اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تراجيديا‮ "الأشياء تتداعي‮"‬ العرض الفائز بمهرجان الساقية العاشر

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

قدم الكاتب النيجيري‮ »‬تشينوكينو اتشييبي‮« (‬1930‮ ‬م‮  -      ) ‬روايته‮ »‬عندما‮ ‬ينهار كل شيء‮« ‬عام‮ ‬1958،‮ ‬والتي‮ ‬عرفت أيضا باسم‮ »‬الأشياء تتداعي‮«‬،‮ ‬واعتبرت من أهم أعماله الأدبية،‮ ‬وواحدة من أبرز ما قدمه الأدب الأفريقي‮ ‬المعاصر في‮ ‬مجال الرواية،‮ »‬وتشينو‮« ‬له عدة أعمال روائية أخري‮ ‬منها‮ »‬سهم الرب‮« ‬،‮ »‬كثبان السافانا‮«‬،‮ ‬و»وجوده بلا أقنعة‮«‬،‮ ‬وله مجموعات من القصص القصيرة،‮ ‬والعديد من المقالات النقدية،‮ ‬كما أنه أعد أعمالاً‮ ‬كثيرة لإذاعة‮ »‬لاجوس‮«.‬
وتكتسب رواية‮ »‬الأشياء تتداعي‮« ‬أهميتها من تصويرها الدقيق لما تعرضت له القبائل الأفريقية من‮ ‬غزو عسكري‮ ‬أوروبي‮ ‬وحملات إبادة،‮ ‬وطمس للهوية،‮ ‬بدعوي‮ ‬التنوير والتبشير بالمسيحية،‮ ‬وهي‮ ‬لم تكن في‮ ‬حقيقة الأمر سوي‮ ‬حملات استعمارية طامعة في‮ ‬ثروات تلك البلاد البكر‮.‬
ويحسب لفرقة‮ »‬أفريكان‮«‬،‮ ‬ذلك التنقيب في‮ ‬الأدب الأفريقي‮ ‬الذي‮ ‬يستوجب الاهتمام به،‮ ‬خاصة أن‮ »‬مصر‮« ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬تلك القارة السمراء التي‮ ‬مازالت محط أطماع الغرب،‮ ‬وقد أعد‮ »‬صلاح عبادة‮« ‬رواية‮ »‬تشينو‮« ‬مسرحيًا،‮ ‬وقدمتها فرقة‮ »‬أفريكان‮« ‬ضمن عروض مهرجان ساقية الصاوي‮ ‬العاشر‮.‬
ويدور عرض‮ »‬الأشياء تتداعي‮« ‬عن قرية‮ »‬أموفيا‮« ‬النيجيرية والقريبة من الساحل الغربي‮ ‬الأفريقي،‮ ‬وعن أفراد القبيلة التي‮ ‬تقطنها،‮ ‬والذين‮ ‬يترقبون في‮ ‬خوف وخلع قدوم إحدي‮ ‬فرق الجيش الإنجليزي‮ ‬إليها ومداهمتها،‮ ‬بعد أن انقضت تلك الفرقة علي‮ ‬قرية‮ »‬أي‮ ‬يامي‮« ‬القريبة من قريتهم،‮ ‬والتي‮ ‬لم‮ ‬يتركها جنود الإنجليز إلا بعد أن أحرقوها وفرشوا أرضها بجثث وأشلاء أبنائها ثم أقاموا بها كنيسة لنشر الدين الجديد الذي‮ ‬لا تعرف القبيلة عنه شيئًا،‮ ‬ويقف‮ »‬أكونكو‮« - ‬وهو البطل التراجيدي‮ - ‬رئيس وحاكم أموفيا حائرا مرتبكا،‮ ‬فهو الرجل القوي‮ ‬الصلب الذي‮ ‬ورث رئاسة القبيلة عن أجداده،‮ ‬ولم‮ ‬يعرف للهزيمة طعما في‮ ‬حياته،‮ ‬وهو علي‮ ‬جانب آخر لا‮ ‬يستوعب ما تصله من أخبار عن قوة وأسلحة هؤلاء الجنود البيض القادمين للاعتداء علي‮ ‬قريته،‮ ‬ولا‮ ‬يستوعب‮ »‬أكونكو‮« ‬أيضا ذلك الدين الذي‮ ‬أتي‮ ‬به البيض ليستبدلوا به ما توارثته القبيلة من عقيدة وعبادة لإلاهها الخاص،‮ ‬الذي‮ ‬قدموا له منذ فترة قصيرة خطيبة ابنه الفتاة الجميلة،‮ ‬قربانا لإرضائه،‮ ‬ويثور‮ »‬أكونكو‮« ‬عندما‮ ‬يعلم باعتناق ابنه‮ »‬نو وي‮« ‬الدين الجديد،‮ ‬وتزداد مأساته حين‮ ‬يخبره أخيه‮ »‬سكياجا‮« ‬التاجر الرحّال الذي‮ ‬أصابه التمدن أنه أيضًا اعتنق المسيحية،‮ ‬ويخبره أيضا أنه اكتشف في‮ ‬رحلاته مدي‮ ‬ما أحرزه الرجال البيض من تقدم،‮ ‬وأنهم‮ ‬يحملون معهم أسلحة كالعصي‮ ‬تطلق نارا سريعة قاتلة لا جدوي‮ ‬للحراب والنبال معها،‮ ‬ويحثه علي‮ ‬التفاوض والتنازل،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن‮ »‬أكونكو‮« ‬لا‮ ‬يقتنع ويقرر الصمود أمام جيش الأعداء،‮ ‬ولكنه‮ ‬ينهزم،‮ ‬ويموت رجاله،‮ ‬ويُقتل ابنه،‮ ‬وكاهنه،‮ ‬وحكيمه،‮ ‬وصديقه المقرب،‮ ‬وتفترش الأرض بجثث أبناء‮ »‬أموفيا‮« ‬كما افترشت من قبل بجثث أهل‮ »‬أي‮ ‬يامي‮«‬،‮ ‬ويقع‮ »‬أكونكو‮« ‬أسيرا في‮ ‬يد جنود الأعداء،‮ ‬ولكنه لا‮ ‬يتحمل آلام ما حدث،‮ ‬فيطلب من قائد الأعداء أن‮ ‬يريحه من عذابه ومرارته ويقتله،‮ ‬وينفذ القائد الإنجليزي‮ ‬له رغبته متعجبًا من عناد هذا الرجل وإخلاصه لديانته وشجاعته،‮ ‬ولا‮ ‬يتبقي‮ ‬من أبناء قبيلة‮ »‬أموفيا‮« ‬علي‮ ‬قيد الحياة سوي‮ ‬ابنة‮ »‬أكونكو‮« ‬وحفيدها،‮ ‬والتي‮ ‬نراها في‮ ‬العرض قد صارت عجوزًا تحكي‮ ‬ما حدث لقبيلتها في‮ ‬غابر الزمان‮.. ‬وقد صاغ‮ ‬مخرج العرض‮ »‬أحمد محمد عصام‮« ‬عرضه بطريقة‮ »‬الفلاش باك‮«‬،‮ ‬إذ تبدأ المسرحية بالجدّة وهي‮ ‬تقص روايتها علي‮ ‬حفيدها خارج ستار المسرح المغلق والذي‮ ‬يُفتح علي‮ ‬أحداث العرض،‮ ‬ليعود ليغلقه الحفيد في‮ ‬مشهد النهاية مكتشفًا موت الجدّة‮.‬
كاد الإعداد أن‮ ‬يشتت المتلقي‮ ‬بالأحداث الكثيرة والتفاصيل الفرعية التي‮ ‬شكلت عبئًا علي‮ ‬عملية التلقي‮ ‬وخاصة وقد ازدحمت بشخصيات كثيرة،‮ ‬كان‮ ‬يمكن للمعد أن‮ ‬يختزل ويختصر ليحقق تركيزًا‮ ‬يكون أفضل وفي‮ ‬مصلحة العرض،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يؤخذ في‮ ‬الاعتبار عند إعداد عرض مسرحي‮ ‬عن رواية أدبية تعتمد علي‮ ‬السرد،‮ ‬ففي‮ ‬رأينا أن السرد الذي‮ ‬قد‮ ‬يكون عاملاً‮ ‬لنجاح الرواية،‮ ‬تكون نتيجته عكسية عندما‮ ‬ينساق وراءه‮ »‬المُعد‮« ‬في‮ ‬العمل المسرحي،‮ ‬وفي‮ ‬عرض‮ »‬الأشياء تتداعي‮« ‬استطاع فريق العمل بتميزة أن‮ ‬يصعد بالعمل لدرجات النجاح،‮ ‬وينقذ العرض من الهبوط إلي‮ ‬قاع الملل ورتابة الإيقاع في‮ ‬بعض المشاهد،‮ ‬وتبارت كل عناصر العرض في‮ ‬منافسة حماسية لخروج العرض بشكل جيد،‮ ‬ونجح مخرج العرض‮ »‬أحمد عصام‮« ‬في‮ ‬اختيار