اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

برج العرب‮.. ‬أرض لا تنبت الزهور‮.. ‬وتنبت الأفاعي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ارتكزت معظم الكتابات المسرحية بعد هزيمة الخامس من‮ ‬يونيو في‮ ‬العام‮ ‬1967‮ ‬علي‮ ‬الاحتماء بالتراث العربي‮ ‬سواء كان هذا التراث تاريخيا أو أدبيا أو حتي‮ ‬أسطوريا،‮ ‬وما كان ذلك الاحتماء سوي‮ ‬رد فعل طبيعي‮ ‬لما أحدثته الهزيمة بالحلم العربي‮ ‬والمشروع العربي‮ ‬النهضوي‮ ‬الذي‮ ‬تجلي‮ ‬في‮ ‬مصر خاصة،‮ ‬وزلزلة الهوية العربية واكتساحها والإحساس بضياعها لدي‮ ‬النخبة العربية التي‮ ‬تفاجأ البعض منها بتلك الهزيمة،‮ ‬ولم‮ ‬يفاجأ بها البعض الآخر،‮ ‬بل استشرفها من تداعيات المشهد السياسي‮ ‬حينئذ،‮ ‬وما أكثر الكتابات المسرحية التي‮ ‬استشرفت ذلك الانكسار النكسوي،‮ ‬وسواء هؤلاء أو هؤلاء كان الإحساس بشرخ الهزيمة في‮ ‬الجدار العربي‮ ‬عميقًا،‮ ‬وكان علي‮ ‬تلك النخبة المبدعة‮ - ‬خصوصا‮ - ‬البحث عن جدار صلب‮ ‬يلملم أشلاء تلك الهوية التي‮ ‬أدت الهزيمة إلي‮ ‬تداعيها،‮ ‬ولم‮ ‬يكن سوي‮ ‬التراث العربي‮ ‬بكافة أشكاله وأنواعه الذي‮ ‬لجأ إليه المبدعون للغوص فيه تأكيدا لتلك الهوية،‮ ‬وجاء كثير من الكتابات المسرحية مستديمة لذلك التراث،‮ ‬وإن اختلفت آلية التعامل مع هذا التراث بين كاتب وآخر‮... ‬فمنهم من اقتصر تعامله معه علي‮ ‬مجرد الإحياء تأكيدا لعمق تاريخي‮ ‬وحضارة وهوية متجذرة لا‮ ‬يمكن لها أن تهوي‮ ‬بسهولة،‮ ‬ومنهم من التجأ إلي‮ ‬لحظات تاريخية وأحداث وشخوص بعينها تتماهي‮ ‬مع الآني‮ - ‬حينئذ‮ - ‬ومن ثم‮ ‬يمكن حملها لرؤية المبدع في‮ ‬الآني‮ - ‬حينئذ‮ - ‬أو حتي‮ ‬مغازلته في‮ ‬أسوأ التقديرات هربا من رقابة سياسية صارمة،‮ ‬وديكتاتورية‮ - ‬حتي‮ ‬وإن كانت عادلة أو ادعت أنها كذلك‮ - ‬مؤكدة،‮ ‬وبوليسية مكبلة‮.. ‬حاول المبدع دائما أن‮ ‬يجد مهربا منها بإسقاطاته علي‮ ‬ما‮ ‬يستدعيه من التراث‮... ‬هكذا جاءت كتابات عبد الرحمن الشرقاوي،‮ ‬ميخائيل رومان،‮ ‬محمود دياب،‮ ‬ألفريد فرج،‮ ‬رءوف مسعد،‮ ‬وحتي‮ ‬بعض كتابات رشاد رشدي،‮ ‬وأكدتها كتابات الجيل التالي‮ ‬في‮ ‬نهاية الستينيات،‮ ‬وكل السبعينيات‮.‬
وتنتمي‮ ‬مسرحية‮ »‬أرض لا تنبت الزهور‮« ‬للكاتب محمود دياب لتلك النوعية التي‮ ‬جعلت من التراث العربي‮ ‬مصدرا ومرتكزا تؤكد من خلاله علي‮ ‬عمق الهوية العربية،‮ ‬وفي‮ ‬ذات التوقيت‮ ‬يسمح لها التراث بمتنفس تعكس رؤيتها للواقع من خلاله‮.. ‬ذلك الواقع العربي‮ ‬المتشرذم المكفوء في‮ ‬معظم بلدانه علي‮ ‬بطن ذاتية قياداته السياسية وتثبيت أنظمة حكمها الطاغوتية،‮ ‬واستعباد شعوبها دون الوعي‮ ‬بما‮ ‬يحيق بها من تكتلات إقليمية ودولية تتربص بها وتؤجج تشرذمها لتكون فريسة سهلة لمخالب تلك التكتلات الدولية،‮ ‬وما هزيمة الخامس من حزيران في‮ ‬السابع والستين بعد التسعمائة وألف إلا نتيجة لذلك الواقع العربي‮ ‬المتردي‮.. ‬وذهب المؤلف إلي‮ ‬تلك الفترة العربية الصراعية بين مملكتي‮ (‬تدمر،‮ ‬الحيرة‮) ‬إذ قام‮ »‬جزيمة الوضاح‮« ‬ملك‮ »‬الحيرة‮« ‬بقتل ملك‮ »‬تدمر‮« ‬غيلة وغدرا‮.. ‬فأخذت‮ »‬زينب الزباء‮« ‬مكان والدها في‮ ‬حكم البلاد،‮ ‬كما أخذت علي‮ ‬عاتقها كذلك الثأر له من قاتله الذي‮ ‬تستدرجه إلي‮ ‬عرشها بعد أن وقع أسير مفاتن رسمها الذي‮ ‬أرسلته إليه،‮ ‬وتقوم بقتله في‮ ‬ليلة العرس‮.. ‬تتخلي‮ »‬زينب الزباء‮« ‬عن أنوثتها كي‮ ‬تصبح جديرة بالعرش وبالثأر مما‮ ‬يسبب لها كابوسية معذبة وأرقا دائما،‮ ‬وجسدا معذبا ما بين مناداة الطبيعة الغريزية له،‮ ‬وما بين عقل كابت لتلك الطبيعة في‮ ‬غير استجابة لمناداتها،‮ ‬ومكتفيا بمجرد ما تسمح به اللياقة من سماع كلمات‮ ‬غزلية‮ ‬يائسة من‮ »‬زياد‮« ‬رجل القصر المخلص،‮ ‬والغائص في‮ ‬عشقه الصامت للملكة‮ »‬زينب الزباء‮« ‬التي‮ ‬تجد بعض المتعة في‮ ‬سماع كلماته المغازلة لأنوثتها وطلبها ألا‮ ‬يتوقف عن حبه لها‮.. ‬ذلك الحب اليائس الذي‮ ‬لا تسمح له أن‮ ‬يكتمل وإن سمحت أحيانا بملامسات مبتورة ومنقوصة‮.‬
وعلي‮ ‬الجانب الآخر في‮ ‬مملكة‮ »‬الحيرة‮« ‬بعد مقتل‮ »‬جزيمة الوضاح‮« ‬يتم تنصيب ابن شقيقته‮ »‬عمرو بن عدي‮« ‬علي‮ ‬العرش،‮ ‬ومطالبة الشعب له بالثأر لمليكهم ليظل هو ممزقا بين مطرقة ما‮ ‬يقتضيه الواجب وضغوط شعبه بالثأر،‮ ‬وسندان عشقه للملكة‮ »‬الزباء‮« ‬بعد رؤية صورتها،‮ ‬وكذلك بناء شخصيته‮ - ‬كشاعر‮ - ‬مرهف الحس،‮ ‬يمتلك قلبا رقيقا،‮ ‬ولا‮ ‬يمتلك‮ ‬غلظة ما تقتضيه أمور الحكم،‮ ‬ويتم تدبير ذهابه إلي‮ ‬قصر‮ »‬الزباء‮« ‬للثأر عبر خطة‮ ‬يقوم بهندستها والإشراف علي‮ ‬تنفيذها أخلص خلصاء الملك