اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‮ ‬الرجال لهم رؤوس‮ .. ‮ ‬يخرجون أيضا من الباب‮ ..‬

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

 

من خلال نص‮ (‬الرجال لهم رؤوس‮) ‬لمحمود دياب‮ ‬يقدم مجدي‮ ‬المنسوب نفسه كمخرج للمرة الأولي‮ ‬،‮ ‬يقوم أيضا ببطولة المسرحية‮ (‬في‮ ‬دور الرجل‮) ‬وتشاركه البطولة إيمان منصور‮ (‬في‮ ‬دور الزوجة‮)‬،‮ ‬والديكور لأحمد السيد‮ .‬
نطالع علي‮ ‬خشبة المسرح زوجين كل منهما منشغل عن الآخر بشأن‮ ‬،‮ ‬الزوجة بغزل خيوط من التريكو‮ ‬،‮ ‬والزوج بالبحث عن ولد‮ "‬كوتشينة‮" ‬ضائع‮ . ‬وعندما‮ ‬يصلان في‮ ‬الحوار إلي‮ ‬نقطة مشتركة تبدأ المشكلات في‮ ‬أن تطل عليهما برأسها‮ ‬،‮ ‬للخلاف في‮ ‬وجهات النظر‮ .‬
المنظر المسرحي‮ ‬يتسم بالواقعية‮ ‬،‮ ‬فقطع من الأثاث موزعة فوق المنصة بما‮ ‬يوحي‮ ‬أنه صالة بأحد البيوت متوسطة الحال‮ . ‬
تحتل منتصف مساحة التمثيل كنبة أنتريه تتسع لفردين‮ ‬،‮ ‬تطل كأقوي‮ ‬عناصر الديكور التي‮ ‬تواجه الجمهور‮ ‬،‮ ‬بما توحي‮ ‬به كأداة‮  ‬تستخدم للجلوس أو الاسترخاء‮ . ‬تجلس عليها الزوجة تشغل خيوط التريكو‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يجلس عليها الزوجان ليتعاتبا‮ ‬،‮ ‬أو تدور حولها حركتهما‮ ‬،‮ ‬إنها أكثر قطع الديكور التي‮ ‬يتعاملان معها‮ . ‬وفي‮ ‬الخلف‮ ‬،‮ ‬تقف أعلي‮ ‬اليسار‮ ‬،‮ ‬فوق أحد الدواليب‮ ‬،‮ ‬قطعة إكسسوار عبارة عن تمثال صغير من الجبس لحصان في‮ ‬وضع حركة‮ ‬،‮ ‬يرتكز علي‮ ‬قائمتيه الخلفيتين رافعا الأماميتين عن الأرض‮ ‬يناوش بهما الهواء‮ . ‬
تمثل هاتان القطعتان‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬رأيي‮ ‬،‮ ‬أهم القطع الثابتة علي‮ ‬المسرح‮ ‬،‮ ‬لما‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينشأ بينهما من تعارض‮ ‬،‮ ‬فإحداهما توحي‮ ‬بالسكون‮ (‬الكنبة ـ تمثل سلوك الزوج الساكت عن المطالبة بحقوقه‮) ‬والأخري‮ ‬توحي‮ ‬بالحركة‮ ( ‬تمثال الحصان ـ رغبة الزوجة في‮ ‬دفع الرجل للتخلي‮ ‬عن سلوكه‮) .‬وهو تعارض‮ ‬يساعد علي‮ ‬إضفاء نوع من التوتر الدرامي‮ ‬،‮ ‬غير المباشر‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬الحدث‮ . ‬وبالنظر إلي‮ ‬القرارات الفنية للمخرج‮ (‬أماكن تموضع كل منهما‮) ‬وإجراءاته‮ ( ‬الاهتمام بالتعامل فقط مع الكنبة‮) ‬نلاحظ أن العلاقة الوحيدة القائمة بين القطعتين هي‮ ‬علاقة