اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‮ ‬الدجال والقيامة‮ ..‬صرخات المرض وانتظار الخلاص

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

حين تجرف العقول وتستسلم لكل ما‮ ‬يشكلها فيغيب الوعي‮ ..‬فإنها البيئة الخصبة للدجل‮ ..‬لكن متي‮ ‬تكون القيامة ؟؟ متي‮ ‬تكون صحوة الخلاص ؟؟ نتتبع ذلك في‮ ‬مسرحية‮ " ‬الدجال والقيامة‮ " ‬التي‮ ‬عرضت بقاعة منف لفرقة قصر ثقافة أحمد بهاء الدين ضمن فعاليات المهرجان الختامي‮ ‬لفرق الأقاليم المسرحية‮ ‬،وهي‮ ‬من تأليف الكاتب عبد الكريم برشيد وإعداد موسيقي‮ ‬حسام حسني‮ ‬وديكور جلال أبو الدهب أما الإعداد والرؤية الإخراجية فلأحمد اسماعيل عبد الباقي‮ .   ‬
قدمت المسرحية باللغة العربية الفصحي‮ ‬وهي‮ ‬تنتمي‮ ‬للمسرح الاحتفالي‮ ‬الذي‮ ‬تميز به الكاتب المغربي‮ ‬عبد الكريم برشيد ويعتبر من أوائل منظريه في‮ ‬الوطن العربي‮ ..‬هذا النوع من المسرح الذي‮ ‬يقوم علي‮ ‬المجموع الشعبي‮ ‬من الشخصيات ورصد وتحليل الهموم التي‮ ‬تشمل الجميع سواء الخارجية أو النفسية الداخلية‮  .. ‬تتوافر فيه سمات الاحتفالية والجو الاحتفالي‮ ‬من التحرك الجماعي‮ ‬المكثف و الضحك الصاخب أحيانا والفانتازيا والأغاني‮ ‬وبعض أدوات الإبهار البسيطة وأسلوب التغريب والالتحام بالجمهور بل مخاطبته أحيانا ومحاورته لإشراكه في‮ ‬التفكير‮ .    ‬
‮     ‬تدور الأحداث في‮ ‬مصحة نفسية تضم حالات وشخصيات ومهن لشرائح مختلفة من المجتمع‮.. ‬ويتم إلقاء الضوء حول أسباب تواجد كل منهم في‮ ‬هذا المكان وما أوصلهم إليه‮ ..‬أما الأطباء والممرضون فهم أنفسهم من المختلين نفسيا مما‮ ‬يشير للمجتمع الكلي‮ ‬المريض الذي‮ ‬يضمهم بانعكاساته عليهم باختلاف‮  ‬شرائحهم ومناصبهم‮  ‬،‮ ‬يداوي‮ ‬الأطباء المرضي‮ ‬بالدعاء بدل الدواء‮ " ‬في‮ ‬بلادنا لا‮ ‬يوجد أهم من الدعاء"و‮" ‬الداء أكبر من الدواء‮ " ..‬كما‮ ‬يقول طبيبهم مدير المستشفي‮ ‬والذي‮ ‬يتملقونه وإن لم‮ ‬يقدم لهم شيئا بل به نفس أمراضهم‮. ‬تظهر ردود الأفعال المتباينة لكل من المرضي‮ ‬تجاه الواقع الذي‮ ‬رفضوه فأوصلهم إلي‮ ‬هنا‮..‬فنجد‮ " ‬قنبلة‮ " ‬الشخصية الانسحابية التي‮ ‬تفضل تفجير نفسها والانتحار كلما تأزمت الأمور وشعرت باليأس واللافائدة‮  ‬فهو الشكل الذي‮ ‬اتخذه في‮ ‬مقاومة ما‮ ‬يرفضه ويخافه‮..‬وهناك‮ " ‬مارشال‮ " ‬ذلك الرجل العسكري‮ ‬القديم الذي‮ ‬يعيش في‮ ‬مجد زائف وقد دمرته الحروب الخاسرة فبات‮ ‬يخاف حتي‮ ‬الموت فيقول‮ " ‬كونوا موتي‮ ‬حتي‮ ‬لا‮ ‬يدرككم الموت‮ " ‬،‮ ‬هناك أيضا‮ " ‬نعمان‮ "..‬نجده واقفا صامتا مبتعدا عن الجماعة‮ ‬يحمل دمية‮ " ‬عروسة‮ " ‬بيده‮ .. ‬ثم‮ ‬يخلو المسرح إلا منه ليأخذنا لأصل مأساته بطريقة‮ " ‬الفلاش باك‮ "..