اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

٨ حارة يوتوبيا .. آخر ملاذ للشياطين

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

 

  وسط هذا العالم الذي امتلأ بالعنف والشرور والصراعات .. بحثوا عن" يوتوبيا " مدينة الفضيلة علهم يجدون من يستطيعون غوايته من المهتدين وذوي الفضيلة .. إنهم الشياطين الصغار أبناء الشيطان الأكبر إبليس ..قد يئسوا من إنسان هذا العالم الذي أصبح شريرا بما يكفي لأن يقترب والدهم الشيطان الأكبر من الاعتزال والتوبة ..فقرر ثلاثة من أبنائه تحمل أسماؤهم بعض صفاتهم " حلزون " و" شيطون " و " فتنة ".. إنقاذ والدهم من هذه الكارثة  ...وذلك في مسرحية " 8 حارة يوتوبيا " نتاج ورشة ساقية الصاوي لإعداد الممثل والتي عرضت على مسرح ساقية الصاوي وهي من تأليف مصطفى حمدي وإخراج أحمد سيف وإعداد موسيقي كريم محمد .

        بعد أن أصاب الشياطين الثلاثة الإحباط من تفوق البشر في الشر عليهم يقررون التفكير بشكل مختلف إنقاذا للموقف ولوالدهم من اليأس والتوبة.. فيفكرون في البحث عن الفئة المؤمنة في كل أنحاء الأرض والذهاب لأكثر الأماكن فضيلة ليستطيعوا غواية أهلها ...فيختارون "يوتوبيا أي المدينة الفاضلة ..فإذا بهم يذهبون إلى 8 حارة يوتوبيا .. يصلون متنكرين إلى هذه الحارة التي لا تبدو كاسمها .. فيفاجأون بامرأة " معلمة " معها بلطجي ..لنفهم من خلال موقف فيه سخرية ومغزى من تكون وكيف يحيون هؤلاء الناس ..فنرى المعلمة " بجعة " تسأل شخصا عن الغلة وما سرقه اليوم ليخبرها أنه تاب فتأمر بإقامة الحد عليه وقطع يده .. ونرى موقفا آخر لا يخل من خفة ظل وكوميديا  لفتاة شابة " جميلة " توبخ شابا تحبه " جميل "لأنه لم يقترب منها أو يلمسها رغم أنها فعلت المستحيل لتلتقي به دون علم أبيها .. يذهل الشياطين من هؤلاء البشر ويكادون ييأسون إلا أنهم يبدأون في التفكير بشكل مختلف ..فيفكروا أن يهدوا الناس ليستطيعوا بعد ذلك غوايتهم ..فيتنكرون في شكل أناس صالحين أحدهم شاب متعلم ومحترم ودكتورة في الأدب محجبة وشيخ متدين ..آملين أن يؤثروا في أهل هذه الحارة بحسن سلوكهم .. لكن الشاب المتعلم تنجذب له المعلمة وتريده أن يدير تجارتها وتلح عليه مع رفضه ذلك ..ويحاول صبي المعلمة إغواء الدكتورة الجامعية لتحترف الرقص ..أما الشيخ فتطارده " جميله " وإن كان بحجة أن يهديها من الشيطان .. تهتز مشاعر الشياطين الثلاثة وترتبك من هذه الضغوط ..في الوقت الذي يعرف فيه الأب "عزازيل " هذا الأمر فيدور مونولوج يتحدث فيه مع نفسه موجها حديثه الداخلي إلى " آدم " في مشهد من أهم مشاهد المسرحية حيث يضم نظرة فلسفية تستحق التفكير وزاوية رؤية مختلفة ..فهو يخاطب آدم حانقا عليه لأنه سبب معاناته ومعضلته الكبرى وسبب ما هو فيه بعد أن كان منعما في السماء .. ويرى تشابههما في كل شيء واختلافهما في المعصية .." أنت شيطاني الذي يدفعني للجنون " ..يوجه له أسئلة هامة تدعو للتفكير : ماذا لو طلب منك أنت السجود لي أتقبل ؟ فيجيب عن آدم  بلا ..معللا بأن من يقول نعم إنما خلق للطاعة أما آدم فهو يراه خلق ليعصي .. ويرى "عزازيل" - فهكذا سمى نفسه في هذا المشهد - أن كلاهما متمرد ..فلم ينجح آدم ويرسب هو ؟؟ لينتهي الأمر بأن يعلن رفضه أن يكون قربانا لنجاح آدم ..فيقرر السجود له لير من سيسكن منهما الجحيم ....لنعود بعد ذلك إلى الشياطين الثلاثة وقد وقعوا في الغواية أثناء مهمتهم فاستجاب الشاب حتى طغى وتجبرعلى المعلمة وأصبحت الدكتورة راقصة تخلصت من صبيها ..أما الشيخ فاستجاب لجميلة ...فيجتمع الكل ضدهم للانتقام منهم فيهرب الشياطين الثلاثة  خائفين من هؤلاء البشر ويلجأون ويستنجدون بشيوخ واقفين ظهورهم لهم ..يرتدون جلاليب بيضاء ويغطي أحدهم رأسه  بطرحة بيضاء ...ليستدير ببطء فنفاجأ بأنه الشيطان الأب إبليس ....لتنتهي المسرحية البسيطة كما قال عنها أصحابها في أولها .. إلا أنها تحمل فكرة وتنبيها لما وصل إليه حال الإنسان الحالي من تدن أخلاقي وسلوكي حتى يشعر إزاءهم الشياطين بالعجز ....