التجاور‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد كل منهما داخل الإطار‮ (‬الكادر‮) ‬ذاته‮ . ‬ونستطيع أن نقول هنا إنه كان تجاورا سلبيا‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬دون اشتباك فعلي‮ ‬،‮ ‬مع التنشيط النسبي‮ ‬للكنبة كعلامة بصرية فتأكد حضورها وإهمال تنشيط العلامة الأخري‮ (‬تمثال الحصان‮) ‬؛ فتحولت إلي‮ ‬علامة خاملة ومعزولة عمليا‮ ‬،‮ ‬يتأكد هذا أيضا بعدم الربط بينهما بأي‮ ‬خيط‮ ( ‬حركة‮ ‬،‮ ‬إيماءة‮ ‬،‮ ‬لحظة ضوئية‮ ‬،‮ ..) ‬علي‮ ‬امتداد الحدث المسرحي‮ .‬
يشير هذا‮ ‬،‮ ‬من جانب آخر‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬وقوع الصورة المسرحية‮ ‬،‮ ‬لدي‮ ‬المخرج ـ علي‮ ‬الرغم مما‮ ‬يمكن أن تتحمله تلك من إمكانات تعبيرية تنتظر التفعيل ـ من حيث الأهمية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مرتبة تالية للتمثيل‮ .‬
ونوعية التمثيل الغالبة علي‮ ‬العرض‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬التمثيل الكوميدي‮ ‬،‮ ‬أو الهادف إلي‮ ‬إظهار الكوميديا في‮ ‬الموضوع أو بعض جوانبه‮ .‬
تتجلي‮ ‬الكوميديا كأحد الإمكانات المتاحة من وراء نص محمود دياب‮ ‬،‮ ‬وتبدو فيه كإحدي‮ ‬استراتيجيات الكاتب لإظهار المكون النفسي‮ ‬لشخصية الرجل المتناقضة‮ ‬،‮ ‬ذات الثراء البنائي‮ ‬،‮ ‬وتجنبه عن عمد مواجهة الواقع أو تسمية الأشياء بأسمائها في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يعي‮ ‬فيه حقيقتها‮ ‬،‮ ‬ويواجه ذلك بالتحايل أو الصمت‮ . ‬وفي‮ ‬المقابل تقف الزوجة موقف المراقب الواعي‮ ‬الذي‮ ‬يواجه الأمور‮ ‬،‮ ‬لسنين‮ ‬،‮ ‬بالصبر‮ ‬،‮ ‬وقد بدأ مخزون الصبر في‮ ‬النفاذ‮ . ‬ومن هذا التناقض بين الموقفين والمواجهة بينهما‮ ‬يكشف النص عن أحداثه‮ ‬،‮ ‬فتتضح معالم اللوحة بألوانها ومصادر الضوء فيها ومواطن الظلال‮ .‬
ويعبر عن هذا أحد المواقف‮ (‬التي‮ ‬استعان بها العرض‮) ‬حين‮ ‬يأتي‮ ‬البيت طرد‮ ‬يتسلمه الرجل‮ ‬،‮ ‬عبارة عن صندوق كبير‮ ‬،‮ ‬يتصوره في‮ ‬البداية هدية‮ ‬،‮ ‬ولكنه‮ ‬يكتشف أن ما بداخله جثة لرجل بلا رأس‮ ‬،‮ ‬فيما‮ ‬يتوقع زيارة صديقه وجاره ضابط المباحث‮ . ‬ولكي‮ ‬يخفي‮ ‬الأمر عنه‮ ‬،‮ ‬يستخدم حيلة بائسة‮ ‬،‮ ‬بأن‮ ‬يغطي‮ ‬الصندوق بمفرش من القماش ليتخذ هيئة منضدة‮ ‬،‮ ‬وزيادة في‮ ‬التمويه عليه‮ ‬يضع عليها مزهرية‮ ‬،‮ ‬فمطفأة سجائر‮ ‬،‮ ‬ثم إمعانا في‮ ‬التمويه‮ ‬يقرر أن‮ ‬يلاعبه عليها‮ "‬الكوتشينة‮" ‬كما اعتادا كل مساء‮ .