اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

غنوة الليل استلهام أيوب وناعسة من الموروث الشعبي بين الميلودراما وبين التكريس للبطل المفرد

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 



بلد‮ ‬يقاسي‮ ‬ليلاً‮ ‬طويلاً‮ ‬وحالكاً،‮ ‬ضحكه وأفراحه مكتومة،‮ ‬يعاني‮ ‬ناسه من الظلم والقهر،‮ ‬ولكنهم‮ ‬يكتفون بالسكوت،‮ ‬بالصبر الذي‮ ‬يستحيل لا مبالاة وتبلدًا في‮ ‬انتظار البطل المخلص‮.‬
حاول المخرج الشاب تامر كرم مع مجموعة عمله من الممثلين المجتهدين وغيرهم من الفنيين توظيف تقنيات درامية شعبية،‮ ‬فعملوا علي‮ ‬السيرة الشعبية‮ (‬أيوب وناعسة‮)‬،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬قد تم استلهامها قبل ذلك لإنتاج عديد من المعالجات الدرامية،‮ ‬وقد تم الاعتماد هنا علي‮ ‬معالجة‮ ‬يس الضو‮ (‬أطياف حكاية‮).‬
يقوم الراوي‮ ‬الشعبي‮ ‬بعد التسبيح باسم الله الغفور‮ -‬وهو من خصائص أسلوب الراوي‮ ‬الشعبي‮- ‬بإنشاد افتتاحية‮ ‬غنائية بمشاركة الجوقة،‮ ‬ليمهد للحكي‮ ‬عن أيوب وناعسة،‮ ‬للحكي‮ ‬عن البلد التي‮ ‬لم‮ ‬يتم تسميتها طوال العرض،‮ ‬هي‮ ‬مجرد بلدة ريفية تقليدية،‮ ‬أيوب هو‮ ‬غندور البلد وزينتها،‮ ‬هو الملاذ الذي‮ ‬يلجأ إليه أهل البلد في‮ ‬مسراتهم وملماتهم،‮ ‬وهو المنحاز دوماً‮ ‬لجانب البسطاء،‮ ‬يقف معهم ضد تجبر همام ورجاله،‮ ‬يحس بمعاناتهم فيقرر تخفيض أجر الري‮ ‬من البئر الغويط الذي‮ ‬يمتلكها،‮ ‬بل‮ ‬يتنازل عن الأجة كاملا لإحساسه برقة حالهم،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل‮ ‬يسعي‮ ‬همام ورجاله إلي‮ ‬السطو علي‮ ‬زراعات الفلاحين وممتلكاتهم،‮ ‬وينضم عمار إلي‮ ‬فريق همام،‮ ‬يستقوي‮ ‬به في‮ ‬محاولة للفوز بناعسة ابنة عمه التي‮ ‬يهيم بها،‮ ‬وعندما‮ ‬يمرض أيوب مرضه الشديد لا‮ ‬يجد همام من‮ ‬يقف ضد فساده فيتجبر،‮ ‬ويمارس هو ورجاله قهراً‮ ‬عنيفاً‮ ‬علي‮ ‬أهل البلد،‮ ‬بل‮ ‬يستلب البئر الغويط،‮ ‬ويفرض الإتاوات علي‮ ‬الأهالي،‮ ‬ويغتصب ممتلكاتهم وأراضيهم،‮ ‬ويظل‮ ‬يمارس أنواع القهر وفرض السيطرة حتي‮ ‬ينفد صبر البلد،‮ ‬ومع ذلك فهم لا‮ ‬يصنعون شيئاً‮ ‬أو‮ ‬يتخذون موقفاً‮ ‬في‮ ‬مواجهته،‮ ‬حتي‮ ‬أن تخاذلهم وخوفهم من بطش همام‮ ‬يبلغ‮ ‬مداه عندما تدور ناعسة عليهم تطلب الطعام لأيوب المريض الجوعان،‮ ‬فيديرون ظهورهم لها،‮ ‬وتضطر إلي‮ ‬ابتياع الطعام بضفائرها من‮ ‬غزاوية،‮ ‬ثم تحمل أيوب هرباً‮ ‬من البلد،‮ ‬وبينما‮ ‬غزاوية الغازية التي‮ ‬تهيم بأيوب تحمل ضفائر‮ ‬غريمتها ناعسة فرحة بانتصارها،‮ ‬يبلغ‮ ‬غضب همام من فعلتها مداه فيخنقها بهذه الضفائر،‮ ‬يحاول عمار التكفير عن خطيئته بمحاولة قتل همام،‮ ‬ولكنه‮ ‬يفشل ويقتله الأخير،‮ ‬ثم‮ ‬يعود بعدها أيوب معافي‮ ‬ويواجه همام في‮ ‬النهاية،‮ ‬وينتصر عليه ليضع حداً‮ ‬للظلم‮.‬

