اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

البيت .. المفعم بالأسئلة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 



العرض المسرحي‮ ( ‬البيت‮ ) ‬الذي‮ ‬تقدمه حاليا فرقة مسرح الغد من إعداد وإخراج سعيد سليمان لنص لوركا‮ ( ‬بيت برنارد ألبا‮) ‬،‮ ‬هو عرض في‮ ‬مجمله‮ ‬يحمل الكثير من الجماليات التي‮ ‬يستمتع بها المشاهد وخاصة الأداء التمثيلي‮ ‬الراقي‮ ‬من القديرات عزة بلبع وليلي‮ ‬جمال ومي‮ ‬رضا وعبير عادل‮    ‬وبدور وجيهان سرور ؛ بالإضافة للصاعدة الواعدة نورهان،‮ ‬بالاشتراك مع وفاء سليمان وأمل أبو رجيلة‮.‬
لكنك تخرج منه وأنت محمل بالكثير من الأسئلة ؛ البعض منها لا تجد له إجابة منطقية واضحة ؛ والبعض الآخر‮ ‬يحمل دلالاته التي‮ ‬ربما تأخذك لبعض الشك في‮ ‬محاولة الإمساك بكل الأشكال المسرحية بمختلف فروعها ووضعها بعمل واحد‮ ‬،‮ ‬ونحن لسنا ضد حرية الفنان في‮ ‬اختيار قالبه أ و شكله المسرحي‮  ‬؛ أو حتي‮ ‬حقه في‮ ‬ابتكار شكل ونهج خاصين به ؛ شريطة أن‮ ‬يكون نهجه كافيا لتقديم وجهة نظره بالشكل الجمالي‮ ‬الجيد مع التعبير في‮ ‬نفس الوقت عن الرسالة المرادة من العرض بطريقة لا تشكل لبسا في‮ ‬المفاهيم‮ .‬
فنص العرض‮ ‬يستعرض‮  ‬بعض مظاهر قمع أنوثة المرأة والآثار المترتبة علي‮ ‬ذلك‮ ‬،من خلال الأم وبناتها الأربع والجدة للأم أي‮ ‬والدة الأم نفسها ؛ فمن خلال مجتمع‮ ‬يجرم تعامل المرأة معه قبل زواجها ؛‮ ‬يكون الزواج في‮ ‬حد ذاته مرادفا للحياة ؛ ونتيجة انعدام خبرة الأخوات بالحياة وتمكن الجانب الغريزي‮ ‬منهن‮ ‬،‮ ‬تكون النتيجة أنهن كلهن‮ ‬يقعن في‮ ‬حب شخص واحد هو أوسم من في‮ ‬القرية ؛ ولكن هذا الوسيم‮ ‬يخطب الأخت‮ ‬غير الشقيقة طمعا في‮ ‬مالها ؛ ولكنه في‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يقيم علاقة‮ ‬غير شرعية مع الأخت الصغري‮ ‬؛ وعندما‮ ‬ينكشف الأمر وتشرع الأم في‮ ‬قتل هذا الخاطب الماجن ولكن رصاصاتها تخطئه ؛ تنهار الصغري‮ ‬بعد سماع الرصاصات وتوقن بأن حبيبها قتل،‮ ‬فتشنق نفسها قبل أن تعرف أن الرصاصات أخطأته ؛ ليدخل البيت في‮ ‬حزن متجدد ؛ فقد بدأ العرض وهن‮ ‬يتلقين العزاء في‮ ‬موت الزوج‮/ ‬الأب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬كان موته هو المحرك للحدث حيث إن الحالة أصبحت عدم وجود الرجل بأي‮ ‬شكل في‮ ‬هذا البيت‮. ‬يشير نص العرض أيضا،‮ ‬ولكن في‮ ‬عجالة سريعة،‮ ‬لقضية خطيرة في‮ ‬هذه المجتمعات ؛ لم‮ ‬يوليها