اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

رحلة حنظلة من الاستكانة إلي‮ ‬الثورة المسروقة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

منذ أن ترجم الناقد السوري‮ ‬د. نبيل حفار مسرحية الألماني‮ "‬بيتر فايس‮" (‬كيف تخلص السيد موكينبوت من آلامه‮) ‬في‮ ‬عقد السبعينيات من القرن الماضي‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تقبع في‮ ‬أعماقها رحلة دانتي‮ ‬من الجحيم إلي‮ ‬الفردوس،‮ ‬ورحلة الإنسان الأوربي‮ ‬من ظلمة الجهل إلي‮ ‬نور العقل‮ ‬،‮ ‬ورحلة الإنسان عامة من الركون للواقع للسعي‮ ‬لتغييره‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬اقتبس‮ ‬موضوعها الكاتب السوري‮ ‬الكبير‮ "‬سعد الله ونوس‮" ‬أواخر ذاك العقد‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬زمن انتقاله التدريجي‮ ‬من مرحلة تسييس المسرح وتعليمية رسالته إلي‮ ‬انسانته والكشف عن جوهر وجوده وحضوره في‮ ‬زمنه وأزمنته اللاحقة‮ ‬،‮ ‬وهو نفس الزمن الذي‮ ‬اقتبس فيه‮ "‬ونوس‮" ‬أيضا موضوع مسرحية‮ (‬القصة المزدوجة للدكتور بالمي‮) ‬للكاتب الأسباني‮ "‬بوييرو باييخو‮" ‬،‮ ‬وأعاد استنباته في‮ ‬التربة العربية باسم‮ (‬اغتصاب‮) ‬،‮ ‬ليناقش من خلاله قضية الصراع العربي‮ ‬الإسرائيلي‮ ‬علي‮ ‬أساس سيكولوجي‮ ‬،‮ ‬داخلا بعدهما لعالم المنمنمات والطقوس والسراب والأيام المخمورة بعبق تسعينيات التغيير الإيديولوجي‮ ‬للعالم‮ ‬.
اقتبس‮ "‬ونوس‮" ‬موضوع مسرحية‮ "‬بيتر فايس‮" ‬ومنح شخصية‮ (‬موكينبوت‮) ‬الألمانية اسما عربيا هو‮ "‬حنظلة‮" ‬تيمنا باسم الشخصية الكاريكاتورية الساخرة سياسيا لرسام الكاريكاتير الشهير‮ "‬ناجي‮ ‬العلي‮" ‬،‮ ‬الذي‮ ‬اغتيل قبيل كتابة مسرحية‮ "‬ونوس‮" ‬بعام واحد،‮ ‬وإن ولدت شخصية‮ "‬حنظلة‮" ‬الكاريكاتورية قبل ذلك بسنوات‮ ‬،‮ ‬وعقب هزيمة‮ ‬67 ‮ ‬المريرة‮ ‬،‮ ‬ليظل مدافعا عن حق الفلسطيني‮ ‬في‮ ‬العودة‮ ‬،‮ ‬مواجها العالم بابتسامة ساخرة‮ ‬،‮ ‬ثم مديرا له وجهه‮ ‬،‮ ‬وعاقدا‮ ‬يديه خلف ظهره بعد أن صار أيقونة للعربي‮ ‬الذي‮ ‬انتصر جيشه عام‮ ‬73 ‮ ‬وانهزمت أنظمته بعد ذلك‮ ‬،‮ ‬فاتخذه‮ "‬ونوس‮" ‬رمزا للغفلة التي‮ ‬اكتنفت الإنسان العربي‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬كان لابد وأن‮ ‬يمر برحلة الامتهان في‮ ‬وطنه‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬يدرك أن عليه مواجهة هزيمة أنظمته بوعي‮ ‬صحيح بواقعه‮ ‬.
