اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

في‮ ‬المهرجان الدولي‮ ‬لمسرح الشارع شتاء الغضب العربي‮ ‬يعاود زلزلة الأرض

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

    عندما‮ ‬يعود المسرح إلي‮ ‬شارعه‮ ‬،‮ ‬يعود الشارع إليه‮ ‬،‮ ‬وهو أمر بديهي‮ ‬،‮ ‬فالعلاقة بينهما تبادلية وتفاعلية‮ ‬،‮ ‬فقد تفجر حضور المسرح عبر التاريخ في‮ ‬الشارع‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬اغتالته المعابد زمنا‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أرض الفراعين وفي‮ ‬أوربا العصور المظلمة والعالم العربي‮ ‬لقرون طويلة‮ ‬،‮ ‬وما أن عاد للشارع بفرقه الجوالة وعروضه الصاخبة في‮ ‬عصور النهضة الحقيقية‮ ‬،‮ ‬مستخدما فنون الرقص والغناء وألعاب الاكروبات وسلاطة لسان المهرجين الساخرين من أوضاع مجتمعاتهم‮  ‬،‮ ‬حتي‮ ‬عادت السلطات لحبسه داخل دور العرض المغلقة‮ ‬،‮ ‬وقلمت الأجهزة الرقابية أظافره‮ ‬،‮ ‬ووجهت النخب الثقافية تياراته الثورية نحو صفوة متعالية علي‮ ‬جماهيرها‮ ‬،‮ ‬فصار تجريديا وتجريبيا وملغزا،‮ ‬فهجر صالاته حتي‮ ‬جمهوره المنتخب هذا‮ ‬،‮ ‬بعد أن عجزت فضاءته عن تقديم ما‮ ‬يمتع وجدان مجتمعها ويمس قلبه ويثري‮ ‬معرفته بالعالم‮ ‬0
    ومع هذه العودة من المسرح للشارع‮ ‬،‮ ‬يعود الشارع إليه بهمومه وقضاياه وبساطة لغته‮ ‬،‮ ‬عبر ممثليه ونشطائه وحكاياته اليومية الممسرحة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬قد لا تعيش‮ ‬غير‮ ‬يومها‮ ‬،‮ ‬لكنها تلامس العصب العاري‮ ‬،‮ ‬ملبية احتياجا من الشارع لتحويل مناقشات المقهي‮ ‬والبيت والنادي‮ ‬وبرامج التوك شو إلي‮ ‬حوارات عامة في‮ ‬صورة فنية في‮ ‬الشارع‮ ‬،‮ ‬وصادمة في‮ ‬ذات الوقت أفق توقعاته لتحريضه علي‮ ‬الحركة لتغيير نهايات الحكايات المقدمة لأفعال فعلية علي‮ ‬أرض الواقع‮ ‬،‮ ‬دون أن تنسي‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يجب ألا تنسي‮ ‬،‮ ‬أن المسرح قد تطور عبر تاريخه الطويل‮ ‬،‮ ‬وصار فنا له معاييره وقواعده‮ ‬،‮ ‬فلم‮ ‬يعد مجرد فرجة علي‮ ‬تشخيص متقن وهازل‮ ‬،‮ ‬بل أضحي‮ ‬فنا‮ ‬يجمع في‮ ‬عروضه فنونا سابقة عليه وأخري‮ ‬لاحقة له‮ ‬،‮ ‬وأمسي‮ ‬بناء جماليا‮ ‬يعرف قيمة الحدث والتطور والشخصية والخاتمة المنطقية الحاسمة‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يجعل لمسرح الشارع حضورا موازيا لمسارح دور العرض‮ ‬،‮ ‬وليس بديلا عنها‮ ‬،‮ ‬ينتزع منها سخونة المواجهة‮ ‬،‮ ‬ويترك لها عميق التحليل والتفسير‮ ‬0
