اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بردة البوصيري‮ .. ‬أمسية مسرحية في‮ ‬حب رسول الله

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تراهن‮  ‬أمسية‮ " ‬بردة البوصيري‮" - ‬التي‮ ‬قدمتها الفرقة القومية للعروض‮  ‬المصرية‮ (‬الغد‮) ‬علي‮ ‬تخليق حالة من المشاركة الروحانية والدينية بين المتفرج والعرض المسرحي‮  ‬،‮ ‬وعبر ذلك الرهان فإن‮ (‬بردة البوصيري‮) ‬تصنع تميزها الخاص وفرادتها‮ ‬،‮ ‬فمن خلال أفق العرض الهادف لنقل التجربة الصوفية التي‮ ‬يتمثلها،‮ ‬فإن المخرج‮ (‬حمدي‮ ‬أبو العلا‮) ‬استخدم كافة عناصره الفنية من موسيقي‮ ‬وغناء وأداء تمثيلي‮ ‬وصورة بصرية‮ .. ‬إلخ للتأكيد علي‮ ‬تلك الحالة الوجدانية والدينية‮  ‬بهدف نقلها ومشاركتها مع المتفرج‮ ... ‬وهو ما‮ ‬يعكس علاقة مختلفة بين العرض المسرحي‮ ‬والصوفية الدينية،‮ ‬ربما ليست بالجديدة علي‮ ‬المسرح المصري،‮ ‬لكنها تظل دائماً‮ ‬هامشية وفرعية أمام التيار الأساسي‮ ‬للمسرح المصري‮ ‬الذي‮ ‬يظل محتفظاً‮ ‬بمساحة تبعيدية مع الصوفية ومحدداً‮ ‬تلك العلاقة داخل إطار محدد لا‮ ‬يتجاوز في‮ ‬العادة استخدام بعض العناصر الأدائية للصوفية المصرية التقليدية كرقصة التنورة أو الأداء الانفعالي‮ ‬لشخصية الدرويش النمطية‮ .. ‬الخ‮.‬
من هنا تبرز أهمية الاقتراب من مثل تلك التجارب الإبداعية التي‮ ‬تختلط فيها‮ - ‬وبشكل واضح وصريح‮ - ‬النزعة الدينية لصناع العرض‮/ ‬الأمسية مع الأدوات والتقنيات المسرحية،‮ ‬حيث‮ ‬يغدو المسرح ملزماً‮ ‬بنقل التجربة الصوفية بعيداً‮ ‬عن المظاهر الأدائية الشهيرة التي‮ ‬تميز الصوفية الشعبية والتي‮ ‬تعتمد الجهد الجسدي‮ ‬والاستغراق العاطفي‮ ‬لتحقيق اكتمال التجربة الصوفية‮ ‬،‮ ‬فهنا تتراجع وبشكل متوازي‮ ‬الأدائية الصوفية آخذهة في‮ ‬طريقها الكثير من الإمكانيات المسرحية الأدائية‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يحصر العالم المسرحي‮ ‬في‮ ‬أجواء تجريدية إلي‮ ‬حد كبير‮ ‬يعتمد علي‮ ‬الأداء الغنائي‮ ‬والتمثيلي‮ ‬في‮ ‬المقام الأول لنقل التجربة و مشاركة المتفرج فيها‮ .‬
تعتمد الأمسية علي‮ ‬النص الذي‮ ‬أعده المخرج‮ (‬حمدي‮ ‬أبو العلا‮) ‬بشكل أساسي،‮ ‬فالنص المشكل من خليط متجانس من أشعار منتسبة لبردة البوصيري‮ ‬إلي‮ ‬جانب أشعار للمخرج‮ (‬وربما كان هناك تواجد لمصادر أخري‮) ‬لكن النص‮ ‬يعلي‮ ‬من بردة البوصيري‮ ‬بشكل أساسي‮ ‬ويجعلها مركزه بل وعنواناً‮ ‬له،‮ ‬ومن هنا أصبح من الطبيعي‮ ‬أن تختفي‮ ‬كافة الملامح المسرحية عن النص ولا‮ ‬يبقي‮ ‬سوي‮ ‬صوت واحد لموضوع واحد وسط‮ ‬غياب