اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

"‬حيث وضعت علامة الصليب‮"‬ بين‮ ‬يقين أونيل‮ ‬ووهم أحمد صلاح

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

داخل قاعة صلاح عبد الصبور بمسرح البالون،‮ ‬ومن خلال فاعليات مهرجان آفاق مسرحية،‮ ‬يعرض كل من أحمد صلاح‮ (‬مخرجا‮) ‬وإيهاب جابر‮ (‬معدا‮) ‬نسختهما من مسرحية الكاتب الأمريكي‮ ‬يوجين أونيل‮ ‬(1888 – 1953)، بتغيير طفيف في‮ ‬النهاية كان من شأنه أن حول الدلالة الرئيسة في‮ ‬النص‮ ‬– والتي‮ ‬تستمد مدادها من اسمه‮ ‬– ‮ ‬إلي‮ ‬دلالة أخري‮ ‬أقل عمقا من ناحية،‮ ‬وتقطع أوصالها عن مجتمع عرضها من ناحية أخري‮. ‬لم‮ ‬يكن التغيير علي‮ ‬مستوي‮ ‬الدلالة الرئيسة وحسب،‮ ‬وإنما أعتري‮ ‬التغيير الديكور‮ ‬– عما هو موصوف في‮ ‬الإرشادات المسرحية،‮ ‬وكذلك بعض التغييرات التي‮ ‬نبعت من الرؤية الإخراجية الراهنة‮. ‬ونحن نرصد هذه التغيرات ولا نعيب عليها بشكل مبدئي،‮ ‬حيث أن التغيير في‮ ‬النصوص الدرامية وفقا لكل رؤية إخراجية جديدة هو مما لاشك فيه إبداع نرجوه،‮ ‬وهو العملية التي‮ ‬تجعل التطوير أمرا ممكنًا،‮ ‬بل ويفسح المجال أمام الخيال الإبداعي‮ ‬ليبتكر رؤي‮ ‬أصيلة،‮ ‬شريطة أن تكون ذات كيان مستقل ومنسجم مع بعضه البعض،‮ ‬بما‮ ‬يجعل القراءة الموضوعية لها أمرا ممكنا‮.   ‬
يمكن لنص أونيل أن‮ ‬يطرح‮  ‬فكرة رئيسة مفادها‮:  "‬أن اليقين‮ ‬يوجد حيث وضعت علامة الصليب‮". ‬واليقين هنا هو‮ ‬يقين الإيمان بوجود كنز‮. ‬والكنز هنا ليس صندوقا من الجواهر النفيسة،‮ ‬وإنما‮ ‬– حين‮ ‬يتفاعل دال الكنز مع دال العنوان‮ : "‬علامة الصليب‮" - ‬يصبح كنز الإيمان بوجود الله كحقيقة تبعث الطمأنينة في‮ ‬القلب،‮ ‬وتجعل المؤمن بوجودها فقط هو القادر علي‮ ‬رؤية معالم تلك الحقيقة،‮ ‬حيث لا‮ ‬يمكن لمن لا‮ ‬يؤمن أن‮ ‬يتلمس شيئا من معالمها‮. ‬لتصبح الحقيقة الإيمانية أمرا خاصا وقاصرا علي‮ ‬من‮ ‬يؤمن بها‮.  ‬وهذا ما تجلي‮ ‬في‮ ‬المشهد الأخير من المسرحية،‮ ‬حيث‮ ‬يري‮ ‬كل من الأب‮ (‬المؤمن تماما بوجود الكنز‮) ‬والابن‮ "‬نات‮" (‬المتأرجح في‮ ‬إيمانه‮) ‬الرجال الثلاثة وهم عائدون بالكنز،‮ ‬بينما لاتراهم الإبنة‮ "‬سو‮" ‬التي‮ ‬لم تكن تعلم بوجود الكنز من الأساس،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬لا تؤمن به‮.‬
‮   ‬من بداية العرض المسرحي،‮ ‬ونات‮ ‬– الذي‮ ‬قام به إيهاب جابر بمجهود محمود‮ ‬يعوزه إتقان اللغة العربية وتدريب تمثيلي‮ ‬مفترض‮ ‬– يدبر مع الطبيب النفسي‮ (‬أحمد صلاح‮) ‬مكيدة الخلاص من الأب‮/ ‬القبطان‮ (‬محمود ندا‮- ‬قدمه بحرفية جيدة‮) ‬الموهوم‮  ‬من وجهة نظر نات آنذاك بوجود كنز‮. ‬ذلك الكنز الذي‮ ‬كانوا قد عثروا عليه علي‮ ‬جزيرة في‮ ‬إحدي‮ ‬رحلاتهم البحرية وتركوا بجواره علامة الصليب كي‮ ‬تذكرهم بمكانه،‮ ‬حيث صعب حمله حين تحطمت سفينتهم وعادوا فرادي‮. ‬كانت تهدف مكيدة نات وخطته إلي‮ ‬إبعاد الأب تماما عن البيت بحجة أنه مجنون‮. ‬ويمكن قراءة أهداف نات من داخل ثنايا الدراما،‮ ‬فقد‮ ‬يكون نات راغبا في‮ ‬إزاحة الأب من أمامه حتي‮ ‬يبعد عن عينيه أي‮ ‬شيء‮ ‬يمكن أن‮ ‬يذكره بوعد‮ "‬الكنز‮" ‬الذي‮ ‬طال انتظاره وأوقعه في‮ ‬متاهة القلق والحيرة بين انتظار حلم لا‮ ‬يتحقق وواقع مخيف لا‮ ‬يدعو للطمأنينة‮. ‬زد علي‮ ‬ذلك الهدف الصريح الذي‮ ‬أعلنه‮ ‬– إن صح‮- ‬وهو أن بيتهم ستؤل ملكيته لنات بعد التخلص من الأب‮. ‬ما أن تكتشف الأخت‮ "‬سو‮" ‬ذلك حتي‮ ‬تحاول إيقاف نات عما‮ ‬ينوي‮ ‬فعله بأبيهما ولكن محاولتها تبوء بالفشل،‮ ‬حتي‮ ‬يظهر الأب ظهوره الأول‮ ‬– علي‮ ‬مستوي‮ ‬النص‮ ‬– والثاني‮ ‬– علي‮ ‬مستوي‮ ‬العرض‮ ‬– ليعلن رؤيته لزملائه البحارة عائدون لتوهم بالكنز،‮ ‬حيث رآهم من حجرة أعلي‮ ‬البيت‮ "‬كان قد أعدها علي‮ ‬شكل قمرة سفينة‮"‬،‮ ‬فيصعق نات ويؤمن محموما بوجود الكنز الذي‮ "‬حفظته علامة الصليب‮".‬
