اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

العمات المعذبات في‮ ‬ليل الجنوب

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 



علي‮ ‬نيل القاهرة‮ ‬،‮ ‬وبقاعة مسرح الغد‮ ‬،‮ ‬يتماس فضاء المسرح المضيء والمرتفع سنتيمترات عن أرض القاعة‮ ‬،‮ ‬بالمساحة المخصصة لجمهور المشاهدين القابع في‮ ‬شبه ظلمة‮ ‬،‮ ‬والمتابع لما‮ ‬يجري‮ ‬أمامه من وقائع ترسم صورة لجنوب الوطن‮ ‬،‮ ‬تقدمها لوسطه المتماس‮ ‬،‮ ‬وشماله البعيد‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬صورة ذهنية الفكر ؛ نمطية التكوين‮ ‬،‮ ‬أسس وجودها واقع مجتمعي‮ ‬وعمق تاريخي‮ ‬وتراث ثقافي‮ ‬،‮ ‬منحها ظلالا أسطورية‮ ‬،‮ ‬يسري‮ ‬في‮ ‬أوصالها استبداد سلطة الحاكم والتقاليد والروح المعذبة بأجساد متمردة‮ ‬،‮ ‬وحرص صناع هذه الصورة ومكرريها‮ ‬،‮ ‬من أبناء الجنوب ومن‮ ‬غير أبنائه‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬تكريس هذه الصورة الذهنية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬كافة أشكال الدراما المسرحية والسينمائية والتليفزيونية‮ ‬،‮ ‬لقدرتها علي‮ ‬صنع دراما الدم والثأر،‮ ‬وخلقها بالزي‮ ‬واللهجة وظلمة الليالي‮ ‬وجبال المطاريد عالما سحريا مثيرا للعقل والوجدان معا‮.‬
    يتماس الجنوب مع شماله علي‮ ‬أرض الواقع في‮ ‬العاصمة المهمومة بكل الوطن‮ ‬،‮ ‬ويتماس الجنوب مع شماله في‮ ‬قاعة مسرح الغد المهتم حاليا بالعروض الشعبية‮ ‬،‮ ‬بنص الكاتب الشاب‮ "‬شاذلي‮ ‬فرح‮" ‬،‮ ‬وإخراج المخضرم الواعي‮ "‬ناصر عبد المنعم‮" ‬،‮ ‬ويقبع علي‮ ‬خط التماس شاب جنوبي‮ (‬أدي‮ ‬دوره بجدارة‮"‬يحيي‮ ‬أحمد‮") ‬يجلس علي‮ ‬مكتبه في‮ ‬ركن ساكن‮ ‬،‮ ‬منتميا لزمن الجمهور المشاهد‮ ‬،‮ ‬ويكتب أمامه روايته عن جنوبه الذي‮ ‬غادره من زمن لقاهرة المعز‮ ‬،‮ ‬ولأسباب‮ ‬غير معلنة‮ ‬،‮ ‬ربما تكون حالة الإبداع ذاتها‮ ‬،‮ ‬يحن للعودة إلي‮ ‬مسقط رأسه‮ ‬،‮ ‬وعالمه الأثير‮ ‬،‮ ‬بعد أن خسر حلمه‮ ‬غير المعلن بالقاهرة‮ ‬،‮ ‬فيستدعي‮ - ‬في‮ ‬روايته المسموعة منه بلغة أقرب للفصحي‮ - ‬ماضيه الذي‮ ‬عاشه بجنوبه‮ ‬،‮ ‬ويتجسد لنا هذا الماضي‮ ‬المستدعي‮ ‬في‮ ‬فضاء المسرح صلبا صعب التغيير‮ ‬،‮ ‬يصوغه المخرج في‮ ‬صورة