اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الحلقة‮ .. عرض‮ ‬يتساءل‮ "‬عملت إيه الثورة‮ ‬يا بابا؟‮.."‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

كتب عبد الغني‮ ‬داود مسرحية‮ »‬الحلقة‮« ‬عام‮ ‬1979،‮ ‬وجاءت ضمن مجموعة مسرحيات نشرت باسم‮ »‬الموكب‮« ‬عن دار الحضارة العربية عام‮ ‬2005،‮ ‬و»الحلقة‮« ‬نص مسرحي‮ ‬لا‮ ‬يتوقف عند طرح واستعراض المشاكل والقضايا المزمنة التي‮ ‬يعاني‮ ‬منها المجتمع المصري‮ ‬منذ أمد بعيد،‮ ‬وبقيت هذه المشاكل بلا حل رغم تعاقب الأنظمة بإيديولجياتها المختلفة بين اشتراكية وانفتاحية ورأس مالية وتوجهات دينية،‮ ‬مشاكل البطالة والمواصلات والتعليم والصحة والإسكان وغلاء المعيشة،‮ ‬وبدلا من أن تسير هذه المشاكل علي‮ ‬طريق الحل تفاقمت وزاد عليها مؤخرا الانفلات الأمني‮ ‬والتفكك الاجتماعي‮.‬
يتجاوز نص‮ »‬الحلقة‮« ‬مناقشة تلك المشاكل بالغوص في‮ ‬أسبابها المتعددة والمعقدة ويتناول تلك الأسباب بالتحليل والمكاشفة الصادمة وتعدية الواقع ومواجهته بكل ما فيه من تناقضات والتفافات حول مسببات الأزمات التي‮ ‬من أهمها صراع الايديولجيات والمعتقدات والتشبث بمعوقات اللحاق بركب الحضارة والتقدم الإنساني‮ ‬الذي‮ ‬تزداد الفجوة بين مجتمعاتنا وبينه،‮ ‬لا نكاد نري‮ ‬مداه من فرط سرعته التي‮ ‬تفوق كل تصور‮.‬
اختار عبد الغني‮ ‬داود شكل مسرح الشارع لنص‮ »‬الحلقة‮« ‬حيث لا‮ ‬يهتم هذا النوع كثيرا بأدوات وزخارف المسرح الكلاسيكي‮ ‬أو مسرح‮ »‬العلبة الإيطالية‮«‬،‮ ‬متصورا إمكانية تحول الدراما في‮ ‬هذا اللون المسرحي‮ ‬إلي‮ ‬حلقة للنقاش والجدل بإشراك المتلقي‮ ‬في‮ ‬الحوار وطرح تصوراته وتفاعله مع ما‮ ‬يجري‮ ‬أمامه من تمثيل،‮ ‬وفي‮ ‬النص نجد أنه قد ترك مسافات بيضاء لردود وتساؤلات من جمهور الحاضرين لتندمج ضمن حوار المسرحية‮.‬
التقط‮ »‬إبراهيم الفوي‮« ‬مخرج العرض نص‮ »‬الحلقة‮« ‬ظنا منه أنه ببعض الإضافات والحذف والتوجيه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم تطويعه ليكون عرضا مناسبا لمجريات أحداث ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير،‮ ‬وقدم‮ »‬الفوي‮« ‬عرضه من خلال فرقة‮ »‬الياسمينا‮« ‬المسرحية التي‮ ‬يشرف عليها إقليم القاهرة الكبري‮ ‬بهيئة قصور الثقافة،‮ ‬وهي‮ ‬فرقة مكونة من مجموعة من هواة التمثيل من متحدي‮ ‬الإعاقة،‮ ‬طعمها المخرج بعناصر من خارج الفرقة،‮ ‬وقدم العرض في‮ ‬الساحة المواجهة لمسرح الهناجر بالأوبرا،‮ ‬حيث جرت أحداث عرض‮ »‬عملت إيه الثورة‮ ‬يا بابا‮«‬،‮ ‬وهو الاسم الذي‮ ‬اختاره المخرج عنوانا لعرضه لينوه منذ البداية أن العرض‮ ‬يختص وينتمي‮ ‬لتلك العروض التي‮ ‬انهمرت منذ‮ ‬26‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬تؤرخ وتواكب ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮!.‬
وأثر اختيار المكان علي‮ ‬كم ونوعية الجمهور،‮ ‬بعكس القصد من نص‮ »‬الحلقة‮« ‬الذي‮ ‬تخيل مؤلفه أن‮ ‬يتم تقديمه في‮ ‬مكان عام بأحد الميادين أو الشوارع،‮ ‬ليجتذب أكبر عدد من المشاهدين مختلفي‮ ‬الانتماءات لشرائح المجتمع المتعددة والمتباينة الثقافات بشكل عشوائي،‮ ‬ودارت أحداث العرض في‮ ‬شكل كلاسيكي‮ ‬تمثل في‮ ‬تواجد المشاهدين علي‮ ‬جانب وفي‮ ‬مقابلهم علي‮ ‬الجانب الآخر جلس أو وقف المشاهدون وبينهما الحائط الرابع الافتراضي،‮ ‬فانهارت فكرة النص الدال عليه اسمه منذ البداية‮.‬
ويدور عرض‮ »‬الثورة‮ ‬يا بابا‮« ‬حول مطرب شعبي‮ ‬بملابسه البلدية‮ ‬يقف ومعه تابعه‮ ‬يغني‮ ‬المواويل والأغاني‮ ‬الشعبية معتمدا في‮ ‬الأساس علي‮ ‬موال المطرب الشعبي‮ ‬في‮ ‬السبعينيات‮ »‬حفني‮ ‬محمد حسن‮« ‬بمقولته التي‮ ‬اشتهرت آنذاك‮: »‬أنت مين‮ ‬ياللي‮ ‬أنا مش عارفك أنت مين؟‮«‬،‮ ‬ويحيط بالمطرب مجموعة من الناس التي‮ ‬تجمعت حوله كل منهم‮ ‬يحمل فوق أكتافه مشاكله التي‮ ‬لا‮ ‬يعرف لها حلا،‮ ‬بدءا من شخصية‮ »‬سيدة‮« ‬المرأة التي‮ ‬تصنع الشاي‮ ‬بأدواتها البسيطة لتبيعه للحارة،‮ ‬وهي‮ ‬تعيش في‮ ‬الشارع بعد أن مات زوجها وتركها بلا معين،‮ ‬ويئست من الحصول علي‮ ‬معاش من الحكومة،‮ ‬وهناك أيضا شابة تخرجت من الجامعة وتنتمي‮ ‬لأسرة فقيرة،‮ ‬وفشلت في‮ ‬الحصول علي‮ ‬وظيفة،‮ ‬وشاب آخر أنهكه العمل في‮ ‬إحدي‮ ‬الدول العربية ليجمع تكاليف الزواج من مهر وشقة،‮ ‬وعندما عاد اكتشف أن ما تمكن من ادخاره لا‮ ‬يكفي‮ ‬فالأسعار في‮ ‬ارتفاع جنوني،‮ ‬وهناك أيضا البرجوازي‮ ‬الذي‮ ‬ينتقد شكوي‮ ‬الناس متهمهم بأنهم هم الذين‮ ‬يخلقون المشاكل لأنفسهم بزيادتهم للنسل بلا حساب فيزدادون فقراً‮ ‬علي‮ ‬فقر،‮ ‬وهذا قدرهم وأن طبقته‮ ‬غير مسئولة عن معاناتهم،‮ ‬والمتدين المتطرف الذي‮ ‬يتهمهم بأن سبب مشاكلهم هو بعدهم عن الدين والصراط المستقيم بعريهم وزندقتهم بالغناء والرقص متباهيا بزوجته التي‮ ‬ترتدي‮ ‬النقاب ولا تتكلم إلا بإذنه،‮ ‬أما زوجته فتضيق به