اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

لقاء عاصف‮ ... ‬لقاء مع المرايا والمدفون‮ ‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬يوم عاصف‮ ‬يلتقيان‮ ..‬تذوب سريعا بينهما المسافات‮.. ‬لكن التطرف في‮ ‬الاقتراب‮ ‬ينذر بالخطر ويخرج المكبوت بقسوة في‮ ‬نفسيهما‮.. ‬كلاهما كبت أمنية في‮ ‬نفسه أو حرم منها حتي‮ ‬تطرف فيها‮ ..‬هذا ما تدور حوله مسرحية‮ " ‬لقاء عاصف‮ " ‬التي‮ ‬عرضت ضمن فعاليات ملتقي‮ ‬آفاق مسرحية لفرقة نمط وهي‮ ‬من تأليف وإخراج محمود سيد وبطولة محمد أشرف ومحمود سيد وإضاءة طارق سعيد وإعداد موسيقي‮ ‬محمود أسامة‮  ‬وديكور بيتر ألفريد‮ .‬
قبيل العرض نجد علي‮ ‬المقاعد أوراقا بيضاء بها رسائل بوح وشكوي‮ ‬موجهة للرب بتواريخ متتالية‮ .. ‬بضع سطور في‮ ‬كل ورقة‮ .. ‬ليبدأ العرض بما‮ ‬يشبه‮ " ‬الأفان تتر‮ " ‬فنري‮ ‬منزلا‮ ‬يبدو عليه الثراء‮ .. ‬تحف مذهبة فوق مدفأة‮ .. ‬لوحة فنية معلقة علي‮ ‬الحائط وجرامافون مع مكتبة‮ .. ‬ورجل علي‮ ‬كرسي‮ ‬هزاز هاديء لا‮ ‬يتحرك‮ .. ‬وآخر‮ ‬يتجول في‮ ‬المكان علي‮ ‬عكاز في‮ ‬وجود أشخاص متناثرين وورود حمراء علي‮ ‬الأرض‮ .. ‬كل ذلك مع خلفية لأغنية بلهجة سورية وتخت شرقي‮ ‬يعد تمهيدا للمضمون‮ " ‬أنا مش كافر بس الجوع كافر‮ .." ‬ليبدأ بعدها العرض برعد وبرق ورجل أسفل خشبة المسرح‮ ‬يرتدي‮ ‬معطفا وقبعة‮ ‬يرتعد بردا في‮ ‬عاصفة قاسية‮.. ‬يردد خائفا صلاة للرب ثم‮ ‬يقرع‮  ‬باب منزل مستنجدا‮ (‬بطريقة المايم فلا وجود للباب‮ ) ‬ليفتح له صاحب المنزل ويقدم له الشراب ليتدفأ ويبدأ كلاهما توجيه أسئلة للآخر للتعارف‮ .. ‬لكننا نلاحظ أن ردود أفعالهما تأخذ شكلا‮ ‬غريبا فبشكل ما‮ ‬ينفذ كل منهما إلي‮ ‬وعي‮ ‬الآخر بل إلي‮ ‬لاوعيه‮ .. ‬وفي‮ ‬الحقيقة فقد صاغ‮ ‬الكاتب هذا البناء النفسي‮ ‬الفانتازي‮ ‬الصعب بقدر كبير من المهارة‮ ‬،‮ ‬يكمل أحدهما جملة الآخر‮..‬أو‮ ‬يكمل معلومة‮ ..‬أو‮ ‬يهزأ ساخرا كأنه‮ ‬يعرف كذب الآخر‮.. ‬ينفذ إلي‮ ‬مخيلته الذهنية أثناء سرده وتذكره فيراقبه وينابزه في‮ ‬حوار‮ .. ‬كلاهما بدا أنه‮ ‬يعرف قدرا من خفايا الآخر‮..‬من حقيقته التي‮ ‬يخبئها عن الآخرين ويجملها‮ .. ‬يتحدث صاحب المنزل‮ - ‬والذي‮ ‬يكح من آن لآخر‮ - ‬عن مزاد لوحات سيحضره بعد سنوات ليعلق الزائر بعنف ساخر بعدما كان‮ ‬يبتسم‮  ‬منذ قليل‮ " ‬أليس‮ ‬غريبا لمريض مثلك أن‮ ‬يتحدث عن شيء‮ ‬يفعله بعد خمس سنوات ؟