    من هنا كان لابد وأن‮ ‬يعود مسرح الشارع في‮ ‬مصر قبل ثورته الأخيرة‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يشاركها في‮ ‬شتاء الغضب العربي‮ ‬فعل زلزلة النظام وإسقاطه‮ ‬،‮ ‬محققا قبلها حضورا ملموسا‮ ‬،‮ ‬وساعيا بعدها للاستمرار بهدف الكشف عن الأخطاء التي‮ ‬قد تودي‮ ‬بها وتحرفها عن مسارها المنشود‮ ‬0 ومن هنا أيضا جاءت مشاركة فرقة مصرية صغيرة‮ ‬،‮ ‬من بسطاء مدينة السويس‮ ‬،‮ ‬بالدورة الثالثة للمهرجان الدولي‮ ‬لمسرح الشارع ببلدة‮ (‬دربندخان‮) ‬التابعة كمركز قضاء لمحافظة‮ (‬السليمانية‮) ‬بإقليم كردستان العراق‮ ‬،‮ ‬والقريبة من الحدود الإيرانية‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يشرف عليه السيد‮ "‬عباس عبد الرزاق‮" ‬مدير دائرة الثقافة والفنون في‮ ‬السليمانية‮ ‬،‮ ‬والسيد‮ "‬حسن محمد صالح‮" ‬مدير الثقافة بدربندخان‮ ‬،‮ ‬والسيد‮ "‬سردار تقي‮ ‬محمد‮" ‬قائمقام قضاء دربندخان‮ ‬،‮ ‬وذلك مشاركة ل‮ ‬18 فرقة مسرحية‮ ‬،‮ ‬ثلاثة من ألمانيا وإيران وبولندا‮ ‬،‮ ‬وكانت هناك فرقة تركية أعجزتها ظروفها الخاصة عن المشاركة‮ ‬،‮ ‬و‮ ‬15 فرقة عراقية قادمة أغلبها من شماله‮ ‬،‮ ‬ولذلك‮ ‬يتحدث معظمها باللغة الكردية‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬لغة المهرجان والإقليم كله‮ ‬،‮ ‬وذلك احتفاء بحضور المسرح في‮ ‬حديقة البلدة وشوارعها المحيطة بها‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬التعبير بوجهات نظر متعددة لواقع الحياة في‮ ‬كل مجتمع قادمة منه هذه العروض‮ ‬0  
رجل الآلات
    شاركت كلا من فرقتي‮ (‬ميتانويا للمايم‮) ‬البولندية و(ميتروكوليس‮) ‬الألمانية برصيدهما في‮ ‬فني‮ ‬المايم والدمي‮ ‬،‮ ‬فقدمت الأولي‮ ‬عرضا إيمائيا بعنوان‮ (‬وجوه الحب‮) ‬،‮ ‬واستخدمت الثانية دميتين ضخمتين متحركتين بالعصي‮ ‬في‮ ‬حفل افتتاح المهرجان صباحا‮ ‬،‮ ‬فمنحته مذاقا خاصا‮ ‬،‮ ‬برقص الدمي‮ ‬الألمانية علي‮ ‬أنغام الأغاني‮ ‬الكردية‮ ‬،‮ ‬ثم شاركت بعرضها‮ (‬رجل الآلات‮) ‬،‮ ‬والمعتمد علي‮ ‬قدرة الممثل البشري‮ ‬علي‮ ‬محاكاة الآلة في‮ ‬حركتها‮ ‬،‮ ‬وعلي‮ ‬التعامل مع البالونات المنفوخة بصورة مضحكة‮ ‬،‮ ‬مع فصول مما هو معروف من رصيد مسرح المايم وبخاصة في‮ ‬تعامل الممثل مع حوائط‮ ‬غير مرئية وأدوات‮ ‬غائبة‮ ‬يكشف عن مهاراته كممثل محترف‮ ‬0
