اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

(‬تاجر البندقية‮)‬ في‮ ‬مدينة قوص بالصعيد الجواني

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تصدي‮ ‬المخرج الموهوب خالد عبد السلام‮ - ‬القادم من شمال الدلتا لتقديم نص شيكسبير‮ (‬1564‮ - ‬1616‮) ‬الشهير‮ »‬تاجر البندقية‮« (‬1596‮)‬،‮ ‬في‮ ‬مغامرة جريئة لتناول هذا النص الذي‮ ‬تعددت رؤاه ومحاولات تفسيره‮ - ‬ففي‮ ‬مصر ترجم النص في‮ ‬القرن التاسع عشر بعنوان‮ »‬الصراف المنتقم‮«‬،‮ ‬وقدمته الفرق المصرية،‮ ‬بعد ذلك‮ ‬،‮ ‬ورغم هذا‮ ‬يخلو هذا النص من اسم المترجم‮! ‬الذي‮ ‬كان أبرزهم الشاعر‮ »‬خليل مطران‮«‬،‮ ‬والمسرحية قدمتها الفرقة القومية في‮ ‬أول موسمها عام‮ ‬1935‮ ‬من إخراج الرائد زكي‮ ‬طليمات،‮ ‬وتوالت العروض حتي‮ ‬الآن‮ - ‬حيث استوحاها الناقد‮ - ‬ففكرة المسرحية فكرة ملحة تدين ذلك الصهيوني‮ ‬الذي‮ ‬يحتل أرضنا بدعاوي‮ ‬باطلة،‮ ‬وتتوغل المسرحية في‮ ‬أعماق ذلك اليهودي‮ ‬الكاره للبشر والناقم علي‮ ‬كل من ليس من جنسه ومِلته،‮ ‬ويقرض ماله بالربا لمن كان في‮ ‬ضائقة وعُسر‮.‬
وفي‮ ‬خضم أحداث المسرحية المعروفة والتي‮ ‬تقوم علي‮ ‬واقعة ضمان التاجر الشاب الغني‮ »‬أنطونيو‮« ‬لصديقه‮ »‬باسانيو‮« ‬عند اليهودي‮ »‬شيلوك‮« ‬علي‮ ‬أن‮ ‬يُقرضه ثلاث آلاف دوقية كي‮ ‬يتمكن من زواج حبيبته‮ »‬بورشيا‮«‬،‮ ‬وذلك بشرط‮ - ‬علي‮ ‬سبيل المداعبة‮ - ‬أن‮ ‬يقتطع رطلا من لحم الضامن‮ »‬أنطونيو‮« ‬إذا لم‮ ‬يوفي‮ ‬بسداد المبلغ‮ ‬في‮ ‬موعده،‮ ‬وتغرق سفن‮ »‬أنطونيو‮« ‬في‮ ‬البحر ويطالب‮ »‬شيلوك‮« ‬بسداد الدين،‮ ‬ويحكم القاضي‮ ‬بأحقية‮ »‬شيلوك‮« ‬في‮ ‬رطل اللحم،‮ ‬وتنقذ‮ »‬بورشيا‮« ‬خطيبة باسانيو الموقف حين تتنكر في‮ ‬زي‮ ‬محامي،‮ ‬وتشترط ألا‮ ‬يسيل قطرة من دم أنطونيو إذا اقتطع رطل اللحم الذي‮ ‬يطالب به‮.. ‬فيُسقط في‮ ‬يد شيلوك ويتنازل عن دعواه‮ - ‬لكن القاضي‮ ‬يجرده من أمواله نظرًا لسوء طويته ورغبته في‮ ‬قتل مواطن شريف من البندقية‮.‬
وقد قدم المخرج الشاب خالد عبد السلام تلك الأحداث في‮ ‬جو كرنفالي‮ ‬بهيج وكأننا في‮ ‬أحد مهرجانات فينيسيا‮ - ‬البندقية الشعبية‮ - ‬فأغنيات الشباب المرحة تتوالي‮ »‬موسيقي‮ ‬وألحان‮: ‬إبراهيم الطنطاوي‮«‬،‮ ‬وفي‮ ‬ديكور بسيط أقرب إلي‮ ‬المسرح العاري‮ ‬حيث‮ ‬يتسع الفضاء المسرحي‮ ‬وقد تزينت كل الأماكن بالبالونات الملونة،‮ ‬وقد ارتدت الشخصيات ملابس ذلك العصر المزركشة‮ »‬ديكور وملابس المتميزة الشابة‮ (‬نهاد السيد‮)‬،‮ ‬وشارك في‮ ‬أداء شخصيات هذا العرض مجموعة من الشباب الواعد من أبناء مدينة قوص بأقصي‮ ‬الجنوب حيث استطاع‮ (‬عبد المعطي‮ ‬فاوي‮ ‬علي‮) ‬أن‮ ‬يجسد لنا‮ »‬شيلوك‮« ‬الجديد الذي‮ ‬يختلف كثيرا عن تلك الصورة التقليدية القديمة الموغلة في‮ ‬شرها بشكل سافر وبغيض كما قدمها الرائد زكي‮ ‬طليمات‮.. ‬بل‮ ‬يقدمه هنا أقرب إلي‮ ‬البهلوان دنيئ النفس الباحث عن الانتقام دون مبرر،‮ ‬وحوله في‮ ‬النهاية إلي‮ ‬أضحوكة بعد أن كشف نواياه الخبيثة أهل المدينة‮ - (‬فشيلوك‮) ‬هنا أقرب إلي‮ ‬الشرير في‮ ‬مسرح الأطفال الذي‮ ‬يستطيع الطفل أن‮ ‬ينال منه ويتغلب عليه‮.‬