ذرعاً‮ ‬وقد خنقها بتسلطه فتطلب منه الطلاق،‮ ‬ويدخل في‮ ‬المشهد متسول‮ ‬يصطحب طفلا معوقا‮ ‬يستغل الزحام ليمارس تسوله،‮ ‬وتنشب بينه وبين المغني‮ ‬مشاجرة،‮ ‬وتأتي‮ ‬الشرطة تحاول تفريقهم وإخلاء المكان الذي‮ ‬فجأة‮ ‬يكتشف المتلقي‮ ‬أنه‮ »‬ميدان التحرير‮« ‬بترديد الهتافات التي‮ ‬كانت تردد أثناء ثورة‮ ‬يناير مثل‮: »‬مش هانمشي‮ ‬هو‮ ‬يمشي‮«..‬،‮ ‬وفجأة أيضا‮ ‬يتحول المتسول إلي‮ ‬شخصية مناضل قديم‮ ‬يأس من كل الأنظمة السياسية بعد أن قاتل في‮ ‬كل الحروب وانتصر في‮ ‬أكتوبر‮ ‬1973،‮ ‬إلا أن الحكومات لم تنصفه فتحول إلي‮ ‬متسول،‮ ‬وتنتهي‮ ‬المسرحية بصهيل الجياد وأصوات الجمال وطلقات المدافع تقتل كل الشخصيات الموجودة ويتحولون جميعهم إلي‮ ‬شهداء ذي‮ ‬أجنحة ترفرف بين تصاعد دخان البخور،‮ ‬وينطلق نشيد‮ »‬عملت إيه في‮ ‬الثورة‮ ‬يابابا وحاربت مين‮«.‬
جسدت‮ »‬إخلاص عيسي‮« ‬دور‮ »‬سيدة‮« ‬بائعة الشاي‮ ‬فأبرزت امتلاكها لأدوات تمثيلية خاصة من صوت عريض وحضور مسرحي‮ ‬وإحساس بأبعاد الشخصية،‮ ‬وأثرت أداءها بحركة مسرحية أدتها برشاقة وتلقائية،‮ ‬إلا أنها كان بإمكانها تلوين الأداء مما‮ ‬يثري‮ ‬الشخصية ولا‮ ‬يجعلها علي‮ ‬وتيرة أداء واحدة،‮ ‬وجسد‮ »‬حسين الأسواني‮« ‬شخصية المطرب الشعبي‮ ‬فتميز في‮ ‬الغناء،‮ ‬وجاء أداؤه التمثيلي‮ ‬مفتعلاً،‮ ‬كثير الحركة والقفز بلا سبب،‮ ‬فتشوه الشكل المتوقع لشخصية المطرب الشعبي‮ ‬الرصين الذي‮ ‬ينشد الحكم والمواعظ،‮ ‬وتميز‮ »‬سامي‮ ‬صلاح‮« ‬في‮ ‬تجسيد دور‮ »‬البرجوازي‮« - ‬من فوق كرسي‮ ‬الإعاقة المتحرك‮ - ‬وأفلح في‮ ‬جذب المتلقي‮ ‬بصوته وتعبيراته وإشاراته المحسوبة وحركته بكرسيه التي‮ ‬أنسي‮ ‬بها المتلقي‮ ‬إعاقته وبدا جيد الإقناع،‮ ‬وتميزت آمال عبد الستار بغنائها من خلال صوت عريض شجي‮ ‬متعدد الطبقات،‮ ‬وأدت‮ »‬صباح سعد‮« ‬دور الشابة‮ ‬(1)‮ ‬ففعلت ما طلب منها بدقة والتزام،‮ ‬وكذلك تميزت‮ »‬هبة هارون‮« ‬التي‮ ‬جسدت دور شابة‮ ‬(2)،‮ ‬ونفذت كثيرًا من الحركات الصعبة رغم إعاقتها،‮ ‬واستطاعت بوجهها الملائكي‮ ‬أن تعكس تعبيرات موصلة للإحساس وصلت للمتلقي‮ ‬بمصداقية،‮ ‬وكذلك شدت المطربة مشيرة بصوتها الرخيم فأثرت العرض وأضفت جواً‮ ‬ممتعا للتلقي،‮ ‬جسد مصطفي‮ ‬لبيب الذي‮ ‬استعان به المخرج من خارج متحدي‮ ‬الإعاقة دور المتسول،‮ ‬فاستطاع بقدراته التمثيلية وخبرته أن‮ ‬يقنع المتلقي‮ ‬في‮ ‬البداية بشخصية المتسول،‮ ‬إلا أن