اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

العكش‮: ‬أنشودة موت إسمها الحياة‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

 

‮"‬إنني‮ ‬عدت من الموت لأحيا،‮ ‬لأغني
فدعيني‮ ‬أستعر صوتي‮ ‬من جرح توهّج‮"‬

في‮ ‬مسرحية العكش،‮ ‬لفرقة مرايا،‮ ‬القادمة من داخل فلسطين إلي‮ ‬مدينة هانوفر الألمانية‮ ‬يستضيفها عدنان طرابشه كاتبا أولا ثم ممثلا في‮ ‬رحاب الموت الملازمة لكل كائن حي‮ . ‬فمن خلال خلفية سينوجرافية،‮ ‬سر قوتها في‮ ‬بساطتها وتلقائيتها،‮ ‬تتحول المدافن إلي‮ ‬ركح،‮ ‬يؤدي‮ ‬فيه الموتي‮ ‬أدوارهم بحيوية،‮ ‬تتقمصهم شخصية العكش،‮ ‬الحي‮ ‬الوحيد في‮ ‬هذا العالم المسربل بالسبات‮. ‬حيث‮ ‬يحركها هذا الأخير‮ ‬يربطها بمصيره عبر خيوط سرية قوامها التذكر،‮ ‬استعادة اللحظات الموغلة في‮ ‬غياهب الذاكرة‮. ‬إنه‮ ‬يمنح الرفات لحظة نكهة العودة إلي‮ ‬الحياة‮ ‬،‮ ‬نكتة القدر الساخر حيث‮ ‬يتحررون من رباط الموت‮. ‬
أنها مسرحية الممثل الواحد المتعدد الوجوه‮ ‬،‮ ‬حضور مكثف لشخوص تتحرك تحاور،‮ ‬تجادل من خلال شخصية العكش،‮ ‬المتقلب بين حالات مأساوية‮ ‬غير أنها ثرية بالحيوية و حب الحياة‮. ‬فمن خلال تجسيد طرابشه المتوازن بين الحركة‮ ‬،‮ ‬الإيقاع والأداء الفزيائي‮ ‬ـ الانفعالي،‮ ‬الذي‮ ‬يمثل الوسيط بين الحدث الذي‮ ‬ينقل المأساة‮  ‬في‮ ‬علاقتها بالمرحلة،‮ ‬بتاريخ،‮ ‬بحاضر وماضي‮ ‬الشعب الفلسطيني‮ ‬و بين كثافة رواية المشهد المباشر واقتحام اللحظة الدرامية الهزلية السوداء،‮ ‬يختزل طرابشه الزمن حيث تنفرج أمامنا و بكثافة ككوة نطل عبرها علي‮ ‬واقع متعدد التنايا،‮ ‬الغارق في‮ ‬عشق حياة‮ ‬،‮ ‬مدثرة بكفن الموت،‮ ‬مأساوية المشهد و معاناة الشعب والوجود الفلسطيني‮ . ‬يلاقينا القدر المتربص،‮ ‬المرافق لمسيرة أجيال صارعت
الموت،‮ ‬متحدية ألته الجهنمية و كلما حصد الموت سنابل،‮ ‬إلا وأينعت من بين‮  ‬القبور زهور تعد بالحياة،‮ ‬تبشر بأنشودة الفرح الأتي،‮ ‬فالموت هنا قاسم مشترك بين الماضي‮ ‬و الحاضر بين الحكاية والحاكي‮ ‬والمحكي‮ ‬عنه‮. ‬
فالموت هنا لا‮ ‬ينجو منه أحد،‮ ‬شباب شيوخ،‮ ‬حتي‮ ‬العرسان‮ ‬يصطادهم الموت في‮ ‬غفلة و هم في‮ ‬لحظة فرح‮. ‬رفات‮ ‬يصمم لها العكش مأوي‮ ‬أخير،‮ ‬يرتبه حسب الموضة‮:‬
‮- ‬قْـبُـوْر لَلشَّبابْ،‮ ‬قْـبُـوْر للخِتْيارٍيـِّه،‮ ‬الحَبَالَي‮ ‬وْالعَذاري،‮ ‬والرُّضَّع بِالْكَمِّيِّة‮.‬
