اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

عائلة توت‮..‬‮ ‬تداعيات الحرب والحكم العسكري

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الحرب لا تُخلف فقط الخسائر المادية والبشرية للأمم،‮ ‬لكنها والأهم تُخلف أنظمة لا تصلح لأن تكون علي‮ ‬رأس أيٍ‮ ‬من الدول،‮ ‬وكذلك شعوباً‮ ‬خائفة مرعوبة لا تشعر بالحرية أو بآدميتها،‮ ‬ولعل الحقبة الزمنية الأخيرة تؤكد هذه النظرية بسقوط أكثر من نظام‮ ‬يمثل الحكم العسكري‮ ‬في‮ ‬المنطقة وهو امتداد تاريخي‮ ‬لسقوط الاتحاد السوفيتي‮ ‬والنظم الشيوعية في‮ ‬أوروبا الشرقية،‮ ‬تلك هي‮ ‬النظرية التي‮ ‬بني‮ ‬عليها المؤلف‮ (‬أشتغان أروكني‮) ‬نصه عائلة توت‮.‬
هذا النص الذي‮ ‬استوقف المخرج‮ (‬إبراهيم المهدي‮) ‬عندما استهوته الفكرة والتي‮ ‬رأي‮ ‬من وجهة نظره أنها تصلح لأن تُقدم هذه الأيام،‮ ‬وبالأخص بعد التداعيات الأخيرة بسقوط الأنظمة القمعية الديكتاتورية‮.‬
فعائلة توت‮ ‬يناقش بوضوح هذه الفكرة،‮ ‬من خلال عائلة بسيطة إبان حرب المجر،‮ ‬هذه العائلة وبالطبع نُسبت للأب توت‮ (‬أحمد الشناوي‮) ‬هذا الرجل البسيط الذي‮ ‬يعمل بجهاز الإطفاء وزوجته ماريشكا‮ (‬شدو الجارحي‮) ‬والابنة أجيكا‮ (‬رنا علي‮)‬،‮ ‬والابن جيولا الذي‮ ‬التحق بالخدمة العسكرية‮.‬
تبدأ الأحداث بساعي‮ ‬البريد‮ (‬شريف فوزي‮) ‬والذي‮ ‬يبدأ العرض بشرح وجهة نظره في‮ ‬كونه لا‮ ‬يقوم بعمله حرفياً‮ ‬كساع للبريد،‮ ‬فهو لا‮ ‬يُسلم الخطابات إلا بعد أن‮ ‬يقرأها ويسلم بعضها حسبما‮ ‬يتراءي‮ ‬له وسير الأحداث،‮ ‬ولعل المؤلف والمخرج اتفقا ضمنيا أن‮ ‬يكون ساعي‮ ‬البريد هو محرك الأحداث،‮ ‬ليس هذا فحسب إنما‮ ‬يقرأ لنا الجانب الغيبي‮ ‬داخل العرض،‮ ‬ويخبرنا من خلال قراءته لأحد الخطابات أن الابن جيولا‮ ‬يرسل هذا الخطاب لأسرته حتي‮ ‬يستعدوا لزيارة الميجور‮ (‬سامح هاشم‮) ‬قائد فرقته لهم،‮ ‬وعلي‮ ‬هذه الأسرة أن تستعد للقائه،‮ ‬وعليهم أيضاً‮ ‬أن‮ ‬يأخذوا حذرهم من بعض الأشياء التي‮ ‬قد تغضب الميجور،‮ ‬مثل الروائح الكريهة والصوت العالي‮ ‬وغيرها من الأشياء التي‮ ‬تشكل شخصية الميجور،‮ ‬لنتأكد هنا أن الميجور هو مثال للنظام و أن عائلة توت هي‮ ‬شريحة من المجتمع،‮ ‬و‮ ‬يحضر الميجور ليفرض سطوته علي‮ ‬الجميع بعد الترحيب الشديد من قِبل الأسرة وسط