطئاً‮ ‬علي‮ ‬العنف والتخفي‮ ‬والتقنع من نفس الأشخاص سواء المستغلين أو المهزومين وكأن هناك انحيازًا للفوضي‮ ‬العارمة فمن معك‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون ضدك دون أي‮ ‬تبرير أو مقدمات خاصة في‮ ‬المشاهد الحركية العنيفة التي‮ ‬تقدم المؤامرات من قبل مجموعة من المقنعين‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أحد المشاهد وجدت الأم تتحول من حكيمة تتغني‮ ‬بأغان شعبية قديمة إلي‮ ‬شخصية أخري‮ ‬تمسك بالسلاح وتصبح أحد المقنعين القتلة؟ وصناع العرض حاولوا تخفيف حدة الصدمات المتوالية بدخول العرافة التي‮ ‬يجرها حبل الزمن لكي‮ ‬تقول حكمتها الدالة حول الموضوعات المتأزمة علي‮ ‬خشبة المسرح وتتوقع سقوط الطاغية،‮ ‬ويبدو من خلال تلك التفصيلة الدالة في‮ ‬البناء أن الرهان دائما موضع تساؤل ومحاولة جديدة لإعادة رسم المشهد وبيان أثره الجمالي‮ ‬والمعرفي‮ ‬،‮ ‬فوجود العرافة سمح بتمرير حكمة التناول في‮ ‬صورة شعبية خفيفة وهو أمر أعيد بشكل صريح من قبل مجموعة المقنعين أو المهمشين الذين وجهوا بطارياتهم لمشاهدي‮ ‬العرض لكي‮ ‬يقولوا لهم إنكم صناع الطاغية والمصفقون دائما للملوك الطغاة‮. ‬
ولقد بين المخرج جعفر القاسمي‮ ‬أنه واع بقضاياه ومؤمن بقدرته علي‮ ‬تكوين فريق‮ ‬يتوحد تحت لواء مفاهيم مركبة ومعقدة للغاية ومدرك تماما لطبيعة التقنية ودورها في‮ ‬رسم خيال المتلقي‮ ‬إذ اعتمد علي‮ ‬تنويع مصادر الضوء الملون فرسم خشبة المسرح وكساها بألوان تكشف وتخبئ الأحداث كما تلعب علي‮ ‬المعني‮ ‬العام لطبيعة المشهد المسرحي‮ ‬المقدم وتضعه في‮ ‬صورته الخلابة أو الكاشفة للمعني‮ ‬الأولي‮ ‬ففي‮ ‬لحظات‮ ‬يمكنك أن تري‮ ‬مراقبة الممثلين‮ ‬غير المشاركين في‮ ‬الحدث للحظة ما وفي‮ ‬لحظات أخري‮ ‬تلحظ أن المسرح قد اكتسي‮ ‬باللون الأحمر أو الأزرق حسب طبيعة المشهد‮ ‬،‮ ‬كما لعبت الكشافات اليدوية دورا مفصليا في‮ ‬تمرير التباس المعاني‮ ‬أو تفعيل الخيانات والقتل أو الاشتغال علي‮ ‬الكشف عن مكنون الشخصية أو لتوجيه المشاهد أو لحكمة جمالية متفق عليها‮.‬
لقد بدا العرض وكأنة صرخة تحذيرية تحاول أن تكشف الماضي‮ ‬وتنبه لعدم تكراره بنفس الآليات المرضية والنفوس المستكينة فعلي‮ ‬الشعوب أن تفيق قبل أن‮ ‬يولد ريتشارد جديد‮. ‬

أحمد خميس

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ريتشارد الثالث
  • جهة الانتاج: انتراكت بروذكشن ـ تونس
  • عام الانتاج: ٢٠١٣
  • تأليف: محفوظ عزال
  • إخراج: جعفر
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٤١
أخر تعديل في الأحد, 02 شباط/فبراير 2014 14:08

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here