اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‮(‬محاكمة السيد ميم‮) ‬وقدر الزعيم المحبوب

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ (‬محاكمة السيد ميم‮)  ‬إخراج‮/ ‬مني‮ ‬أبوسديرة وإنتاج قصر ثقافة البدرشين‮. ‬وهي‮ ‬المسرحية الثالثة والأخيرة من مسرحيات محفوظ عبد الرحمن ذات الفصل الواحد التي‮ ‬نشرت بمجلة‮ (‬إبداع العدد السابع‮  ‬ـ السنة الثانية ـ‮ ‬يوليو‮ ‬1985  ‮) ‬والتي‮ ‬لم تتح لها فرصة‮  ‬أن تقدم علي‮ ‬خشبة المسرح إلا لمرات قليلة أبرزها في‮ ‬مصر عندما قدمها المسرح المتجول عام‮ ‬1985‮ ‬ثم قدمها مسرح الشباب عام‮ ‬2002 ‮ ‬وهاهي‮ ‬المرة الأخيرة التي‮ ‬تقدم فيها من خلال الثقافة الجماهيرية عام‮ ‬2012‮.‬
واجهت المخرجة صعوبة النص الذي‮ ‬يبدو أنه من النصوص التي‮ ‬لا تغري‮ ‬المسرحيين بتقديمه‮. ‬فهو أقرب إلي‮ ‬شكل جلسة المحاكمة العادية التي‮ ‬قد تكون من البراعة في‮ ‬كشف المستور من الخفايا والأسرار والتي‮ ‬قد لا تدور إلا في‮ ‬أعماق أعماق الشخصيات‮ . ‬ولربما كان النص مثلا‮ ‬يخلو من العنصر النسائي‮ .. ‬رغم أن المرأة تقوم فيه بدور هام في‮ ‬تطوير الأحداث التي‮ ‬تدور حول محاكمة إنسان من أبناء الشعب هو‮ ( ‬السيد ميم‮ ) ‬كان صديقا‮  ‬لزعيم‮  ‬شعبي‮ ( ‬بدر البشير‮ )  ‬ثم خانه‮ . ‬ويشارك في‮ ‬محاكمته‮ : ( ‬مندوب الوالي‮  ‬،‮ ‬القاضي‮  ‬،‮ ‬المحتسب‮  ‬،‮ ‬المدعي‮  ‬،‮ ‬الدفاع‮  ‬،‮ ‬الشاهد‮  ‬،‮ ‬صاحب الشرطة‮ ‬،‮ ‬والجلاد‮) .‬
وشخصيات المسرحية الثماني‮ ‬جميعا بلا أسماء فيما عدا اسم القتيل‮ ( ‬بدر البشير‮ ) ‬ذلك الثائر في‮ ‬الجبال في‮ ‬مسرحية‮ ( ‬ما أجملنا‮ ) . ‬والذي‮ ‬لا‮ ‬يظهر علي‮ ‬المسرح‮ . ‬هذا الزعيم الذي‮ ‬تمرد علي‮ ‬الوالي‮ ‬ـ لكن الشعب‮ ‬يحبه ـ فاضطر الوالي‮ ‬أن‮ ‬يهادنه‮ . ‬إلي‮ ‬أن وجدوه قتيلا في‮ ‬بيت السيد ميم‮ . ‬أعز أصدقائه‮ . . ‬حيث دعاه الي‮ ‬بيته الجديد الذي‮ ‬أهداه إياه الوالي‮ . ‬ويحاول الجميع حتي‮ ‬الدفاع محاصرة السيد ميم وإثبات و تأكيد جريمة القتل التي‮ ‬ارتكبها‮ .. ‬متباكين علي‮ ‬الراحل العظيم‮: ‬ـ‮ (‬الذي‮ ‬كان أشرف الرجال علي‮ ‬أرض هذه الولاية‮ ) ‬وبالطبع‮ ( ‬بعد مولانا الوالي‮ ) ‬كما‮ ‬يقول مندوب الوالي‮ ‬في‮ ‬المحكمة‮ . ‬ويتيح القاضي‮ ‬الذي‮ ‬يدعي‮ ‬النزاهه الفرصة للسيد ميم للدفاع عن نفسه‮ . ‬فيقرر ميم أن‮ : ( ‬بدر البشير كان مقتولا قبل أن‮ ‬يرفع عليه سيف‮ .. ‬تمنع في‮ ‬الجبال‮  ‬،‮ ‬فملك الناس في‮ ‬الأسواق‮  ‬،‮ ‬استدرجوه إلي‮ ‬السفح بالأماني‮ ‬فصار درعه كفنه‮ . ‬وتساءل الصديق والعدو‮: ‬متي‮ ‬يقتل ؟ فقتلته،‮ ‬فقد كان بدر البشير بطل الناس‮ . ‬لكنه كان أرق الوالي‮ ‬ورجاله،‮ ‬وكان الوالي‮ ‬أذكي‮ ‬فأراد أن‮ ‬يحمل دمه لهم‮) . ‬
