اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بردة البوصيري‮ ‬ المد الشعري‮ ‬والجذر المسرحي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬السبعينيات قدم المخرج إبراهيم الإبياري‮ ‬أمسية شعرية عن قصيدة البردة للإمام البوصيري‮ ‬قام بادائها مجموعة من كبار الفنانين في‮ ‬ذلك الوقت علي‮ ‬رأسهم عبد الوارث عسر وحمدي‮ ‬غيث وعبد الرحيم الزرقاني‮ ‬ومحمد السبع بالإضافة إلي‮ ‬الصوت الإذاعي‮ ‬الفخيم محمد الطوخي‮ ‬واضطلع بالإنشاد وقتها الفنان‮ (‬الشاب‮) ‬علي‮ ‬الحجار والصوت النسائي‮"‬زينب‮ ‬يونس"بمصاحبة كورال الموسيقي‮ ‬العربية وفرق المراكز الثقافية والمسرح الغنائي‮ ‬بالأوبرا وتعتبر هذه هي‮ ‬أشهر الأمسيات الشعرية التي‮ ‬قدمت فيها القصيدة الأهم في‮ ‬تاريخ شعر المدح النبوي‮ ‬،‮ ‬وتقع قصيدة البردة في‮ ‬عشرة فصول هي‮ ‬بالترتيب الفصل الأول‮ : ‬في‮ ‬الغزل وشكوي‮ ‬الغرام‮ ‬،‮ ‬الثاني‮ : ‬في‮ ‬التحذير من هوي‮ ‬النفس‮ ‬،‮ ‬ الثالث‮ : ‬في‮ ‬مدح سيد المرسلين‮ ‬،‮ ‬الرابع‮: ‬في‮ ‬مولــده‮ ‬،‮ ‬الخامس‮: ‬في‮ ‬المعجزات‮ ‬،‮ ‬السادس‮ : ‬في‮ ‬شـرف القرآن ومدحه‮ ‬،‮ ‬السابع‮ : ‬في‮ ‬إسرائه ومعراجه‮ ‬،‮ ‬الثامن‮ : ‬في‮ ‬جهاد النبي‮ ‬،‮ ‬التاسع‮ : ‬في‮ ‬التوسل بالنبي‮ ‬،‮ ‬وأخيرا العاشر‮ : ‬في‮ ‬المناجاة وعرض الحاجات‮.‬
وقد نظم الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري‮  ‬هذه القصيدة في‮ ‬القرن السابع الهجري‮ ‬وكان قد أصيب بشلل نصفي‮ ‬أقعده فقرر نظم هذه القصيدة توسلا بها إلي‮ ‬الله واستشفاعا بالنبي‮ ‬ويقال إنه حين نام رأي‮ ‬الرسول عليه الصلاة والسلام في‮ ‬الحلم فألقي‮ ‬عليه القصيدة فمسح النبي‮ ‬علي‮ ‬وجهه وألقي‮ ‬عليه بردته‮ ‬،‮ ‬والبردة هي‮ ‬شال مخطط‮ ‬يلتحف به وقد ورد ذكرها في‮ ‬السيرة النبوية في‮ ‬حادثة نوم علي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب محل الرسول ليلة الهجرة هربا من تآمر الكفار علي‮ ‬قتله حيث التحف"علي‮"‬ببردة النبي‮ ‬ونام في‮ ‬فراشه ولولا أن رفع الكفار البردة حين دخلوا بيت الرسول لقتلوا عليًا ظنا منه أنه الرسول‮.‬
وهناك قصيدة أخري‮ ‬هي‮"‬لامية‮" ‬كعب بن زهير الشاعر الجاهلي‮ ‬الذي‮ ‬أهُدر دمه إبان فتح مكة ولكنه ذهب إلي‮ ‬الرسول تائبا وأنشده لاميته الشهيرة"بانت سعاد"التي‮ ‬مدح فيها النبي‮ ‬فقام الرسول وألقي‮ ‬عليه بردته‮ ‬،‮ ‬وهنا نجد التشابه بين رواية إلقاء البردة علي‮ ‬البوصيري‮ ‬في‮ ‬المنام بعد إنشاده القصيدة التي‮ ‬مطلعها(محمد سيد الكونين والثقلين‮.. ‬والفريقين من عرب ومن عجمِ‮) ‬وبين واقعة إلقاء النبي‮ ‬بردته علي‮ ‬كعب بن زهير عندما أنشده(بانت سعاد فقلبي‮ ‬اليوم متبول‮..‬متيم اثرها لم‮ ‬يفد مكبول‮).‬
