اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‬طقوس المدينة‮ ‬ متلازمة تحول الضحية إلي‮ ‬جلاد

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 



يبدو عرض طقوس المدينة نموذجًا للبناء الشكلي‮ ‬المكثف للمسرحية والذي‮ ‬ينسحب علي‮ ‬بناء درامي‮ ‬معقد‮ ‬ينحو باتجاه التجريد لكنه لا‮ ‬يتورط في‮ ‬السوريالية وإنما‮ ‬يحافظ علي‮ ‬الخط الذهني‮ ‬الذي‮ ‬يجعل الأشياء قابلة للتأويل بناء علي‮ ‬نوافذ فكرية تفتح من آن لآخر وتمنح المتلقي‮ ‬خيطا من الضوء ليسعي‮ ‬ورائه متلمسا انعاكس ذاته داخل النص وانعاكس النص علي‮ ‬ذاته في‮ ‬الوقت نفسه‮.‬
ظاهريا تبدو الوحدات الآرسطية الثلاث ملموسة منذ الإضاءة الأولي‮ ‬للخشبة‮ ‬،‮ ‬ وحدة المكان المتمثل في‮ ‬شقة المخرج والممثلة ووحدة الزمن المتمثل في‮ ‬يوم كامل منذ استيقاظ المخرج وعودة زوجته من الخارج حتي‮ ‬استقبالهم للضيف/الضحية في‮ ‬المساء علي‮ ‬العشاء‮ ‬،‮ ‬ ووحدة الموضوع المتمثل في‮ ‬فكرة القهر التي‮ ‬يمكن تفسيرها نفسيا بمصطلح"متلازمة ستوكهولم"اي‮ ‬توحد الضحية مع الجلاد‮. ‬فالممثلة التي‮ ‬تعاني‮ ‬منذ الصباح من قهر زوجها المخرج علي‮ ‬المستوي‮ ‬النفسي‮ ‬والذهني‮ ‬والبدني‮ ‬كضحية تتحول بدورها في‮ ‬المساء إلي‮ ‬جلاد‮ ‬يمارس هذا القهر علي‮ ‬ضحية جديدة هي‮ ‬المصور الكهل الذي‮ ‬استدرجوه في‮ ‬براءة لتناول العشاء وكسر روحه في‮ ‬النهاية‮. ‬
هذه الوحدات الثلاث سوف‮ ‬يتم كسرها أكثر من مرة خلال العرض عبر استخدام أساليب مختلفة أولها علي‮ ‬مستوي‮ ‬المكان استحضار تهويمات المخرج والممثلة من خلال أربعة ممثلين آخرين‮ ‬يجسدون الانتقال الخيالي‮ ‬لمواقف أشبه بالتدريبات النفسية علي‮ ‬القهر التي‮ ‬يمارسها المخرج مع زوجته الممثلة‮ ‬،‮ ‬فالمخرج‮ ‬يعيد استخدام مشاهد من مسرحية أنتيجون لكسر روح زوجته عبر تحطيم أية مقارنة لها بشخصية أنتيجون في‮ ‬مسرحية سوفوكليس الشهيرة‮.‬
ثانيها كسر وحدة الزمان بانتقالات أشبه بالفلاش باك السينمائي‮ ‬للوقوف علي‮ ‬أصول فكرة القهر المتجذرة في‮ ‬نفسية الممثلة منذ الطفولة وعبر المراهقة والشباب‮.‬
ولكننا‮ ‬يجب أن نتوقف قليلا أمام استحضار شخصية أنتيجون، فأنتيجون اكتسبت اسمها من الأصل اليوناني‮ ‬الذي‮ ‬يعني‮ ‬لا تزعزع أو لا إنحناء وهو نفس الموقف الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬ثبتت عليه الشخصية الدرامية الشهيرة أمام الملك كريون عندما ارادت ان تدفن جثة أخيها الخائن وانتحرت في‮ ‬النهاية مخلصة نفسها من أسر عبودية نفسية وروحية وتحقيقا لذاتها دون خضوع‮.‬
