اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الحيتان قراءة في‮ ‬نص العرض والأداء التمثيلي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

المخرج هشام عطوة حين تصدي‮ ‬لعملية إخراج نص‮ ( ‬سمك عسير الهضم‮) ‬لمانويل جاليتش لمسرح الطليعة ؛ وأرفق عملية الإخراج بالإعداد للنص وأعطاه اسما مغايرا هو‮ ( ‬الحيتان‮) ‬مع أن كلمة الإعداد‮ ‬غير صحيحة هنا ؛ فالإعداد هو تحويل وسيط فني‮ ‬لوسيط آخر وليس عن نفس الوسيط‮ ‬
فالنص الأصلي‮ ‬بكل بساطة‮ ‬يناقش مشكلة تحكم الوسائط الإعلامية في‮ ‬عالم اليوم ؛ وتزاوج هذه السلطة الإعلامية مع رأس المال والجشع والطمع الإنساني‮ ‬؛ بحيث إن المتحكم إعلاميا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يقود العامة بكل سهولة‮.‬
ولكن هشام عطوة ؛ ونتيجة للمستجدات علي‮ ‬الساحة المصرية‮ ‬،‮ ‬كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يقدم عملا‮ ‬يحاكم من خلاله ما‮ ‬يسمون أنفسهم بالنخبة ؛ الذين علت أصواتهم أخيرا وغالبا ما تحركهم المصالح الشخصية الضيقة برغم التشدق بكلمات عن الشعب والمصلحة العامة والشرف‮ ... ‬الخ‮. ‬فحاول‮  ‬أن‮ ‬يقوم بإدانة كل هذه النخبة ؛ لذا كان الاسم الجديد المعبر عن هذه النخبة بدلا من الاسم الأصلي‮ ‬المعبر عن جموع الشعب ؛ وقام بالتركيز علي‮ ‬المثالب الخلقية لشخصيات العرض وكيفية تناقضهم مع ما‮ ‬يتشدقون به‮.‬
ففي‮ ‬نص العرض نحن أمام عبدين واحد منهما هو المتحكم في‮ ‬الآلة الإعلامية ؛ وكان‮ ‬يستغلها من أجل سيده القديم حتي‮ ‬يصير حاكما علي‮ ‬البلاد ؛ ولكن عندما دخل العبد الآخر الثري‮ ‬الذي‮ ‬يملك الكثير ؛ استطاع‮  ‬أن‮ ‬يحول ولاء العبد الأول لصالحه‮ ‬،‮ ‬عندما اكتشف ولعه الجسدي‮ ‬بحسناء المدينة ؛ فوعده أن‮ ‬ينالها حين‮ ‬يحققا الغاية المتمثلة في‮ ‬تولي‮ ‬من‮ ‬يدعو له العبد الثاني‮ ‬للحكم‮  ‬،‮ ‬وفعلا‮ ‬يتم‮  ‬هذا‮. ‬ولكن من خلال هذه المعالجة أطلت قضية كبري‮ ‬برأسها ؛ وربما كانت في‮ ‬مخيلة المخرج وهو‮ ‬يقوم بالعمل الأولي‮ ‬؛ ولكتها ضاعت منه للأسف ؛ ألا وهي‮ ‬قضية ثالوث السلطة الرابح المتمثل في‮ ‬القوة من خلال قيصر الذي‮ ‬أصبح إمبراطورا،‮ ‬والمال الطامع في‮ ‬الاستفادة من هذه السلطة بعدما‮ ‬يدعمها في‮ ‬الوصول ؛والمروج الإعلامي‮ ‬المدعم بالأمل بتحقيق مطامعه الشخصية بتحالفه مع الممول الداعم للسلطة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مقابل المال والآلة الإعلامية التي‮ ‬تؤدي‮ ‬عملها دون حافز شخصي‮ ‬؛ حينما كانت تدعو للمنافس الأول‮ .‬
ويلاحظ أن تعرية ما‮ ‬يسمي‮ ‬بالنخبة ؛ كان هنا من هموم جاليتش ؛ وركز عليها أيضا هشام عطوة خلال تعامله مع النص،‮ ‬فالشاعر‮/ ‬المثقف الذي‮ ‬يحاول الوقوف أمام أكاذيب الآلة الإعلامية ؛ ويفشل في‮ ‬هذا الأمر لكونه‮ ‬غير صادق في‮ ‬حديثه عن الشرف والأمانة ؛ فهو بم‮ ‬يأت للمدينة إلا من باب الخيانة ؛ حينما شغف حبا بحسناء المدينة المتزوجة من‮ ‬غيره ؛ وسمح لنفسه أن‮ ‬يقيم معها العلاقات العاطفية؛ والمصيبة أنه‮ ‬يفاجأ بعلاقتها مع الثري‮ ‬صاحب النفوذ وأيضا بخيانتها له مع شيشرون المتحدث باسم الضمير