وقد استخدم المخرج خالد جلال فكرة البردة من خلال ملابس فرقة مركز الإبداع التي‮ ‬قدمت معالجة حركية للقصيدة من خلال شالات‮ ‬يضعها أعضاء الفرقة والتي‮ ‬منحتهم شكلا روحانيا بسيطا بلا تكلف‮.‬
يتجاوز العرض فكرة الأمسية الشعرية التقليدية التي‮ ‬تتلي‮ ‬من خلالها القصيدة إلي‮ ‬فكرة العرض المسرحي‮ ‬دون أن تكون ثمة صياغة درامية تقليدية للنص الشعري‮ ‬،‮ ‬اعتمد جلال أولا علي‮ ‬الصياغة الحركية للنص عبر حركة أشبه"بالمد والجزر"حيث‮ ‬يبدأ إلقاء الفصول من خلال موجات ثنائية أو فردية من الممثلين قدوما من عمق الفراغ‮ ‬المسرحي‮ ‬وصولا إلي‮"‬شاطئ"الصالة حيث‮ ‬يجلس الجمهور وذلك في‮ ‬مد شعري‮ ‬متتال وفي‮ ‬الخلفية تكن بقية المجموعة محيطة بثنائيات الإلقاء فيما‮ ‬يشبه الجوقة التي‮ ‬تردد أو تصنع الصدي‮ ‬الدرامي‮ ‬التفخيمي‮ ‬للأبيات ثم تتوقف الثنائيات بعد حركة المد لتبدأ عملية الإنشاد التي‮ ‬صاغ‮ ‬الحانها المايسترو عماد الرشيدي‮ ‬والتي‮ ‬تعتمد علي‮ ‬تلحين أبيات من كل فصل تمثل ذورة أو جوهر كل فصل من فصول البردة عبر عدد من المقامات الشرقية ويتم تأدية كل بيت في‮ ‬مقام معين عبر أحد أصوات أعضاء الفرقة علي‮ ‬اختلاف طبقة الصوت بشكل أشبه بالرجع الصوتي‮ ‬متعدد المستويات والدلالات وكأننا أمام جوقة سماوية تردد في‮ ‬الفراغ‮ ‬الكوني‮ ‬هذه الأبيات بحس صوفي‮ ‬راق‮.‬
ويخلط المخرج خالد جلال عن وعي‮ ‬ودقة ما بين فكرة الجوقة في‮ ‬المسرح اليوناني‮ ‬والروماني‮ ‬القديم وبين الجوقة الإنشاديه التي‮ ‬تمثل بطانة المنشد الفرد في‮ ‬الشكل التراثي‮ ‬والتقليدي‮ ‬للإنشاد الديني‮.‬
ففي‮ ‬حركات المد الشعري‮ ‬عند بداية كل فصل تتوزع الاصوات ما بين ذكورية ونسائية حيث‮ ‬يلقي‮ ‬الممثلون الذكور البيت ثم تعيده الممثلات الإناث كأنهم صدي‮ ‬رقيق ولكن في‮ ‬مواضع أخري‮ ‬حين الحديث عن جهاد النفس علي‮ ‬سبيل المثال أو جهاد النبي‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬الأبيات فإن المخرج‮ ‬يحافظ فقط علي‮ ‬الصوت الذكوري‮ ‬ومن خلفه الجوقة وفي‮ ‬أبيات التوسل نجده‮ ‬يقصي‮ ‬الصوت الذكوري‮ ‬لصالح الصوت الأنثوي‮ ‬الرقيق وتمثل الجوقة في‮ ‬الخلفية هذا البوق الشعوري‮ ‬الذي‮ ‬يضخم وجدانيات الأبيات ويزيذ من فخامتها الروحانية كما أنه‮ ‬يؤكد علي‮ ‬الكثير من المعاني‮ ‬التي‮ ‬تقال عبر تكرارها خلف الصوت الثنائي‮ ‬أو الفردي‮ ‬،‮ ‬وهو هنا أقرب لدور الجوقة في‮ ‬المسرح اليوناني‮ ‬القديم أما فيما‮ ‬يخص الأنشاد الديني‮ ‬فنجده في‮ ‬تلك الحالة التي‮ ‬تكسب فيه الموسيقي‮ ‬الأبيات الشعرية رونقها السماوي‮ ‬خاصة مع تجويد المؤديين وإطالتهم في‮ ‬مواضع الآهات والتوسلات وكأنهم في‮ ‬مراق صوفية داخلية‮.‬
