اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

رجال قيصر‮ .. ‬وحريم النار

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮»‬المرء علي‮ ‬دين خليله؛ فلينظر أيكم من‮ ‬يخال‮«  ( ‬حديث‮)‬
من الحق أن نقول‮ : ‬إن مرآة الحاكم حاشيته ؛ أينما ولي‮ ‬وجهه شطر ناحية فثمة وجهه معكوسا علي‮ ‬تلك المرآة‮ !!‬
‮ ‬والحاكم الحق سريعا ما‮ ‬يولي‮ ‬وجهه شطر شعبه،‮ ‬فهو‮ ( ‬مرآته المصقولة‮ ) ‬الناصعة صفحتها التي‮ ‬ينعكس عليها وجهه ووجهته الحقيقية التي‮ ‬لا‮ ‬يكف شعبه عن اتخاذها قبلة‮ ‬يتوجه إليها متأملا إشراقات صباح مستقبله المأمول نحو مزيد من الحرية ومزيد من العدالة الاجتماعية ومزيد من الكرامة الوطنية والإنسانية‮. ‬
‮ ‬أما مرآة حكم السوء فتتمثل في‮ ‬حاشيته التي‮ ‬تعكس أقنعة البراءة والنزاهة والعدالة والتحضر والسماحة والخبرة وحقوق المواطنة دون أن تتيح لوجهه الحقيقي‮ ‬منفذا‮ ‬يناظره الشعب ؛ فيكتشف زيف ملامحه وكلاحة وجهه وخبث نظرته وعمي‮ ‬بصيرته ويتحقق من سحنته فيتبين تجاعيدغضب القرون الوسطي‮ ‬علي‮ ‬آلية نطقه ؛ بعد أن أعادت حاشية السوء تشكيله في‮ ‬مسخ‮ ‬غير آدمي‮ ‬يتكلم وحده طوال الوقت بما لا‮ ‬يفهمه هو نفسه بعد أن أدخلت إليه الحاشية فيما‮ ‬يجوز أن‮ ‬يطلق عليه عقلا أن شعبه خلق علي‮ ‬هيئة أذن صاغية لكل ما‮ ‬يخرج منه حتي‮ ‬رجع صوته وعندها‮ ‬يتوج بلقب الدكتاتور الأوحد الذي‮ ‬يأمر وعلينا السمع والطاعة فملكيته للحقيقة المطلقة لا‮ ‬ينازعه فيها أحد‮. ‬ولأن للطبيعة قوانينها الصارمة ويتصدرها قانون التدرج الذي‮ ‬تتجلي‮ ‬مظاهره في‮ ‬أن الجديد‮ ‬يجب القديم ويوبخه أو‮ ‬ينفيه ؛ والذي‮ ‬يكشف عن أن الضغط‮ ‬يولد الانفجار ؛ لذا فإن أول من‮ ‬ينقلب عليه أقرب الخلصاء في‮ ‬حاشيته عند أول علامة تلتقطها قرون الاستشعار عند بعض من حاشيته لدخان ثورة‮ ‬غضب شعبي‮ ‬تلوح سحابتها في‮ ‬الأجواء‮ .. ‬وهذا ما حدث مع‮ ( ‬يوليوس قيصر‮ ) ‬الذي‮ ‬تضخم وتضخم علي‮ ‬طريق الحاكم الفرد الأوحد والصوت الذي‮ ‬لا سمع ولا طاعة إلا لنبر زفراته ؛ بما شكل ضغطا مكثفا علي‮ ‬أقرب خلصائه فأنقلبوا عليه وفكروا في‮ ‬تمزيق جسده علي‮ ‬درج مجلس النواب ومزجوا كل طاقات كبتهم بدعوات سيوفهم التي‮ ‬ملئت جسده المحشو بكبرياء التفاهة التي‮ ‬شحنته بصواعق الغرور والتسلط لينفذ منها دماء الطاغوت ويصبح عبرة لمن‮ ‬يجيء من بعده‮.‬