المعد القدر الكافي‮ ‬من الاهتمام‮  ‬،ألا وهي‮ ‬أن المرأة نفسها هي‮ ‬الحاملة والناقلة لكل العادات التي‮ ‬تقوم بالشكوي‮ ‬منها مستقبلا متمثلا في‮ ‬هذه الأم التي‮ ‬تحاول منع الغريزة أن تقوم بعملها من ناحية ومن ناحية أخري‮ ‬تقيم وزنا لعادات المجتمع بأكثر مما‮ ‬يتطلبه هذا المجتمع ذاته‮ ‬, وبموت الفتاة الصغري‮ ‬يكون الأمل في‮ ‬التغيير قد تبخر علي‮ ‬المستوي‮ ‬المستقبلي‮ ‬؛ فبرغم أنها‮  ‬الصغري‮ ‬إلا أنها كانت الوحيدة التي‮ ‬قامت بالتصدي‮ ‬لرغبات وأوامر الأم وأوشكت أن تدخل معها في‮ ‬عراك ؛ ليبق هناك صوت واحد داع للخروج من هذا الأسر متمثلا في‮ ‬الجدة التي‮ ‬قدمت علي‮ ‬أنها تعيش مرحلة مراهقتها المتأخرة وتريد زوجا وتدعو له ؛ لتمارس عليها الأم تسلطها هي‮ ‬الأخري‮ ‬ولكن وضعها كمختلة كان‮ ‬يسمح لها بالبوح بشكل أكثر ؛ وفي‮ ‬نفس الوقت وجودها في‮ ‬النهاية‮ ‬يقدم لنا الشكل المستقبلي‮ ‬؛ وكيف أن الوضع‮ ‬ينحدر بالمرأة أكثر فالجدة قد تزوجت وأنجبت الأم‮ ‬،والأم نفسها قد حظيت بزوجين ؛ أما البنات الثلاث المتبقيات والتي‮ ‬تعدت الكبري‮ ‬منهن العقد الثالث من العمر بعد فترة الحداد الواجبة ربما سيكون عليهن قضاء بقية العمر وهن في‮ ‬نفس الحلم‮ / ‬الاقتران برجل دون أن‮ ‬يتحقق‮ .‬
ولكن التعامل مع نص العرض بدون حكم منا علي‮ ‬ما اسماه المخرج بالإعداد ؛‮ ‬يستوجب الكثير من الأسئلة كما قلنا سابقا‮ . ‬ومنها‮  ‬ما الداعي‮ ‬لخلط العامية بالفصحي‮ ‬في‮ ‬هذا العرض؟ مع عدم وجود نسق خاص لاستعمال كل منهما ؛ ففي‮ ‬البداية كنا نظن أن الفصحي‮ ‬ستقتصر علي‮ ‬مناطق البوح العام‮  ‬أو المناجاة الداخلية التي‮ ‬أراد لها المعد أن تقترب من اللغة الشعرية وأن العامية ستقتصر علي‮ ‬حوار الشخصيات مع بعضها البعض ؛ ولكن بعد قليل لم‮ ‬يكن لهذا الأمر أثر وأصبحت المواقف المتشابهة تحمل الاستخدامين معا وربما أيضا الموقف الواحد دون أن تكون هناك ضرورة أو وظيفة استدلالية لهذا الاستخدام من وجهة نظري‮ ‬المتواضعة‮ .‬
ثانيا الحيز الذي‮ ‬اختاره المخرج لتقام عليه فعاليات العرض نفسه ؛ والمناخ العام له‮ . ‬ففي‮ ‬البداية ومن لحظة دخولنا لقاعة العرض كانت النسوة‮ ‬يقفن كمن‮ ‬يتلقي‮ ‬العزاء في‮ ‬ليلة وفاة الأب ليجلس الجمهور‮ / ‬المعزون في‮ ‬أضلاع ثلاثة محيطة بمربع من ثلاث جهات والضلع الرابع كان معتما ؛ فتوهمنا أن العرض سيكون في‮ ‬هذه المساحة المريعة التي‮ ‬احتلت حيزا كبيرا من المكان ؛ ولكن بعد قليل‮ ‬يرتفع ما‮ ‬يشبه