اختيار هذه الشخصية لتحقيق تماهي‮ ‬متضاد معها اختيار شديد الذكاء من قبل النص‮ ‬،‮ ‬ فالمخرج/الزوج رمز سلطة القهر الناعمة‮ ‬يترك زوجته/الممثلة تتماهي‮ ‬مع أنتيجون في‮ ‬مشاهد تمثيلية بتكنيك المسرحية داخل مسرحية‮ ‬،‮ ‬ وفي‮ ‬قمة تقمصها‮ ‬يهزمها بقوله إنها لا تصلح لأداء الشخصية كي‮ ‬يكسر روحها ويحطم أية مقاومة لها أمامه،‮ ‬ومن هنا تصبح دمية في‮ ‬يد ألعابه النفسية ضد ضيوفهما المسائيين الذين‮ ‬يستدرجهم المخرج ليتسلي‮ ‬هو وزوجته بتحطيم أرواحهم علي‮ ‬العشاء‮.‬
البناء الشكلي‮ ‬المكثف الذي‮ ‬تحدثنا عنه‮ ‬يكمن أساسا في‮ ‬تفاصيل الديكور الخاص بالشقة‮ ‬،‮ ‬ فهو مساحة ضيقة لكنها تحتوي‮ ‬زخما‮ ‬يكاد‮ ‬يكون لا نهائيا‮ ‬،‮ ‬ حقائب مفتوحة وشعورًا مستعارة وألبومات وصور وزجاجات وفراشًا‮ ‬،‮ ‬ إنه ديكور استعاري‮ ‬كامل لا‮ ‬يمت للواقع بصلة لكنه أيضا‮ ‬يجسد واقع الشخصيات الدرامي‮ ‬والنفسي‮ ‬بمنتهي‮ ‬القوة‮ ‬،‮ ‬ فالشقة تستعير هنا فكرة المدينة الجحيمية التي‮ ‬يعيش فيها المخرج والممثلة التي‮ ‬هي‮ ‬استعارة واضحة للحياة بأكملها وليس لمدينة بعينها‮ ‬،‮ ‬ ولكنها الحياة في‮ ‬المجتمعات الحديثة التي‮ ‬تعاني‮ ‬من خواء روحي‮ ‬وفراغ‮ ‬شعوري‮ ‬كامل نتيجة ذلك التآكل الوجداني‮ ‬الذي‮ ‬أصاب البشر وحولهم إلي‮ ‬ضحايا وجلادين في‮ ‬الوقت نفسه‮.‬
كان من الممكن أن‮ ‬يكتفي‮ ‬المخرج بهذا الزخم اللوني‮ ‬والتفاصيل العديدة للشقة دون أن‮ ‬يكون في‮ ‬حاجة لعناصر تمثيلية تجسد تهويمات المخرج والممثلة‮ ‬،‮ ‬ حيث بدت العناصر التمثيلية الثلاثة التي‮ ‬تجسد فلاش باك سينمائي‮ ‬لحديثهم عن السفر أو البرد أو لحظات السعادة المنتهية عبئا علي‮ ‬إيقاع العرض وذهن المتلقي،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬العنصر التمثيلي‮ ‬الذي‮ ‬يبدو كشبح‮ ‬يسكن معهم الشقة ويحرك الأشياء من مكانها أو‮ ‬يلقي‮ ‬لهم ما‮ ‬يبحثون عنه،‮ ‬لقد اضرت تلك العناصر التمثيلية بعملية الاحتباس النفسي‮ ‬والذهني‮ ‬والشعوري‮ ‬التي‮ ‬كانت تتصاعد ذروتها بين المخرج والممثلة قبل قدوم الضيف/الضحية المسائية‮.‬
ساعدت الملابس أيضا علي‮ ‬التأكيد علي‮ ‬فكرة المتلازمة النفسية حيث ارتدت الزوجة/الممثلة‮/ ‬الضحية فستانًا أبيض جعلها أشبه بحورية بحر جميلة بينما بدا الزوج‮/ ‬المخرج في‮ ‬قميصه الوردي‮ ‬أشبه بثعبان ناعم ومخنث لكنه شرير‮ ‬يتسرب إلي‮ ‬دمها وذكرياتها كي‮ ‬يلوث روحها ويقهرها‮.‬