حجرية كمعابد الجنوب الموغلة في‮ ‬القدم كعادات أهله‮ ‬،‮ ‬ويصممه السينوجراف‮ "‬د‮. ‬محمود سامي‮" ‬علي‮ ‬هيئة كهوف أربعة‮ ‬غائرة بحضن جبل‮ ‬،‮ ‬تكسوا جدرانها جذوع نخل صاعدة لأعلي‮ ‬،‮ ‬فتغوص بهذه الكهوف لعمق أرضه‮ ‬،‮ ‬فتزيدها رسوخا وتشبثا بتقاليدها الصلبة‮ ‬،‮ ‬وترتفع هذه الجذور مع سلم منحوت بيسار المسرح لأعلي‮ ‬الجبل‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يبدو في‮ ‬العمق قمر مخنوق بالظلال‮ ‬،‮ ‬وبأعلي‮ ‬اليسار رجل‮ ‬غامض‮ ‬،‮ ‬يسميه الراوي‮ ‬بالحباك‮ ‬،‮ ‬وهو هذا الرجل صانع الحبال المستخدمة بكثرة في‮ ‬الجنوب‮ ‬،‮ ‬لجلب الماء من جوف البئر‮ ‬،‮ ‬أو الصعود بها لأعلي‮ ‬النخل‮ ‬،‮ ‬أو شد الأجزاء في‮ ‬كل متماسك‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬المعاني‮ ‬التي‮ ‬تطرح نفسها علي‮ ‬العرض بصعود الجذور لأعلي‮ ‬،‮ ‬وهبوط الحبال لأسفل‮ ‬،‮ ‬وحضور الحباك الصامت طوال العرض‮ ‬،‮ ‬وفتله للحبال التي‮ ‬ستحيط تدريجيا بفضاء المسرح فتزيد من تماسكه وتعزله دلاليا في‮ ‬النهاية عن مساحة المشاهدة‮ ‬،‮ ‬فتؤكد بالصورة علي‮ ‬صعوبة الانفلات من التقاليد القاتلة للروح‮ ‬،‮ ‬وهزيمة الحاضر بيد الماضي‮ ‬،‮ ‬مع خروج الراوي‮ ‬الشاب من حيز الزمن الراهن‮ ‬،‮ ‬داخلا لعالم الصعيد المكبل بحبال الماضي‮ ‬،‮ ‬وإن بدا ضوء في‮ ‬ظلمة الأيام وهزيمة الحاضر بتمرد طفل الأمس المستنير‮ (‬جسد حضوره‮ "‬حازم عبد القادر‮" ‬بتمكن واضح من أدواته الأدائية صوتا وحركة وتعبيرا بالوجه‮) ‬،‮ ‬والمماثل للشاب في‮ ‬طفولته البريئة وأحلامه الصغيرة‮ ‬،‮ ‬والواعي‮ ‬بأن الجريد الذي‮ ‬يسقط من النخل لا‮ ‬يعود‮ ‬،‮ ‬والأمس لا‮ ‬يمكن استعادته‮ ‬،‮ ‬وانفلاته من فضاء الماضي‮ ‬ليحل محل الشاب المهزوم‮ ‬،‮ ‬يجلس مكانه‮ ‬،‮ ‬ويغلق جهازه‮ (‬اللاب توب‮) ‬،‮ ‬منهيا حكاية الذكريات‮ ‬،‮ ‬ومحملا جمهور المشاهدين عبء التفكير معه في‮ ‬مستقبله ومستقبلهم‮.‬
ظلال أسطورية