رسالة الغفران
حمل نص مسرحية‮ "‬ونوس‮" ‬عنوان‮ (‬رحلة حنظلة من الغفلة إلي‮ ‬اليقظة‮) ‬،‮ ‬كامنا بأعماقه أمل الانعتاق من زيف الحاضر ليقين الغد‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬رحلة أشبه برحلة المعري‮ ‬في‮ ‬رسالته الغفرانية الشهيرة للوصول إلي‮ ‬الجنة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬مزج عصري‮ ‬بأحلام الطبقات الدنيا في‮ ‬الخروج من حالها الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬المتردي‮ ‬،‮ ‬لحال أفضل‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم إلا بالوعي‮ ‬بالواقع المتردي‮ ‬ذاته‮ ‬،‮ ‬وبأن الأفضل ليس حلما‮ ‬،‮ ‬بل حقا مطلوبا‮ ‬،‮ ‬لهذا هام بهذه الرحلة الكثير من المسرحيين في‮ ‬البلدان العربية‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يرون أن من أهم مهام المسرح في‮ ‬العقود الأخيرة هو الأخذ بيد المتلقي‮ ‬في‮ ‬رحلة مشابهة لرحلة‮ "‬حنظلة‮" ‬،‮ ‬دون المرور المادي‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬فقاموا بإعادة صياغة النص الونوسي‮ ‬،‮ ‬ليكون أردنيا علي‮ ‬يد المخرج‮ "‬فراس الريموني‮" ‬،‮ ‬وسودانيا علي‮ ‬يد الكاتب والمخرج‮ "‬يحيي‮ ‬فضل الله العوض‮" ‬،‮ ‬وكويتيا علي‮ ‬يد المخرج‮ "‬فؤاد الشطي‮" ‬،‮ ‬كما امسي‮ ‬مصريا أكثر من مرة‮ ‬،‮ ‬لكون شخصيته تماثل كل مواطن عربي‮ ‬،‮ ‬وعذاباته اليومية متشابهة‮ ‬،‮ ‬ورحلته هي‮ ‬أمل المسرحي‮ ‬العربي‮ ‬في‮ ‬توعية مجتمعه‮ ‬،‮ ‬وأحدث نسخة له تجدها في‮ ‬مسرحية الطليعة اليوم بيد المخرج الجاد‮ "‬إسلام إمام‮" ‬والعاشق لإعادة صياغة النصوص الدرامية وإخضاعها لرؤيته الخاصة‮ ‬.
يدير المخرج المعد موضوع مسرحيته في‮ ‬أجواء كباريه‮ ‬،‮ ‬تمتزج فيه ألاعيب البلياتشو بأصوات الأوبرا‮ ‬،‮ ‬وينقسم فيه الراوي‮ "‬حرفوش‮" ‬إلي‮ ‬شاب وفتاة مختفية خلف زي‮ ‬وشنب رجل‮ ‬،‮ ‬وإن احتفظا بنفس هيئته في‮ ‬النص الونوسي‮ ‬،‮ ‬الأقرب لمهرج السيرك‮ ‬،‮ ‬وبذات الوظيفة الدرامية في‮ ‬تقديم الشخصية الرئيسية والحكي‮ ‬عنها وعن مشاعرها والتحاور معها للكشف عما‮ ‬يدور بعقلها‮ ‬،‮ ‬وهما‮ ‬يستدعيانها مع استدعائهما لثلاثي‮ ‬المطربين المعلقين‮ ‬غناء علي‮ ‬الوقائع‮ ‬،‮ ‬والذين‮ ‬يجلسون بالقرب من الجمهور‮ ‬،‮ ‬وبنفس توجههم‮ ‬،‮ ‬مقابل فضاء المسرح‮ ‬،‮ ‬داخل قاعة صلاح عبد الصبور المسرحية‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬تحول إلي‮ (‬بيست‮) ‬محاط بأنوار