زهو وفرحة الابنة أجيكا،‮ ‬كونه الميجور وخوف مصحوب بالقلق وتذليل كافة العقبات التي‮ ‬تعكر صفو الزيارة من جانب الأم،‮ ‬وسط توتر مشوب بالحذر من الأب توت،‮ ‬ومن أول وهلة نلحظ أن الميجور ليس بالشخص السوي‮ ‬بسبب ما رآه من ويلات الحروب،‮ ‬جعلت منه هذا الشخص المتخبط في‮ ‬القرارات والمتشتت ذهنياً،‮ ‬ليتمادي‮ ‬في‮ ‬فرض سطوته خاصة علي‮ ‬الأب الرافض دائماً‮ ‬لتعليماته،‮ ‬ولكنه‮ ‬يوافق عليها تحت ضغط من الزوجة والابنة،‮ ‬عندما‮ ‬يخبرانه أن كل ما‮ ‬يفعلونه من أجل ابنه الوحيد جيولا،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يؤكده الميجور في‮ ‬كل تصرف بوعوده أن جيولا سيكون أكثر راحة،‮ ‬ليخرج علينا الساعي‮ ‬ليخبرنا بأن الصليب الأحمر أعلن مقتل جيولا في‮ ‬إحدي‮ ‬الغارات،‮ ‬وهو بدوره‮ ‬يخفي‮ ‬هذا الخطاب ولا‮ ‬يسلمه لعائلة جيولا،‮ ‬ويكرس الميجور سطوته بشكل أكبر فيمنع الأب من التثاؤب بل‮ ‬يقترح عليه أن‮ ‬يضع في‮ ‬فمه بطارية صغيرة حتي‮ ‬لا‮ ‬يتثاءب،‮ ‬ويمنعه أيضاً‮ ‬من النوم،‮ ‬غير أنه‮ ‬يشارك الأم والابنة في‮ ‬صنع علب الحاوي‮ ‬بشغف بل‮ ‬يجبر الأب أيضا أن‮ ‬يشاركهم العمل،‮ ‬وهذا‮ ‬يدل علي‮ ‬عدم اتزان الميجور النفسي،‮ ‬وأنه‮ ‬يفعل الأمور السلطوية بدافع من منصبه العسكري‮ ‬فقط ولا‮ ‬يدل هذا علي‮ ‬قسوته كإنسان بل‮ ‬يدل علي‮ ‬ضعفه الإنساني‮ ‬بدليل أنه أرغم الأب في‮ ‬أول لقائه بهم علي‮ ‬ستر عينيه بغطاء الرأس لأنه بكل بساطة‮ ‬يخشي‮ ‬مواجهة الآخر‮.‬
وفي‮ ‬مشهد آخر تأتي‮ ‬الزوجة بالقس توماي‮ (‬فريد محمد فريد‮) ‬لتشكو له‮ ‬غياب زوجها الذي‮ ‬جنح للنوم خلسة،‮ ‬كسراً‮ ‬لأوامر الميجور،‮ ‬والذي‮ ‬يوافق رأيه رأي‮ ‬الأم والابنة في‮ ‬أن ما‮ ‬يفعلونه مع الميجور هو في‮ ‬صالح الابن الغائب جيولا،‮  ‬ناهراً‮ ‬الزوج في‮ ‬عصيانه لأوامر الميجور،‮ ‬ليسدي‮ ‬للزوجة نصيحة بعرض الزوج علي‮ ‬طبيب نفساني‮ ‬د‮ / ‬سبرياني‮ (‬ياسر إسماعيل‮)‬،‮ ‬وهنا‮ ‬يتغير الحال حيث‮ ‬يري‮ ‬الطبيب أن توت سليم نفسياً‮ ‬وعندما تنهره الزوجة‮ ‬يصرخ فيها بأنها والمجتمع هما المخطئان وان ما هم فيه تداعيات نفسية للحرب،‮ ‬وعندما تنتهي‮ ‬الحرب حتماً‮ ‬سيشنق هذا الميجور‮.‬