الراحل والحالي‮ »‬قصير‮« ‬وحال اللقاء بين الملك الشاب والملكة الشابة لا تستطيع الطبيعة أن تقف عاجزة إذ‮ ‬يتيقن الإثنان أن لقاءهما هو لقاء سحاب لا‮ ‬يتكرر إلا مرة واحدة،‮ ‬ويعرض الملك‮ »‬عمرو بن عدي‮« ‬نبذ الصراع،‮ ‬والزواج بالملكة التي‮ ‬وإن خرجت قليلا عما شبت عليه،‮ ‬وتعترف له بحبها،‮ ‬وتدبر له طريقة للهرب حتي‮ ‬تعود إلي‮ ‬ما جبلت عليه نفسها وتقوم بالانتحار عقابا لذاتها علي‮ ‬لحظة الضعف التي‮ ‬عاشتها،‮ ‬ولتتواسق مع مبادئها التي‮ ‬جبلت عليها،‮ ‬والحقد والكراهية اللذين تشبعت بهما إلي‮ ‬الحد الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن معه أن تنبت زهور الحب في‮ ‬أرضها‮.‬
تعامل المخرج محمد علي‮ ‬مع النص انطلاقا من تيمته في‮ ‬ظاهريتها البسيطة والمكثفة اختصارا في‮ »‬أن الأرض التي‮ ‬ترتوي‮ ‬بالحقد لا‮ ‬يمكن أن تنبت فيها زهرة حب أبدًا‮« ‬وقد صدر تلك الرؤية لتكون كلمته كمخرج في‮ ‬صدر‮ (‬بانفلت‮) ‬الدعاية متجاهلا‮ - ‬سواء عن عمد أو عن عدم وعي‮ - ‬ما تحتويه باطنية النص من أبعاد سياسية،‮ ‬وتلمسه لواقع عربي‮ ‬مازالت نفس أصدائه تتردد رغم ما‮ ‬يفصل بيننا وبين تاريخ كتابة النص بما‮ ‬يقارب نصف القرن،‮ ‬ناهينا عن تأويلات متعددة مخبوءة في‮ ‬رحم النص تتماس إحداها مع المشهد السياسي‮ ‬المصري‮ ‬الراهن في‮ ‬تشرذمية قواه السياسية وما‮ ‬يكتنفها من تنابذ تستحيل معه أن تنبت زهرة نحن في‮ ‬أمس الحاجة إليها‮.. ‬أما وإن المخرج قد حدد خياره من البداية‮ - ‬وهذا أمر جيد‮ - ‬فما علينا إلا تعاطي‮ ‬تلك الرؤية الخاصة به وكيفية تعامله معها عبر عناصره المسرحية،‮ ‬والتي‮ ‬عكسها بصريا مع بداية العرض في‮ ‬كتلة ضخمة تحتل معظم مقدمة المسرح في‮ ‬مواجهة الجمهور‮.. ‬كتلة صحراوية اللون تتماهي‮ ‬مع شكل خارطة الوطن العربي‮.. ‬بها نتوءات،‮ ‬وعدة تجويفات‮ ‬يظهر منها أوجه بعيون تلصصية‮ ‬يتواصل تلصصها حتي‮ ‬مع انقسامية تلك الكتلة،‮ ‬واختفاء جزئيها بعدما وفراه من إيحائية مفضية إلي‮ ‬استعراض‮ ‬يؤكد نفس المعني‮ ‬بسواد أرديته وخفافيشية تصميمها وفحيحية صادرة من المشاركين في‮ ‬الاستعراض وتلويهم أرضا في‮ ‬حركات أفعوانية،‮ ‬وجاهزية للانقضاض تتوسطهم‮ »‬زينب الزباء‮« ‬حاكمة عليهم سيطرتها‮.. ‬وثابين دائما لتنفيذ إشاراتها سعداء بوجودهم حولها‮ ‬يقودهم ويقود هذا الطقس المتكرر علي‮ ‬مدي‮ ‬العرض كبير العرافين،‮ ‬في‮ ‬طقس ليس فقط هو الأغرب من نوعه بل الأبشع علي‮ ‬الإطلاق‮.. ‬تلتجئ إليه‮ »‬الزباء‮« ‬كلما عانت أرقا أو كابوسا أو استشعار لحظة ضعف أنثوية سرعان ما تستفيق منها وإغراق ذاتها في‮ ‬مثل ذلك الطقس المشحون بالسمية،‮ ‬ومن ثم جاءت تشكيلية الفضاء المسرحي‮ ‬للمصمم محمد سعيد حافظ‮ ‬غاية في‮ ‬التوفيق حين أحاط عرش‮ »‬الزباء‮« ‬بمجموعة من الأفاعي‮ ‬الضخمة السامقة من الأرض في‮ ‬التوائية إلي‮ ‬أعلي‮ ‬إلا أن أنيابها جميعا متجهة إلي‮ ‬الجمهور في‮ ‬إحاطة بكل متحرك وساكن علي‮ ‬خشبة المسرح في‮ ‬وضع دائم الاستعداد للانفضاض،‮ ‬وأفواه مفتوحة عاكسة ديمومة نشرها للسم القاضي‮ ‬علي‮ ‬أية زهرة حب تحاول السموق خلسة في‮ ‬تلك الأجواء المحيط بها رذاذ السموم،‮ ‬وكذلك في‮ ‬اختياره لكرسي‮ ‬العرش الضخم شديد الحمرة‮.. ‬ذلك العرش الذي‮ ‬استخدمه المخرج بذكاء في‮ ‬تأكيد رؤيته‮.. ‬حيث لم‮ ‬يجعل‮ »‬الزباء‮« ‬تلجأ إليه كثيرا حيث جلوسها عليه‮ ‬يؤكد ثبات أركان الدولة،‮ ‬وهي‮ ‬لم تسع إلي‮ ‬ذلك حيث المبتغي‮ ‬الأثير لديها هو الثأر وشحن نفسها بالحقد طوال الوقت،‮ ‬وإذا جلست عليه فيأتي‮ ‬الجلوس خاطفا،‮ ‬ومبرزا لضآلتها مقارنة بضخامته،‮ ‬كما كان‮ ‬يأتي‮ ‬الجلوس دائما في‮ ‬أحد أركانه ليظل الجزء الأكبر منه شاغرًا،‮ ‬كما حرص علي‮ ‬وجود كرسي‮ ‬العرش في‮ ‬الجانب الأيمن من خشبة المسرح في‮ ‬نقطة ضعيفة لا تبرزه،‮ ‬بينما تركت النقاط القوية للأفاعي‮ ‬المحيطة بالمكان كله‮.. ‬وفي‮ ‬نفس إطار سعي‮ ‬المخرج لتأكيد وجود الأفاعي‮ ‬لم‮ ‬يكتف بما زرعه له مصصم الديكور من أفاع ثابتة بل عمد إلي‮ ‬وجود شبه دائم للمجموعة علي‮ ‬خشبة المسرح في‮ ‬مشاهد‮ »‬الزباء‮« ‬تلك المجموعة التي‮ ‬تتجاوز العشرة أشخاص ملتصقة البطون بخشبة المسرح التوائية الحركة أفعوانية المسير فحيحية الصوت،‮ ‬وحتي‮ ‬كبير العرافين جعله المخرج وكأنه كبير الأفاعي‮ ‬سواء في‮ ‬وجوده مع المجموعة أو في‮ ‬المشاهد القليلة التي‮ ‬ظهر فيها بدون المجموعة،‮ ‬وحتي‮ »‬زينب الزباء‮« ‬نفسها رسمت حركتها علي‮ ‬المسرح جانحة إلي‮ ‬التلوي‮ ‬الثعباني‮ ‬في‮ ‬معظم الوقت باستثناء ذلك المشهد الذي‮ ‬جمع بينها وبين ملك الحيرة‮ »‬عمرو بن عدي‮« ‬الذي‮ ‬لم تستطع فيه كبح