وفي‮ ‬المساء عند قدوم الضحية تتغير الألوان حيث‮ ‬يرتدي‮ ‬المخرج جاكيت رمادي‮ ‬فوق القميص الوردي‮ ‬يمنحه مظهرا جادا وقويا‮ ‬يخفي‮ ‬حقيقته الشريرة بينما ترتدي‮ ‬الممثلة فستانًا بلون ساخن مكشوف كي‮ ‬تصبح طعما عاطفيا شهيا للمصور تجذبه بنارها اللونية والأنثوية إلي‮ ‬ان‮ ‬يسقط في‮ ‬الفخ ليتلذذوا بتناول روحه المحطمة علي‮ ‬العشاء‮.‬
ولا نغفل الإشارة إلي‮ ‬أن دعوة الضيف جاءت علي‮ ‬العشاء‮ - ‬وكأنه هو الوجبة نفسها‮ - ‬ولم تكن دعوة‮  ‬لشرب كأس أو مجرد زيارة‮ ‬،‮ ‬أن العشاء هنا‮ ‬يمثل استعارة لفكرة الصيد وتناول الضيف كوجبة‮.‬
عند قدوم الضيف تتراجع العناصر التمثيلية التي‮ ‬تجسد تهويمات المخرج والممثلة فيتسق الإيقاع وتستقيم الفكرة أكثر ويتجرد العرض من تداخل الأساليب ويلقي‮ ‬بكامل شحنته الذهنية والانفعالية علي‮ ‬قلب المتلقي‮ ‬وعقله دون ان‮ ‬يثقل عليه كما في‮ ‬البداية بتداخل الأساليب ومحاولة البحث عن تأويلات لتلك العناصر والتهاويم‮.‬
حتي‮ ‬عندما‮ ‬يحكي‮ ‬الضيف‮/ ‬المصور عن طبيعة عمله وكيف أنه‮ ‬يقوم بتصوير الزبائن كموتي‮ ‬وقتلي‮ ‬حسب رغبتهم‮ ‬يأتي‮ ‬الحكي‮ ‬معتمدا علي‮ ‬الأداء التمثيلي‮ ‬الجيد لشريف صبحي‮ ‬في‮ ‬دور المصور ومن قوة الكلمات وتصاعد الإنفعال الداخلي‮ ‬تتجسد لنا الصور دون أن نراها،‮ ‬وهي‮ ‬نقطة إيجابية تحسب لمخرج العرض،‮ ‬فلو أنه جعل العناصر التمثيلية تقوم بدور القتلي‮ ‬في‮ ‬الصور لأفسد حالة الخيال الحر المرعب التي‮ ‬ارتسمت في‮ ‬أذهاننا كمتلقين انطلاقا من المونولج والانفعال التمثيلي‮ ‬للشخصية‮.‬
ونلاحظ أن مخرج العرض استطاع توظيف قاعة مسرح الشباب توظيفا محكما،‮ ‬أولا‮: ‬بجلوس الجمهور أمام الخشبة مباشرة كأنه جزء من الشقة‮/ ‬المدينة العجيبة وهو ما خلق توحدا مهما في‮ ‬مثل هذه العروض النفسية‮ ‬،‮ ‬ ثانيا‮: ‬اعتماده علي‮ ‬نبرة الصوت الطبيعية للممثلين دون استخدام الميكروفونات وهو أيضا عنصر هام للتوحد والشعور بالطبيعية والأستغراق في‮ ‬الحكاية كأننا نراها حية امامنا وليست ممثلة‮.‬
وكان علي‮ ‬الجمهور ان‮ ‬يلتزم الصمت الكامل ليسمع وهو صمت‮ ‬يمنح التركيز المطلوب حتي‮ ‬يتحول المتلقي‮ ‬في‮ ‬كرسيه إلي‮ ‬جزء من ديكور الشقة الصامت،‮ ‬كما أن التفاعل الحي‮ ‬الذي‮ ‬يحدث عند بعض ذري‮ ‬النص مثل التصفيق أو الضحك‮ ‬يبدو تعليق صوتي‮ ‬داخل إيقاع العرض أكثر منه كسرا للإيقاع أو عرقلة لزمن السرد والأحداث‮.‬