ذاكرة المغترب عن جنوبه في‮ ‬عاصمة الضجيج هي‮ ‬التي‮ ‬تشكل حضور الماضي‮ ‬في‮ ‬الحاضر‮ ‬،‮ ‬وخيال الراوي‮ ‬المغترب بعاصمة وطنه هو الذي‮ ‬يضفي‮ ‬علي‮ ‬هذا الماضي‮ ‬الجنوبي‮ ‬ظلاله الأسطورية‮ ‬،‮ ‬والشعور بمرارة الغربة والحنين للماضي‮ ‬هو الذي‮ ‬يحرك الحدث الدرامي‮ ‬بأكمله‮ ‬،‮ ‬وهو حدث بطبيعته‮ ‬يخلق تصادما بين الإنسان عامة‮ ‬،‮ ‬والأنثي‮ ‬خاصة وتقاليد الصعيد القاسية‮ ‬،‮ ‬فيستدعي‮ ‬الراوي‮ ‬الشاب حكايات عماته اللائي‮ ‬أنسحقن في‮ ‬الزمن الماضي‮ ‬،‮ ‬والمتجسدات علي‮ ‬المسرح في‮ ‬أعمار متقاربة‮ ‬،‮ ‬فهن لسن شقيقات لأبيه‮ ‬،‮ ‬بل هن نسوة بقريته‮ ‬،‮ ‬وقد تعلم علي‮ ‬يد أمه أن كل امرأة أكبر منه سنا‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬عمة له‮ ‬،‮ ‬فالثقافة الذكورية ؛ صعيدية ومصرية‮ ‬،‮ ‬تحتم أن تنسب النسوة للأب وليس للأم‮ ‬،‮ ‬فهو سيد البيت والقرية والدنيا‮ ‬،‮ ‬والمرأة هي‮ ‬وتد البيت‮ ‬،‮ ‬لكن‮ ‬ينسب الكل للأب‮.‬
ورغم أن هذا الزمن الماضي‮ ‬يحضر أمام مشاهد العرض وكأنه زمن راهن‮ ‬،‮ ‬لطبيعة فن المسرح ذاته‮ ‬،‮ ‬الدائرة أحداثه وحواراته في‮ ‬الزمن الحاضر‮ ‬،‮ ‬إلا أن الكاتب والمخرج أصرا علي‮ ‬أن‮ ‬يمنحا بعضا من هذا الماضي‮ ‬المستدعي‮ ‬تحديدا زمنيا واضحا‮ ‬،‮ ‬حيث تعشق إحدي‮ ‬العمات شابا نوبيا‮ ‬،‮ ‬تعترض تقاليد الجماعة النوبية زواجه من صعيدية‮ ‬،‮ ‬ويجبر علي‮ ‬التخلي‮ ‬عنها بترحيله مع أهله من أرضه المجاورة لأرض المحبوبة‮ ‬،‮ ‬بسبب بناء السد العالي‮ ‬،‮ ‬أوائل ستينيات القرن الماضي‮ ‬،‮ ‬والأمر كذلك مع العمة التي‮ ‬تزوجت وغاب زوجها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬بعد في‮ ‬عنفوان شبابها‮ ‬،‮ ‬رحيلا لبلدان الخليج بحثا عن العمل الذي‮ ‬غيبه لسنوات طوال‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تمتد زمنيا لأواخر سبعينيات القرن الماضي‮ ‬،‮ ‬فيسقط جسدها الملتهب بين أحضان ابن عم زوجها‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬أن الراوي‮ ‬لم‮ ‬يعش هذه التجربة طفلا‮ ‬،‮ ‬بل حكيت له‮ ‬،‮ ‬ويعني‮ ‬أكثر أنه لا‮ ‬يتحدث عن عمات مباشرات له‮ ‬،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يقدم نماذج من النسوة المعذبات بتقاليد الجنوب‮ ‬،‮ ‬المهزومات‮ ‬– كراوي‮ ‬حكاياتهن‮- ‬بيد المكتوب علي‮ ‬الجبين باسم الأعراف السائدة‮ ‬،‮ ‬وإن تضادت مع العقل والدين والإنسانية‮ .‬
كشف العذرية