تلك هي‮ ‬القصة التي‮ ‬تدور حولها مسرحية وليم شكسبير‮ ( ‬يوليوس قيصر‮ ) ‬التي‮ ‬قدمها في‮ ‬مصر لأول مرة جورج أبيض عام‮ ‬1910‮ ‬بإخراج رائد الإخراج المسرحي‮ ‬في‮ ‬مصر وبلاد العرب القدير عزيز عيد ؛ الذي‮ ‬جعل مسار حملة جثة‮ ‬يوليوس قيصر من وسط الصالة مخترقا الجمهور صعودا إلي‮ ‬خشبة المسرح تقليدا مسرحيا ذا ملمح تعريبي‮ - ‬غالبا دون علاقة له بنظرية التغريب الملحمي‮ - ‬باعتبار أسلوب عزيز عيد هو نفسه أسلوب أندريه أنطوان‮  - ‬رائد المدرسة الطبيعية في‮ ‬فن الإخراج المسرحي‮ -  ‬وهو مشهد تكريم لذلك الديكتاتور‮ -  ‬ولا أدري‮ ‬إن كان عزيز عيد قاصدا ذلك أم أن هذه الحفاوة مجرد استعراض لمهارة أسلوب‮  ‬الإخراج إمعانا في‮ ‬الميل نحو الطبيعية‮ -.‬
ولأن شكسبير قد أراد بمسرحيته تلك نقد صورة الحاكم الفرد المتسلط الذي‮ ‬يزعم بأنه الأمر الناهي‮ ‬في‮ ‬شعبه ؛ فقد كتب لمسرحيته تلك الخلود لأن إنتاجها علي‮ ‬المسرح مازال‮ ‬يتكرر من عصر إلي‮ ‬عصر تال له في‮ ‬كل بلاد الدنيا وبخاصة تلك البلاد المتخلفة شرقا وجنوبا التي‮ ‬تحكم بالعسكرتارية البيروقراطية وبالنظم الشمولية والنظم الدينية أو التي‮ ‬تخلط الدين بالسياسة‮. ‬
‮ ‬ولأني‮ ‬شاهدت‮  ‬منذ أيام في‮ ‬القاهرة أحدث عرض مصري‮ ‬ليوليوس قيصر لفرقة قصر ثقافة طنطا المسرحية بإخراج المخرج الشاب‮. (‬رامي‮ ‬الطنباري‮) ‬علي‮ ‬مسرح‮  ‬الصوان بأرض السامر الناطور من زلزال أوائل التسعينيات فأعجبني‮ ‬اختيار المخرج والفرقة لهذه المسرحية التي‮ ‬تتعرض لعلاقة الحاكم الديكتاتور بحاشيته وعلاقته بشعبه الذي‮ ‬يتكرر اللعب بمصيره والضحك عليه بالخطب الرنانة المعسولة والشعارات البراقة الزائفة والوعود الكاذبة أو بشعارات تستخدم الدين استخداما سياسيا لتحقيق أغراض انتهازية لا علاقة اها بالدين‮ . ‬فلا شك أن اختيار رامي‮ ‬الطنباري‮ ‬لنص‮ ‬يوليوس قيصر لعرضه في‮ ‬هذه الأيام بالتحديد له دلالته وأهميته حيث نشهد مرحلة تشكل شكلا جديدا لم نعتده بين الحاكم والمحكوم في‮ ‬ظل نظام تشتبك فيه التفاسير المحسوب علي‮ ‬تيار ديني‮  ‬من هنا وتيار ديني‮  ‬آخر علي‮ ‬يمينه وكلها تيارات دينية متباينة في‮ ‬الآراء المتداخلة علي‮ ‬طريق التسييس الديني‮ ‬مرة علي‮ ‬الصعيد المذهبي‮ ‬الجماعي‮ ‬ومرات علي‮ ‬الصعيد الانفرادي‮ ‬المنفلت في‮ ‬تصريحات تتضح بوسام الفتوي‮ - ‬مع أنه لا فتوي‮ ‬بدون سؤال‮- .‬
لذلك‮ ‬يحسب لفرقة طنطا المسرحية ولمخرجها والذين قاموا علي‮ ‬إنتاجها ذلك الإختيار الموفق الذي‮ ‬يعبر عن جوهر ما‮ ‬يتخوف منه شعبنا بعد معاناة تقترب من العامين بعد انتفاضته العظيمة في‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬علي‮ ‬ديكتاتورية بشعة ؛‮  ‬أملا في‮ ‬ألا‮ ‬يتكرر النهج الديكتاتوري‮ ‬مرة أخري‮ ‬متوارثا خلف قناع التدين تحت شعار التقوي‮ ‬بعد أن نزع عنه قناع عسكرتارية بغيضة آخفي‮ ‬وجه مصر الحقيقي‮ ‬قرابة‮ ‬50‮ ‬عاما منذ هزيمة‮ ‬67‮ . ‬هذا عن موضوع العرض وعن روعة الاختيار‮ . ‬