الجمعي‮ ‬وعضو مجلس الشيوخ ؛ لكي‮ ‬ينال أخوها البراءة من جرم ما ؛ والمعالجة الجديدة للمخرج في‮ ‬رأيي‮ ‬أنها ربما كانت من الأجدر أن تركز علي‮ ‬عدم الأمان في‮ ‬الأساس مع زوجة خائنة ؛ كما أن المطالب بالخيانة لا‮ ‬يحق له أن‮ ‬يتحدث عن الوفاء‮ ‬،‮ ‬ولكنه احتفظ بتلك المناطق التي‮ ‬علت فيها النبرة الإنسانية والشعور بالحزن والهجر وخيبة الأمل بأسلوب‮ ‬ينسي‮ ‬الجمهور الجرم الأساسي‮ ‬للشاعر والحسناء‮ ‬،‮ ‬كما أن رفيق الشاعر الذي‮ ‬يحاول الوقوف معه ضد أكاذيب الآلة الإعلامية وسطوة المال‮ ‬،‮ ‬ما هو في‮ ‬الأصل إلا قواد‮  ‬فهو من تولي‮ ‬تعريف الشاعر بالحسناء وهو‮ ‬يعلم‮ ‬غرضه منها وحالتها الاجتماعية‮ . ‬ثم الشاعر‮ / ‬المثقف المحلي‮ ‬الذي‮ ‬يستشعر الأمر من قبل حدوثه ؛ ولكن حيزه قليل حيث لا‮ ‬يتداخل كثيرا في‮ ‬الحدث فيكتفي‮ ‬بالتحذير والانصراف عنهم للجمهور ثم العودة في‮ ‬نهاية العرض‮ .‬
وفي‮ ‬المقابل هناك العامة؛ وكانت ميزتها الأساسية في‮ ‬نص العرض و نص جاليتش‮  ‬؛ أنها متقلبة بحكم المصلحة الوقتية ولا تنظر للأمام ؛ وأن السجل اليومي‮ ‬الذي‮ ‬يعادل الميديا حاليا‮ ‬يتحكم في‮ ‬رد فعلها ؛ وكيف قبلت أن تبيع أصواتها في‮ ‬الانتخابات مقابل نقود الثري‮ ‬ليصبح قيصر إمبراطورا ؛ بعد ذلك تتوالي‮ ‬النكبات نتيجة الاحتكارات لكل ما هو قائم ؛ بل‮ ‬يصل لحد المتاجرة في‮ ‬النفوس البشرية ذاتها  وحينما تنكشف تلك الأفاعيل للعامة ؛ علي‮ ‬يد‮  ‬العبد صاحب الآلة الإعلامية في‮ ‬نهاية العرض نتيجة اكتشافه أن صاحب المال لم‮ ‬يوف بوعده لكي‮ ‬ينال الحسناء‮ ‬،وأن الأمر كان مجرد شرك للإيقاع به والتخلص منه‮ ‬،‮ ‬تكون النتيجة الثورة علي‮ ‬صاحب المال المستغل‮ / ‬في‮ ‬مشهد شبه تطهيري‮  ‬حيث الكل نال جزاءه‮ ‬غير الكاف في‮ ‬النهاية فالشاعر خرج مصدوما وصاحب الآلة الإعلامية أصبح بطلا شعبيا شاركهم في‮ ‬الثأر من صاحب المال ؛ والحسناء فجعت في‮ ‬حليفها الثري‮ .. ‬الخ ؛ والشعب الذي‮ ‬مات أولاده اكتفي‮ ‬بهذا ولم‮ ‬يخلع قيصر ولم‮ ‬يشنق صاحب الميديا ؛ لوم‮ ‬يطرد الحسناء ؛ ولم‮ ‬يلق عليه اللوم لأنه‮ ‬يستحق كل ما جري‮ ‬له لأنه باع صوته وانساق وراء الميديا‮ ‬،‮ ‬وبنظرة للحالة الآنية نجد أنه كان من الممكن أن‮ ‬يحدث التقابل بين ما‮ ‬يحدث علي‮ ‬خشبة المسرح وخارجه‮ .‬
وإذا كان نص العرض محملا بما قلنا وأكثر فإن الأداء التمثيلي‮ ‬لفريق العمل كان‮ ‬يسير في‮ ‬خطين متعارضين بنفس القوة‮  ‬؛ ولم‮ ‬يمنح التوجه الخاص بمحاكمة أو إلقاء اللوم علي‮ ‬من‮ ‬يسمون أنفسهم النخبة؛ الفرصة في‮ ‬التحقق ؛ وهذا ليس عيبا من المؤدين وإنما هو النتاج الحقيقي‮ ‬لعدم وضوح الرؤية الكافية بنص العرض مع بعض الأدوات المساعدة الأخري‮ ‬التي‮ ‬حملت الجودة ونقيضها في‮ ‬آن واحد‮. ‬ولم‮ ‬ينج من هذا إلا دور رامي‮ ‬الطمباري‮ / ‬مامورا‮/ ‬العبد صاحب المال‮/ ‬وسامح بسيوني‮/ ‬آرتوجروتس‮/ ‬العبد صاحب الميديا حيث كان دوريهما باتجاه واحد؛‮ ‬يكشفا فيه عن الأصل الوضيع والأطماع والأنانية‮ ‬،وللحق كانا موفقين وكانا جيدين،إلا في‮ ‬النهاية بالنسبة لآرتوجروتس ؛ حيث كان الأداء وهو‮ ‬يعمل علي‮ ‬الانتقام