واختصر العرض دور أنطونيو‮ (‬علي‮ ‬إبراهيم علي‮) ‬الذي‮ ‬يمثل الشهامة والنخوة والإيثار والنجدة فبدأ أقرب إلي‮ »‬الصعيدي‮« ‬الذي‮ ‬يتمسك بتقاليده النبيلة دون خشية العواقب،‮ ‬وكذا قدمت بورشيا‮ »‬آية إبراهيم سعيد‮« ‬دورها الصغير بنفس منهج المخرج الذي‮ ‬يميل إلي‮ ‬التبسيط وعدم التعقيد وكأننا في‮ ‬حدوتة خيالية،‮ ‬لكن العرض أبرز جانبا في‮ ‬باسنيو‮ »‬أحمد علي‮ ‬حجاج‮« ‬بدأ أقرب إلي‮ ‬الانتهازية لرغبته في‮ ‬خطبة بورشيا الغنية طمعا في‮ ‬ثروتها،‮ ‬وتتوالي‮ ‬الشخصيات الضاحكة دائما التي‮ ‬تتابع ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬شغف طفولي‮: ‬سالارينو‮ (‬أحمد عادل عبد الموجود‮)‬،‮ ‬سولانيو‮: (‬علي‮ ‬وهبي‮ ‬علي‮)‬،‮ ‬جراتيانو‮ (‬عماد محمد جمال‮)‬،‮ ‬نريسا‮ (‬شيماء صابر محمود‮)‬،‮ ‬لونلو‮ (‬هيثم محمد حسن‮)‬،‮ ‬لوينزو‮ (‬محمد فرج محمد‮)‬،‮ ‬جيسكا ابنة اليهودي،‮ ‬شيلوك التي‮ ‬تريد أن تتزوج حبيبها‮ ‬غير اليهودي‮ ‬بينما‮ ‬يرفض أبوها هذه الزيجة فتضطر للهرب مع هذا الحبيب فيصب الأب عليها لعناته،‮ ‬وقد بدت جيسيكا‮ (‬آية أحمد عبد الموجود‮) ‬غير مبالية بمأساة أبيها وقد اندمجت هي‮ ‬وحبيبها في‮ ‬كرنفال شباب المدينة الضاحك الذي‮ ‬لا‮ ‬يكف عن الغناء،‮ ‬وعندما‮ ‬يئول جزء من أموال شيلوك إلي‮ ‬ابنته جيسكا‮ ‬يفرح حبيبها بهذه الهبة التي‮ ‬جاءته من السماء بشكل بدا انتهازيا،‮ ‬أيضا وتبقي‮ ‬شخصيتان هما تابع اليهودي‮ ‬توبال‮ (‬طه محمد حامد‮)‬،‮ ‬والقاضي‮ ‬أو الدوق‮ (‬أحمد صابر خليل‮).‬
وهم ثلاثة عشر عنصرا أدائيا‮ ‬يتسمون بالصدق في‮ ‬جماعية متضافرة‮ - ‬خاصة تلك العناصر النسائية الثلاث‮ »‬آية‮«‬،‮ ‬وشيماء،‮ »‬وآية‮« ‬في‮ ‬عرض بدا أقرب إلي‮ ‬حواديت الأحلام السعيدة ويحمل في‮ ‬نفس الوقت خطابا هاما وإيجابيا‮.. ‬إذا استطاع المخرج أن‮ ‬يحول كلاسيكية النص إلي‮ ‬عرض حداثي‮ ‬باقترابه من عالم حواديت الطفولة‮.. ‬من هنا ربما‮ ‬يأتي‮ ‬سر تجاهل اسم المترجم،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يجب أن نتوقف عنده‮ - ‬حتي‮ ‬ولو كان صانعوا العرض قد أرادوا أن‮ ‬يقدموا نص‮ »‬تاجر البندقية‮« ‬بطريقتهم الخاصة‮!‬