النص الشكسبيرية بين النبوءة والمعرفة‮ : ‬
أما التناول فلنا معه وقفة نقد له فيها ماله وعليه ما عليه ؛ بخاصة وأننا أمام نص شكسبيري‮ ‬منتقص من حيث عناصره الفكرية التي‮ ‬أراد شكسبير‮ ( ‬أسطي‮ ‬الإبداع المسرحي‮ ‬الشعري‮ ‬عبر العصور‮) ‬وهذا‮ ‬يجرنا إلي‮ ‬قضية الإعداد المسرحي‮ ‬من حيث ضروراته وأثارة الإيجابية والسلبية‮.‬
وحول الضرورة التي‮ ‬رآها مخرج العرض للتلاعب في‮ ‬بنية النص الشكسبيري‮ ‬طوال زمن العرض‮  - ‬وهي‮ ‬مشكلة خاصة باختلاف الإيقاع المعاصر عن إيقاع عصر شكسبير الإليزابيثي‮ (‬1616‮ - ‬1654‮) ‬فضلا عن كثرة المشاهد وتعدد الأماكن وما‮ ‬يلزم ذلك من تغييرات في‮ ‬المناظر ؛ التي‮ ‬أثقل بها إنتاج أعمال شكسبير نفسه لمئات السنين في‮ ‬مسرح العلبة الإيطالي‮ ‬؛‮ - ‬وهو لزوم ما لم‮ ‬يكن لازما في‮ ‬عصر شكسبير نفسه حيث لا ديكورات ولا ستار ولا تبديل مشاهد عن طريق إظلام منصة العرض وإعادة إضاءتها ما بين منظر وآخر‮ - ‬لذا لجأ مخرجو المسرح الحديث والمعاصر إلي‮ ‬حذف بعض المشاهد من المسرحيات الشكسبيرية عند التصدي‮ ‬لعرضها ليناسب زمن عرضها إيقاع عصر إنتاجها ؛ ومن ناحية ثانية لجأ‮ ‬غالبية المخرجين كل تبع أسلوب الإخراج إلي‮ ‬التخلص من عبء الديكورات أو تجريدها إذا كان منهج المخرج تعبيريا أو ترميزيا أو كان العرض عرضا جامعيا‮. ‬
علي‮ ‬أن مخرجي‮ ‬الحداثة وما بعدها قد كانت لهم مآرب أخري‮ ‬تتجه نحو خلق دلالات متعددة للنص الشكسبيري‮ ‬الواحد أو تفكيك أنساقه ونقض خطابه‮ - ‬عن طريق ما‮ ‬يعرفه بقراءة الإساءة‮-.‬
فما الذي‮ ‬فعله مخرج عرض‮ ‬يوليوس قيصر بالنص الشكسبيرية ؟ هل كان عبثه بالنص الشكسبيري‮ ‬متقصداخلق دلالات متعددة لخطابه ؟‮. ‬أبدا‮ . ‬هل سعي‮ ‬إلي‮ ‬تفكيكه ونقض خطابه ؟ لم‮ ‬يحدث‮. ‬فماذا فعل ؟ أراد الخروج من مأخذ الملل الناتج عن المنولوجات أو الديالوجات الطويلة بين قيصر وزوجته‮ (‬كالبورنيا‮) ‬والثنائيات الحوارية بين‮ ( ‬بروتس وزوجته‮ ) ‬فقطَّع الثنائيات الحوارية إلي‮ ‬أوصال متداخلة تداخلا زمنيا‮ - ‬لا لأن زمن حدوثهما معا متزامن قياسا علي‮ ‬الزمن الحقيقي‮ ‬وإنما اعتمادا علي‮ ‬الزمن الخيالي‮ ‬المسرحي‮ ‬الافتراضي‮) ‬مع أن كلا الحدثين‮ ( ‬حوارية قيصر وزوجته وحوارية بروتس وزوجته‮ ) ‬في‮ ‬النص الشكسبيري‮ ‬غير متزامنين‮ . ‬كذلك عبث المخرج في‮ ‬بنية مشهد أنطونيوس وخطبته التأريخية المظهر والسياسية المخبر فمزق الخطبة الشهيرة