اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الكلاب الأيرلندي حماس الهواة

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

بالتخويف والترهيب،‮ ‬والتلويح الدائم بقسوة العقاب،‮ ‬دائما ما تفرض السلطة السياسية‮ - ‬في‮ ‬شكلها الديكتاتوري‮ - ‬سطوتها علي‮ ‬المفكرين والمبدعين،‮ ‬وخاصة من منتجي‮ ‬الأعمال السهلة التداول في‮ ‬المجتمع كالمسرح والسينما والتليفزيون والشعر والقصة،‮ ‬فينقسم المبدعون في‮ ‬ظل النظم الديكتاتورية إلي‮ ‬أصناف متباينة،‮ ‬صنف‮ ‬يداهن ويرضخ تماماً‮ ‬لرغبات السلطة السياسية،‮ ‬ويشترك معها في‮ ‬غش وخداع المجتمع نظير المكاسب والمكتسبات التي‮ ‬يحققها من رضاء السلطة،‮ ‬وصنف‮ ‬يحاول كسر الحصار الرقابي‮ ‬بالثورية والإسقاط والتنويه والقول وعدم القول في‮ ‬آن واحد،‮ ‬وصنف‮ ‬يكشف ويواجه ويدخل في‮ ‬معارك‮ ‬غير متكافئة‮ ‬يلقي‮ ‬من جرائها مصيراً‮ ‬مظلماً‮ ‬كالسجن أو الإبعاد من دائرة الضوء الإعلامي‮ ‬والتهميش وذلك علي‮ ‬أقل تقدير،‮ ‬وهناك صنف أخير‮ ‬يحجم ويرتجف ويسيطر عليه‮ ‬غول الخوف،‮ ‬فإما أن‮ ‬يحتفظ بما‮ ‬ينتجه من إبداع في‮ ‬صندوق أسراره أو لا‮ ‬ينتج إبداعاً‮ ‬قط رغم مقدرته وموهبته‮.‬
ويدور العرض المسرحي‮ »‬الكلاب الأيرلندي‮« ‬تأليف حسام الغمري‮ ‬حول هذه القضية الأزلية الرقابة وحرية الإبداع،‮ ‬من خلال تجسيد الصراع بين‮ »‬هارون‮« ‬الكاتب والمؤلف الذي‮ ‬يحاول تأليف مسرحية بحرية وانطلاق‮ ‬يعبر فيه عن آرائه وأفكاره والتي‮ ‬تنطق بها ألسنة شخصيات مسرحيته،‮ ‬وبين‮ »‬أدهم‮« ‬الذي‮ ‬يجسد دور الرقابة المتسلطة محاولا أن‮ ‬يفسد بتدخله الدائم والمستمر لكل ما‮ ‬يقوم به هارون من تأليف،‮ ‬بدءاً‮ ‬من موضوع المسرحية،‮ ‬مروراً‮ ‬بالتطور الدرامي‮ ‬للأحداث،‮ ‬والشخصيات بسلوكياتها وأفعالها وأقوالها ومصائرها،‮ ‬يلغي‮ ‬بذلك شخصية المؤلف ورؤيته وأفكاره،‮ ‬فهو‮ - ‬أدهم‮ - ‬يلقي‮ ‬في‮ ‬روع هارون أن هناك رقابة شديدة علي‮ ‬كل ما‮ ‬يكتبه،‮ ‬تستطيع حتي‮ ‬أن تقرأ أفكاره قبل أن‮ ‬يكتبها علي‮ ‬الورق،‮ ‬ولهذه الرقابة كلاب مفترسة من النوع الأيرلندي‮ ‬المتوحش سوف تهاجمه وتفترسه إن هو فعل ما لا‮ ‬يرضيها‮.‬