جماح طبيعتها الأنثوية كامرأة متعطشة للحب تحمل بين جناحيها قلبا‮ ‬يهفو إلي‮ ‬الحب وقد عثر علي‮ ‬ضالته في‮ ‬رجل محب،‮ ‬عذب ورقيق بطبيعته،‮ ‬جياش المشاعر،‮ ‬فياض العواطف كشاعر‮.. ‬استبدل خنجره الذي‮ ‬جاء ليطعنها به بسهام ملتهبة العواطف تجاهها‮.. ‬فلم تستطع إزاء كل ذلك إلا أن تكون نفسها كامرأة عطشي‮ ‬للحب وللرجل‮.. ‬إلا أنها حين تستشعر تلك الطبيعة وذلك الضعف وتناقضه مع ما جبلت نفسها عليه‮.. ‬لم‮ ‬يكن أمامها سبيل‮ ‬غير الانتحار‮.‬
استطاع المخرج الموهوب محمد علي‮ ‬أن‮ ‬يقود ببراعة فريق عمله الذي‮ ‬جاء كل منهم متشبعا إلي‮ ‬أبعد حد بالشخصية التي‮ ‬يقوم بأدائها عبير علي‮ ‬طاقة تمثيلية لا حدود لها في‮ ‬دور‮ »‬زينب الزباء‮« ‬مع وعي‮ ‬كامل بطبيعة الشخصية وقدرة كبيرة علي‮ ‬تلبس تناقضاتها بالحركة والإيماءة والتلون الصوتي،‮ ‬ومخارج ألفاظ سليمة وعربية فصحي‮ ‬لم تخنها،‮ ‬وموهبة مؤكدة تؤهلها للاحتراف،‮ ‬جاء إلي‮ ‬جوارها وليد فوزي‮ ‬في‮ ‬دور‮ »‬زياد زبداي‮« ‬المحب الوله الكابت لمشاعره تجاه مليكته،‮ ‬واستعداده للتضحية بروحه من أجلها ومن أجل أركان عرشها‮.. ‬كل ذلك عبر عنه بحرفية،‮ ‬وما‮ ‬يملكه من صوت مسرحي‮ ‬هبط به إلي‮ ‬درجة الرقة في‮ ‬مشاهد تعبيره لها عن تعبده في‮ ‬محراب حبها،‮ ‬وعلا به بقوة وخشونة في‮ ‬مشاهد تأكيده علي‮ ‬قدرة ملاقاته للأعداء،‮ ‬حضور طاغ‮ ‬علي‮ ‬المسرح وحيوية خلاقة شاركه فيهما المبدع محمد‮ ‬يسري‮ ‬محمد في‮ ‬أدائه لدور‮ »‬جزيمة الوضاح‮« ‬أداء رصين لملك متجبر لم‮ ‬يرمش له جفن حين‮ ‬يكتشف الخديعة بأنه لم‮ ‬يأت لزفافه علي‮ ‬الملكة بل تم استجلابه لقتله،‮ ‬واستطاع بأدائه ألا‮ ‬يشفي‮ ‬غليل الملكة وإلا‮ ‬يستضعف أو‮ ‬يسترحم،‮ ‬وكان الموهوب الشاب السيد سعيد مفاجأة العرض بأدائه الممتاز لدور‮ »‬كبير العرافين‮« ‬تفح منه الثعبانية في‮ ‬كل حركة وإيماءة علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬شاهدناه من قبل في‮ ‬عروض نوادي‮ ‬المسرح،‮ ‬وشاهدناه بهذا العرض محققا قفزة كبيرة وموهبة أكيدة ومستقبل وافر في‮ ‬عالم التمثيل،‮ »‬سهر علاء الدين‮« ‬في‮ ‬دور‮ »‬زبيبة‮« ‬شقيقة الملكة‮.. ‬علي‮ ‬النقيض تماما‮.. ‬استطاعت برقتها وبساطة أدائها أن تعكس ما تنطوي‮ ‬عليه تلك الشخصية من ارتباط بالحياة العادية بعيدة