الملاهي‮ ‬الليلية‮ ‬،‮ ‬ومهيمن علي‮ ‬حدث المسرحية‮ ‬،‮ ‬والمنطلق من موقف أشبه بمواقف‮ "‬كافكا‮" ‬الشهيرة‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يقبض علي‮ ‬الشخصية الرئيسية‮ "‬حنظلة‮" ‬ذات ليلة دون أن‮ ‬يعرف تهمته‮ ‬،‮ ‬ويزج به في‮ ‬السجن‮ ‬،‮ ‬ليظل فيه ستة أشهر دون جريرة‮ ‬،‮ ‬ويخبرنا ثنائي‮ ‬الرواة أنه رجل مسالم‮ ‬،‮ ‬يعمل عامل نظافة‮ ‬،‮ ‬بدلا من كونه‮ "‬عداد فراطة في‮ ‬بنك الازدهار‮" ‬،‮ ‬يشكل تناقضا حادًا بين عدم امتلاكه للنقود‮ ‬،‮ ‬وعمله اليومي‮ ‬في‮ ‬عدها‮ ‬،‮ ‬ويعلن هو أنه‮ ‬يعيش دوما‮ "‬بجوار الحائط‮" ‬،‮ ‬مستكينا وهاربا من أية مواجهة‮ ‬،‮ ‬ومخبأ للقرش الأبيض كي‮ ‬ينفعه فيما بعد‮ ‬،‮ ‬وهو ما سيدركه في‮ ‬السجن‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يجب عليه أن‮ ‬يدفع كل ما ادخره رشوة لسجنائه كي‮ ‬يسمحوا له بالخروج من السجن‮ ‬،‮ ‬فيعود لزوجته ليجدها قد حولت بيته لماخور‮ ‬،‮ ‬وتطرده من البيت مدعية عدم تفهمها لسر‮ ‬غيابه‮ ‬،‮ ‬بل ومتهمة إياه بالخيانة‮ !! ‬،‮ ‬كما‮ ‬يطرد من عمله لتغيبه عنه دون إذن أو مبرر معقول‮ ‬.
بين التجريد والتجسيد
البيت والعمل‮ ‬يلفظانه‮ ‬،‮ ‬فيدخله ثنائي‮ ‬الرواة المحركين له عيادة طب سيكو إعلامي‮ ‬،‮ ‬ويفشل طبيبها الإعلامي‮ ‬في‮ ‬غسل مخه‮ ‬،‮ ‬فيصحبانه لدرويش‮ ‬يدعوه للتسليم بواقعه‮ ‬،‮ ‬والرضا بالمقسوم له‮ ‬،‮ ‬مؤكدا علي‮ ‬ما كان عليه حال‮ "‬حنظلة‮" ‬قبل أن‮ ‬يحتك بعالم قاس‮ ‬،‮ ‬يجبره علي‮ ‬الارتشاء‮ ‬،‮ ‬وتطرده الزوجة من بيته‮ ‬،‮ ‬ومديره من عمله‮ ‬،‮ ‬ويعيد عليه الدرويش ما كان‮ ‬يعتقد أنه الصواب‮ ‬،‮ ‬غير أن رحلته مع هذا العالم القاسي‮ ‬،‮ ‬تنير لوعيه الطريق نحو ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يفعله أمام هذا النظام الظالم‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يفرض عليه الجوع‮ ‬،‮ ‬ويصادر حريته‮ ‬،‮ ‬ويغتال براءته‮ ‬،‮ ‬ويفسد ذهنه‮ ‬،‮ ‬ويشوش عقيدته‮ ‬،‮ ‬فيشارك شباب مثله في‮ ‬ثورة تسقط النظام الظالم‮ ‬،‮ ‬لكن لأن وعيه بالعالم كان قاصرا‮ ‬،‮ ‬وحركته في‮ ‬الشارع كانت‮ ‬غير منظمة‮ ‬،‮ ‬سرعان ما سقطت ثمار الثورة بأيدي‮ ‬شبيهة بالأيدي‮ ‬القديمة‮ ‬،‮ ‬وواجه نفسه وجمهوره بحقيقة ما آل إليه حاله ؛ ثائر سرقت منه ثورته بليل‮ ‬،‮ ‬ومواطن تمرد علي‮ ‬استكانته‮ ‬،‮ ‬دون أن‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يحول التمرد إلي‮ ‬نظام‮ ‬يحميه‮ ‬.