تحوي‮ ‬السيرة الشعبية مجموعة من الصراعات التي‮ ‬تم توظيفها درامياً‮ ‬في‮ ‬العرض المسرحي،‮  ‬بداية من الصراع علي‮ ‬الزعامة وفرض السيطرة علي‮ ‬البلد ومقدراتها،‮ ‬يقود همام ورجاله هذا الصراع ضد أيوب،‮ ‬ثم هناك الصراع علي‮ ‬ملكية البئر الغويط،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬تعتمد عليه البلدة في‮ ‬رفع الماء لري‮ ‬حقولهم،‮ ‬وهو الذي‮ ‬كان ملكاً‮ ‬لأيوب في‮ ‬البداية،‮ ‬وعندما وقع البلاء عليه واشتد المرض اغتصبه همام،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬كان حلماً‮ ‬قديماً‮ ‬لأمه الغجرية،‮ ‬وأخيراً‮ ‬هناك الصراع علي‮ ‬ناعسة،‮ ‬التي‮ ‬اختارت أيوب منذ البداية وتمسكت به في‮ ‬أحلك الأوقات،‮ ‬يدخل همام طرفاً‮ ‬أساسياً‮ ‬في‮ ‬هذا الصراع،‮ ‬وينافس عمار ابن عمها أيضاً،‮ ‬فقد كان‮ ‬يهيم بها مذ كانوا أطفالاً،‮ ‬ويعرف مدي‮ ‬ارتباطها بأيوب وإخلاصها له‮.‬
حاول المخرج استلهام الأجواء التراثية فكان الاعتماد علي‮ ‬مفردات زخرفية شعبية هندسية تقليدية حاول توظيفها لخلق منظر مسرحي‮ ‬مناسب،‮ ‬تميز ديكور مصطفي‮ ‬التهامي‮ ‬بالبساطة،‮ ‬فقط ثلاثة مستويات في‮ ‬عمق المسرح،‮ ‬بينما‮ ‬يزين الخلفية والبراقع والكواليس الزخارف الهندسية،‮ ‬وقد اتسق مع هذا الاتجاه ملابس مروة منير،‮ ‬فكانت الزخارف تلك كقاسم مشترك،‮ ‬وقد أتاح هذا مساحة مناسبة لعمل المخرج مع الجوقة المنضبطة‮ (‬عمرو موريس،‮ ‬مايكل رفلة،‮ ‬كيبو،‮ ‬جحا،‮ ‬أحمد حمدي،‮ ‬مصطفي‮ ‬بشير‮) ‬أهل البلد الذين لم‮ ‬يتركوا خشبة المسرح تقريباً،‮ ‬ومعهم محمود‮ ‬يحيي،‮ ‬أحمد عادل،‮ ‬محمد مصطفي‮ ‬والمفاجأة عمرو درويش،‮ ‬وكانوا أداة المخرج في‮ ‬عمل التشكيلات الحركية المختلفة مثل تشكيل الساقية،‮ ‬إلا أن عمل الجوقة بهذه الكيفية أصابه الاستاتيكية في‮ ‬بعض الأحيان،‮ ‬وبرغم اجتهاد المخرج ومجموعة عمله في‮ ‬خلق إيقاع جيد عن طريق التنقل الزمني‮ ‬بين الماضي‮ ‬والحاضر وتوظيف لعبة التقديم والتأخير في‮ ‬الحدث الدرامي،‮ ‬والتي‮ ‬أتاحها بسهولة أداء الراوي‮ (‬وليد‮ ‬غازي‮) ‬وحديثه المباشر للصالة،‮ ‬وهو‮ ‬يتميز بصوت حسن ومعبر،‮ ‬وأيضاً‮ ‬حسن توظيف الممثلين الجيدين،‮ ‬حسام الدين إمام في‮ ‬دور أيوب الذي‮ ‬أجاد في‮ ‬تجسيد المرحلتين اللتين تمر بهما الشخصية الدرامية،‮ ‬أولاً‮ ‬القوة والقدرة ثم الضعف والمرض،‮ ‬ومصطفي‮ ‬منصور الذي‮ ‬يمتلك إمكانيات