لأي‮ ‬إطار درامي،‮ ‬وهي‮ ‬ميزة أساسية في‮ ‬الأمسيات المماثلة التي‮ ‬لا تعتمد الأطر الدرامية التقليدية‮ (‬أو‮ ‬غير التقليدية‮) ‬بل وعلي‮ ‬العكس فإنها تطرد الدراما بتعددها الصوتي‮ ‬لتحقيق عدد من الغايات تتمثل في‮ : ‬إعطاء مساحة كاملة وغير منقوصة للصوت الصوفي‮ ‬للانطلاق الوجداني‮ ‬صوب هدفه دون أي‮ ‬معوقات‮ ‬يمكن أن تشتته أو تفقده امتلاءه وكثافته وتركيزه‮ ‬– وهي‮ ‬السمات التي‮ ‬تهب للتجربة تميزها وتحقق شروط تحققها‮ ‬،‮ ‬من ناحية أخري‮ ‬فإن الإطار الديني‮ ‬القائم علي‮ ‬مدح النبي‮(‬ص‮) - ‬وذكر خصاله والتقرب منه و تمثله والصلاة عليه والدعاء بلقائه وحيازة شفاعته‮ ‬يوم القيامة‮ ‬– ينظر بقدر من التعالي‮ ‬والشك للفن الدرامي‮ ‬فالأول‮ ‬ينظر لنفسه علي‮ ‬أنه حقيقي‮ ‬ومخلص وصادق فيما‮ ‬يقوم به‮ ‬،‮ ‬بينما الأخير(الفن الدرامي‮) ‬يقوم بالأساس علي‮ ‬اللعب والإبعاد وتنوع الأصوات‮ ‬،‮ ‬ومن ناحية ثالثة فإن طرد الدراما‮ ‬يحقق ميزة أساسية للصوت الشعري‮ ‬العربي‮ ‬وهو تفرد الصوت وغنائيته الملتفة علي‮ ‬ذاتها والمندمجة مع موضوعها إلي‮ ‬حد‮ ‬يصعب معه فصلهما عن بعضهما البعض‮. ‬
وعبر طرد الدراما فإن المخرج ومجموعة العمل الفنية المشاركة في‮ ‬الأمسية المسرحية تنطلق من حالة التجريد الصوفي‮ ‬والديني‮ ‬التي‮ ‬تطبع النص و تهيمن عليه وتنزع منه أي‮ ‬صوت‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينازع الصوت الأساسي‮ ‬في‮ ‬هيمنته أو‮ ‬يهدد تواجده أو‮ ‬يعرقل تحقيق هدفه‮ . ‬
ويمكن أن نجد ذلك بشكل مبدئي‮ ‬في‮ ‬الصورة المسرحية التي‮ ‬تشارك فيها مصمم الديكور(أحمد فرج‮) ‬مع مصمم الملابس‮ (‬أحمد الألفي‮) - ‬كل في‮ ‬مساحته‮ ‬– لتحقيق الرؤية العامه للأمسية‮ ‬،‮ ‬فنجد أن الزخارف الإسلامية الهندسية والنباتية كانت هي‮ ‬السمة الأساسية والمميزة للصورة المسرحية دون منازع تقريباًً‮ ‬،‮ ‬وذلك بهدف التأكيد علي‮ ‬الخطاب الأساسي‮ ‬للعرض وتحديد لهويته و مصادره و إغلاق لأي‮ ‬احتمالية تشويش أو جذب انتباه المتفرج بعيداً‮ ‬عن الهدف الأساسي‮ ‬للأمسية‮. ‬وهو ما تحقق بشكل كبير علي‮ ‬الرغم من التنوع اللوني‮ ‬الكبير الذي‮ ‬يتقاسم المساحة المسرحية‮ ‬،‮ ‬خاصة علي‮ ‬مستوي‮ ‬الملابس،‮ ‬وذلك عبر توحيد الزي‮ ‬بين المؤدين في‮ ‬مقابل مجموعة الموسيقيين‮. ‬وهو ما أعاد حالة من السكونية علي‮ ‬المشهد تتناسب وطبيعة الأمسية‮.‬