‬إن الزوج هنا‮ ‬يتحايل علي‮ ‬الأمور بأن‮ ‬يغير من صورة الأشياء دون أن‮ ‬يغير‮ (‬أو‮ ‬يملك أن‮ ‬يغير‮) ‬طبيعتها أو حقيقتها‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يصدق‮ (‬أو‮ ‬يقنع نفسه‮) ‬بأنها تغيرت وأن المشكلة قد حُلت‮ ‬،‮ ‬ليمكن أن تستمر الحياة‮ . ‬وهذا هو لب مأساته الحقيقية التي‮ ‬تعيها الزوجة‮ ‬،‮ ‬فتعيد إليه صوابه‮ ‬،‮ ‬وتكف‮ ‬يده عن ممارسة تزييف الوعي‮ ‬،‮ ‬أو بالأحري‮ ‬،‮ ‬عن التمادي‮ ‬في‮ ‬ممارسة عماية التزييف الذاتي‮ ‬للوعي‮ .‬
يلتقط العرض طرف خيط من النص لبناء كوميديته الخاصة بالتركيز علي‮ ‬شخصية الزوج وطابعها الهروبي‮ ‬إزاء المشكلات‮ ‬،‮ ‬ويقيمها علي‮ ‬ثنائية شعبية مألوفة‮ : ‬الزوجة الشكاءة‮ "‬النكدية‮" ‬والزوج الجبان‮. ‬
وفي‮ ‬سبيل هذا‮ ‬،‮ ‬نلاحظ أنه تم تنحية البعد النفسي‮ ‬المركب عن عملية الأداء التمثيلي‮ ‬،‮ ‬خاصة للزوج والاحتفاظ بقدر منه للزوجة‮ ‬،‮ ‬ليلتزم الممثل نبرة واحدة‮ ‬،‮ ‬قلما تتغير‮ ‬،‮ ‬تحول عملية الكشف النفسي‮ ‬والذهني‮ ‬،‮ ‬أو التكاشف‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬عملية إخبار‮ ‬،‮ ‬وليركز أفعاله في‮ ‬الاستجابات‮ (‬ردود الفعل‮) ‬الجسدية منها‮ ‬،‮ ‬واللفظية التي‮ ‬لجأ فيها لكسر فصحي‮ ‬النص البسيطة إلي‮ ‬اللهجة العامية‮ . ‬وأدي‮ ‬هذا‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬النهاية‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬تحويل الشخصية أو الدور المسرحي‮ ‬إلي‮ ‬نمط شعبي‮ . ‬
يتأكد هذا الاتجاه من خلال الاستعانة بتيمة أحد الإعلانات التليفزيونية عن مشروب للشعير‮ ‬،‮ ‬خلال أحد المواقف حيث‮ ‬يجلس الزوجان علي‮ ‬الكنبة‮ ‬،‮ ‬واهتما الزوجة‮ ‬يتوزع بالتبادل بين وجه الزوج الذي‮ ‬يحدثها وخيوط التريكو في‮ ‬يدها ؛ فتفاجأ بالشارب الذي‮ ‬يظهر في‮ ‬وجه زوجها‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حركة تالية‮ ‬يختفي‮ ‬،‮ ‬يصاحب ذلك بالمؤثر الصوتي‮ ‬ذاته المصاحب للإعلان‮ . ‬ثم في‮ ‬مشهد استرجاعي‮ ‬Flash Back  ‮ ‬قصير بالعامية‮ ‬،‮ ‬مضاف‮ ‬،‮ ‬يصور حب الزوجين في‮ ‬بداياته أيام الشباب‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يعودا إلي‮ ‬الحاضر ليتحسرا علي‮ ‬ما كانا عليه في‮ ‬الماضي‮ .‬