الستار ليعلن عن استخدام المخرج للمنصة الموجودة والمعدة لتشكل خشبة مسرح عادية ؛ حيث نري‮ ‬المنزل من الداخل وقد صوره صبحي‮ ‬عبد الجواد مهندس الديكور بصورة آيلة للسقوط بل وربما التلاشي‮ ‬من خلال الكآبة والسقف المتآكل الذي‮ ‬يوشك أن‮ ‬ينقض علي‮ ‬المنزل ؛ ولم تكن هناك وظيفة أخري‮ ‬للديكور‮ ‬غير هذه الإشارة ؛ ثم استخدام الزجاج الموجود في‮ ‬الجزء الأيمن ليبين لنا من ورائه عملية شنق الفتاة الصغري‮ ‬لنفسها‮. ‬مع أنه شغل الحيز الأكبر من المنصة‮. ‬فهل هذه الدلالة كانت الشغل الشاغل للمخرج والمصمم معا ؟ مع أن نص العرض‮ ‬يحمل أكثر منها ربما؟ ومع البدايات للكشف عن هذه المنصة أدركنا أن الجزء المكون للمنزل هو المخصص للحوار والأحداث الدرامية القائمة بين العائلة وأعضائها أما الساحة المربعة المفترض أنها موجودة أمام المنزل فهي‮ ‬مخصصة لما‮ ‬يدور خارج هذه الجدران وهذا شيء مقبول بل وجيد ؛ ولكن بمرور الوقت انزاح هذا الفاصل وأصبحت المساحة أمام المنزل تموج بما هو شديد الخصوصية ودخلت بعض المواقف العامة لحيز المنصة‮! ‬وأعطتنا هذه التعاملات شكا بأن هذا التعامل المكاني‮ ‬مع القاعة ربما كان الغرض الأساسي‮ ‬منه هو تقليل المساحة المتبقية للجمهور‮ ‬،‮ ‬لأنه بإعادة النظر ولو قليلا سنجد أنه كان‮ ‬يكفي‮ ‬المنصة ومساحة صغيرة أمامها تمثل ما هو خارج المنزل لتقديم نفس العرض بنفس خطوط حركته وبنفس مدلولاته خاصة أن الشخصيات المتدخلة دراميا من الخارج كانت الجارتان فقط ؟ ولكن للحق‮ ‬يقال فإن المخرج ربما فكر في‮ ‬هذه الناحية فقرر أن‮ ‬يكون المتواجد دراميا خارج نطاق المنزل ليس الجارتان فقط وإنما الجمهور ككل،‮ ‬فرسم خطوطًا حركية وأدائية تتعامل مع هذا الجمهور؛ علي‮ ‬افتراض أنه جمهور من المعزين كما قلنا سابقا‮ . ‬ولكن هل فاته أننا،‮ ‬أي‮ ‬الجمهور‮ / ‬المعزون،‮ ‬محدد مكاننا سلفا ليس مسموح لنا بالتواجد داخل منطقته المربعة تلك ؟وأنه كان‮ ‬يمكن له نفس التعامل معنا لو كانت المساحة المخصصة لنا أكبر قليلا واختصر منطقة ما أمام المنزل ؟‮. ‬حتي‮ ‬التعامل مع الجمهور والذي‮ ‬شرع في‮ ‬بعض الأحيان لاستدرار الكوميديا علي‮ ‬غير المطلوب ؛ ربما‮ ‬يكون عليه ما عليه‮ . ‬فلو تعامل معنا كجمهور مشاهدين ؛‮ ‬يكون الأداء به بعض الشيء ؛ فلم‮ ‬يكن هناك تمثيل للشخصيات التي‮ ‬تتحاور معنا ولم‮ ‬يتحاور معنا لا الممثلون بأنفسهم ولا الشخصيات التي‮ ‬يمثلونها ؛ وإنما هي‮ ‬الشخصيات ذاتها التي‮ ‬كانت أمامنا بكل بكائها وأدائها الاندماجي‮ ‬التام‮. ‬ولو تعامل معنا كشخصيات داخلة في‮ ‬الحيز الدرامي‮ / ‬المعزون ؛ لكان للمنطق الدرامي‮ ‬دوره هنا ؛ وهو‮ ‬يحتم أن تتدخل الأم لتمنع الأم بناتها وأمها من الحديث مع الأغراب عن البيت ؛ وقبله كانت ستمنعهن من الحديث أمامنا عن الخصوصيات‮.‬