وبأسلوب المسرح داخل المسرح وتقنياته،‮ ‬تخرج شخصيات المسرحية التي‮ ‬يؤلفها‮ »‬هارون‮« ‬تمثل ما‮ ‬يكتبه،‮ ‬وتحاسبه وتعارضه علي‮ ‬تغيير سلوكياتها وإنطاقها بما لا ترغب،‮ ‬وتغييره أيضا لمصائرها في‮ ‬المسرحية حين‮ ‬يرضخ لأدهم ورغباته بالحذف والإضافة بما‮ ‬يناقض به نفسه كمبدع ومؤلف،‮ ‬وأنها كشخصيات مسرحية حتي‮ ‬وإن كان هو الذي‮ ‬خلقها من بنات أفكاره وخياله إلا أنها لا ذنب لها في‮ ‬تحويل مصائرها بما‮ ‬يتوافق ورغبة‮ »‬أدهم‮« ‬المتسلط،‮ ‬وهي‮ ‬أيضا ترفض سلبيته وخضوعه وخوفه حتي‮ ‬من الكلاب الأيرلندية المفترسة،‮ ‬وتختتم المسرحية بثورة‮ »‬هارون‮« ‬المؤلف وتمزيقه لأوراق المسرحية التي‮ ‬أصبحت مشوهة وغير محترمة لا تعبر إلا عن الزيف والخوف‮.‬
وعلي‮ ‬مستوي‮ ‬الكتابة المسرحية‮ ‬يحسب للمؤلف التقاط الفكرة وتقنية الكتابة التي‮ ‬نهج فيها نهج‮ »‬براندللو‮«‬،‮ ‬واستطاعته‮ - ‬رغم كلاسيكية البناء‮ - ‬الإمساك بفكرته وتصعيدها وعرضها لتصل إلي‮ ‬المتلقي‮ ‬بسلاسة عن طريق رسم شخصيات المسرحية بحرفية وإتقان،‮ ‬وإن كان‮ ‬يؤخذ عليه الإطالة وكثرة السرد وتكرار الحوار وتكرار عرض الفكرة مفترضا في‮ ‬المتلقي‮ ‬سذاجة ما‮.‬
تبني‮ »‬محمد حافظ‮« ‬مخرج العرض البساطة في‮ ‬استخدامه لكل العناصر والأدوات المسرحية مركزًا اهتمامه علي‮ ‬عنصر التمثيل معتمدا علي‮ ‬فريق من الممثلين المتميزين موزعا عليهم الأدوار بدقة في‮ ‬الاختيار،‮ ‬فجسد أحمد مرسي‮ ‬دور‮ »‬أدهم‮« ‬ممثل الرقابة أو دور الشر،‮ ‬فأخرج مواهبه الخاصة في‮ ‬تجسيد الدور ودخل في‮ ‬مباراة مع كريم محجوب الذي‮ ‬جسد دور‮ »‬هارون‮« ‬المؤلف،‮ ‬وتبادلا معا أداء سريع الإيقاع لم‮ ‬يخرجا فيه عن الملامح الرئيسية والانفعالات المميزة وبدا كل منهما علي‮ ‬درجة كبيرة من الوعي‮ ‬بأبعاد كل من الشخصيتين وإن كان‮ ‬يؤخذ علي‮ ‬كليهما‮ - ‬كريم وأحمد‮ - ‬المبالغة الزائدة محاولات الخروج إلي‮ ‬منطقة الإضحاك بعيدا عن النص الذي‮ ‬لا‮ ‬يخلو من كوميديا،‮ ‬وكذلك محاولات كل منهما الاستيلاء علي‮ ‬التلقي‮ ‬علي‮ ‬حساب الآخر وعلي‮ ‬حساب الدور المكتوب،‮ ‬وجسدت تقي‮ ‬عادل دور نورا التي‮ ‬تعيش قصة حب مع أحمد وهي‮ ‬إحدي‮ ‬شخصيات المسرحية التي‮ ‬يكتبها هارون،‮ ‬فأمسكت بالدور واستطاعت أن تثبت حضوراً‮ ‬مسرحيا ملفتاً‮ ‬وتمكنت من الأداء،‮ ‬وجسدت‮ »‬سارة إبراهيم‮« ‬دور‮ »‬غادة‮« ‬إحدي‮ ‬شخصيات المسرحية التي‮ ‬يكتبها هارون والتي‮ ‬تحاول دائما الوقيعة بين أحمد ومني‮ ‬حتي‮ ‬باستخدام الإغراء الجسدي،‮ ‬ولم تنزلق سارة إلي‮ ‬الابتذال وحافظت علي‮ ‬أداء تمثيلي‮ ‬محسوب‮ ‬يعكس مقدرة علي‮ ‬التميز في‮ ‬مثل هذه الأدوار،‮ ‬وقام‮ »‬نادر شعبان‮« ‬بأداء دور‮ »‬شيكات‮« ‬الذي‮ ‬يحاول إغراء نورا بالمال وتميز بخفة ظل وحضور مسرحي،‮ ‬وتقلد محمد كامل دور‮ »‬أحمد‮« ‬صاحب قصة الحب مع نورا وحاول إخراج ما‮ ‬يمتلكه من أدوات تمثيلية ولكنه في‮ ‬رأيي‮ ‬لم‮ ‬يفلح كثيراً‮ ‬ربما لقلة البروفات والتدريب علي‮ ‬العرض التي‮ ‬ظهرت آثارها واضحة علي‮ ‬كل عناصر الفريق،‮ ‬وجسد إياد أمين دور الدكتور ونادية رمزي‮ ‬دور الطالبة،‮ ‬وبدت شاهندا عادل متميزة في‮ ‬دور‮ »‬زينب‮« ‬وكذلك محمد الغنام في‮ ‬دور شيخ الغفر وأحمد حمدي‮ ‬في‮ ‬دور الغفير،‮ ‬وتلخص ديكور نادر شعبان في‮ ‬موتيفة لمكتبة تحوي‮ ‬بعض الكتب ويتم نقلها إلي‮ ‬أماكن متفرقة في‮ ‬المسرح،‮ ‬ومكتب المؤلف وكرسيه مع استخدام البانوراما السوداء لكواليس مسرح‮ »‬روابط‮«‬،‮ ‬وربما‮ ‬يرجع افتقار الديكور لكثير من الجماليات التي‮ ‬تؤثر في‮ ‬شكل الصورة لدي‮ ‬المتلقي‮ ‬إلي‮ ‬ضعف الإمكانيات الإنتاجية لفرقة‮ »‬يوتوبيا‮« ‬مقدمة عرض‮ »‬الكلاب الأيرلندي‮«‬،‮ ‬وجاءت خطة الإضاءة ضعيفة متلخصة في‮ ‬إنارة المسرح وإظلامه مع بعض المحاولات لتجسيد المشاهد التمثيلية،‮ ‬وصمم الإضاءة ونفذها أحمد برعي‮ ‬وصفاء‮ ‬يحيي،‮ ‬وقدم د‮. ‬أحمد الحامولي‮ ‬إعداداً‮ ‬موسيقيا متميزاً‮ ‬أثري‮ ‬العرض وبدا معوضا لفقر السينوغرافيا ومساعدا علي‮ ‬رفع إيقاع المشاهد التي‮ ‬كادت تسقط في‮ ‬بحر الممل فقد استغرقت المسرحية أكثر من ساعة ونصف كان‮ ‬يمكن اختصارها بشكل كبير‮.‬
فرقة‮ »‬يوتوبيا‮« ‬صاحبة العرض تميزت بحماس الهواة وقدرتهم علي‮ ‬تقديم عروض مسرحية بأقل التكاليف ولكن لا‮ ‬يعفي‮ ‬ذلك من ضرورة الاهتمام بمرحلة ما قبل تقديم العرض من بروفا ومراجعات وتدريبات تمثيلية لصقل الموهبة،‮ ‬والتركيز علي‮ ‬الالتزام بسياق النص لعدم الانزلاق لمحاولات الإضحاك الأجوف والأخذ بمناهج المسرح التجاري‮ ‬في‮ ‬غير مناسبة‮.‬

 

رامي‮ ‬البكري

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: الكلاب الأيرلندي
  • جهة الانتاج: فرقة بوتوبيا
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: حسام الغمري
  • إخراج: محمد حافظ
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٤

1 تعليق

  • أضف تعليقك منى غامس السبت, 27 نيسان/أبريل 2013 14:42 أرسلت بواسطة منى غامس

    فكرة رائعة وكم نحتاج لإنعاش الحس النقدي عبر التذوق الفنى ،، شكرا لك ولقلمك أخي الكريم

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here