فالموت هنا هو الحوار المفتوح مع الواقع اليومي‮ ‬لحياة الإنسان الفلسطيني‮. ‬فهذا السرد الدائب عبر توالي‮ ‬الأحدات،‮ ‬المتوزع‮  ‬بين الظل و الضوء‮ ‬،‮ ‬بين الصمت و ترنيمة التشبث بالحياة،‮ ‬تسعي‮ ‬طلقات الرصاص جادة إلي‮ ‬خنقها،إلي‮ ‬كسر روح التشبث فيها‮. ‬في‮ ‬مسرحية العكش‮ ‬يصبح للموت نكهة سلطة مستبدة،‮ ‬كاسرة‮ ‬يقابلها العكش بالنكتة،‮ ‬بالسخرية بالمرح،‮ ‬الذي‮ ‬يعيد في‮ ‬أذهاننا إلي‮ ‬الموتي‮ ‬حياتهم،‮ ‬ذكرياتهم،‮ ‬مرحهم و قلقهم،‮ ‬حزنهم و ابتسامتهم‮. ‬فهذا الفضاء‮ ( ‬المقبرة‮) ‬يصبح طافحا بالحركة الدْئوبة،‮ ‬يصبح مسرحا تتقايض فيه القناعات والفلسفات،‮ ‬حيث تأخذ العلاقة بين العكش ونزلائه أو رعاياه الموتي‮ ‬بعدا‮ ‬يرشح بألوان الذكريات،‮ ‬بالحنين،‮ ‬باللوم بالعتاب بالشجار وبالنصائح‮:‬
‮- ‬يا عمي‮.. ‬يا حبيبي‮.. ‬الممثل بيقول‮:  ‬اتغدَّا وِتْمدّا‮.. ‬بعدين الواحد لازم‮ ‬يحسب حساب الموت‮... ‬لازم‮ ‬يتحايد أكل السمك قبلِ‮ ‬الممات،‮ ‬وخاصة إذا كان من بحر‮ ‬غزة‮.."‬
لقد برع عدنان طرابشه في‮ ‬تجسيد هذه الشخصيات،‮ ‬التي‮ ‬أصبحت تحاورالجمهور من داخل قبورها متقمصة جسده‮  ‬قناة تتداخل فيها صورته،‮ ‬الحكواتية و المحكي‮ ‬ليصبح التفريق بينهما شبه منعدم‮. ‬فالعكش‮ ‬ينزع عن الموت صفته الجليلة‮ -‬الرهيبة،‮ ‬صفتها المأساوية الضاربة في‮ ‬وهاد التراجديات
الإنسانية،‮ ‬و بذالك‮ ‬يتسني‮ ‬لها أن تصبح توأما موازيا للحياة،‮ ‬تسير مع هذه الأخيرة‮ ‬يدا في‮ ‬يد،‮ ‬بنفس الخطي‮ ‬و في‮ ‬تلاحم‮. ‬فالموت له مقدمات في‮ ‬الحياة و فلسفة إعداد‮:‬
‮- ‬في‮ ‬باب المأكولات الممنوعة قبل الممات‮: ‬علي‮ ‬كل من‮ ‬يقدم علي‮ ‬الموت ألاَّ‮ ‬يتناول المأكولات التالي‮ ‬ذكرُها‮: ‬الأسماك،‮ ‬المقالي،‮ ‬الكبِّة،‮ ‬المُجدَّرة‮- ‬مع لبن أو بصل أو بدونهما‮-‬،‮ ‬الفُلفُل الحار،‮ ‬جميع أنواع اللُّحوم وخاصَّة الخنزير‮ ‬يا عبدالله‮ (‬قبر‮) ‬الموالح والنواشف‮.. ‬المكابيس بالخل أو بالملح‮.. ‬المشروبات الروحية‮ ‬يا أبو صلاح وخاصة الوسكي‮ ‬والفودكا‮.. ‬المشروبات الخفيفة عدا الديت منها‮ ‬يا أم دلال‮.. ‬جميع أنواع الحلويات والمكسرات‮ ‬يا لينا الأعشاب علي‮ ‬أنواعها‮:  ‬علت،‮ ‬زعتر،‮ ‬خبيزة،‮ ‬بسوم،‮ ‬قرصة عنِّي‮ ‬،‮ ‬عكوب،‮ ‬سمميخة شرغينية‮... ‬الخ‮. ‬كل من‮ ‬يتَّبع هذا النِّظام‮ ‬يحظي‮ ‬بميته مريحة‮ ‬،‮ ‬له ولحفارِ‮ ‬القبور الذي‮ ‬سيحفر له قبره‮.‬