متميزة،‮ ‬أدي‮ ‬دور همام الغجري‮ ‬المتعطش للسلطة والسيطرة علي‮ ‬البلد وعلي‮ ‬ناعسة بشكل‮ ‬يفوق حداثة سنه وينبذ بممثل‮ ‬ينتظر منه الكثير،‮ ‬وهناك مروة عيد التي‮ ‬أدت دور‮ ‬غزاوية الغازية التي‮ ‬تعشق أيوب،‮ ‬والتي‮ ‬تقلبت بين الرجال وعملت في‮ ‬الموالد والأفراح حتي‮ ‬ضمها همام إلي‮ ‬زمرته،‮ ‬أدت دورها ببراعة دون ابتذال برغم قصر الفترة الزمنية التي‮ ‬التحقت فيها بالعرض،‮ ‬وياسمين سمير في‮ ‬دور ناعسة التي‮ ‬تحب زوجها أيوب وتخلص له وتقف بجانبه حينما‮ ‬يتخلي‮ ‬عنه الجميع،‮ ‬ومعهم بسام عبد الله في‮ ‬دور عمار ومحمد إبراهيم في‮ ‬دور الأب وهنا عصام في‮ ‬دور الأم،‮ ‬جميعهم أدوا المطلوب منهم كل وفق مساحته،‮ ‬ولا نغفل رجال همام‮ (‬رامز سامي،‮ ‬يوسف علي،‮ ‬أحمد مصطفي‮) ‬الذين‮ ‬يتميزون بخفة الدم فأدوا استراحة كوميدية‮ ‬يشرحون فيها أفعالهم لنهب القرية،‮ ‬وإن كانوا‮ ‬يجيدون القلش أيضاً،‮ ‬وهي‮ ‬وإن كانت من المناطق الخفيفة المحببة إلي‮ ‬الجمهور،‮ ‬إلا أنه إذا تم حزفها أو اختزالها فلن‮ ‬يؤثر ذلك بالسلب علي‮ ‬بنية العرض ككل،‮ ‬وذلك‮ ‬ينطبق علي‮ ‬التحطيب أو المبارزة الأخيرة بين همام وأيوب التي‮ ‬أصابها المط والتطويل،‮ ‬وبشكل عام فإن العرض المقدم علي‮ ‬خشبة مسرح الهناجر‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬مزيد من الاختصار والتكثيف،‮ ‬ففي‮ ‬الحزف إضافة أحياناً‮.‬
وأخيراً‮ ‬فإن التكريس للبطل المفرد أيوب‮ ‬–غندور البلد وزينتها‮- ‬الذي‮ ‬يقف وحده في‮ ‬مواجهة الظلم والقهر ويعيد التناغم المفقود في‮ ‬النهاية،‮ ‬ويحمل وحده قيم الحق والانحياز للفقراء والبسطاء،‮ ‬في‮ ‬مقابل أهل البلد المعطلة أفعالهم،‮ ‬والذين‮ ‬يقفون مكتوفي‮ ‬الأيدي‮ ‬في‮ ‬مواجهة همام ورجاله،‮ ‬يكتفون بالفرجة ومصمصة الشفايف تحسراً‮ ‬علي‮ ‬حالهم المزري‮ ‬وعلي‮ ‬ما أصاب منقذهم أيوب دون أن‮ ‬يفعلوا شيئاً‮ ‬من أجله أو من أجل أنفسهم،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يحمل ذلك إدانة للبلد بقدر ما‮ ‬يؤصل لقيم التواكل والسلبية‮.

طارق راغب‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: غنوة الليل - أطياف حكاية
  • جهة الانتاج: المعهد العالي للفنون المسرحية
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: يس الضوى
  • إخراج: تامر كرم
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here