حيثما‮ ‬يصفع الرجل زوجته للمرة الأولي‮ ‬،‮ ‬تكون لحظة فاصلة‮ .. ‬وفي‮ ‬العرض‮ ‬،‮ ‬كانت إيذانا ببداية التغيير واقتراب النهاية‮ ‬،‮ ‬فعقب هذا الفعل العنيف‮ ‬يتكدر الأفق وتتغير الأجواء إلي‮ ‬لون أكثر قتامة‮ ‬،‮ ‬كتوابع لتغير سلوك ونبرة الزوج‮ ( ‬الشخصية المحورية في‮ ‬العرض‮) ‬إلي‮ ‬سلوك ونبرة أكثر حدة ويعلو صوته الخفيض‮ (‬هل هو من باب التأكيد علي‮ ‬النمط ؟‮) ‬ويقرر أن‮ ‬يتخلي‮ ‬عن سلبيته والإبلاغ‮ ‬عن الجريمة‮ (‬السلوك الذي‮ ‬عجز من قبل عن إتيانه في‮ ‬حياته الوظيفية‮) ‬ويتبع القرار بالتنفيذ بأن‮ ‬يتحرك ماشيا بحزم صوب الباب حتي‮ ‬يخرج تماما من المنظر‮ ‬،‮ ‬مغادرا المسرح للمرة الأولي‮ ‬،‮ ‬فيظلم الأخير قاطعا اليقين بأن الرجل قد تغير‮ .‬
تصورنا أن المسرحية انتهت عند هذا الحد‮ ‬،‮ ‬لكن أضاءت المنصة ؛ لتبين عن مشهد صامت أخير‮ ‬،‮ ‬يتضمن فعلا واحدا للرجل‮ ‬يخرج بجذعه ليطل علينا من صندوق الجثة‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يأتي‮ ‬الإظلام الأخير‮ .‬
يضعنا هذا المشهد القصير إزاء معلومة حاسمة تفيد أن الجثة في‮ ‬الصندوق‮ ‬،‮ ‬كانت للرجل بطل العرض‮ . ‬إنه هو ضحية العالم الخارجي‮ ‬،‮ ‬الجثة مفصولة الرأس عن الجسد‮ . ‬ووفقا لمحتوي‮ ‬المشهد‮ ‬،‮ ‬وترتيبه كجزء منفصل عن السياق ومعزول عنه بواسطة الإظلام السابق عليه‮ ‬،‮ ‬فإنه‮ ‬يبدو كتعقيب لاحق علي‮ ‬المتن‮ ‬،‮ ‬تشوبه الميلودرامية‮ ‬،‮ ‬يقدم تشبيها واضحا للرجل بالجثة‮ ‬،‮ ‬بتجسيده لموته المعنوي‮ ‬أو الرمزي‮ ‬السابق إبان حياته في‮ ‬صورة مادية‮ . ‬وفي‮ ‬رأيي‮ ‬،‮ ‬أن هذا زيادة في‮ ‬التصريح‮ ‬،‮ ‬ومن الأوفق‮ ‬،‮ ‬لصالح البلاغة اللغوية‮ ‬،‮ ‬لو‮ ‬يحذف المشبه به ويؤتي‮ ‬بصفة من صفاته تتجلي‮ ‬في‮ ‬نسيج العرض‮ ‬،‮ ‬ولو عبر الأداء‮ .‬
تقترب تجربة مجدي‮ ‬المنسوب مع‮ (‬الرجال لهم رؤوس‮) ‬لأن توصف بأنها كوميديا خفيفة‮‬Light comedy ? نجح خلالها في‮ ‬تقديم نفسه كممثل كوميدي‮ ‬،‮ ‬وفقا لرد فعل الجمهور‮ ‬،‮ ‬ولكن كمخرج أنصحه ـ إذا جاز لي‮ ‬النصح ـ بتوزيع الاهتمام علي‮ ‬ممثليه‮ ‬،‮ ‬وبمزيد من الانتباه للسياق الذي‮ ‬يضعهم فيه‮.

عبد الحميد منصور‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ‬الرجال لهم رؤوس
  • جهة الانتاج: جامعة عين شمس
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: محمود دياب
  • إخراج: مجدي المنسوب
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٤
أخر تعديل في الأحد, 17 شباط/فبراير 2013 13:56

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here