‮ " .. ‬أثناء هذه المواقف الاختراقية الكثيرة من كليهما تتغير دائما الإضاءة وتعبيرات الوجه والموسيقي‮ ‬أيضا أو تتوقف حتي‮ ‬يعلن انتهاء اللحظة بالرجوع للإضاءة العادية وللوضع الحركي‮ ‬السابق ببطء،‮ ‬بطريقة أشبه بإرجاع الشريط‮ .. ‬وهي‮ ‬طريقة جيدة التعبير وتطويعية لطبيعة المسرح‮ .. ‬يمضي‮ ‬الأمر وتتكشف حقائق كل منهما بكل منهما‮.. ‬فمرة نري‮ ‬الزائر الذي‮ ‬يعرف نفسه بأنه ممثل مسرحي‮  ‬يحكي‮ ‬أن والده كان‮ ‬يقف أمام رغبته ويريده قسيسا لكنه رضخ لإرادته‮ .. ‬ليفاجئه المستضيف متعجبا أن‮ ‬يحرق أب ابنه بالنار لمجرد رفضه الذهاب للكنيسة‮ .. ‬وأخري‮ ‬يقول فيها الزائر إن أصعب ما في‮ ‬التمثيل الدموع فهو لم‮ ‬يبك في‮ ‬حياته‮.. ‬فيبتسم صاحب المنزل ساخرا ثم نري‮ ‬مشهدا كاشفا‮ .. ‬فالزائر‮ ‬يكتب خطابات‮ ‬يومية للرب‮ ‬يرجوه أن‮ ‬يجيب مطالبه وأن‮ ‬يشفق عليه من عنائه‮ .. ‬ممسكا بصليب في‮ ‬قلادته بيده الأخري‮ .. ‬يكتب حتي‮ ‬ينهار ويبكي‮ .. ‬لكنه بدأ‮ ‬يتمرد ويخاطب الرب معترضا لعدم رده وعدم شعوره به‮ "‬مللت من اتهامي‮ ‬بعصيانك‮ .. ‬لا أريد أن أكون قسيسا وهذا ليس كفرًا وأريد أن أمثل وهذا ليس عصيان‮ " .. ‬يثور الآخر هازئا منه‮ " ‬من أنت ليرد عليك الرب؟‮ " ‬فيتكشف لنا صراع وأزمة‮ ‬يعانيها كلاهما‮ .. ‬كلاهما‮ ‬ينادي‮ ‬ربه بلا إجابة‮ ..‬وعدم الإجابة علامتها عدم انتهاء الصراع بداخلهما‮.. ‬فالإجابة المنشودة هي‮ ‬الرحمة والعتق من عذاب الروح‮ ..‬شيئا فشيئا تزداد الحدة والهجوم بينهما وتتكشف الحقائق أكثر لنقترب من قصة صاحب البيت والذي‮ ‬يدعي‮ ‬أنه سعيد بوحدته لكن اللوحة علي‮ ‬حائطه تشي‮ ‬بحقيقته فهي‮ ‬لوحة لرجل وامرأة تحت المطر‮ ‬يتشابك ذراعيهما‮..‬يتخيل حبيبته التي‮ ‬يفتقدها فنري‮ ‬فتاة في‮ ‬زي‮ ‬أبيض تجمع الورود من الأرض فيلقيها ويهديها سلسلة ذهبية فتلقيها وتعطيه وردة أخري‮ .. ‬ويكرر ما فعل حتي‮ ‬تختفي‮ .. ‬كل ذلك‮ ‬يرقبه الضيف لنري‮ ‬مشهدا آخر‮ ‬يمسك فيه المستضيف مصباحا بجوار تابوت ليلقي‮ ‬مونولوجا‮ ‬يكشف فيه عن سر‮ .. ‬إنه نابش قبور‮ ‬يبحث عن الكنوز‮.. ‬يعلم أنه ملعون لكنه‮ ‬يري‮ ‬في‮ ‬الموتي‮ ‬بابا لتحقيق حلمه بعدما سرقت الحياة منه حلمه الوحيد‮.. ‬يتساءل صارخا أيضا أين الرب ؟ كل ذلك‮ ‬يتابعه الآخر الذي‮  ‬يتهمه صارخا بأنه شيطان فيشتبكان بشدة لينتهي‮ ‬الأمربعودة كل منهما لأحلامه‮.. ‬ويمتليء المكان كما بدأ بشخصيات بعضها‮  ‬بأزياء مسرحية‮ ..