    وشارك الفريق المصري‮ ‬،‮ ‬القادم من مدينة السويس‮ ‬،‮ ‬والمكون من صاحب الفرقة وصائغ‮ ‬عروضها‮ "‬محمد الجنايني‮" ‬وزميليه‮ "‬محمد شومان‮" ‬وإسلام حسين‮" ‬،‮ ‬بتقديم عرض بعنوان‮ (‬ملامحنا‮) ‬تأليف‮ "‬أحمد أبو سمرة‮" ‬،‮ ‬ترتدي‮ ‬فيه الشخصيات بصورة ثابتة زيا واحدا ومشتركا‮ ‬يحمل ألوان العلم المصري‮ ‬،‮ ‬وأن بدأت العرض بالممثل‮ "‬شومان‮" ‬ينقر علي‮ ‬الدف بالجلباب البلدي‮ ‬،‮ ‬والممثل‮ "‬إسلام‮" ‬في‮ ‬زي‮ ‬المهرج جاذب الأطفال بحركاته البهلوانية‮ ‬،‮ ‬وكذلك ظهور لزي‮ ‬نسائي‮ ‬استخدمه الممثل‮ "‬الجنايني‮" ‬في‮ ‬تشخيصه لدور الفتاة الغائبة لظروفها الخاصة عن العرض بالمهرجان‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬لا‮ ‬يحمل العرض وجهة نظر ذكورية فقط‮ ‬،‮ ‬فللفتاة المصرية مشاركتها الفاعلة في‮ ‬شتاء الغضب العربي‮ ‬عامة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬ثورة‮ ‬25 يناير المصرية خاصة‮ ‬،‮ ‬وعمل العرض المتحرك داخل دائرة صنعها ممثليه لتحكم فضاءهم المسرحي‮ ‬علي‮ ‬تقديم رؤية الفريق الشاب الذي‮ ‬شارك في‮ ‬ثورة‮ ‬25 يناير وما تلاها من أحداث‮ ‬،‮ ‬معتمدا علي‮ ‬إعادة الوقائع التي‮ ‬حدثت ملونة برؤيته‮ ‬،‮ ‬ومستخدما الأغاني‮ ‬الشعبية الخاصة بمدن قناة السوس‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تصاحبها آلة الدف الجاذبة للجمهور والمؤثرة في‮ ‬وجدانه‮ ‬،‮ ‬ليعيد زلزلة الأرض‮ ‬،‮ ‬وينهي‮ ‬عمله بصرخة ألم لما وصلت إليه ثورة شبابية شعبية‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يقف طموحها عند حد إسقاط النظام فقط‮ ‬،‮ ‬بل العمل علي‮ ‬تغييره لما هو أفضل‮ ‬،‮ ‬وميزة هذا العرض وفريقه أنهما لا‮ ‬يتفلسفان‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬يعبران ببساطة عن هموم المواطن البسيط مثلهما‮ ‬،‮ ‬ويقدمان أحلام الشرائح الدنيا التي‮ ‬دعمت فعل الثورة‮ ‬،‮ ‬ولم تجن‮ ‬غير الحصرم واغتيال الحلم‮ ‬0
تنازع القوميات والثقافات
    يضم إقليم كردستان العراقي‮ ‬ذو الحكم الذاتي‮ ‬،‮ ‬ثلاثة محافظات تسكنها أغلبية كردية‮ ‬،‮ ‬هي‮ (‬أربيل‮) ‬أكبر المدن وعاصمة الإقليم الاقتصادية‮ ‬،‮ ‬و(السليمانية‮) ‬عاصمته الثقافية‮ ‬،‮ ‬و(دهوق‮) ‬المشهورة بموقعها السياحي‮ ‬،‮ ‬ويتم التنازع علي‮ ‬محافظة‮ (‬كركوك‮) ‬النفطية والتي‮ ‬تضم عربا وأكرادا وتوركمان‮ ‬،‮ ‬ومن هذه الأخيرة جاء عرض‮ (‬الخاسرون‮) ‬،‮ ‬فكرة وإعداد وإخراج‮ "‬كوسرت عبد الرحمن‮" ‬،‮ ‬ومن إنتاج مديرية ثقافة كركوك‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يدور حول رجل‮ ‬يصل لمكان بالشارع‮ ‬،‮ ‬جارا حقيبة‮ ‬،‮ ‬يتركها منشغلا بالحديث بالتليفون حتي‮ ‬يختفي‮ ‬عن الأنظار‮ ‬،‮ ‬فتصير الحقيبة مثيرة لكل المارين بالشارع‮ ‬،‮ ‬ويبدأ التساؤل عما تحتويه بداخلها‮ ‬،‮ ‬ويبدأ أحد الممثلين بسؤال الجمهور عما بداخلها‮ ‬،‮ ‬ويوزع أوراقا لكتابة ما‮ ‬يخمنون وجوده بها‮ ‬،‮ ‬وحين تتعدد الآراء‮ ‬،‮ ‬تفتح الحقيبة لنجد بداخلها أوراقا تسجل حوادث حدثت بالمدينة في‮ ‬يومين محددين‮ ‬،‮ ‬كانفجار عبوات ناسفة‮ ‬،‮ ‬والعثور علي‮ ‬أسلحة مجهولة المصدر‮ ‬،‮ ‬واغتيالات هنا وهناك‮ ‬،‮  ‬ويصبح الشارع وسكانه من الخاسرين في‮ ‬هذه العمليات الأرهابية التي‮ ‬تحركها أيدة‮ ‬غاشمة‮ ‬0   
     ومن مدينة كفري‮ ‬بمحافظة كركوك أيضا جأء العرض الأكثر جدلا‮ ‬،‮ ‬والمعنون ب‮ (‬البيت الساخن‮) ‬،‮ ‬وتتحدث شخصياته الرئيسة الثلاث باللغات العربية والكردية والتوركمانية‮ ‬،‮ ‬لتمثل كل شخصية وجهة نظر الشريحة العرقية واللغوية العائشة داخل المحافظة‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يتحدث الراوي‮ ‬وسارد الأحداث والمعلق عليها اللغة الكردية‮ ‬،‮ ‬وينطلق الحدث الدرامي‮ ‬من محاولة رسم أحد الشباب لخريطة العراق وبداخلها إقليم كردستان المستقل‮ ‬،‮ ‬وبداخله المحافظات الثلاث المعترف بها‮ ‬،‮ ‬وحينما‮ ‬يبدأ في‮ ‬كتابة أسم كركوك‮ ‬يضطرب الجو‮ ‬،‮ ‬وتظهر شخصيات القوميات‮  ‬المتنازعة علي‮ ‬المحافظة‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تقدم كل واحد منها وجهة نظرها في‮ ‬كون المحافظة عربية أو كردية أو تركمانية‮ ‬،‮ ‬وتاريخ المكان وثقافته ولغته‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تنفجر فجأة عبوة ناسفة بيد الإرهاب المتحركة في‮ ‬كل مكان بالعراق‮ ‬،‮ ‬ويموت الثلاثة‮ ‬،‮ ‬ويربط الشاب الراصد للصراع أيديهم معا‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يدخل الخريطة طفل‮ ‬يكمل كتابة اسم المحافظة باللون الأحمر‮ ‬،‮ ‬لون الدم‮ ‬،‮ ‬ويقوم الطفل بتوزيع أعلام كردستان علي‮ ‬الحاضرين‮ ‬،‮ ‬ويحركهم ليحيطوا الموتي‮ ‬بالأعلام مؤكدين عي‮ ‬كردية المحافظة‮ ‬،‮ ‬وأن أخطأ الطفل فوضع الجمهور بأعلامه الكردية علي‮ ‬حدود العراق كلها‮  !!‬0   
    ومن داخل الإقليم أيضا‮ ‬يشارك فريق‮ (‬حلبجة‮) ‬بعرض‮ (‬الموت الآخر‮) ‬،‮ ‬ويستثمر فيه واقعة اعتداء نظام صدام الديكتاتوري‮ ‬السابق علي‮ ‬مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬صارت لبشاعتها كمذبحة إنسانية وقومية ذكري‮ ‬متجددة بعقل المجتمع الكردي‮ ‬،‮ ‬وأثرا ماثلا علي‮ ‬الأرض بمتحف‮ ‬يضم مقابر ورفات وصور المبادين في‮ ‬الهولوكست الكردي‮ ‬،‮ ‬كما ظلت قضية أساسية تعبر عنها الأفلام القليلة والعروض المسرحية التي‮ ‬لا تغيب