المسرحية أرادت أن تصل فكرتها ببساطة وتجريد ..فلجأت لثنائيات الخير والشر ..الشيطان والإنسان .. وإبليس " عزازيل " وآدم ...إنها تردنا لأصل الصراع على الأرض بدءا من السماء .. ومن خلال مأساة الشيطان  نرى مأساة الإنسان وإن عرضت بكوميديا بنتها طبيعة المواقف والمفارقات أو التضادات ..مما يحذر من سوء ما وصل إليه الإنسان من انحطاط يدعو للفزع وضرورة الانتباه . وتبرز دور الإرادة الإنسانية ومسؤوليتها وليس وسوسة الشيطان .. كما تلقي ضوءا من خلال المونولوج الشديد العمق والمتقن أدبيا ..على فلسفة الشيطان وكيف قد يرى الأمور .. وكيف تصوغ زاوية الرؤية السلوك والتصرفات ..فهو أيضا تحركه عقدته ..عقدة " آدم " .. ونرى كيف تدفع عقدة الانتقام إلى التخفي في دور الهادي أو المصلح .. وإن هدى بالفعل ليغوي بعد ذلك .. استخدمت المسرحية حتى في اسمها فكرة " يوتوبيا" مدينة أفلاطون الفاضلة لإبراز التناقض بين الاسم والسلوك كجزء من التناقض الأعم الذي نعيشه من سلوك شياطين في هيئة بشرية ...المواقف التي بنيت عليها المسرحية جاءت بسيطة لكنها وافية دون افتعال أو تعقيد أو مبالغة ..عرضت في قالب كوميدي صنعته المواقف .. وجاءت معظم عناصر العرض بسيطة كطبيعة العرض والفكرة ..فلا ديكور يذكر سوى ثلاث ورقات كتب عليها أسماء الأماكن مع بعض المقاعد .. أما الإضاءة فكان توظيفها مناسبا دون إسراف ..فالإضاءة الحمراء غالبا ما كانت تسيطر على بعض مشاهد الشيطان الأكبر ..مع استخدام أسلوب الإنارة والإعتام بأجزاء أخرى .. أما الموسيقى فحملت روح النص الكوميدية أحيانا وتناقضاته كأن نراها مرة تستخدم موسيقى "النمر البمبي" وأخرى نسمح تواشيح النقشبندي .. وكان للماكياج دورا هاما في العرض ..فلم يلجأ للأسلوب التقليدي المبالغ للوجه الشيطاني  ..ولكنها فقط بضع خطوط سوداء بشكل فني بسيط أضافت كثيرا للتعبير وأعطت الدلالة .. أما الملابس فمعبرة ببساطة في أضيق حدود ..فالثلاثة  يرتدون فقط اللون الأسود والشيطان الأكبر يرتدي عباءة سوداء لها غطاء رأس بارز أسود مثلها ..إلا أن استخدامها الأهم كان في تأكيد المعنى بين البداية والنهاية ففي البداية كان الشيطان الأب يقف معطيا للجمهور ظهره في الخلفية بملابس سوداء وغطاء رأس أسود ..بينما في النهاية يقف نفس الوقفة في ثياب بيضاء وطرحة بيضاء كبعض رجال الدين .. فهذا التضاد أكد توحد النقيضين ..وكان من الملفت في الملابس.. ملابس الدكتورة الجامعية عندما أصبحت راقصة ..فهي مازالت في كامل حشمتها وحجابها وإن ارتدت جلبابا مزركشا ومرصعا بالقطع اللامعة ..وهذا لا بأس به ..لكن كان يمكن أيضا باستخدام الملابس أو الشعر المستعار وطريقة مختلفة لربطة الشعر الإيحاء بالدور بشكل أكثر واقعية .. أما أهم عناصر العرض بعد الفكرة وهو التمثيل فقد زخر العرض بوجوه جديدة تستحق التوقف أدت أدوارها بثقة توحي بخبرة مع تلقائية ..فقد كانت " جميلة " وهي الممثلة دينا كمال لطيفة الأداء بخفة ظل وبساطة ..وكانت " المعلمة بجعة " التي أدت دورها أميره عبد الجواد لها بصمتها بأداء واثق مناسب للدور.. كذلك كان الشياطين الثلاثة إلا أن أبرزهم أداء كان تامر جرجس فله حضور وملامح معبرة..أما مفاجأة العرض فكان " إبليس " الذي قام بدوره موهبة ناضجة حديثة الاكتشاف هو محمود عبد الغني  حيث أدى الدور بنضج فني يوحي بخبرة طويلة يحيرك حقيقة أنه لا يملكها .. فأمسك جيدا بزمام الدور وكان مشهد المونولوج موفقا له ... ليواجهنا العرض في مجمله بسؤال يثار فينا ...ترى هل يوتوبيا حلم بدده الشياطين ..أم وهم بدده البشر ؟؟     

بقلم - أمل ممدوح

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: ٨ حارة يوتوبيا
  • جهة الانتاج: ورشة ساقية الصاوي
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: مصطفي حمدي
  • إخراج: أحمد سيف
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here