يسرد علينا الشاب حكايات عماته المعذبات‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يكتب علي‮ ‬جهاز اللاب توب الخاص به‮ ‬،‮ ‬مستمعا لأغنية‮ (‬غرباء في‮ ‬الليل‮) ‬الأوربية المعروفة في‮ ‬منتصف ستينيات القرن الماضي‮ ‬بأصوات عديدة‮ ‬،‮ ‬أبرزها صوت‮ "‬فرانك سيناترا‮" ‬،‮ ‬ربما حنينا لماض لم‮ ‬يعشه‮ ‬،‮ ‬وزمن أكثر رحابة وانفتاحا علي‮ ‬العالم المستنير‮ ‬،‮ ‬غير أن أصوات الرباب الصعيدي‮ ‬تقاطعه وتقطعه وتغلف حالته وهو‮ ‬يتمعن في‮ ‬صورة أمامه توحي‮ ‬بأنها تذكارية لعماته‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يبرزن هن علي‮ ‬بوابات الكهف الأربع‮ ‬،‮ ‬متشابهات الزي‮ ‬،‮ ‬وإن اختلفت كل واحدة منهن بربطة رأس ذات لون خاص‮ ‬،‮ (‬صاغت الأزياء‮ "‬نادية المليجي‮" ‬بمجموعة ألوان قاتمة تخفي‮ ‬الألوان الحيوية خلفها‮) ‬،‮ ‬وبخروج كل واحدة منفردة لساحة الكهف لتجسد حكايتها تشكل الأخريات الشخصيات المتعلقة بها‮ ‬،‮ ‬فتتشابك الحكايات‮ ‬،‮ ‬صانعة بانوراما لعذاب الأنثي‮ ‬في‮ ‬جنوب الوطن‮.‬
قام المخرج بعمل تقطيع للحكايات المكتوبة‮ (‬ديكوباج‮) ‬،‮ ‬وإعادة صياغتها بتخفيف واضح لحمي‮ ‬الجنس المتفجرة في‮ ‬أوصال نساء القرية‮ ‬،‮ ‬فالفتاة‮ "‬نخل‮" (‬أدت دورها بقوة‮ "‬دعاء طعيمة‮") ‬يعذبها عدم الإنجاب في‮ ‬مجتمع لا‮ ‬يعرف للمرأة دورة‮ ‬غير ذلك‮ ‬،‮ ‬وتجبرها التقاليد علي‮ ‬القفز علي‮ ‬القبور والسباحة في‮ ‬النهر ليلا‮ ‬،‮ ‬وصولا للاغتصاب بخادم الشيخ المبروك‮ "‬أبو القمصان‮" ‬،‮ ‬فتجن وتلقي‮ ‬بنفسها ووليدها الأسود من أعلي‮ ‬الجبل‮ . ‬والأم الحنون‮ "‬ولعانة‮" (‬أدت الدور بوعي‮ ‬وحنكة‮ "‬وفاء الحكيم‮") ‬يقتل زوجها أخيها لنزاع علي‮ ‬الأرض‮ ‬،‮ ‬فيسعي‮ ‬أخوتها لقتل ابنها الطفل‮ (‬شابا في‮ ‬النص الدرامي‮) ‬،‮ ‬ورعبا عليه تقتله بيدها كالقطة الحامية لأولادها بالتهامهم‮ ‬‮. ‬والزوجة الحيوية‮ "‬شوق‮" (‬جسدت الدور بحيوية‮ "‬شريهان شرابي‮") ‬تنتظر عودة زوجها الغائب في‮ ‬الخليج‮ ‬،‮ ‬وتسقط في‮ ‬لحظة توهج بأحضان ابن عمه‮ ‬،‮ ‬فتلتاث وتغادر قبيلتها هائمة علي‮ ‬وجهها بين الموالد‮. ‬وحتي‮ ‬الجامعية الجميلة‮ "‬نور‮" (‬أدت الدور برشاقة‮ "‬سامية عاطف‮") ‬،‮ ‬والعاشقة لفتاها النوبي‮ "‬مرجان‮" ‬،‮ ‬تفشل في‮ ‬الاحتفاظ به‮ ‬،‮ ‬فتقاليدها الأسوانية تمنعها من الزواج من خارج