المأساة أبدا عن فضاءاتها‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تحول نظام الطاغية صدام وجيشه المنفذ لأوامره متماهيا في‮ ‬صورة العربي‮ ‬المنتهك لحرمة الوطن الكردي‮ ‬،‮ ‬والمغتال لناسه‮ ‬،‮ ‬والمدمر لهويته‮ ‬،‮ ‬وقد قدم العرض مشهدا صريحا لاغتصاب عربي‮ ‬لفتاة كردية‮ ‬،‮ ‬ميتدعي‮ ‬من الذاكرة لتثبيته علي‮ ‬أرض الواقع‮ ‬،‮ ‬كما أدخل لساحة العرض أربعة نعوش‮ ‬،‮ ‬تحمل ثلاثة منها أجزاء متناثرة من الجسد الكردي‮ ‬،‮ ‬ويخرج من الرابع رجل شيعي‮ ‬،‮ ‬ليؤكد علي‮ ‬أنه عاني‮ ‬أيضا من هذا العربي‮ ‬المسلم السني‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬فرق علي‮ ‬أرض الوطن بين العربي‮ ‬السني‮ ‬والعربي‮ ‬الشيعي‮ ‬والكردي‮ ‬،‮ ‬رغم إيمان الثلاثة بالإسلام‮ ‬،‮ ‬لكنها الحقيقة الماثلة منذ سنوات علي‮ ‬أرض العراق‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تبرز برأسها اليوم في‮ ‬أكثر من بلد عربي‮ ‬،‮ ‬وتبدو مصر مرشحة لها0
قدمت فرقة مدينة‮ (‬رانية‮) ‬بالسليمانية عرضا خفيفا بعنوان‮ (‬أيها الإمبراطور الخامس‮) ‬،‮ ‬تمحور حول هروب شخص من مستشفي‮ ‬للأمراض العقلية فيما‮ ‬يبدو‮ ‬،‮ ‬ويأتي‮ ‬لدائرة العرض صاعدا إلي‮ ‬أعلي‮ ‬سلم‮ ‬،‮ ‬ميتقرا بأعلاه دون قدرة المطاردين له علي‮ ‬الوصول إليه‮ ‬،‮ ‬ومن إجل إنزاله‮ ‬يطالبونه بما‮ ‬يريد أن‮ ‬يحققوه له‮ ‬،‮ ‬فيطلب منصبا‮  ‬عاليا‮ ‬،‮ ‬يتدرج رفضه من الدني‮ ‬حتي‮ ‬منصب الإمبراطور فيقبله مهللا‮ ‬،‮ ‬ويهبط ليعودون به لمقر هروبه‮ ‬،‮ ‬
حوار الناس
    أما فرقة كربلاء المسرحية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬الفرقة العراقية الوحيدة القادمة من جنوب البلاد‮ ‬،‮ ‬والوحيدة لذلك المتحدث عرضها باللغة العربية‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬جانب مصر طبعا‮ ‬،‮ ‬ودون‮ ‬غض النظر عن تحدث شخصية واحدة في‮ ‬عرض كفري‮ ‬بالعربية‮ ‬،‮ ‬فقد قدمت بعرضها المتميز‮ (‬همس الرصيف‮) ‬مشكلة النظام الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬في‮ ‬العراق‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل الوطن العربي‮ ‬،‮ ‬حيث تدفع المدارس والجامعات سنويا بملايين العاطلين إلي‮ ‬الشارع‮ ‬،‮ ‬ليجلسوا علي‮ ‬الرصيف‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد دوره تأمين السائرين عليه جيئة وذهابا‮ ‬،‮ ‬بل صار موطنا لهؤلاء العاطلين الذين‮ ‬يحلمون بالعمل والزواج والاستقرار‮ ‬،‮ ‬ويصرخون في‮ ‬الواقع وداخل ساحة العرض المسرحي‮ ‬طالبين حقهم في‮ ‬الحياة الكريمة‮ ‬0