فالمقبرة ايضا تعرف طوابير الموتي،‮ ‬الذين عليهم بدورهم الانتظار،‮ ‬لأن المدافن مزدحمة‮ ‬،‮ ‬كثافة موتية والعكش‮ ‬يحفر و‮ ‬يحفر و الأموات لا تنضب‮. ‬مع ذلك لا‮ ‬يثني‮ ‬هذا الوضع المتوزع بين الحصار من جانب و الموت من الجانب الأخر العكش عن أن‮ ‬ينتزع من الزمن لحظات‮ ‬يقدم من خلالها عالمه الفرح،‮ ‬رقصه،‮ ‬غناءه‮ . ‬إنه التجسيد الحي‮ ‬كتابة و تشخيصا لنظرية‮ ‬„ تقديم صورة سوداوية للعالم لكل واحد القدرة علي‮ ‬إنجازها،‮ ‬لكن منح الأمل لا‮ ‬يقدمه إلا المسرحي‮ ‬الواعي‮ ‬بدوره‮" (‬بارتولد بريشت‮). ‬فهذه القضايا اليومية والإطلالة علي‮ ‬الماضي‮ ‬البعيد والقريب تحتضنها مقبرة،‮ ‬اسمها فلسطين‮. ‬فحين‮ ‬يحدث العكش عيسي‮ ‬عن سبب‮ ‬غياب أم عيسي‮ ‬عن زيارة قبر ابنها،‮ ‬لأن كل شيئ ممنوع حتي‮ ‬زيارة القبور‮:‬
‮- ‬هاي‮ ‬إمك‮ ‬يا عيسي‮ ‬بعثتلك وردة بيضا‮.. (‬يستبدلها بالوردة الذَّابلة علي‮ ‬قبره‮) ‬أملها‮ ‬يا عيسي‮ ‬تكون روحك طاهرة وتدخل الجنّة‮.. (‬ينظف قبر عيسي‮) ‬وبتتعذر لك علي‮ ‬شان ما قدرت تزورك اليوم‮... (‬بهمس‮) ‬مش في‮ ‬إيدها‮ ‬يا عيسي‮.. ‬الحالة مْوَسْخَة‮.. ‬حصار ومنع تَجَوّل واللي‮ ‬يخاِلف الأوامر‮.. ‬بعرفش الرصاصة من وين بتجيه‮.. ‬لكن رغم قسوة الموت و الحياة الحافة بالعكش من كل جانب ورقابة الأموات،‮ ‬الذين‮ ‬يمشون علي‮ ‬الأرض‮ ‬يحملون نعوشهم علي‮ ‬ظهورهم من‮ ‬غير أن‮ ‬يدركوا أنهم أموات،‮ ‬لا تحجم العكش تهديداتهم له هو الآخر المستخف بالموت،‮ ‬أن‮ ‬ينسج أحلامه،‮ ‬أمنياته،‮ ‬تصوره الذاتي‮ ‬عن الموت،‮ ‬فحتي‮ ‬حفار قبور‮ ‬يشتهي‮ ‬أن تكون لجنازته طقوسا مميزة،‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يراها الشيخ إلا زندقة و خساسة‮:‬
‮- ‬اسمع‮ ‬يا سيدي‮ ‬الشِّيخ‮! ‬أنا راح احكيلك عن سر‮.. ‬سر بِخُصْنِي‮ ‬أنا‮.. ‬أنا‮ ‬يا سيدنا الشِّيخ اتفَقت مع فرقة دبِّيكِه‮ ‬يعملوا حفلة علي‮ ‬قبري‮ ‬بعد ما أموت‮.. ‬عتابا وأوف وميجانا وخبط اجريهم‮ ‬يهزِّ‮ ‬الأرض‮.. ‬علي‮ ‬شان روحي‮ ‬تقابل ربها وهي‮ ‬مبسوطه‮.. ‬ترقص وتغنِّي‮...‬
فالعكش‮ ‬يحول صمت القبور،‮ ‬إلي‮ ‬حديث‮ ‬غناء رقص جدال و حياة،‮ ‬حوار بين المتشدد و المتفتح حوار بين الجمود و الحركة‮. ‬إنه‮ ‬يشرب الشاي‮ ‬مع موتاه،‮ ‬يقاسمهم هواه،‮ ‬يحدثهم عن أحداث وهموم الناس في‮ ‬الوطن وخارج الوطن‮:‬

 

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: العكش
  • جهة الانتاج: فلسطين
  • عام الانتاج:
  • تأليف: عدنان طرابشة
  • إخراج: عدنان طرابشة
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here