وجدير بالإشارة هنا أن‮ »‬خالد عبد السلام‮« ‬مخرج شاب تربي‮ ‬وتمرس علي‮ ‬فن المسرح من خلال‮/ ‬المشاركة في‮ ‬مسرح جامعة المنصورة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يؤكد أن الجامعة‮ ‬يمكن أن تكون بوتقة حقيقية‮ ‬ينصهر فيها المسرحيون الجادون،‮ ‬وخير مثال علي‮ ‬ذلك ما‮ ‬يقدمه رفاق خالد عبد السلام ومن سبقوه من خريجي‮ ‬جامعة المنصورة،‮ ‬وخير مثال علي‮ ‬ذلك ما قدمه المخرج‮ »‬إلهامي‮ ‬سمير‮« ‬وما لديه من تجديد وابتكار في‮ ‬مسرح الجامعة،‮ ‬ومن الجيل الذي‮ ‬تلاه المجتهد‮ »‬معتز الشافعي‮«‬،‮ ‬ويظل المخرج الواعي‮ ‬والناضج‮ (‬السعيد منسي‮)‬،‮ ‬والذي‮ ‬أظنه مخرجا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يثري‮ ‬حركتنا المسرحية‮ - ‬راعيا ورائدا وربما أخا أكبر لهذا الاتجاه،‮ ‬وتشهد له أعماله السابقة وكان آخرها‮ - ‬سواء في‮ ‬الجامعة مثل‮ »‬هاملت‮« ‬وليس‮ (‬هاملت‮)‬،‮ ‬أو‮ »‬افعل شيئا‮ ‬يا مت‮« ‬في‮ ‬الثقافة الجماهيرية،‮ ‬وعلي‮ ‬نفس الطريق نجد المخرج والناقد المثقف والواعي‮ »‬خالد حسونة‮« ‬ابن جامعة المنصورة الذي‮ ‬قدم نص‮ »‬ونوس‮« »‬ليلة مع أبي‮ ‬خليل القباني‮« ‬بشكل‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬وكذا نكتشف الكاتب والمخرج‮ »‬شريف صلاح الدين‮«‬،‮ ‬وإلي‮ ‬جواره المخرج الموهوب‮ »‬محمود الدياسطي‮«‬،‮ ‬والمخرج‮ »‬مالك مناع‮«‬،‮ ‬وكلهم من أبناء هذه الجامعة‮.‬
جاء منهج الأداء في‮ ‬هذا العرض أقرب إلي‮ ‬منهج الحركة في‮ (‬فن التحريك‮) - ‬فأضفي‮ ‬ذلك علي‮ ‬أداء الممثلين نوعا من الغرابة المحببة التي‮ ‬تقبل التصديق،‮ ‬وسيطرت شخصية شيلوك‮ »‬عبد المعطي‮ ‬فاوي‮ ‬أحمد‮« ‬علي‮ ‬جو العرض بوجهه الذي‮ ‬بدأ كالقناع‮ »‬قناع الشر المثير للسخرية‮«‬،‮ ‬وطريقة نطقه للحوار التي‮ ‬بدت كالفحيح أو أنها آتية من عالم آخر مختلف،‮ ‬وهو ما‮ ‬يشي‮ ‬بخاصة الممثل الجاهزة للتشكيل وإبراز قدراته الخاصة،‮ ‬وإلي‮ ‬جواره جاء أداء أحمد علي‮ ‬حجاج‮ »‬باسنيو‮« ‬وشخصيات الكرنفال المسرحي‮ ‬الأخري‮ ‬بحركتها الآلية السريعة فينشط الخيال والميول الحركية لدي‮ ‬الكبار والصغار،‮ ‬مع الأداء الغنائي‮ ‬الذي‮ ‬يشاركون جميعا فيه،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل جاءت الحركة لدي‮ ‬علي‮ ‬إبراهيم علي‮ »‬أنطونيو‮«‬،‮ ‬وآية إبراهيم سعيد‮ »‬بورشيا‮«‬،‮ ‬وتابعتها‮ »‬شيماء صابر محمود‮ »‬نريسا‮« ‬أكثر بطئا مع حركية المشهد العام السريعة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يؤثر بالسلب علي‮ ‬التناعم الإيقاعي‮ ‬للعرض‮.   ‬

*‮ ‬الكبير‮ (‬إبراهيم حمادة‮) ‬في‮ ‬نص بعنوان‮ »‬ظل اللحم‮« ‬1988‮. ‬

 

عبد الغني‮ ‬داود

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: تاجر البندقية
  • جهة الانتاج: فرقة قصر ثقافة - هيئة قصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: وليم شكسبير
  • إخراج: خالد عبد السلام
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here