قبيلتها‮ ‬،‮ ‬وتقاليده النوبية تمنعه الاقتران من خارج جماعته‮ ‬،‮ ‬وقبيل رحيله‮ ‬يضبطها ابن عمها‮ ‬،‮ ‬فتشك القبيلة فيها‮ ‬،‮ ‬وتقم النسوة بممارسة كشف طقس العذرية لها‮ ‬،‮ ‬فيكتشفن أنها لم تختن صغيرة‮ ‬،‮ ‬فيقمن بختانها بأنفسهن‮ ‬،‮ ‬فتجن بدورها‮ ‬،‮ ‬لعدم قدرتها علي‮ ‬المحافظة علي‮ ‬جسدها بعلمها وأفكارها المستنيرة‮ .‬
أشباح الرجال
تحتل النسوة صدارة العرض‮ ‬،‮ ‬فهن بطلاته‮ ‬،‮ ‬والحاضرات بقوة داخله‮ ‬،‮ ‬والمحركات لوقائعه‮ ‬،‮ ‬والمتحدثات أكثر في‮ ‬حواراته‮ ‬،‮ ‬ويبدو الرجال أشباحا هائمة حول أجسادهن‮ ‬،‮ ‬وأنماطا لرجال‮ ‬،‮ ‬أكثر كونهم شخصيات درامية‮ ‬،‮ ‬قدمها شباب الممثلين في‮ ‬حدودها النمطية‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك تظل أشباح الرجال أقوي‮ ‬من أجساد النسوة‮ ‬،‮ ‬وتبرز هيمنة الرجال علي‮ ‬أرواحهن في‮ ‬صورة سحق لإرادتهن‮ ‬،‮ ‬وتزييف لوعيهن‮ ‬،‮ ‬وتحويلهن لأدوات تعذيب لأنفسهن‮ ‬،‮ ‬باسم تقاليد الرجولة الماثلة في‮ ‬جلباب ملقي‮ ‬علي‮ ‬جدران البيت‮ ‬،‮ ‬وبخطاب مقذوف به من أعلي‮ ‬الجبل لسفحه‮ ‬،‮ ‬وبصورة أقوي‮ ‬بجلجلة صوت الأب‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬أب وكل أب‮ ‬،‮ ‬بفكره المتسلط في‮ ‬أجواء قاعة العرض‮ ‬،‮ ‬مطاردا باسم الأعراف والتقاليد المتدثرة بأثواب ميتافيزيقية كل رغبة أنثوية في‮ ‬التحرر‮ ‬،‮ ‬وكل حلم إنساني‮ ‬في‮ ‬الانعتاق من قيود تغتال الأرواح البريئة‮.‬
ينتهي‮ ‬النص الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬كتبه‮ "‬شاذلي‮ ‬فرح‮" ‬بعنوان‮ (‬الجنوبي‮) ‬بكثافة ملحوظة‮ ‬،‮ ‬وأن بدت أصداء من أعمال أدباء الصعيد واضحة في‮ ‬عمقه وعبر حكايات النسوة‮ ‬،‮ ‬والسياق المجتمعي‮ ‬المتحرك داخله‮ ‬،‮ ‬ومن الواضح أن انجذاب المخرج لهذا النص كامن في‮ ‬جريانه في‮ ‬نهر عروضه السابقة‮ ‬،‮ ‬ومستكملا به رباعيته الصعيدية‮ / ‬نوبية‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تشمل‮ (‬الطوق والأسورة‮) ‬وموضوع الحمل من خادم المعبد الأسود لمن لم تحمل من زوجها أحد وقائعه المهمة‮ ‬،‮ ‬وعرض‮ (‬ناس النهر‮) ‬ومسألة‮ ‬غياب الرجل عن فتاته في‮ ‬مدن آكلة للروح‮ ‬يفجر حدثه الدرامي‮ ‬،‮ ‬وعرض‮ (‬النوبة دوت