التي‮ ‬وضع فيها شكسبير المغزي‮ ‬الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يلجأ إليه الحكام والسياسيون المحنكون في‮ ‬الضحك علي‮ ‬لبون شعوبهم بمعسول الوعود والأكاذيب المغلفة بآمال زائفة نحو المزيد من الحرية والعدالة والرفاهية وانخداع‮ ‬غالبية الشعب الفقير الأمي‮ ‬بالشعارات دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية‮. ‬لقد مزق رامي‮ ‬الطنباري‮ ‬خطبة أنطونيوس معلم الخطبة التاريخية السياسية في‮ ‬خداع الحكام لشعوبهم ومعلم الخطبة الدرامية في‮ ‬تاريخ النص المسرحي‮.. ‬تلك الخطبة التي‮ ‬لا تجاريها في‮ ‬تاريخ النص المسرحي‮ ‬سوي‮ ‬خطبة دفاع بوذيين عن أنطونيوس في‮ ‬تاجر البندقية ؛ كما مزق خطاب بروتس في‮ ‬مواجهته لكاشياس قبيل التمهيد لمؤامرتهما علي‮ ‬قتل قيصر أو في‮ ‬أثناء سير معاركهما مع أنطونيوس وإكتافيوس قيصر؛‮. ‬وبذلك أراقت رغبة المخرج رحيق حواريات شكسبير المراوغة بهدف الاستمالة وكسب التعاطف والتأييد أوالمواجهة طلبا لكشف مناط التناقض بين الرفقاء أو الفرقاء‮. ‬
ولعل ثالثة الأثافي‮ ‬في‮ ‬عبث المخرج بهذا النص الشكسبيري‮ ‬تمثلت في‮ ‬حذفه لمشهد أراه مشهد ضرورة درامية‮ - ‬تماماً‮ ‬كمشهد البواب في‮ ‬مسرحية ماكبث الذي‮ ‬كان بمثابة مشهد ضرورة حياتية لتمكين ناكري‮ ‬وليدي‮ ‬ناكري‮ ‬من الاغتسال من دماء الملك دنكن بعد قتلهما له ولتمكينهما من استبدال الملابس الملوثة بدم الملك حتي‮ ‬يستقبلان ماكدف وولدا الملك في‮ ‬الصباح‮  -. ‬
حذف المخرج رامي‮ ‬الطنباري‮ ‬مشهد معلم زوجة بروتس الذي‮ ‬حملته برسالة تحذير ليوليوس قيصر وهو في‮ ‬طريقه إلي‮ ‬مجلس الشيوخ صبيحة الرابع عشر من مارس وفيها تحذره من مؤامرة لاغتياله‮ . ‬حذف المخرج هذا المشهد لأنه لم‮ ‬يقرأ نص شكسبير قراءته التي‮ ‬يستحقها‮ !! .‬
شكسبير أسدي‮ ‬البناء المسرحي‮ ‬المراوغ‮ ‬الذي‮ ‬تأسس علي‮ ‬خبرة ومعلمة في‮ ‬فن الكتابة الدرامية‮   ‬
استخدم وسيلتين لنقل المعلومة‮ : ‬الوسيلة الأولي‮ ‬عن طريق التنبؤ بالغيب وقد رسم لها شخصية العراف الذي‮ ‬يقطع الطريق علي‮ ‬موكب قيصر متصايحا‮ ‬يصبحان التحذيرية إعلانا لما تنبأ به حول مصير قيصر‮. ‬ولم‮ ‬يكتف شكسبير بذلك لعلمه بأن هناك معرفتين ولازمته حياتنا الإنسانية عبر العصور وعبر البلدان وهما‮ (‬المعرفة االظنية الغيبية والمعرفة اليقينية‮) ‬ومنة البراعة التي‮ ‬تحسب لفن شكسبير توظيفه لكلتا المعرفتين في‮ ‬نص‮ ‬يوليوس قيصر ؛ إذ وظف شخصية العراف توظيفا دراميا ناقلا لنبوءة الغيب بمقتل قيصر علي‮ ‬أيدي‮ ‬رفقائه وأركان حكمه نشفعها برؤيا منتمية