بني‮ "‬بيتر فايس‮" ‬شخصية‮ "‬موكينبوت‮" ‬بناء تجريديا‮ ‬،‮ ‬يرمز للإنسان المعاصر المعذب في‮ ‬زمن الرأسمالية المتوحشة‮ ‬،‮ ‬وغرس‮ "‬ونوس‮" ‬شخصيته‮ "‬حنظلة‮" ‬في‮ ‬طين الأرض العربي‮ ‬،‮ ‬ليصير فلسطينيا مقهورا وعربيا مشوش الوعي‮ ‬،‮ ‬وصاغ‮ "‬إسلام إمام‮" ‬شخصيته التي‮ ‬احتفظت باسم‮ "‬حنظلة‮" ‬،‮ ‬ليقف بها عند الحدود المتماسة بين التجريد الذهني‮ ‬والتجسيد الواقعي‮ ‬،‮ ‬فيصبح بين‮ ‬يديه أيقونة لكل شباب الوطن‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬ضحي‮ ‬بدمائه في‮ ‬هبة ثورية‮ ‬،‮ ‬سرقت من بين‮ ‬يديه دون أن‮ ‬يدري‮ ‬،‮ ‬أو وهو‮ ‬يدري‮ ‬دون أن‮ ‬يقدر علي‮ ‬حماية ثورته‮ ‬،‮ ‬وحمل علي‮ ‬لسانه كل مفردات الثورة الراهنة‮ ‬،‮ ‬وكل إفيهات الفيس بوك التي‮ ‬ابتكرها شباب الثورة ليسخر من كل شئ حوله وفعله‮ ‬،‮ ‬وأدار حركة شخصيته فيما بين السجن والبيت والعمل والعيادة ومقر الدرويش‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مشاهد سريعة وبأدوات بسيطة داخل الإطار العام لفضاء المسرح المفتوح علي‮ ‬جمهوره‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬صاغه‮ "‬محمد هاشم‮" ‬ليصبح الكباريه هو المجتمع الذي‮ ‬تدور فيه وقائع المسرحية‮ ‬،‮ ‬والمحتوي‮ ‬لمفرداتها‮ ‬،‮ ‬والسامح لفرسكة المواقف‮ ‬،‮ ‬وغلظة الحركة‮ ‬،‮ ‬والاقتراب من ضحالة اللغة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬يرتفع بها‮ ‬غناء فريق العمل بكلمات‮ "‬عبد الله الشاعر‮" ‬،‮ ‬التي‮ ‬صاغها لحنا موسيقيا سهل التلقي‮ "‬وليد الشهاوي‮" ‬،‮ ‬وأداها بجدية تناقض ملابس مؤديها‮ "‬شادي‮ ‬عبد السلام‮ " ‬و"آيات مجدي‮" ‬و"أمجد الحجار‮" ‬،‮ ‬في‮ ‬مشاركة متميزة مع الممثلين‮ "‬أحمد فتحي‮" ‬وياسر عزت‮" ‬و"أحمد عبد الهادي‮" ‬وسماح سليم‮" ‬و"محمد علي‮ ‬رزق‮" ‬و"رشا جابر‮" ‬.
عرض شبابي‮ ‬جاد‮ ‬،‮ ‬يستخدم الغناء والرقص والسخرية وكسر الإيهام وآليات الحكي‮ ‬والتمثيل داخل التمثيل‮ ‬،‮ ‬ليتجاوز فردية شخصيته الدرامية ومأساتها الخاصة‮ ‬،‮ ‬لعمومية المواطن المأزوم‮ ‬،‮ ‬وشمولية قضيته التي‮ ‬وعي‮ ‬عبر رحلته من جحيم السجن لفردوس الثورة‮ ‬،‮ ‬أن وعيه لم‮ ‬يكتمل بعد‮ ‬،‮ ‬وأن عدم امتلاكه لإيديولوجية مغايرة أضاع منه ثورته‮ ‬،‮ ‬وأن إسقاط النظام في‮ ‬ذاته ليس هو الحل‮ ‬،‮ ‬بل التغيير الجذري‮ ‬المفتقد حتي‮ ‬الآن علي‮ ‬أرض الواقع هو الملاذ والمعبر الحقيقي‮ ‬عن الثورة التي‮ ‬ضحي‮ ‬من أجلها‮‬.

 

د. حسن عطية

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: حنظلة
  • جهة الانتاج: مسرح الطليعه بيت المسرح - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: سعد الله ونوس
  • إخراج: إسلام إمام
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here