‮   ‬يموت الأب في‮ ‬نسخة أونيل علي‮ ‬خشبة المسرح متأثرا بحصوله علي‮ ‬الكنز وبيقينه بوجوده وبرؤيته لزملائه البحارة‮. ‬ويرث نات إيمان الأب بوجود كنز،‮ ‬لينتهي‮ ‬النص المسرحي‮ ‬عند إشارة نات أنه سيستمر في‮ ‬الإيمان بوجود الكنز بينما لا تؤمن سو‮. ‬ولكن أحمد صلاح ومعده إيهاب جابر قد‮ ‬غيرا هذه النهاية ليكتشف نات في‮ ‬النهاية‮ ‬– علي‮ ‬لسان سو‮ ‬– أن الأب متوفي‮ ‬منذ البداية،‮ ‬أي‮ ‬قبل بدأ دراما العرض المسرحي،‮ ‬كيف وقد تعاملت معه سو منذ برهة وتحدثت معه أمامنا؟‮! ‬لأن سو قدمت نفسها بعد دقائق أنها هي‮ ‬من تعلم موته منذ البداية‮!. ‬وبهذا‮ ‬يصبح كل ماحدث‮ (‬أحداث العرض المسرحي‮ ‬جميعها‮) ‬وهمًا في‮ ‬عقل نات كمريض نفسي‮! ‬ولكن لماذا؟‮! ‬فالسؤال المطروح هنا علي‮ ‬مبدعي‮ ‬العرض‮: ‬بماذا أفاد هذا التغيير علي‮ ‬مستوي‮ ‬مقولة العرض النهائية؟‮! ‬لقد تحطمت بذلك الدلالة الأساسية‮ "‬الحياة والموت من أجل الإيمان‮" ‬لتتحول إلي‮ ‬مجرد وهم في‮ ‬عقل نات،‮ ‬وذلك دون تفسير جديد واضح‮ ‬يقيم رؤية جديدة تشتبك مع مجتمع العرض‮ : "‬مصر‮ ‬2012 ‮". ‬فلم‮ ‬يبقي‮ ‬المخرج علي‮ ‬رؤية النص ليخاطب‮ ‬– مثلا‮ ‬– المسيحيين،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد إيمانهم حيث توجد علامة الصليب،‮ ‬ولم‮ ‬يغير الرمز المسيحي‮ ‬إلي‮ ‬رمز إسلامي‮ ‬ليخاطب المسلمين علي‮ ‬سبيل المثال،‮ ‬كما لم‮ ‬يبتكر رمزا ثالثا محايدا ليجعله رمزا للإيمان عامة بصرف النظر عن العقيدة‮!   ‬
‮   ‬عاني‮ ‬العرض من عدة قضايا أخري،‮ ‬مثل الدخول المبكر للأب الذي‮ ‬كسر تشوقنا وطول انتظارنا له لو كان لم‮ ‬يدخل سوي‮ ‬في‮ ‬المشهد الأخير كما هو في‮ ‬النص‮. ‬كذلك بدأت دراما العرض مباشرة دون أوفرتير كان له أن‮ ‬يضبط بوصلة تلقينا لرؤية بعينها،‮ ‬والأوفرتير ليس قاعدة وإنما كان هذا العرض في‮ ‬حاجة له‮. ‬وجاءت حركة الشخصيات‮ ‬غير مستنده لطبائعها الشخصية ومفتقدة لمراكز ارتكاز جمالية علي‮ ‬خشبة المسرح‮. ‬كما عانت السينوجرافيا من فوضي‮ ‬– قد تكون نتيجة لفقر الإمكانيات‮ ‬– حيث تحولت‮ "‬القمرة‮" ‬إلي‮ ‬سلويت،‮ ‬وتحول النظر من خلالها لرؤية قدوم البحارة إلي‮ ‬نظر من خلال كالوس آخر في‮ ‬اتجاه مغاير‮! ‬وأخيرا،‮ ‬كانت قضية اللغة العربية التي‮ ‬ذبحت في‮ ‬هذا العرض‮.‬
‮   ‬إن كانت الدلالة الرئيسة قد تغيرت تغيرا مجانيا،‮ ‬وشاب العرض بعض القصور،‮ ‬إلا أن هذا لا‮ ‬ينفي‮ ‬وجود إجادة في‮ ‬عنصر التمثيل‮ ‬– كما أشرت‮ ‬– ووجود فرقة من المبدعين الحقيقين ممن سيمثلون إضافة مهمة للمسرح المصري‮ ‬بعد جهد من التدريب والقراءة‮.

‮  ‬محمد رفعت‮ ‬يونس  ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: حيث وضعت علامة الصليب
  • جهة الانتاج: فرقة مستقلة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: يوجين أونيل
  • إخراج: أحمد صلاح
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here