‬يتجول بينها الزائر علي‮ ‬عكاز كما بدأ‮.. ‬وتتردد أجزاء من عبارات كثيرة إما ماضية في‮ ‬حياته أو وردت في‮ ‬حواريهما‮ .. ‬تتداخل الأصوات ويخرج الجميع ويبقي‮ ‬وحده‮ ‬يجلس مكان صاحب البيت علي‮ ‬الكرسي‮.. ‬لينتهي‮ ‬العرض الفانتازي‮ ‬النفسي‮ ‬الذي‮ ‬يناقش البحث عن الذات والتعبير عنها وكيف‮ ‬يدفعنا التطرف للكبت كحيلة دفاعية تجاه العجز‮.. ‬لكن الرغبات المكبوتة دائما ما تبحث عن متنفث لها قد‮ ‬يصل بدوره إلي‮ ‬التطرف والمرض النفسي‮ .. ‬فالزائر تطارده أصوات والديه بالمحرمات في‮ ‬حياته‮ .. ‬تمتليء حياته بأوراق الاستغاثة بالرب ليحيا كما‮ ‬يريد ويحلم‮ .. ‬يحب التمثيل لكنه‮ ‬يحرم منه‮ .. ‬ويعرف نفسه مدعيا بأنه ممثل لكنه في‮ ‬حقيقة الأمر لم‮ ‬يمثل بل‮ ‬يعوض حرمانه بصنع شخصيات متخيلة‮ ‬يعيش معها ويستمد من شجاعتها ما‮ ‬يداري‮ ‬عجزه الذي‮ ‬يجسده عكازه الذي‮ ‬يتنقل به بين الشخصيات‮ .. ‬ولمشهد تقمصه لشخصية قسيس أهمية في‮ ‬إيضاح أسلوب هذا المكبوت إن أصبح رجل دين فيجلس الآخر في‮ ‬وضع سيطرة ويحدثه بعنف وقسوة عن خطاياه‮ ‬،‮ ‬أما المستضيف فهو ثري‮ ‬مادي‮ ‬يهوي‮ ‬الامتلاك وحين أحب حاول امتلاك من‮ ‬يحب بالذهب ففضلت عليه لغة الورود‮ .. ‬وكان استخدام جملتها‮ " ‬ارمي‮ ‬العملة للتمني‮ " ‬معبرا‮ ‬يختصر الأزمة بينهما‮ ..‬لكن التطرف‮ ‬يحركه‮ .. ‬فحين‮ ‬يئس من حبها قتلها ليمتلكها ففقد أجمل ما في‮ ‬حياته وبدأ‮ ‬يبحث عن حياة‮ ‬يهبها الموتي‮ .. ‬يبحث عن كنوزهم‮ ..‬لكن العرض لم‮ ‬يوضح بشكل كاف هذا الأمر فبقي‮ ‬مبهما إلي‮ ‬حد كبير،‮ ‬ويعمل النص علي‮ ‬خط آخر بالتوازي‮ ‬هو مساحة الخصوصية في‮ ‬حياة الإنسان وما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يولده اختراقها من دفاع عنيف‮ ..‬فالمعرفة الزائدة لحد الاختراق تصبح مصدر إزعاج وتهديد‮ ‬يولد دفاعا قد‮ ‬يصل في‮ ‬النهاية لعنف واشتباك حاد‮ .‬
العرض مميز بفكرته وعلاقاته النفسية المعقدة وبنائه السردي‮ ‬والتحرك بين الأزمنة وبين الخارج والداخل‮ ..‬لكن قصة صاحب المنزل قد سادها الغموض ونقص الدلالات‮ .. ‬أما الثورة علي‮ ‬الخالق بسبب العناء الشديد فكانت أكثر إقناعا في‮ ‬حالة الزائر الذي‮ ‬ارتبطت قصته بالدين وتوسل كثيرا‮ ‬،‮ ‬وقد أدي‮ ‬الممثل محمد أشرف‮ ( ‬الزائر‮ ) ‬دوره بإتقان وحضور،‮ ‬وأكملت الحيل الإخراجية والأداء الحركي‮ ‬رسم المواقف وحققت معهما الموسيقي‮ ‬إيقاعا متزنا وعمقا نفسيا مكملا‮..‬لنلتقي‮ ‬معهم جميعا لقاء عاصفا‮  ‬للذهن ونحن نري‮ ‬معاناة النفس المكبوتة وعجزها حين‮ ‬يصير عنفا‮ .  ‬

 

أمل ممدوح

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: لقاء عاصف
  • جهة الانتاج: فرقة نمط المستقلة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: محمد سيد
  • إخراج: محمد سيد
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here