إن توحد الفكرة المراد طرحها ما بين المخرج والنص ليست كافية لخروج العرض المسرحي‮ ‬فتلك الرمزية التي‮ ‬يحملها النص والتي‮ ‬تعامل معها المخرج بواقعية خلفت هذه الطلاسم التي‮ ‬تجعل المتلقي‮ ‬يجتهد كثيرا لفك رموزها خاصة أن العرض‮ ‬يقدم لشريحة مجتمعية بسيطة‮ (‬العرض من انتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة‮ ‬– بيت ثقافة طوخ‮) ‬وهنا كان علي‮ ‬المخرج‮ (‬إبراهيم المهدي‮) ‬أن‮ ‬يجتهد في‮ ‬اختيار النص المناسب لهذه الشريحة،‮ ‬ناهيك عن اللغة العربية الفصحي‮ ‬التي‮ ‬ترحم عليها الكثيرون داخل قاعة العرض‮.‬
الديكور والملابس‮ (‬أحمد فرج‮)‬،‮ ‬اعتمد علي‮ ‬بعض البانوهات البسيطة في‮ ‬التكلفة الغنية في‮ ‬الرؤية،‮ ‬في‮ ‬إبراز تفاصيل منزل عائلة توت،‮ ‬ولقد أجاد في‮ ‬هذه المنطقة‮ ‬غير أنه لم‮ ‬يكن علي‮ ‬نفس المستوي‮ ‬في‮ ‬مشهد الطبيب النفساني،‮ ‬حيث استخدم أحد البانوهات كخلفية مع ثبات نفس الديكور‮ (‬منزل توت‮)‬،‮ ‬فجاء المشهد مشوهاً‮ ‬علي‮ ‬المستوي‮ ‬البصري‮ ‬كسينوغرافيا،‮ ‬أما الملابس لم‮ ‬يكن هناك سوي‮ ‬شخصية الميجور والقس،‮ ‬وكانت الخطوط جيدة‮ ‬
لم‮ ‬يكن الإعداد الموسيقي‮ (‬ياسر إسماعيل‮) ‬بهذا الثراء السمعي،‮ ‬فلقد جاءت الجمل الموسيقية المستخدمة رتيبة ولم تعبر عن التصاعد الزمني‮ ‬والنفسي‮ ‬للشخصيات
ولم تكن الإضاءة‮ (‬حمدي‮ ‬شرف‮ ‬– إيهاب طه‮ ‬– أحمد حجاج‮) ‬أفضل حالا من عناصر العرض المسرحي‮ ‬فجاءت علي‮ ‬وتيرة واحدة طوال مدة العرض،‮ ‬ولم تهتم ببؤر الصراع النفسي‮ ‬بين توت والميجور،‮ ‬حيث جاء معظم هذا الصراع في‮ ‬الإضاءة الكاملة،‮ ‬دليلا علي‮ ‬عدم استيعاب المشهد المسرحي‮.‬
رغم الأخطاء الفادحة في‮ ‬اللغة لكن هناك جهداً‮ ‬واضحاً‮ ‬من الممثلين،‮ ‬لعل أبرزهم‮ (‬شدو الجارحي‮) ‬التي‮ ‬استحضرت جيداً‮ ‬مكنون شخصية الأم،‮ ‬والأقل أخطاءً‮ (‬شريف فوزي‮) ‬الذي‮ ‬أدي‮ ‬دور ساعي‮ ‬البريد ببراعة تحسب له،‮ ‬وكذلك‮ (‬رنا علي‮) ‬وكذلك الحضور المتميز‮ (‬لأحمد مطراوي‮) (‬محمد خضر‮) (‬حمدي‮ ‬شرف‮)‬،‮ ‬وكان أقل حضوراً‮ ‬القائم بدور الميجور رغم مساحة الدور‮. ‬

أيمن حافظ

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: عائلة توت‮
  • جهة الانتاج: قصر ثقافة طوخ - هيئة قصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: اشتغان أروكين
  • إخراج: إبراهيم المهدي
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here