استشفافية لزوجته كالبورنيا ودعمها بمعلومة‮ ‬يقينية عبر رسالة بوذيين زوجة بروتس التي‮ ‬شكت في‮ ‬استقبال زوجها لكاشياس وكاسكا وسنا وديمتريوس في‮ ‬بيتها ليلا دون سابق إنذار‮ .. ‬ولما ألحت علي‮ ‬زوجها أن‮ ‬يصارحها بما‮ ‬يجري‮ ‬لم تتلق منه جوابا لذا استدعت معلمها السابق تميدريوس وحملته برسالة تحذير لقيصر قبيل دخوله إلي‮ ‬مبني‮ ‬البرلمان‮. ‬
إن حذف مخرج عرض‮ ‬يوليوس قيصر لذلك المشهد دليل علي‮ ‬أنه لم‮ ‬يقرأ النص قراءة تحليلية تقارب بين مشهد وآخر وصولا إلي‮ ‬جوهر فلسفة التفكير الدرامي‮ ‬الشكسبيري‮ ‬الذي‮ ‬يبطن أكثر مما‮ ‬يظهر تتويجا للتعبير الدرامي‮ ‬بوساطة الاستعارة والتورية والمسكوت عنه‮.‬
العرض بين الروعة والتشويه‮:‬
لا‮ ‬يوجد إنتاج إبداعي‮ ‬دون روعة مع تشويه في‮ ‬التعبير أو التصوير ؛‮ ‬غير أن العبرة في‮ ‬الصورة المسرحية هو أثرها الممتع والمقنع في‮ ‬آن واحد‮. ‬ولعلا الإيقاع أهم ركيزة في‮ ‬خلق حالة تواصل حميمية بين العرض المسرحي‮ ‬وجمهوره‮. ‬ولا شك أن مخرج عرض‮ ‬يوليوس قيصر قد قصد لتدخله في‮ ‬النص الشكسبيري‮ ‬حذفا وتقطيعا لمشاهد ثنائية متداخلة متعارضة أو متقاربة هو اللعب في‮ ‬الميزان الإيقاعي‮ ‬للصورة المسرحية تخوفا من الحوارية الطويلة بين شخصية وأخري‮ ‬مما أدي‮ ‬به إلي‮ ‬تقنية المونتاج وهي‮ ‬تقنية خاصة بفنون الشاشة في‮ ‬الأصل ؛‮ ‬غير أن جهده ذاك قد أدي‮ ‬إلي‮ ‬عكس مقصده‮  ‬فأصاب الميزان الإيقاعي‮ (‬تمبو‮) ‬الأداء بالبطء و(الجابات‮) ‬التي‮ ‬أعطبت التدفق الإيقاعي‮ ‬للمشاهد علي‮ ‬المستوي‮ ‬الأحادي‮ ‬أو منظومة التدفق الإيقاعي‮ ‬العامة للعرض فطالت مساحة التشوية روعة الأداء الفردي‮ ‬المتميز عند بعض الممثلين‮. ‬علي‮ ‬أن عوامل إبطال روعة الصورة المسرحية في‮ ‬ذلك العرض لم تتوقف علي‮ ‬دور المخرج رامي‮ ‬الطنباري‮ ‬معدا للنص الشكسبيري‮ ‬فحسب وإنما تعداه إلي‮ ‬الميزانسين‮ ‬mise -in scene‮.‬
فحركة الممثل‮ ‬غير متجانسة مع حواره الصوتي‮. ‬وكنا نعرف طوال الوقت أن الحركة تنبع من الحوار‮- ‬هكذا تعلمنا‮ - ‬ولأن مسرحية‮ ‬يوليوس قيصر مسرحية ليست عبثية ولا هي‮ ‬مسرحية سيرياليية حتي‮ ‬يكون لدي‮ ‬المخرج مسوغا منطقيا لفصل حركة الممثل عن تعبيره الصوتي‮.‬
ومن الصور اللافتة للنظر أيضاً‮ ‬حركة المجاميع التي‮ ‬كانت أقرب إلي‮ ‬الحشو الزخرفي‮ ‬غير المبرر والذي‮ ‬كان سببا في‮ ‬الصويرة علي‮ ‬منولوجات بعض الشخصيات من ناحية التعبير الصوتي‮ ‬وحجب رئوية جمهور زوايا جمهور صالة الجمهور عن رؤية الشخصية المتحدثة‮. ‬إلي‮ ‬جانب ذلك خلقت حركة تبديل المكعبات‮ ( ‬البوقان‮) ‬ضوضاء مرئية دونمبرر لحركتها وربما لوجودها علي‮ ‬المسرح في‮ ‬مجمل المشاهد‮ . ‬كذلك كان أثرًا المبارزات‮ ‬غير المتقنة بسيوف خشبية أثرًا قلل من قيمة استعمالها عما لو كانت سيوفا حقيقية لها صليل السيوف في‮ ‬المبارزات وفي‮ ‬الحروب‮ .‬
