اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

حريم النار .. ‬تآلف الإبداع

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬تآلف فريد بين مبدعي‮ ‬العرض المسرحي‮ ( ‬حريم النار‮ ) ‬مابين مؤلفه الأول الشاعر الأسباني‮ ‬لوركا ومُمصره وصاحب الصياغة الغنائية شاذلي‮ ‬فرح وبين المُخرجة الموهوبة ريهام عبد الرازق بل وبين مصمم الديكور ومصمم الإضاءة كذلك تم تقديم العرض المتميز‮ ( ‬حريم النار‮ ) ‬من إنتاج بيت ثقافة القباري‮ ‬فرع الإسكندرية بالدورة‮ ‬38 ‮ ‬لمهرجان فرق الأقاليم‮ ( ‬بيوت وقصور وقوميات‮ ) ‬بقاعة‮ ( ‬منف‮ ) ‬بإدارة المسرح بالعجوزة،‮ ‬ولنبدأ من الصورة الأولي‮ ‬والتي‮ ‬أطل بها علينا مصمم الديكور الفنان‮ / ‬محمد عبد العال تلك الصورة التي‮ ‬اتسمت بالبساطة لبيت من البيوت المصرية الجنوبية‮ ( ‬دار‮) ‬يتسع لأسرة مصرية متعددة الأنماط ولضيوفهم والخادمة التي‮ ‬تحيا بينهم كواحدة منهم‮ ‬– ورغم بساطة تلك الدار إلا أنها تشعر بالأحداث التي‮ ‬تجري‮ ‬مابين جدرانها بل وتعبر عن شعورها وتخبرنا كجمهور بكل ما تشعر به من خلال الشروخ الجدارية التي‮ ‬تمتد في‮ ‬حوائطها بداية من الأساس حتي‮ ‬ترقي‮ ‬إلي‮ ‬سقف الدار بالكامل وكذلك من خلال المداخل المتعدده‮ ‬يمينا‮ ‬ً‮ ‬ويسارا‮ ‬ً‮ ‬وفي‮ ‬صدر المسرح‮ ‬, فالدار رحبة وبها منافذ تطل علي‮ ‬الشارع الخلفي‮ ‬الذي‮ ‬أشارت إليه الأحداث وتحتوي‮ ‬علي‮ ‬غُرف خاصة بالفتيات ولها نافذة قريبة‮ ‬يمين خشبة المسرح‮ ( ‬يسار الجمهور‮ ) ‬تنبيء عن وجود الرجال الذين لا تراهم العيون ولكن نشعر بهم من خلال أصواتهم القادمة من خلف النافذة في‮ ‬موسم الحصاد‮ ‬, كما‮ ‬يوجد بالدار أيضا‮ ‬ً‮ ‬ما تتسلل منه الفتيات ليلا في‮ ‬محاولة مستميتة منهن ليرتبطن بالعالم الخارجي‮ ‬خارج تلك الدار‮ ‬, هي‮ ‬ليست دارا‮ ‬ً‮ ‬بسيطة إذن ولكنها تصميم لديكور رغم بساطته الظاهرة إلا أن أبعاده تعددت واشتركت في‮ ‬الأحداث وساعدت علي‮ ‬نموها من خلال المناطق المرئية والمناطق‮ ‬غير المرئية وحققت كل الدلالات المطلوبة منها كما أتاحت للتمثيل المساحات الكافية والتي‮ ‬تستوعب الحركة علي‮ ‬كافة المستويات‮ ( ‬فردية وثنائية وجماعية‮ ) ‬،‮ ‬وبعد الصورة نأتي‮ ‬إلي‮ ‬الإضاءة التي‮ ‬اشتركت مع التعبير الحركي‮ ‬لتقديم اللوحة التشكيلية الأولي‮ ‬للعرض والنساء في‮ ‬تلك اللوحة التشكيلية‮  ‬نساء‮ ‬غير‮  ‬واقعيات متحررات من أي‮ ‬بعد في‮ ‬مجتمعهن بل هن شخصيات برية أو‮ ‬غجرية أتت من مجتمع آخر بحركاتها المدروسة فنيا‮ ‬ً‮ ‬وبنواحِها المُقدم من خلال إطار فني‮ ‬منتظم ومُحافظ علي‮ ‬إيقاعهِ‮ ‬العام وبعديدِها الموروث‮ ‬– أتت لتودع ربَ‮ ‬هذه الأسرة المنكوبة ونكبتها ليست بسبب موت الأب وفراقه لبيته وأهله وضياع العز والجاه معه إنما نكبتها الكبري‮ ‬تكمُن في‮ ‬قطع صلة حياة أفراد تلك الأسرة بالحياة ونعيمها وتسلط شخصية الأم والتي‮ ‬قدمتها لنا باقتدار وتمكن ووعي‮ ‬الفنانة‮ / ‬نيرمين البوريدي‮ ‬في‮ ‬دور‮ ( ‬فتحية شلقم‮ ) ‬لتكون أبا لبناتها أشد قسوة من قسوة الأب المتوفي‮ ‬منذ لحظات مضت وأكثر قهرا‮ ‬ً‮ ‬عليهن منه نفسه‮ ‬– ويبدأ العرض الذي‮ ‬يبدو كالديكور بسيطا‮  ‬ولكنه‮ ‬غير ذلك،‮ ‬فقد اهتمت المخرجة الواعدة‮ / ‬ريهام عبد الرازق بالبواعث النفسية لكل شخصية حتي‮ ‬تأتي‮ ‬الحركة وكأنها حركة لا إرادية‮  ‬لم‮ ‬يصممها أحد ولم‮ ‬ينفذها أحد ولكن الغريزةً‮ ‬والنزعة الآدمية هي‮ ‬التي‮ ‬تدفع خطوات الشخصية دفعا‮ ‬ً‮ ‬منطقيا‮ ‬ً‮ ‬– هناك إذن اتفاق علي‮ ‬البساطة الظاهرية والتي‮ ‬تخفي‮ ‬وراءها الكثير من العمق الفني‮ ‬،‮ ‬فحقيقة الأمر أن الفنانة‮ / ‬ريهام قامت بتصميم حركة رشيقة متصلة بوجدان كل شخصية وساقت الحركة الاجمالية في‮ ‬لوحة واحدة ذات إيقاع منضبط إلي‮ ‬أبعد حد‮ ‬– وجاء التمثيل كذلك فيبدو للوهلة الأولي‮ ‬أننا أمام أدوار تم توزيعها علي‮ ‬مجموعة من الممثلات عاليات المستوي‮ ‬والموهبة والتدريب الشاق وما كان عليهن سوي‮ ‬تقديم ما تم تدريبهن عليه بكل دقة ولكن حقيقة الأمر أن التمثيل حدث بالمعايشة أولا‮ ‬ً‮ ‬وكل ممثلة قد عاشت مع الشخصية التي‮ ‬ستؤديها حتي‮ ‬أصبحتا شخصية واحدة وحافظت الممثلة علي‮ ‬انفعال الشخصية التي‮ ‬عايشتها طوال الوقت‮  ‬وفي‮ ‬اعتقادي‮ ‬الشخصي‮ ‬أنهن قد خرجن بتلك الشخصيات لفترة زمنية امتدت لما بعد العرض وهذا بالطبع لا‮ ‬يتأتي‮ ‬إلا في‮ ‬وجود المخرج المُدرب والمتميز أيضا‮ ‬ً‮ ‬وفي‮ ‬وجود ممثلات فوق العادة كالفنانة عبير علي‮ ‬التي‮ ‬كانت وردانة‮ ( ‬ولا أقول قامت بتمثيل دور وردانة‮ ) ‬حتي‮ ‬في‮ ‬ثقافتها وتطابقها مع ثقافة الشخصية التي‮ ‬تقوم بها والفنانات سلوي‮ ‬أحمد‮ ( ‬رئيسة‮ ) ‬وآية نصر‮ (‬رسمية‮ ) ‬وأميرة حافظ‮ ( ‬قوت‮ ) ‬ودعاء جعفر‮ ( ‬روح‮ ) ‬ونور علاء الدين‮ ( ‬طير البر‮ ) ‬،‮ ‬وليكن الحديث بشكل شامل علي‮ ‬التمثيل فكل الممثلات بلا استثناء كن فوق العادة متمكنات من طبقات أصواتهن منضبطات في‮ ‬الأداء‮ ( ‬التوازن بين الانفعال بالجملة وأدائها‮ ) ‬دارسات بعمق للشخصيات متمكنات من البواعث العاطفية التي‮ ‬تؤثر في‮ ‬أداء كل شخصية‮ ‬،‮ ‬ويأتي‮ ‬بعد ذلك الفنان إبراهيم الفرن ليُغلف هذا العرض الممتع بنبضات لونية تشترك في‮ ‬كثير من المشاهد دون مباشرة أو خلل عن طريق الإضاءة التي‮ ‬ساهمت بقدر وافر في‮ ‬تحقيق العامل النفسي‮ ‬الموائم لما تراه العين دون حالة الإعتام التي‮ ‬تصاب بها كثير من العروض في‮ ‬مقابل تقديم لوحة ضوئية حتمية لمشهد من المشاهد وقد قرأ الشروخ الجدارية قراءة جيدة جعلها تتواجد وتنمو من مشهد إلي‮ ‬آخر‮ - ‬فقط كل ما لفت انتباهي‮ ‬في‮ ‬الإضاءة هو وجود لمبات الجاز المشتعلة طوال العرض سواء كانت اللحظة الآنية نهارا‮ ‬ً‮ ‬أم ليلا‮ ‬ً‮ ‬– كذلك كان لوجود النائحات والموسيقي‮ ‬للفنان أحمد راجح الأثر العميق في‮ ‬النفس‮ ( ‬نفس المشاهد ونفس الممثل‮ ) ‬طيلة الوقت‮ ‬– نحن إذن أمام عرض