ولكن إذا كان هذا هو الحال علي‮ ‬المستوي‮ ‬التشكيلي‮ ‬فإن الأمسية وعلي‮ ‬المستوي‮ ‬الأدائي‮ ‬كانت تشهد قدرا عاليا من التنوع بين المؤدين‮ ‬،‮ ‬فنجد كل من‮ (‬أحمد الشافعي‮ ‬وأحمد الشريف‮) ‬محافظين علي‮ ‬قدر من الانضباط الإلقائي‮ ‬الخالي‮ ‬من المؤثرات الانفعالية بشكل‮ ‬يقترب إلي‮ ‬حد كبير والنماذج التقليدية للأمسيات القائمة علي‮ ‬الإلقاء الشعري‮ ‬،‮ ‬ولكن في‮ ‬مقابل ذلك فهناك حالة من الأداء الانفعالي‮ ‬في‮ ‬أداء‮ (‬فتحي‮ ‬الجارحي‮) ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يتذبذب أداء شريف عواد بين الأداء الأول والأخير‮ .‬
ربما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤخذ ذلك علي‮ ‬الأمسية‮ ‬،‮ ‬لكن ومن جانب آخر فإن طبيعة الحالة التي‮ ‬تهيمن علي‮ ‬الأمسية‮ ‬يمكن تسمح بقدر من التحرر الأدائي‮ ‬لكل مؤد بما‮ ‬يتفق ورؤيته الخاصة وموقعه الشخصي‮ ‬من العمل‮ .. ‬طالما أننا أمام استحضار لحالة وجدانية وروحانية‮ ‬يستشعرها المؤدي‮ ‬والمتفرج ولسنا أمام شخصيات درامية‮.‬
وطالما أننا أمام حالة لها طبيعة صوفية فإن الموسيقي‮ ‬والغناء‮ ‬يتم استحضارهما لتحقيق إيقاع وتنشيط المشاعر والتواصل مع أعمق المشاعر الإيمانية،‮ ‬وهو ما حققه المغنون بشكل كامل سواء المطرب‮ (‬طارق فؤاد‮) ‬أو كل من‮ (‬أحمد منير وفارس‮) ‬،‮ ‬فالتساوي‮ ‬بين مساحة الغناء والأداء التمثيلي‮ ‬ربما كانت تشير إلي‮ ‬أهمية الغناء والطبيعة الغنائية في‮ ‬تلك الأمسية والدور الكبير لها‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتضح من إبراز الملحن‮ (‬طارق فؤاد‮) ‬لجماليات الصوت البشري‮ ‬و إتاحته الفرصة أمام المغنين لاستعراض إمكانياتهم الصوتية‮.‬
في‮ ‬النهاية ربما كانت‮ (‬بردة البوصيري‮) ‬نموذجا جيدا لكيفية استغلال المسرح لتحقيق حالة من التواصل الروحاني‮ ‬وتنمية المشاعر الدينية واستحضارها‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬يجعله عرضا مناسبا جداً‮ ‬لشهر رمضان الذي‮ ‬يقدم فيه‮. ‬فهو عمل‮ ‬يستطيع التواصل مع متلقيه عبر جماليات الشعر والموسيقي‮ ‬والغناء برغم حالة السكونية التي‮  ‬ينطلق منها والتي‮ ‬تتجلي‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬عدم اهتمام المخرج برسم خطوط حركية معقدة أو جمالية‮ ‬،‮ ‬فاعتماده علي‮ ‬الصوت البشري‮ ‬وجماليات اللغة والتواصل الروحاني‮ ‬كان هو الشاغل الأهم والأكبر‮ ‬،‮ ‬وقد نجح فيه بشكل كبير‮.‬

محمد مسعد
‮ ‬‮ ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: بردة البوصيري
  • جهة الانتاج: الفرقة القومية للعروض المصرية " الغد " - بيت المسرح - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: الإمام البوصيري
  • إخراج: حمدي أبو العلا
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here