وعلي‮ ‬الرغم من هذه الملاحظات تظل جرأة الإقدام علي‮ ‬إخراج هذا النص الكلاسيكي‮ ‬المنسرح لحدث تاريخي‮ ‬كبير هو أهم عنصر‮ ‬يحسب للمخرج والفرقة ؛ بخاصة ونحن نعيش حالة مناظرة لحالة التسلط الفردي‮ ‬الذي‮ ‬ترتب عليه نزع روحه عن جسده بأيدي‮ ‬حاشيته التي‮ ‬عاشت تنافقه‮. ‬وإذا كان رجال قيصر هم السبب في‮ ‬تطويع قابليته للتسلط وتضخيم ذاته وتأليهه فإن خنوع الشعب كان السبب الرئيسي‮ ‬في‮ ‬تكريس ذلك التسلط والاستحواذ علي‮ ‬كل السلطات وتكميم الأفواه‮ .‬
هناك خيط رفيع بين الحاكم المطلق علي‮ ‬دولة والحاكم المطلق في‮ ‬البيت
وإذا كان قيصر قد تضخم وتسلط بنفاق رجاله وخنوع شعبه فإنه كان سببا في‮  ‬تحول رجاله إلي‮ ‬قنبلة انفجرت فيه فمزقته شر ممزق‮  ‬؛ فإن ما حدث لفتحية شلقم لا‮ ‬يختلف من حيث النتيجة بفعل حريم النار‮ .. ‬أو بناتها العوانس‮  ‬المكبوتات بفعل تسلطها وسطوتها عليهن إلي‮ ‬حد منعهن من مجرد النظر إلي‮ ‬الشارع من خلف نوافذ بيتها المحصن بجبروتها حيث الصرامة في‮ ‬التقيد بالملابس السوداء وإظهار كل علامات القتامة في‮ ‬ذلك الحصن المنيع المسيج بأسلاك صرامة تلك الأم الغليظة القلب التي‮ ‬مات عنها زوجها‮. ‬لكم كان أداء الانساوات اللواتي‮ ‬قمن بتمثيل مسرحية‮. (‬حريم النار‮) ‬المقتبسة عن مسرحية لوركا الشهيرة‮ ( ‬بيت برنارا ألبا‮) ‬لقد كانت نسوة هذا العرض صارمات مرحات كنساء وندسور المرحات أما صرامة مظهرهن فقد اقتصرت علي‮ ‬اصطفافهن صفا في‮ ‬عرض أقرب إلي‮ ‬طابور أمناء الشرطة في‮ ‬حضرة ضابط القسم الذي‮ ‬تمثله الأم في‮ ‬ذلك العرض البديع القيم الذي‮ ‬اقتبسه نصا محمولا علي‮ ‬تعبير حواري‮ ‬صعيدي‮ ‬صارم في‮ ‬نبر كلماته مموسق بوقع حروف كلماته في‮ ‬الشدة والليونة الجنوبية العذب وقع جرسها علي‮ ‬الأذن البجراوية‮ .‬
المنظر‮ : ‬بيت‮  ‬ريفي‮ ‬طرازه عربي‮ ‬له باب عمومي‮ ‬ذكرني‮ ‬بباب بيتنا الكبير بحري‮ ‬البلد بجوار وابور المياه القديم في‮ ‬مدينة طما السوهاجية باب ذو شخصية كباب دوار بيت أبودومه له هيبة وعندما انفرج الباب من ذات نفسه وانبلج من فرجته شحيح ضوء اقتحمت ساحته الداخلية خيم سوداء عبئت بصرخات حادة تردد أصواتا أتحدي‮ ‬من‮ ‬يتبين معناها،‮ ‬إلا أنها ولولت حريم‮ ‬غيب القبر سبع إحداهن فتسابقن في‮ ‬سباق عويل مجامل لصاحبة الدار فاقدة الرجل الذي‮ ‬يصفوه خلف قائدة مظاهرة العويل بكلمات وقعت علي‮ ‬سمعي‮ ‬كما لو كانت أسماء و لحيوانات مختلطة ما بين ما كان منها أليفا مثل‮ ‬يا جملي‮ ‬وما كان منها متوحشا مثل‮ ‬يا سبعي‮ ‬أوصاف جمعت بين نقيضين جملها وأسدها هكذا‮ !! ‬في‮ ‬الحقيقة عاد بي‮ ‬منظر تلك الخيام السوداء المعيشة بنشوة صغيرات السن‮ ‬يتكشف بياض وجوههن من داخل تلك الأكياس السوداء عاد بي‮ ‬إلي‮ ‬يوم وفاة جدتي‮ ‬خضرة التي‮ ‬لم أرها طوال حياتي‮  ‬؛ ليس لأنها كانت مختبئة كتلك الفتيات الصغيرات في‮ ‬الأكولة السوداء التزاما جبريا منهن للعادة‮  - ‬ولأوامر ريهام مخرجة هذا‮  ‬العرض البديع الوقور علي‮ ‬الرغم من رفاعة بنات فتحية شلقم التي‮ ‬كانت والحق أقول رفاعة شرعية‮. - ‬أقصد مشروعة‮ - ‬لأن‮ ‬غريزة التنفس بين حوا وآدم هي‮ ‬الشريعة الوحيدة لإعمار الأرض التي‮ ‬استحالوا الله عليها مكرمين‮  ‬حيث‮ ‬يقول‮. " ‬وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‮" ( ‬الذاريات‮ ‬19‮) ‬ولأن العبادة شيء مقدس فلا شك أن مؤدييها مقدسين أيضاً‮ ‬ولأننا لم نأتي‮ ‬إلا عن طريق اختلاط الماء الثنائي‮ ‬المقدس في‮ ‬حصن منيع إلي‮ ‬حين ؛ فإن ذلك حتمي‮ ‬التحقق بوسائل حبذا لو كانت مشروعة وهي‮ ‬متحققا علي‮ ‬كل الأحوال ؛‮. ‬لذلك لا‮ ‬يفلح حوام العفة الحديدي‮ ‬الذي‮ ‬وضعته الأم فتحية شلقم ولا أدري‮ ‬لما اسمها فتحية وهي‮ ‬المنغلقة علي‮ ‬نفسها والمغلقة كل نوافذ التواصل بين عوانسها وطموحاتهن في‮ ‬نيل العرسان؟‮ ‬
لقد بهرت أيما إبهار بعودة الكورس المسرحي‮ ‬الإغريقي‮ ‬المظهر في‮ ‬جمع تلك‮ (‬النسوة المكبوتة باباوات السواد كاربات اجتمعت علي‮ ‬رمة‮ .. ‬جوقة إغريقية بحق في‮ ‬تتوحد نبذها الصوتي‮) ‬الصارخ في‮ ‬البرية مجاملة لإمرأة لم تظهر بعد بينهن ؛ ربما لتكفكف دمعها في‮ ‬حجرة الذكريات في‮ ‬خلوة ذاتية مشروعة أو ربما كان‮ ‬غيابها لقضاء ضرورة‮.. ‬ومن عجب أن شيئا من تخميناتي‮ ‬تلك لم‮ ‬يكن صحيحا ذلك أنها بعد ولولاتها الحريم المنهيات شرعا عن الولولة واللطم قد اقترفت تلك الخطيئة الأمر الذي‮ ‬جداً‮ ‬بالجنوبي‮ ‬شاذلي‮ ‬فرح أن‮ ‬يطلق عليهن مريم النار تمشيا مع الهياج السائد منذ عام مضي‮ ‬بتصليح في‮ ‬الطرقات العامة بضرورة تكييس الحريم تكييسا شرعيا حسب فتاوي‮ ‬مجهولة الهوية لم‮ ‬يكن تخميني‮ ‬في‮ ‬محله هذه المرة أيضاً‮ ..  ‬إذن لم‮ ‬يكن هناك بد من تمحيها جديدة حول‮ ‬غياب صاحبة المأتم عن مركز الصدارة في‮ ‬جلسة العديد تلك‮ .. ‬وهنا‮ .. ‬هنا تذكرت خاصية مسرحية لا‮ ‬يتقنها‮ ‬غير مخرج عقر‮.  ‬وتتمثل في‮ ‬إدخار لحظة دخول بطل العرض المسرحي‮ ‬لفترة تمهيد سابق علي‮ ‬دخوله كعنصر توكيد لتفرده في‮ ‬فنه‮ .. ‬فقد أخرت المخرجة ريهام دخول فتحية شلقم بطلة المندية تكريما لأدائها‮ .. ‬لكن التكريم‮ ‬يدخر لصاحب تاريخ عريض في‮ ‬عطائه وفي‮ ‬فنه‮ ..  ‬فهل لممثلة فتحية شلقم كرامة فنية تقدرها مخرجة العرض فتضفي‮ ‬علي‮ ‬دخولها إلي‮ ‬المسرح للمرة الأولي‮ ‬تمهيدا‮ ‬يسبقها ويمهد الجمهور لدخلتها ؟ علم ذلك عند ريهام‮ . ‬وربما عند الشاذلي‮ ‬بن فرج وعلي‮ ‬كل حال كان لدخلتها علي‮ ‬ذلك النحو من التمهيد والتنفير ما أكد سطوتها وصرامة تعاملها مع بنويتاتها الخمس اللواتي‮ ‬انفرط عقد صيانتها بالردع والحزم والفتاوي‮ ‬والتسلط لأن الضغط‮ ‬يولد الإنفجار تبعا للقانون الطبيعي‮ ‬للحياة‮ .. ‬فهكذا تفجرت شهوة بنتها‮ (‬قوت‮) ‬فصارت تتسلل ليلا مرة وراء مرة لتمارس حبا محرما مع خطيب أختها‮ ( ‬أحمد علي‮) - ‬ولا أدري‮ ‬لماذا هو أحمد علي‮ .. ‬هل تأثرا بأحمد علي‮ ‬الذي‮ ‬عشقته شريهان في‮ ‬فيلم‮ ( ‬عرق البلح‮) ‬وظلت تغني‮ ‬له‮. ‬
ولا أدري‮ ‬لما قاربت بين نتيجة تسلط قيصر وجبروته في‮ ‬عرض رامي‮ ‬الطنباري‮ ‬لفرقة طنطا المسرحية نتيجة جبروت فتحية شلقم وتسلطها علي‮ ‬بناتها اللاتي‮ ‬صهرتهن نيران العنوسة في‮ ‬آتون الكبت الجنسي؛ حيث الضغط الذي‮ ‬يصل إلي‮ ‬مداه‮ ‬يفجر كل الثوابت‮ . ‬ولقد رأيت أن الأثر الدرامي‮ ‬البليغ‮ ‬المستفاد من كلا الغرضين هو تنبيه كل منة ولي‮ ‬أمر الغير حاكما علي‮ ‬شعب أو رب أسرة وراعي‮ ‬بنات أن‮ ‬يتجنب التسلط والإنفراد بالرأي‮ ‬متشددا في‮ ‬أحكامه وقراراته في‮ ‬مواجهة رعيته شعبا أتي‮ ‬به منتخبا فتسلط عليهم وترك لرجاله السوء حرية العبث بينهم بالتسلط والتجبر قولا وتهديدا دنيويا وأخرويا أو أما استشعرت النقص بعد رحيل بعلها فأقمصة دور الذكورة فتسلمت علي‮ ‬حريم الدوار طلبا لطاعة عمياء لكل ما‮ ‬يصدر عن أم جاحدة منقادة لخادم حيزبون تنقل لها أخبار بناويتاتها وتنم عن أسرارهن الصغيرة القاتلة وظنت أن تشددها وصرامتها وتقييدها لحرية بناتها سوف‮ ‬يصون شرفهن ويحول بينهن والمعصية فإذا بها تستيقظ علي‮ ‬بركان‮ ‬ينفث لهب جهنم الذي‮ ‬فجر حوائط حرصها المتزمت‮  ‬الذي‮ ‬انتهي‮ ‬بفضح الحريم وشيوع صيت‮  ‬أهل البيت بحريم النار‮- .‬

 

د‮ . ‬أبو الحسن سلام‮ ‬



معلومات أضافية

  • اسم المسرحية:
  • جهة الانتاج:
  • عام الانتاج: 2011
  • تأليف:
  • إخراج:
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : 277
أخر تعديل في الأربعاء, 27 شباط/فبراير 2013 12:00

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here