من مامورا هو أداء من عرف خطأه وعاد للصواب ؛ ولم‮ ‬يكن المحرك هو الغيظ والحنق ممن تلاعب به ؛ فبدا أنه أخذ‮  ‬صف العامة عن اقتناع وليس مرحلة شخصية انتقامية‮. ‬كما أن محمد إبراهيم ممثل جيد جدا ؛ وليس خطأه أنه استغل الكلمات التي‮ ‬تصوره كإنسان‮ ‬يتألم نتيجة الخيانة من الحسناء استغلالا جيدا وبين قدرته التمثيلية بما منح الشخصية التعاطف من الجمهور وأنساه حقيقتها التي‮ ‬ترغب فيما ليس من حقها‮ . ‬كما أن سمر علام‮/ ‬كلاوديا‮/ ‬الحسناء‮  ‬قد أدت دورها بما هو مطلوب منها‮ ‬،‮ ‬فمساحة الدور لا تستدعي‮ ‬أكثر من هذا ؛ ولكن التعامل الحركي‮ ‬معها في‮ ‬مشهدها الأخير مع ارتوجروتس وهو داخل لمخدعها ليلا ثم الحوار معه علي‮ ‬أنه مامورا لأنه كان‮ ‬يرتدي‮ ‬حلة من حلله ؛ وصفها بالغباء‮ . ‬ففارق الطول واضح بين آرتوجروتس ومامورا ؛ وهو كان‮ ‬يقف أمامها في‮ ‬الكثير من أوقات الحوار محاولا فقط إخفاء وجهه مع الضوء الكاف لتبيان هذا الفارق ؛ ولكنها لم تكتشف الحقيقة إلا حينما كشف وجهه‮!! ‬وأعتقد أن إعادة النظر في‮ ‬الحركة والإضاءة المصاحبة لهذا المشهد لهو شيء ضروري‮ ‬حتي‮ ‬ننزع الغباء عن شخصية من المفروض أنها لا تتسم به‮ ‬،‮ ‬كما أنه اتساق مع ما كان مأمولا من نص العرض‮ ‬،‮ ‬فأعتقد أنه كان من الأصوب أن تكون ثورتها ورغبتها الانتقامية في‮ ‬النهاية نتيجة أن مامورا لم‮ ‬يشاركها المؤامرة ولم تتلق ثمنا علي‮ ‬هذا‮ ‬،‮ ‬وأنها كانت علي‮ ‬وشك أن تؤدي‮ ‬له خدمة بلا ثمن‮. ‬ومحمد نصر الذي‮ ‬قام بدور الصديق للشاعر‮ ‬،‮ ‬قد أدي‮ ‬دوره أيضا كما هو مطلوب منه وهو ممثل جيد ولا‮ ‬يعيبه سوي‮ ‬أنه في‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬يحاول إثبات هذا ؛ وهذا شيء سيتخلص منه مع التجارب المستقبلية‮. ‬كما أن أحمد أبو عميرة‮/ ‬الشاعر المحلي‮ ‬؛ فبالرغم من صغر مساحة دوره تعامل مع المقصود منه ولم‮ ‬يصرخ‮ ‬،‮ ‬وأكد علي‮ ‬ما‮ ‬يقوله بصدق الأداء‮ ‬،‮ ‬كما أن الاتساق مع المأمول من نص العرض ربما كان‮ ‬يوجب أن تكون له مقولة في‮ ‬نهاية العرض موجهة للعامة ولو حتي‮ ‬لتحذريهم من تكرار التجربة مع الميديا وبيع الأصوات‮.‬
ثم نأتي‮ ‬لمن قاموا بأدوار العامة وللحقيقة فقد كان أداؤهم في‮ ‬المجمل أقل من الشخصيات الرئيسة‮  ‬وفي‮ ‬رأيي‮ ‬أن هذا‮ ‬يعود لسببين ؛ الأول أنه ربما لم تكن لهم بروفات كافية للإجادة‮ ‬،والثاني‮ ‬أنهم كانوا‮ ‬يعيشون بعالم آخر ؛ فوائل عبد الله الذي‮ ‬صمم الديكور والملابس‮  ‬منح الشخصيات الرئيسة ملابس عصرية ؛ ومنحهم هم لباس أهل روما مع أننا لسنا في‮ ‬روما‮ ‬،‮ ‬وهذا له تأثيره‮ ‬غير المباشر علي‮ ‬الأداء خاصة مع قلة التدريبات بالإضافة لعدم رسم الشخصيات بالصورة المثلي‮ ‬فليس من المعقول أن‮ ‬يكون بائع السمك أكثر أناقة وهنداما من بائع العطور‮ .‬

مجدي‮ ‬الحمزاوي

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: الحيتان عن نص سمك عسير الهضم
  • جهة الانتاج: فرقة الطليعة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: مانويل جاليش
  • إخراج: هشام عطوه
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here