‬وهو مشهد هام حيث نسمع صوت البحر وما‮ ‬يوحي‮ ‬به من عمق‮..‬وللسينوجرافيا دور وجمال في‮ ‬هذا المشهد‮ ..‬فتعبر الستائر وتموجاتها عن موج البحر‮ ..‬لنري‮ ‬من خلال هذا التذكر ما حدث لنرجس ابنة نعمان‮ ..‬نرجس التقية المحبة للناس‮ ‬يوسوس الدجال لأبيها في‮ ‬ثوب الولي‮ ‬ليشكك في‮ ‬سلوكها ويتهمها بالغرور لطول نظرها لصورتها في‮ ‬النهر‮..‬فيحثه لدفعها نحو النهر ليغرقها‮ ..‬فيفعل الأب ليأتي‮ ‬صوتها الأخير‮" ‬الدجال‮ ‬يسحق الأطفال‮ " ‬فيطارده شبحها وإحساس الذنب الدفين للأبد‮ ..‬حتي‮ ‬يخاف بعدها من الاقتراب من الماء‮ ‬،‮ ‬هناك أيضا الإعلامي‮ ‬الذي‮ ‬يمارس شكل مهنته وسط المرضي‮  ‬بلا مضمون بملابس كوميدية وميكروفون من البلاستيك ومنظار من الزجاجات الفارغة‮ ..‬يعيش بعقدة من اكتشف الخداع وشارك فيه‮ ‬،‮ ‬أما عكاشة فهو الضرير الذي‮ ‬أحب نرجس وفقدها ليتزوج في‮ ‬النهاية نعناعة‮ ‬،‮ ‬وهناك متولي‮ ‬أو‮" ‬الحاج متولي‮ " ‬ذو الجلباب القصير فهو الشخص المنتمي‮ ‬للتدين المتزمت‮ ..‬هو كاره للفقراء‮ ‬يراهم أغبياء‮ " ‬فالغني‮ ‬باع آخرته بدنياه أما الفقير فباع آخرته بدنيا‮ ‬غيره‮ ".‬
وفي‮ ‬مشهد مميز في‮ ‬المسرحية‮ ‬يظهر الدجال لقنبلة‮ -‬الذي‮ ‬يلف حزاما ناسفا حول وسطه‮ - ‬بشخصيتين فهو مرة‮ "‬الويسترن‮" ‬راعي‮ ‬البقر الذي‮ ‬يتكلم بطريقة ومنطق معين ويقف في‮ ‬مكان ما ثم‮ ‬يصبح الولي‮ ‬أو الشيخ الذي‮ ‬يتكلم بلغة أخري‮ ‬مع تبديل مكانه وقبعته بتبدل الشخصيتين فيديرها لتكون طاقية بيضاء في‮ ‬حال الشيخ وقبعة راعي‮ ‬بقر في‮ ‬حال الشخصية الأخري‮ ...‬يطالبه أن‮ ‬يردد الكلام وراءه حتي‮ ‬يدخل الجنة‮ ..‬ليقول له مرة‮ " ‬ساير أزياء العصر‮ " ‬فترد الشخصية الشيخ‮ " ‬كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في‮ ‬النار‮ " ..‬ويتدرج الحديث حتي‮ ‬يدفعه الدجال لقول‮ " ‬المسلم للمسيحي‮ ‬عدو‮ ..‬المسلم للمسلم عدو‮ " ‬بل‮" ‬أبناء العم أهم من أبناء الدم‮ " ‬فيفهم قنبلة ويجن جنونه صارخا لاعناً‮ ‬من‮ ‬يدفعون الناس إلي‮ ‬الطريق الخطأ،‮ ‬هناك أيضا‮ "‬نعناعة‮ " ‬التي‮ ‬أدتها نفس الممثلة التي‮ ‬أدت نرجس وهو ازدواج‮ ‬يلائم النوع الاحتفالي‮ ‬الذي‮ ‬يلغي‮ ‬كثيرا من القيود‮ .. ‬نعناعة تري‮ ‬نفسها سلطانة مهما ذكروها بنفسها‮ ..‬أتت هي‮ ‬من حديقة الحيوان كما قالت لكنها تري‮ ‬نفسها كالنهر الصافي‮ ..‬ترقص وتتحدث بميوعة لكن ترفض أن توصف بالمنحلة‮ ..‬تبين نعناعة مدي‮ ‬ازدواجية الإنسان واختلافاته الداخلية عن صورته الخارجية في‮ ‬مجتمعه‮ ..‬هي‮ ‬تفخر بنفسها رغم أنها في‮ ‬نظر الجميع منحلة‮ ..