وقد عمد جلال في‮ ‬صياغته الحركية للنص أن تكون ثمة وحدة عضوية للممثلين في‮ ‬الميزانسين الخاص بهم لا تتمثل فقط في‮ ‬حركتهم المدية والجذرية المحسوبة ولكن في‮ ‬توجه الجوقة للفرد أو الثنائي‮ ‬المنشد حتي‮ ‬ولو ولوا الجمهور ظهورهم‮ ‬،‮ ‬فالثقل الشعوري‮ ‬والحركي‮ ‬والضوئي‮ ‬يتركز حول ملقي‮ ‬البيت‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬حول البيت الشعري‮ ‬ذاته وليس حول الجمهور‮ ‬،‮ ‬إن الجوقة تتوجه بكليتها إلي‮ ‬موضع الإنشاد كي‮ ‬تجبر الجمهور ذاته علي‮ ‬التوجه الشعوري‮ ‬ناحية منبع الشعر‮ ‬،‮ ‬وليس الاسترسال مع حركة الجوقة‮ ‬،‮ ‬فالتركيز هنا حول بيت الشعر المسموع المكرر من أجل الاستيعاب وليس مع الحركة‮ ‬،‮ ‬فالحركة الجسدية أو الفيزيقية هنا هي‮ ‬استكمال للحركة الوجدانية الداخلية للشعر وليست حركة لذاتها أو لمجرد مسرحة للقصيدة‮.‬
ولا شك أن قوة المعني‮ ‬في‮ ‬الأبيات الشعرية كانت تستلزم هذا التكرار الذي‮ ‬قدمه المخرج بشكل مستوحي‮ ‬من قصة الخلق‮ ‬،‮ ‬فالثنائيات المنشدة تتكون من ذكر وأنثي‮(‬آدم وحواء)وكأن كل ثنائية هي‮ ‬خلية تحتوي‮ ‬علي‮ ‬جوهر الحياة وأصلها‮ ‬،‮ ‬ويبدأ الممثل الذكر في‮ ‬تلاوة البيت تتبعه الأنثي‮ ‬،‮ ‬فصوت آدم أسبق علي‮ ‬صوت حواء‮ ‬،‮ ‬لأنه أسبق في‮ ‬الوجود منها‮.‬
والمستمع عادة لا‮ ‬يملك سوي‮ ‬ذاكرة قصيرة المدي‮ ‬وليس لديه كالقارئ رفاهية استعادة البيت المنطوق ولذلك فإن تكرار الأبيات عبر صوتين‮ ‬يمنح استغراقا واستمتاعا وشعورا بالمعني‮ ‬وإعادة ترديد الجوقة له‮ ‬يؤكده ويبطنه في‮ ‬داخل المتفرج/المستمع‮.‬
تبقي‮ ‬ملاحظة أخيرة وهي‮ ‬أن مشاهدة هذا العرض في‮ ‬شهر رمضان لا شك له تأثير مختلف نتيجة حالة الصوفية والصفاء اللتين‮ ‬يبثهما النص الشعري‮ ‬في‮ ‬نفوس المتلقين في‮ ‬شهر‮ ‬يمثل ذروة المواسم الدينية التي‮ ‬تصاحبها العديد من الأنشطة التعبدية والروحانية الخالصة‮.

رامي‮ ‬عبد الرازق‬‮ ‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ‬بردة البوصيري
  • جهة الانتاج: مركز الإبداع الفني - القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: عن قصيدة‮ : ‬البردة للأمام البوصيري
  • إخراج: خالد جلال
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here