مسرحي‮ ‬يتسم‮  ‬بالبساطة والعمق في‮ ‬آن واحد وهو نفس المبدأ المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يعمل عليه فدريكو جارسيا لوركا‮  ‬حيث كانت تتسم بعض شخوصه الأساسية بالهدوء الظاهري‮ ‬ولكنه في‮ ‬حقيقة الأمر هدوء‮ ‬يؤجج الصراع بين باقي‮ ‬الشخصيات ويدفعها إلي‮ ‬الإنطلاق دوما‮ ‬ً‮ ‬لكسر كل ما‮ ‬يحيط بها من حواجز وقيود‮ ‬،‮ ‬فشخصيات لوركا تمتلك نزعات بشرية مطلقة لا تطيق القيد أو الخضوع لقوانين رسم الشخصيات داخل أي‮ ‬إطار وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬ليست كالتروس التي‮ ‬تلعب دورها في‮ ‬أي‮ ‬مجتمع تحت ضوابط قوانينه ومفرداته التي‮ ‬يمليها علي‮ ‬الجميع‮ ‬, كما كانت شخصيات لوركا مدفوعة علي‮ ‬الدوام بالعاطفة المطلقة التي‮ ‬تخلق منها شخصيات ريفية أو‮ ‬غجرية لا تتقيد بالمكبلات التي‮ ‬تعرفها المدينة ويتكبل بها المتحضرون ولذا كانت شخصياته بسيطة وتلقائية وعلي‮ ‬سجيتها وكأنها شخصيات برية نبتت وسط الطبيعة ولهذه الأسباب السالفة حازت شخصيات لوركا الجمال البكر, والغريب في‮ ‬الأمر أن المُمصر الفنان شاذلي‮ ‬فرح قد حافظ علي‮ ‬نفس الأبعاد وكأن هناك اتفاقًا بينه وبين الشاعر الأسباني‮ ‬الكبير‮ ‬،‮ ‬فقد نقل لنا النص الأصلي‮ ‬من منبته إلي‮ ‬الجنوب المصري‮ ‬بطعمه وريحته ولهجته‮ ( ‬علشان‮ ‬يبدو مصري‮ ‬صُح‮ ) ‬دون خلل أو فارق بين ما هدف إليه لوركا وما قدمه شاذلي‮ ‬في‮ ‬النهاية فكانت النتيجة واحدة في‮ ‬الحالتين‮ ‬, فعند لوركا عندما‮  ‬كانت شخصياته العاطفية تتعرض للقهر فإنها تتجه بإرادتها لإفناء ذاتها وكأنها تعشق الفناء والتلاشي‮ ‬علي‮ ‬أن تتلذذ بحب دنيوي‮ ‬فانِ‮ ‬ٍ‮( ‬وأما ابنتي‮ ‬فأنزلوها‮ ‬– إنها ماتت عذراء‮ ‬– احملوها إلي‮ ‬غرفتها وألبسوها ثياب العذاري‮ ‬– ولا‮ ‬يقولن أحد منكم شيئا‮ ‬ً‮ ‬– ‮ ‬ابنتي‮ ‬ماتت عذراء‮ ‬– وأبلغوا النبأ حتي‮ ‬تدق أجراس الكنيسة في‮ ‬الفجر معلنة أن فتاة بكرًا قد اختارها الله‮ ....‬النص الأصلي‮ ‬بيت برناردا ألبا‮... ) ‬،‮ ‬حتي‮ ‬هذا أيضا‮ ‬ً‮ ‬قد إتفق فيه شاذلي‮ ‬مع الشاعر الأسباني‮ ‬– كذلك كان المحرك الأساسي‮ ‬والباعث الرئيسي‮ ‬لكل الانفعالات في‮ ‬العرض هو الرجل الغائب عن المشهد المسرحي‮ ‬طيلة الوقت فرغم‮ ‬غياب الرجل‮ ( ‬مرة في‮ ‬صورة الأب المتوفي‮ ‬قبل العرض بلحظات ومرة أخري‮ ‬في‮ ‬صورة أحمد علي‮ ‬المتواجد بيننا ولكننا لا نراه مطلقا‮ ‬ً‮ ‬ولا‮ ‬يظهر أبدا‮ ‬ً‮ ‬ومرة ثالثة في‮ ‬صورة زوج وردانه فإننا نضحك من سلوكه معها قديما‮ ‬ً‮ ‬ولكن أيضاً‮ ‬دون أن نراه‮.‬

 

‮  ‬فتحي‮ ‬الكوفي

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: حريم النار " عن برنارد ألبا لـ لوركا "
  • جهة الانتاج: بيت ثقافة القباري - هيئة قصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: شاذلي فرح
  • إخراج: ريهام عبد الرازق
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here