عن مؤامرات القصورة‮.. ‬فرحة بحملها مسترجية شقيقتها بأن تعيش الحياة،‮ ‬مستمتعة بما حباها به الخالق من جمال وجاه‮.. ‬معبرة في‮ ‬يسر عن حبها لشقيقتها وعدم المقدرة علي‮ ‬الوقوف في‮ ‬ما تسلكه،‮ ‬كما جاء محمد خميس إسماعيل في‮ ‬دور‮ »‬قصير‮« ‬حاملا علي‮ ‬ظهره ثقل احتدابه،‮ ‬وحاملا علي‮ ‬عاتقيه ثقل شخصية في‮ ‬غاية التعقيد بعقليتها التآمرية وإخلاصها لملك‮ »‬الحيرة‮« ‬الراحل وإصرارها علي‮ ‬الثأر له حتي‮ ‬لو كلفه ذلك العيش وسط الأعداء في‮ ‬مملكة‮ »‬تدمر‮« ‬استطاع محمد خميس إسماعيل أن‮ ‬يفصل ببراعة بين‮ »‬قصير‮« ‬الرجل القوي‮ ‬في‮ ‬القصر الملكي‮ ‬بالحيرة،‮ »‬قصير‮« ‬الرجل المستضعف المستجير في‮ ‬قصر‮ »‬الزباء‮« ‬المخادع المداهن حتي‮ ‬تكتمل خطته بإدخال‮ »‬عمرو بن عدي‮« ‬إلي‮ ‬قصر الملكة،‮ ‬عمرو أبو السعود في‮ ‬دور الملك الشاب الشاعر الذي‮ ‬اعتلي‮ ‬عرش الملك بالحيرة كرها بوفاة خاله مغدورا من‮ »‬الزباء‮« ‬اجتهد عمرو أبو السعود في‮ ‬التعبير عن شخصية الملك الممزق بين ما‮ ‬يتطلبه الشرف وما‮ ‬يطلبه شعبه من الثأر للملك السابق وبين طبيعته كشاعر مرهف الإحساس،‮ ‬ومحب أيضا لمن عليه أن‮ ‬يثأر منها،‮ ‬كما اجتهد بشكل مشرف كل من محمد أحمد علي‮ ‬في‮ ‬دور‮ »‬نبهان‮«‬،‮ ‬عباس محمد عباس في‮ ‬دور‮ »‬الحاجب‮«‬،‮ ‬محمد عبد الله في‮ ‬دور‮ »‬كبير الحراس‮« ‬وكذلك اجتهد كل أفراد المجموعة الذين شكلوا مجموعة الأفاعي‮ ‬المحيطة دائما بالمملكة،‮ ‬وكما عودنا دائما إبراهيم الفرن في‮ ‬تصميمه وتنفيذه للإضاءة‮.. ‬موهبة فطرية عالية وإحساس مرهف بالتركيبات اللونية ودلالاتها واتساقها مع اللحظات الدرامية المتواترة وانسجامها مع لونية الديكور والملابس،‮ ‬وخلق مسارات للإضاءة كبدائل عن ضعف الإمكانيات المتاحة بقصر ثقافة برج العرب الذي‮ ‬يشارك هذا الموسم بقوة في‮ ‬عرض‮ »‬أرض لا تنبت الزهور‮« ‬وهو عرض‮ ‬يقف وراءه مخرج جاد ومخلص وموهوب‮ ‬يؤكد علي‮ ‬امتلاكه لحرفيته بقوة من عرض إلي‮ ‬آخر‮.‬

 

أحمد هاشم

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ‬أرض لا تنبت الزهور
  • جهة الانتاج: قصر ثقافة برج العرب
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: محمود دياب
  • إخراج: محمد علي
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here