    يشكل الحوار مع الجمهور أحد أبرز دعائم مسرح الشارع‮ ‬،‮ ‬ويستخدمه الممثلون في‮ ‬جذب الجمهور والتشابك معه‮ ‬،‮ ‬وأحيانا استفزازه لإخراجه من حالة المشاهدة السلبية للعرض‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬حالة المشاركة فيه‮ ‬،‮ ‬وأن مازال حلم تدخل الجمهور في‮ ‬العرض إلي‮ ‬درجة تغيير مساره ونهايته أمرا بعيد المنال‮ ‬،‮ ‬لطبيعة الجمهور العربي‮ ‬وإدراكه لحقه في‮ ‬تغيير مسرحه وواقعه بالحوار البناء‮ ‬،‮ ‬ولطبيعة صناع العرض الذين مازالوا‮ ‬يعتقدون أنهم سلطة فوق سلطة الشارع‮ ‬،‮ ‬يحرضونه دون أن‮ ‬يرضخوا لآرائه‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬جزء من أزمة الفنان العربي‮ ‬المثقف مع مجتمعه‮ ‬0 وقد حرص العرض المصري‮ ‬علي‮ ‬التشابك مع جمهوره‮ ‬،‮ ‬رغم‮ ‬غيبة التواصل اللغوي‮ ‬،‮ ‬فغالبية الحضور‮ ‬،‮ ‬خاصة الأجيال الجديدة‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يتحدثون‮ ‬غير الكردية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬صارت لغة التعليم والدراسة والحياة في‮ ‬كردستان‮ ‬،‮ ‬ولذا كان الفريق المصري‮ ‬يختار من هم فوق الأربعين للحوار معهم‮ ‬،‮ ‬لمعرفتهم باللغة العربية‮ ‬،‮ ‬ودار الحوار دائما حول المفاهيم التي‮ ‬يطرحها العرض المصري‮ ‬،‮ ‬مثل الحرية والكرامة والثورية‮ ‬0 بينما خاطب عرض كركوك جمهوره الشاب باللغة الكردية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬استفتاء معروفه نتيجته حول كردية كركوك أم عروبتها أو تركمانيتها‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬حين لم‮ ‬يستطع ممثل الثقافتين الأخريين أن‮ ‬يستقطب هذا الجمهور الشاب‮ ‬،‮ ‬لعدم معرفته باللغتين المتحدثين بها‮ ‬0 ونجحت عروض أخري‮ ‬في‮ ‬استخدام الأغاني‮ ‬والأناشيد الكردية لدفع المشاهد التي‮ ‬يعرفها لمشاركتهم الغناء‮ ‬،‮ ‬وجذبت عروض الدمي‮ ‬أطفال المدارس المحيطين بالعروض‮ ‬،‮ ‬ونجح المهرجان في‮ ‬إحداث حالة من الحراك وسط المدينة‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يثير وعي‮ ‬المواطن العادي‮ ‬حول المسرح وأهميته في‮ ‬مجتمعه‮ ‬،‮ ‬وهو أمر شديد الأهمية اليوم‮ ‬،‮ ‬فالمسرح هو نتاج المجتمعات الديمقراطية‮ ‬،‮ ‬وهو معلم مجتمعه قيمة الحوار‮ ‬،‮ ‬واحترام الرأي‮ ‬الآخر‮ . 

 

‬د. حسن عطية

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية:
  • جهة الانتاج:
  • عام الانتاج: 2011
  • تأليف:
  • إخراج:
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here