الممثلة الشابة رفيف هي‮ ‬اكتشاف حقيقي‮ ‬وكسب درامي‮ ‬وتمثيلي‮ ‬سواء علي‮ ‬مستوي‮ ‬قدرتها علي‮ ‬اسماع المتلقي‮ ‬صوت الانفعال الداخلي‮ ‬باستخدام الملامح ونبرة الصوت والتشكيل الجسدي‮ ‬دون مبالغة أوابتذال‮ ‬،‮ ‬ وعلي‮ ‬مستوي‮ ‬الجمال الشكلي‮ ‬الخام دون مساحيق‮ ‬،‮ ‬ وذلك رغم صعوبة الشخصية‮ ‬،‮ ‬ فهي‮ ‬تنتقل من شخصية لشخصية بسلاسة فنراها أنتيجون ونراها الممثلة ونراها الزوجة المقهورة‮ ‬،‮ ‬ ثم أنها محور التحول في‮ ‬المتلازمة النفسية من ضحية لجلاد إلي‮ ‬دمية في‮ ‬يد المخرج‮ ‬،‮ ‬ أنه أصعب أدوار العرض لأنه‮ ‬يحتوي‮ ‬علي‮ ‬الانفعال ونقيضه‮ ‬،‮ ‬الانسحاق والسادية،‮ ‬النزف والطعن في‮ ‬وقت واحد‮.‬
أشرف فاروق اختيار موفق في‮ ‬شخصية المخرج الثعباني‮ ‬الشرير،‮ ‬ لقد أمسك بزمام الشخصية التي‮ ‬تقف علي‮ ‬الشعرة الفاصلة بين التخنث والدياثة المموهة‮ ‬،‮ ‬ فشخصية المخرج هي‮ ‬نموذج للجلاد الحداثي‮ ‬بلا عنف ولا دم‮ ‬،‮ ‬ أنه‮ ‬يستخدم التخنث للسيطرة علي‮ ‬زوجته بأشعارها أنه‮ ‬يحتاج إليها طوال الوقت ويستخدم الدياثة لطمئنة الضحية التي‮ ‬تستقطبها الزوجة عاطفيا لتدمير روحها،‮ ‬ولكنه في‮ ‬الحقيقة شيطان من شياطين المدينة نراه في‮ ‬المشهد الأخير وهو‮ ‬يوسوس للممثلة في‮ ‬تلقين أشبه بالسحر أو إلقاء التعاويذ‮.‬
شريف صبحي‮ ‬يثبت أنه أحد ممثلي‮ ‬السيكودراما القلائل أصحاب القدرة علي‮ ‬التقمص للشخصيات السيكوباتية دون هستيرية في‮ ‬الأداء،‮ ‬أنه‮ ‬يطوع وجهه ونظراته حسبما تتألم الشخصية من داخلها كما أن قدرته علي‮ ‬كرمشة صوته أو تنقية نبراته‮ ‬،‮ ‬ تحول المتلقي‮ ‬من حال لحال مع انتقال الشخصية من فكرة لأخري‮ ‬ومن انفعال لأخر داخل نفسيتها المضطربة‮.‬
تبقي‮ ‬الإشارة إلي‮ ‬أن عنوان طقوس المدينة‮ ‬يأتي‮ ‬معبرا عن حالة النص وفكرته بشكل جيد فنحن أمام حالة طقسية طوال الوقت بداية من التمارين التمثيلية التي‮ ‬يمارسها المخرج لقهر زوجته الممثلة وصولا لعملية هتك روح الضحية في‮ ‬المساء،‮ ‬إنها طقوس المدنية الحديثة التي‮ ‬جردت الإنسان من أساطير الإرادة الحرة والبراءة المزيفة وكشفت ميوله للتوحش رغم ارتدائه بدلة أنيقة أو فستان سهرة فاخر وملون‮.

رامي‮ ‬عبد الرازق‮ ‬‬
العرض‮: ‮ (‬عن المدينة ل)‬
خشبة‮ :
إعداد وإخراج‮ : ‬هاني‮ ‬السيد
تمثيل‮: ‬رفيف‮ - ‬أشرف فاروق‮ - ‬شريف صبحي
ديكور وملابس‮: ‬محمد هاشم
فرقة‮: ‬مسرح الشباب

‮ ‬

‮     ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ‬طقوس المدينة
  • جهة الانتاج: ‬قاعة مسرح الشباب‮ - ‬بيت المسرح - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: لولا اناغنوستاكي‮
  • إخراج: هاني السيد
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here