أما المشاهد الخاصة بالتجرد من الملابس الخارجية ففي‮ ‬ظني‮ ‬أن مراده الأول هو دعائي‮ ‬وتجاري‮ ‬بحت‮ . ‬ولكن هناك مردودًا وجيهًا بأن هذه المشاهد هي‮ ‬حتمية لحلم الفتيات بالغريزة وتمكن الحالة الأنثوية المكبوتة منهن‮ ‬،‮ ‬خاصة أن المخرج قد تعامل مع هذه المشاهد في‮ ‬حيز المنصة‮ / ‬المنزل من الداخل‮. ‬وهو اعتراض وجيه بالطبع ولكن لو كان هذا التجرد علي‮ ‬المستوي‮ ‬الواقعي‮ ‬فإن مكانه‮ ‬يكون داخل الغرف الخاصة التي‮ ‬لم‮ ‬يخلق لها المعد أي‮ ‬مساحة وجود في‮ ‬الفعل الدرامي‮ . ‬إذن التعامل المقبول مع هذا الأمر سيكون من جانب التمني‮ ‬أو الحلم أو التذكر لما تم في‮ ‬غرفة خاصة ؛ وهذا التعامل‮ ‬يحتم أن‮ ‬يكون ليس آنيا وإنما مسترجعا أو مستجلبا ؛ وهذا التوظيف له أدواته الإخراجية المختلفة والتي‮ ‬يتمكن منها المخرج بالطبع‮ . ‬ولكننا فوجئنا بتعامل آني‮ ‬يتعارض مع الخطوط الدرامية للشخصيات ذاتها وخاصة شخصية الأم ؛ ففي‮ ‬المشهد الذي‮ ‬جمع كل الفتيات علي‮ ‬هذا النحو ودخلت عليهن الأم‮ ‬،‮ ‬وجدناهن وهن‮ ‬يحاولن ارتداء ملابسهن الخارجية أمامها علي‮ ‬عجل وارتباك‮ ‬،‮ ‬دون أن‮ ‬يكون هناك أي‮ ‬رد فعل من الأم تجاه هذه الحالة التي‮ ‬تتعارض مع أوامرها وحالة الحداد المعلنة؛ بل والصورة التي‮ ‬وضعتها أمام عينيها لبناته خاصة وأن شخصية الأم كما قدمت لنا لا تسمح لها بأن تتجاوز عن أمر كهذا ولو للحظة‮. ‬إذا فالسؤال‮ ‬يكون هل ما حدث هو سوء تنفيذ ليس إلا؟ أم أن هناك بعدا آخر؟
ولا نريد أن نغفل استخدام المخرج للراوي‮ ‬بوجهة نظر جيدة في‮ ‬اعتقادي‮ ‬؛ فقد استعاض عن الراوي‮ ‬المتحدث بالراوي‮ ‬العازف المتمثل في‮ ‬رشا‮ ‬يحيي‮ ‬عازفة الكمان ؛فهي‮ ‬كانت تنقل لنا الحالة التي‮ ‬عليها المشهد من خلال عزفها للجملة اللحنية الواحدة بتنويعات مختلفة

 

مجدي‮ ‬الحمزاوي

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: البيت " عن بيت برنارد إلبا"
  • جهة الانتاج: فرقة مسرج الغد - بيت المسرح - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: غارثيا لوركا
  • إخراج: سعيد سليمان
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here