وهنا ندرك أسباب اختيار المخرجة مني‮ ‬أبو سديرة لهذا النص‮.. ‬رغم خلوه من العنصر النسائي‮ ‬واعتماده علي‮ ‬الحوار في‮ ‬عملية الكشف‮.. ‬كشف المستور‮.. ‬كشف السيناريو المعد مسبقا بإحكام لإدارة جلسة تنتهي‮ ‬بإعدام مواطن زج به إلي‮ ‬ارتكاب جريمة شنعاء‮ .. ‬فقد قتل البطل الشعبي‮ ‬بدر البشير‮ . ‬هو ليس فقط بطلا لكنه أيضا صديقه المقرب ويكاد‮ ‬يكون أقرب الناس إلي‮ ‬قلبه‮. ‬فقد حملت رؤيتها إدانة للسلطة الحاكمة عندما استعانت بشخصية‮ (‬الوالي‮) ‬من مسرحية‮ ( ‬ما أجملنا‮ ) ‬ليحتل مكانة متميزة أول‮ ‬يسار المسرح ممسكا بريموت كنترول حديث‮ ‬يوجهه ناحية المحكمة فيتجمد الموقف ويتدخل في‮ ‬الأحداث ويوجهها نحو السيناريو المعد مسبقا‮ . ‬ورغم أن هذه المداخلات مصاغة باللهجة العامية إلا أنك لا تشعر أنه خارج علي‮ ‬النص بل مؤكد لفكرة القهر والتسلط حتي‮ ‬في‮ ‬دار العدل والإنصاف‮.. ‬لكنها أيضًا تقلل من قوة سحر الغموض الذي‮ ‬يضفيه الكاتب علي‮ ‬الأحداث‮ (‬فإن الغموض‮ ‬يزيد من طرافة الموضوع‮) ‬كما‮ ‬يقال‮. ‬والتي‮ ‬تبدأ بمندوب الوالي‮ ( ‬نظير سيد‮ ) ‬الذي‮ ‬يعلن أن المحاكمة سرية‮ . ‬وأن الوالي‮ ( ‬علوي‮ ‬الحسيني‮ ) ‬كي‮ ‬يرتاح ضميره عين رجلا معروفا برجاحة العقل للدفاع عن المتهم‮ . ‬ويبدأ القاضي‮ ( ‬ماهر زكي‮ ) ‬في‮ ‬استجواب المتهم‮ ( ‬ميمو‮ )  ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬هل هو مذنب أو‮ ‬غير مذنب ؟ رغم أنهم قد وجدوا بدر البشير صريعا في‮ ‬بيته‮ . ‬ومن خلال الاستجواب نكتشف أن رجال الوالي‮ ‬قد أعطوه السيف الذي‮ ‬من المفروض أنه طعنه به‮ . ‬وعينوا له المحامي‮ (‬الدفاع‮ ) (‬محمود المنياوي‮)  ‬الذي‮ ‬سيدافع عنه حين دعاه الي‮ ‬بيته وجعل زوجته الجميلة تجالسه وتتودد إليه و كأنهما‮ ‬يزينان له ما سيفعله‮ . ‬و أحضر الشاهد‮ ( ‬حجاج محمد‮) ‬البنج الذي‮ ‬وضعه في‮ ‬طعام بدر البشير‮ . ‬ويشهد علي‮ ‬السيد ميم بأنه‮ ‬يغار من البطل بدر‮ : ‬من قامته المديدة ومن حب الناس له ومن قوة شخصيته لدرجة أنه كان‮ ‬يغوص بنظراته فيهم حتي‮ ‬القلب‮ . ‬لكنهم ما استطاعوا أن‮ ‬ينظروا في‮ ‬عينيه لامتلاكه هيبة الزعامة‮ . ‬ويعترف السيد ميم في‮ ‬المحكمة أنه أراد أن‮ ‬يكون مثله‮ . ‬لكن ذلك مستحيل‮ . ‬ويشيد الجميع بفضائل القتيل نفاقا، لكن هذه الفضائل دائما تأتي‮ ‬بعد فضائل مولانا الوالي‮. ‬والكاتب هنا‮ ‬يعود إلي‮ ‬صورة البطل المثال المخلص المنقذ الذي‮ ‬قد‮ ‬يفسره البعض بأنه فلان أو فلان‮. ‬وتستغل المخرجة أسلوب السخرية فتضفي‮ ‬عليها مسحة من التهكم وتنحت شخصياتها لتبرز ملامح إنسانية هشة هدمتها قسوة السلطة و جبروت الحاكم و سذاجة المواطن البسيط‮ . ‬ذلك الذي‮ ‬تحول إلي‮ ‬متهم‮ ( ‬السيد ميم‮ ) ‬من قبل السلطة مع سبق الإصرار والترصد‮ . ‬مكتشفا معدنه وبراءته