الشخصية هربت منه،‮ ‬ونعتقد أنه لا ذنب له في‮ ‬هذا،‮ ‬فقد أضيف للشخصية المكتوبة في‮ ‬النص حوارات‮ ‬غير متسقة مع الشخصية،‮ ‬ذهبت بها إلي‮ ‬غياهب الهلامية والضبابية،‮ ‬مما كان‮ ‬يستدعي‮ ‬مفسرا‮ ‬يشرح للمتلقين ما‮ ‬يأتي‮ ‬من الشخصية،‮ ‬وجسد‮ »‬عبد العزيز محمد‮« ‬شخصية أمين الشرطة،‮ ‬فاستطاع‮ - ‬رغم الإعاقة‮ - ‬التقمص بحرفية،‮ ‬ونفذ حركة مسرحية صعبة باقتدار،‮ ‬وتمكن من جذب المتلقي‮ ‬ورفع درجة الإيقاع في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬ظهر فيها،‮ ‬وقامت‮ »‬أمل ماهر‮« ‬بدور المرأة المنقبة وأدته من فوق كرسيها المتحرك الذي‮ ‬نفذت به حركتها المسرحية بتمكن واستطاعت أن تستحوذ علي‮ ‬وجدان المشاهدين بأدائها الصوتي‮ ‬المتلون والمتميز،‮ ‬وكذلك‮ »‬كريمة زغلول‮« ‬التي‮ ‬قامت بدور إحدي‮ ‬زوجات المغني‮ ‬وأدته بسلاسة وإقناع،‮ ‬ويبقي‮ »‬إسلام مصطفي‮« ‬الذي‮ ‬جسد دور المتدين المتعصب بأقدام راسخة وقدرة علي‮ ‬توصيل الحوار باستخدام أدوات تمثيلية واعدة‮.‬
أثرت موسيقي‮ ‬وألحان محمد عزت العرض مع مجموعة من العازفين المتميزين،‮ ‬وكذلك أشعار محمود جمعة وسامي‮ ‬صلاح،‮ ‬أما اختيارات المخرج لبعض أبيات من أشعار‮ »‬بابلونيرود‮« ‬و»شيلي‮«‬،‮ ‬والشاعر العراقي‮ »‬مظفر النواب‮« ‬فجاءت في‮ ‬رأينا‮ ‬غير مناسبة للعرض لم‮ ‬يفهم معني‮ ‬لوجودها وتناقضت مع بساطة أغنيات المطرب الشعبي‮ ‬المصري‮.‬
استخدم أبو العلا صابر مصمم الديكور‮ »‬موتيفة‮« ‬سهلة الحركة شكلت سورًا حديديًا ومشنقة وقارعة أجراس،‮ ‬كما استخدم دكة خشبية بسيطة الشكل وبعض الإكسسوارات كأدوات بائعة الشاي،‮ ‬وتميزت الإضاءة التي‮ ‬استطاع مخرج العرض توظيفها جيدا لتجسيد المشاهد،‮ ‬وتناسبت مع المكان المكشوف وتمكنت خطة الإضاءة من تجسيد المشاهد،‮ ‬وإن افتقرت إلي‮ ‬الألوان التي‮ ‬كان من الممكن أن تثري‮ ‬هذا العنصر‮.‬
عرض‮ »‬عملت إيه في‮ ‬الثورة‮ ‬يا بابا‮« ‬المأخوذ عن نص‮ »‬الحلقة‮« ‬محاولة جادة لتقديم فرق تمثيلية نوعية،‮ ‬وإثبات قدراتها علي‮ ‬التصدي‮ ‬لنصوص تجريبية واعدة‮.‬

 

رامي‮ ‬البكري

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: عملت إيه الثورة‮ ‬يا بابا
  • جهة الانتاج: دار ياسمينا لذوي الاحتياجات الخاصة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: عبد الغني داود
  • إخراج: إيراهيم الفوي
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here