‬تعلن عن طفل في‮ ‬أحشائها مفتخرة‮ ‬غير آبهة‮ .. ‬وإن وصمت بالانحلال نسبت الانحلال لنعناعة وليس لها‮ . ‬شيئا فشيئا‮ ‬يفهم الجميع ما حدث لهم وتتكشف أكاذيب الدجال لكل منهم فينقضون عليه‮ .. ‬فالإعلامي‮ ‬يراه من دفعه لتضليل الناس والمارشال‮ ‬يعلن أنه من دفعه لحروب خاسرة ونعمان‮ ‬يواجهه بوشايته عن ابنته‮..‬يطالبه كل منهم برد عزته‮ ..‬كرامته‮ ..‬ابنته‮ ..‬شبابه‮ ..‬صحته‮ ..‬أمانه‮ ..‬ثم‮ ‬ينتهون لطلب معالجتهم من القهر لكن الدجال لا‮ ‬يستطيع فالدجل في‮ ‬رؤوسهم‮ ..‬ليصرخ الإعلامي‮ ‬بالجملة الأقوي‮ ‬في‮ ‬المسرحية‮ " ‬لقد رضعنا الدجل مع الحليب‮ "‬وينهار الجميع صارخين مما بهم من انهيار،‮ ‬حسرة،‮ ‬ذل،‮ ‬انكسار،‮ ‬فينتهي‮ ‬العرض كما بدأ وهم ممسكون بالستائر تغطيهم كالأشباح منهارون لكن بشكل أكثر هياجا وفجيعة‮ ..‬لننتهي‮ ‬إلي‮ ‬حيث بدأ العرض‮.‬
النص‮ ‬يحمل سمات أسلوب كاتبه من حيث الاهتمام بالتراث في‮ ‬معظم‮  ‬أعماله وتحديدا الأسطورة لكنه ستناولها‮  ‬بفلسفة أخري‮ ..‬فنرجس التي‮ ‬تنظر في‮ ‬الماء وتتهم بالغرور ليست هي‮ ‬نرجس أو ناركسيوس في‮ ‬الأسطورة الإغريقية‮ ..‬فهي‮ ‬هنا تنظر لصورتها حبا في‮ ‬الخالق إلا أن الحكم السطحي‮ ‬يقتلها‮ ..‬كما‮ ‬يبين لنا تناقض المجتمع وكيف‮ ‬يضيع جهدنا في‮ ‬معالجة نتائج المشاكل وليس جذورها فالجميع‮ ‬يحاولون منع قنبلة من الانتحار‮ ..‬ويحاولون البحث عن والد طفل نعناعة أو البحث في‮ ‬رجمها‮ ..‬ثم‮ ‬ينتهون إلي‮ ‬تزويجها لعكاشة ويحتفلون بهما‮ ..‬وإقناع نعمان بموت ابنته الذي‮ ‬ينكره‮ ..‬متناسين أنهم أنفسهم مرضي‮ ‬يجمعهم مكان مريض أيضا‮ ..‬كل ذلك قدم في‮ ‬قالب كوميدي‮ ‬ساخر موجع‮.. ‬فالمسرحية تعري‮ ‬المجتمع وتكشف عن جهله وأمراضه من قاعه إلي‮ ‬قمته‮ ..‬وترينا كيف‮ ‬يرتدي‮ ‬الدجال أثوابا عدة ومنطقا مختلفا‮ ‬يلد أمراضنا‮ ..‬وأن الدجل داء مجتمع رضعه مع الحليب‮ .‬
العرض عابه مشكلة الصوت وانخفاضه المتكرر‮ ..‬أما الديكور فهو فقير كسمة الجو الاحتفالي‮ ‬الشعبي‮ .. ‬وكان أهم ما فيه الستائر البيضاء التي‮ ‬تفترش الأرض والجدران وما فيها من تمزق وثقوب تبدو كبقع سوداء تلطخها‮ ‬يظهر من إحدي‮ ‬فتحاتها رأس الدجال في‮ ‬بعض المشاهد‮ ..‬كما توصل بحركتها والتفافها علي‮ ‬الشخصيات خاصة في‮ ‬النهاية ذروة صراعها ومعاناتها‮ ..‬فقد تكشفت الحقائق وكل ضاق بدائه واكتشف دجاله‮ ..‬لكن تري‮ ‬متي‮ ‬تكون القيامة ؟؟

 

أمل ممدوح

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ‬الدجال والقيامة
  • جهة الانتاج: قصر ثقافة أحمد بهاء الدين - أسيوط - هيئة قصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: عبد الكريم برشيد
  • إخراج: أحمد إسماعيل عبد الباقي
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here