المنتهكة عندما‮ ‬يقول‮  : (‬كنت أحب بدر البشير أكثر من نفسي‮.. ‬كنت قطعة منه ومع ذلك وضعتم السكين ـ أي‮ ‬السيف ـ في‮ ‬يدي‮ ‬وجعلتم بعض بدر البشير‮ ‬يقتل بعضه‮). ‬وأن الجميع قد قتلوه ثم‮ ‬يتدخل مندوب الوالي‮ ‬ليعلن أنهم جميعا قتلة بدر البشير‮ . ‬وأنهم بالطبع‮ ‬يعرفون ذلك‮ . ‬وقد حاولوا مرات ومرات أن‮ ‬يقتلوه ففشلوا‮ . ‬فكان عليهم أن‮ ‬يقتلوه بالعامة‮. ‬وتلك لعبة قديمة والأغرب انها جديدة أيضا‮ . ‬لذلك فعلينا أن نعاقب هذا الشاب حتي‮ ‬يرضي‮ ‬العامة‮. ‬فنحن في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬رضاهم‮ . ‬وسيبدأ الحكم بقطع اللسان حتي‮ ‬لا‮ ‬يبوح بمؤامرة السلطة‮ (‬ثم‮ ‬ينفذ باقي‮ ‬الحكم أمام الناس‮ . ‬ونخرج نزرف الدموع علي‮ ‬أشرف الناس‮ .. ‬بدر البشير‮ ).‬
مأساة أو كوميديا سوداء بأسلوب ساخر ـ كما أرادت لها المخرجة ـ حافظت فيها علي‮ ‬لغة النص الفصحي‮ ‬بل وأكدت علي‮ ‬مفردات الكاتب المميزة بتكرارها بقصد أن ترسخ في‮ ‬ذهن المتلقي‮ ‬بعد تفسيرها وتوضيحها وكأنها تحيي‮ ‬مفردات النص وترسخها دراميا‮ ‬،‮ ‬وتنعكس جرأتها في‮  ‬تمردها ورفضها لواقع مؤلم‮ ‬يستحق تلك الثورة التي‮ ‬قامت بها في‮ ‬هذا الشكل لتعكس ذلك المضمون العفن الكامن في‮ ‬المجتمع والمتجسد في‮ ‬فساد وقمع وقهر واضح‮  ‬حيث حولت المحكمة إلي‮ ‬مراحيض كل شخصية تجلس علي‮ ‬واحد له من المواصفات بما‮ ‬يتوافق مع مستواه ومكانته الاجتماعية ووظيفته في‮ ‬المحاكمة أعلاها مندوب الوالي‮ ‬يليه القاضي‮ ‬وهكذا حتي‮ ‬يأتي‮ ‬المتهم الذي‮ ‬يجلس علي‮ ‬قاعدة حمام بلدي‮ ‬قديم ومتهالك في‮ ‬منتصف المسرح‮ . ‬يحيط به أعضاء المحكمة في‮ ‬ترتيب هرمي‮ ‬وبؤر ضوئية تؤكد علي‮ ‬المستوي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬والوظيفي‮ ‬لكل منهم‮ .. ‬كما استخدمت‮ (‬البيجامات‮) ‬كملابس للشخصيات راعت فيها التناسب والتوافق لكل عضو‮  ‬واختصت المتهم بجلباب شعبي‮ ‬أزرق اللون‮ . ‬وكذلك القاضي‮ ‬الذي‮ ‬ارتدي‮ ‬جلباب شعبي‮ ‬فضفاض‮ ‬يعكس تواضعه المصطنع‮  . ‬أما الوالي‮ ‬فارتدي‮ ‬طاقم حرير عبارة عن بيجامة شورت وروب مفتوح مما‮ ‬يؤكد استغراقه في‮ ‬حياة اللهو والاستهانة بمسئوليته نحو شعبه‮ . ‬وقد وفق مهندس الديكور وليد السباعي‮ ‬في‮ ‬ترجمة الرؤية الإخراجية إلي‮ ‬عناصر معبرة راعي‮ ‬فيها التباين في‮ ‬الحجم وبساطة الألوان واستغلال المساحة جيدا في‮ ‬صالح العرض‮.

عبد الغني‮ ‬داود‮ ‬‬

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: محاكمة السيد ميم
  • جهة الانتاج: قصر ثقافة البدرشين ـ هيئة قصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: محمفوظ عبد الرحمن
  • إخراج: مني أيو سديرة
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here