كوم‮) ‬ومشكلة التهجير أساسية فيه‮ ‬،‮ ‬وجوهر وقائعه اختلاف عادات النوبيين عن عادات الأسوانيين‮ ‬،‮ ‬رغم عيشهم معا متجاورين ومتداخلين‮ ‬،‮ ‬غير أن النص الدرامي‮ ‬ينهي‮ ‬وقائعه بربط الشاب وقرينه الصبي‮ ‬والنسوة الأربع بحبال الحباك القدرية‮ ‬،‮ ‬ودخولهما معهن للقبر‮/ ‬الكهف الذي‮ ‬استدعاهم الكاتب منه‮ ‬،‮ ‬معلنا دفن الجميع بلحد الأمس‮ ‬،‮ ‬وصادما جمهوره بقسوة التقاليد‮ ‬،‮ ‬ومطفئا كل بصيص ضوء‮ ‬يمكنه شق ظلمة ليل الواقع‮ ‬،‮ ‬سواء عبر سارد حكايات النسوة الشاب المثقف العائش بالعاصمة‮ ‬،‮ ‬والعائد بحنين‮ ‬غامض للماضي‮ ‬المظلم‮ ‬،‮ ‬أو فتاة القبيلة الجامعية‮ ‬غير القادرة علي‮ ‬الدفاع عن جسدها‮ ‬،‮ ‬بينما حرص المخرج في‮ ‬عرضه الذي‮ ‬حمل عنوان‮ (‬ليل الجنوب‮) ‬بإشارة واضحة لظلمة هذا العالم الغارق في‮ ‬التقاليد‮ ‬،‮ ‬حرص علي‮ ‬إنهاء عرضه بهذا الأمل الخافت في‮ ‬طفل الأمس المنفلت من فضاء التقاليد الغارقة في‮ ‬الحزن والموات‮ ‬،‮ ‬لمسافة التماس مع مساحة جمهور المشاهدة العائش بدوره في‮ ‬الزمن الراهن‮ ‬،‮ ‬والمتصادم علي‮ ‬أرض الواقع مع فكر‮ ‬يسعي‮ ‬لوأد الحضارة‮ ‬،‮ ‬واغتيال التنوير‮ ‬،‮ ‬وبعث الماضي‮ ‬بتقاليده البالية‮ ‬،‮ ‬لعل هذا الجمهور‮ ‬يقدر علي‮ ‬انتشال الطفل من ضبابية حاضره‮ ‬،‮ ‬ويدفعه لعدم تكرار خطيئة الشاب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬هزمته‮ ‬غربته داخل وطنه‮ ‬،‮ ‬واغتالته التقاليد التي‮ ‬صنعها المجتمع نفسه لحمايته في‮ ‬زمن ما‮ ‬،‮ ‬فصارت أكفانا له في‮ ‬أزمنة لاحقة‮ ‬،‮ ‬ويحرص المجتمع اليوم‮ ‬،‮ ‬ويا للمفارقة‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬الاتشاح بها‮ ‬،‮ ‬ويكتفي‮ ‬مثقفوه بالبكاء علي‮ ‬اللبن المسكوب‮ ‬،‮ ‬والنواح علي‮ ‬الأمل الغارب‮.

د‮. ‬حسن عطية‬
العرض‮ : ‬ليل الجنوب
تأليف‮ : ‬شاذلي‮ ‬فرح
ديكور‮ : ‬محمود سامي
أزياء‮ : ‬نادية المليجي
إخراج‮ : ‬ناصر عبد المنعم

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ليل الجنوب
  • جهة الانتاج: فرقة الغد - بيت المسرح - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: شاذلي فرج
  • إخراج: ناصر عبد المنعم
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here