الممثلين وتسكينهم في‮ ‬أدوارهم بوعي‮ ‬فني‮ ‬يحسب له،‮ ‬وبدا‮ »‬أيمن عبد الفتاح‮« ‬الذي‮ ‬جسّد دور‮ »‬أكونكو‮« ‬بطل العرض ممسكا بمفاتيح الشخصية،‮ ‬متوحدًا معها مدركًا لأبعادها ونموها الدرامي،‮ ‬وتحولاتها،‮ ‬وكذلك‮ »‬نصر‮ ‬يوسف‮« ‬وقد دخل معه في‮ ‬منافسة تمثيلية وهو‮ ‬يجسد دور الابن‮ »‬نو وي‮«‬،‮ ‬الذي‮ ‬فقد حبيبته نتيجة لمعتقدات سقيمة ألقت بها قربانا للآلهة،‮ ‬وهو ممثل واعد صادق التعبير،‮ ‬وأدت‮ »‬إيمان محسن‮« ‬دور شبح حبيبة‮ »‬نو وي‮«‬،‮ ‬فبدت متألقة وواعدة،‮ ‬وقامت‮ »‬إسراء عبد الرءوف‮« ‬بدور‮ »‬إزنما‮« ‬ابنة‮ »‬أكونكو‮«‬،‮ ‬ونجحت في‮ ‬تجسيد الشخصية وهي‮ ‬في‮ ‬طور الشباب،‮ ‬وكذلك عندما أصبحت جدّة،‮ ‬وعلي‮ ‬جانب آخر تمكن كل من‮ »‬منتصر مصري‮« ‬و»محمود وديع‮« ‬من نزع البسمة والضحكة من أعماق المأساة،‮ ‬ونجحا في‮ ‬التخفيف عن الجمهور،‮ ‬ليؤكدا علي‮ ‬إمكانياتهما الكوميدية دون ابتزال،‮ ‬وجسد‮ »‬حسام علاء‮« ‬دور القائد العسكري‮ ‬بإتقان وإن كان قد مال إلي‮ ‬النمطية،‮ ‬وتبعه في‮ ‬ذلك مساعد القائد‮ »‬محمد عبد الكريم،‮ ‬كما تميز في‮ ‬العرض أحمد كامل في‮ ‬دور الكاهن،‮ ‬و»معاذ كامل‮« ‬في‮ ‬دور الحكيم،‮ ‬وأحمد حسن في‮ ‬دور صديق أكونكو،‮ ‬وكريم الجندي‮.‬
وجسدت‮ »‬نورهان فؤاد‮« ‬دور إحدي‮ ‬نساء قرية‮ »‬أي‮ ‬يامي‮« ‬التي‮ ‬أبادها الجنود الإنجليز ولفتت النظر لآدائها،‮ ‬وبرزت مواهب تمثيلية واعدة لدي‮ »‬آية أسامة‮« ‬في‮ ‬دور أكويفي‮ ‬زوجة‮ »‬أكونكو‮«‬،‮ ‬وقامت‮ »‬أمل محمد‮« ‬بدور ممرضة الجدة،‮ ‬وجسد‮ »‬محمد زكريا‮« ‬دور القس،‮ ‬و»كريم جمعة‮« ‬زوج‮ »‬إزنم‮« ‬ابنة‮ »‬أكونكو‮«.‬
وبالإضافة لفريق التمثيل المتحمس برزت سينوجرافيا العرض في‮ ‬شكل‮ ‬يعكس فهمًا جيدًا لدي‮ »‬أحمد منصور‮« ‬مصمم الديكور،‮ ‬بشخصية المكان وطبيعته،‮ ‬واستطاع بأبسط الإمكانيات المتاحة أن‮ ‬يجسد صورة مقنعة للمتلقي،‮ ‬ساهمت تلك الصورة في‮ ‬خلق حالة الإيهام المسرحي‮ ‬وصناعة المتعة البصرية،‮ ‬حيث أسدل في‮ ‬خلفية المسرح،‮ ‬من أقصي‮ ‬اليمين إلي‮ ‬نهاية اليسار،‮ ‬ستارة بانورامية صنعت من‮ »‬الخيش‮« ‬وهي‮ ‬خامة تساعد علي‮ ‬تأكيد بدائية المكان،‮ ‬وتوسط تلك البانوراما تكوين تشكيلي‮ ‬لشجرة وارفة عملاقة،‮ ‬تؤدي‮ ‬دلالة قدم القبائل الأفريقية وعراقتها،‮ ‬وقسم المصمم أيضا أرضية المسرح إلي‮ ‬مستويين أحدهما مرتفع درجة واحدة إلي‮ ‬يسار المتفرج عليه كرسي‮ ‬القبيلة بجوار قناع‮ »‬الإله‮« ‬المأخوذة خطوطه من الأقنعة الأفريقية الشهيرة،‮ ‬وإلي‮ ‬أقصي‮ ‬اليمين مستوي‮ ‬أكثر ارتفاعا ذو درجتين،‮ ‬وضع عليه كرسي‮ ‬الحاكم العسكري،‮ ‬ولكنه للأسف خرج عن سياق الشكل بحداثته،‮ ‬وكان عبئا بطول وجوده من بداية العرض،‮ ‬إذ لم‮ ‬يستخدم إلاّ‮ ‬في‮ ‬المشاهد الأخيرة،‮ ‬وفرش المصمم أرضية خشبة المسرح بأوراق وفروع الأشجار في‮ ‬محاولة لم‮ ‬يكن لها داع لإكمال الشكل،‮ ‬عنصر آخر من عناصر السينوجرافيا نجح إلي‮ ‬حد كبير في‮ ‬الإقناع بالشخصيات وتحقيق الإيهام،‮ ‬هو عنصر الملابس والإكسسوار،‮ ‬فقد بدا لا‮ ‬يمكن تصور العرض بدونه واجتهدت‮ »‬هاميس الجابري‮« ‬في‮ ‬صياغته،‮ ‬ليخرج مؤكدًا علي‮ ‬موهبتها في‮ ‬رسم خطوط واعية للملابس الأفريقية‮ - ‬وحسب تنوع شخصيات العرض،‮ ‬من ناحية ملابس المرأة والرجل أو من ناحية الملابس النوعية لشخصيات مسرحية بعينها كملابس رئيس القبيلة وملابس الكاهن والحكيم والقس وأيضا ملابس القائد الإنجليزي‮ ‬وجنوده،‮ ‬وأضفت‮ »‬هاميس‮« ‬بلمسات خبيرة بعنصر الإكسسوار ثراءً‮ ‬علي‮ ‬الشكل ومحاولة اكتماله فرأينا الريش علي‮ ‬رؤوس الممثلين وفرو الحيوانات علي‮ ‬الأجساد ورسغ‮ ‬الأقدام،‮ ‬وكذلك الأحجبة والتعاويذ والحراب وغير ذلك،‮ ‬وأدي‮ ‬الاهتمام الكبير بعنصر الملابس والإكسسوار إلي‮ ‬إظهار صورة الممثلين بشكل مقنع للمتلقي،‮ ‬وأضاف أيضًا الماكياج الكثير للشخصيات وتناغم مع ما‮ ‬يرتدونه،‮ ‬وتحققت إلي‮ ‬حد كبير جماليات أدت بالتبعية إلي‮ ‬تحقيق المتعة البصرية وإكمال الاستمتاع بالفرجة،‮ ‬وساهمت خطة الإضاءة المدروسة بعناية من التأكيد علي‮ ‬المشاهد ومدلولاتها،‮ ‬ومن تجسيد كل ما‮ ‬يجري‮ ‬من تمثيل فوق المسرح،‮ ‬وتنوعت الإضاءة في‮ ‬مشاهد المعارك والاستعراضات التي‮ ‬قدمها العرض الذي‮ ‬اهتم بتقديم مجموعة من الاستعراضات في‮ ‬شكل الرقصات الأفريقية للقبائل البدائية المحببة لدي‮ ‬الجمهور،‮ ‬وكذلك حلقات المصارعة بين أفراد القبيلة الذين‮ ‬يتباهون بقوتهم البدنية في‮ ‬أجواء احتفالية‮.‬
وبغض النظر عما اعتري‮ ‬العرض من بعض السلبيات التي‮ ‬لم تصل إلي‮ ‬حد الجسامة،‮ ‬أكد عرض‮ »‬الأشياء تتداعي‮« ‬علي‮ ‬ضرورة الاهتمام بالهواة في‮ ‬فهم المتحمسين دائما للتصدي‮ ‬للعروض المسرحية الصعبة بأقل الإمكانيات والميزانيات المالية التي‮ ‬لو قورنت بميزانيات وإمكانيات الفرق المحترفة لأثارت الدهشة‮.

رامي‮ ‬البكري‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: الأشياء تتداعي
  • جهة الانتاج: فرقة أفريكان المستقلة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: تشينوكينواتشيبي
  • إخراج: أحمد عصام
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here