اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

أبو العُريّف‮.. ‬الاستعراضات أنقذت بساطة الدراما وتواضع بنائها

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

المؤلف عبد المنعم عبد القادر وشريكه في‮ ‬عرض‮ "‬أبو العُريّف‮" ‬المخرج حسن الوزير،‮ ‬دأبا علي‮ ‬إطلاق اسم‮ "‬البرديّة‮" ‬علي‮ ‬ما‮ ‬يقدماه من عروض،‮ ‬ربما من باب حب التميز والاختلاف،‮ ‬أو طموحًا أن‮ ‬يكتب لها خلود البرديات الفرعونية بما احتوته من تاريخ،‮ ‬التراث المصري،‮ ‬وقد سبق لهما أن قدما أربع برديات‮ ‬– ‮ ‬عروض‮ ‬– ‮ ‬نذكر منها‮ "‬عروسة المولد‮" ‬و"حتشبسوت‮"‬،‮ ‬وبردية أبو العريف أنتجها مركز الهناجر لفرقة جماعة المحروسة‮.‬
وشخصية‮ "‬أبو العُريّف‮" ‬موجودة في‮ ‬كل حواديت الشعوب العربية،‮ ‬وربما في‮ ‬حكايات وحواديت شعوب أخري،‮ ‬فهي‮ ‬شخصية أسطورية من الخيال الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬يتهكم علي‮ ‬إنسان‮ ‬يدعي‮ ‬معرفته بكل شيء،‮ ‬ويدلي‮ ‬بدلوه في‮ ‬كل الأمور،‮ ‬ضاربًا بالتخصص والخبرة والعلم عرض الحائط،‮ ‬وبالطبع نجد أبو العُريّف كنموذج لشخصية سلبية الصفات والسلوك،‮ ‬تلقي‮ ‬رفضًا من الناس وسخرية،‮ ‬ومبعثًا للتهكم والضحك في‮ ‬أحيان كثيرة رغم ما‮ ‬ينتج عنها في‮ ‬كثير من الأحوال من ضرر‮ ‬يمس مصالح الآخرين ويؤلمهم‮.‬
نسج عرض أبو العُريّف‮ ‬غير معتمد علي‮ ‬حدوتة أبو العُريّف فقط وإن كان قد سرد الحدوتة كما هي‮ ‬في‮ ‬الحواديت المصرية،‮ ‬وأسقطها في‮ ‬إحالة إلي‮ ‬شخصية الرئيس المخلوع الذي‮ ‬حمل ملامحها وسلوكياتها،‮ ‬وتم ذلك دون مباشرة،‮ ‬إذ تناول العرض التطورات السلبية للحياة في‮ ‬مصر في‮ ‬أربعين عامًا مضت،‮ ‬العشرة الأولي‮ ‬منها انتهت بمقتل الرئيس الأسبق،‮ ‬وثلاثون أعقبتها انفجرت في‮ ‬نهايتها ثورة علي‮ ‬ما آلت إليه أمور البلاد من فساد وظلم اجتماعي‮ ‬ونهب ثروات علي‮ ‬أيدي‮ ‬الحاشية والبطانة والمجموعات المتعاقبة من المنتفعين التي‮ ‬دأبت علي‮ ‬التهليل والتمجيد للرئيس السابق ولنفسها أيضًا،‮ ‬ووقعت البلاد فريسة لهؤلاء أولي‮ ‬الثقة علي‮ ‬حساب أصحاب الخبرة والعلم والتخصص،‮ ‬ورأينا في‮ ‬ذلك العهد وزيرة لم تحصل إلاّ‮ ‬علي‮ ‬شهادة متوسطة بينما حملة‮ "‬الدكتوراه‮" ‬يعانون البطالة‮ ‬– ‮ ‬وتماما كما هللت بطانة الرئيس السابق له،‮ ‬هللت بطانة أبو العُريّف صاحب الحدوتة له عندما استشاروه في‮ ‬كيفية إخراج رأس الجاموسة المحشورة في‮ "‬الزير‮"‬،‮ ‬فيأمر بقطع رقبة الجاموسة،‮ ‬وعندما‮ ‬يجد بقاء الرأس في‮ ‬الزير‮ ‬يقع في‮ ‬حيرة ثم‮ ‬يأمر بكسر الزير وكأنه اكتشف أمرًا خطيرًا،‮ ‬وتهلل الحاشية وتأمر بطهي‮ ‬الجاموسة ويأكلونها جميعا وسط دموع الفلاح صاحب الجاموسة التي‮ ‬كانت تعينه علي‮ ‬عمله‮.‬
تضمن عرض أبو العُريّف أمورًا كثيرة منها كيف‮ ‬يتم التعيين في‮ ‬الوظائف الهامة وعلي‮ ‬رأسها الملك الذي‮ ‬ينصبه أولو المصالح وأصحاب النفوذ والقوة،‮ ‬مثل‮ "‬حسن شر الطريق‮" ‬وزمرته عندما‮ ‬يختارون جالس القرفصاء الغبي‮ ‬ملكًا للبلاد كما‮ ‬يتم اختيار الشخصيات المشوهة لأعلي‮ ‬المناصب من هؤلاء موضع ثقة النظام الحاكم والذي‮ ‬يقوم أيضًا بتدليلهم وعدم محاسبتهم علي‮ ‬ما‮ ‬يرتكبوه من أخطاء وربما جرائم جسيمة،‮ ‬وتناول العرض أيضًا‮ "‬التوريث‮" ‬طمعًا في‮ ‬استمرار الهيمنة والتسلط من جماعات المصالح‮.‬
قُدم العرض من خلال مجموعة من الاستعراضات ذات الصبغة المصرية تذكرنا بما كانت تقدمه الفرق القومية للفنون الشعبية في‮ ‬الستينيات وخاصة فرقة‮ "‬رضا‮"‬،‮ ‬منها استعراض‮ "‬جني‮ ‬القطن‮" ‬واستعراض‮ "‬التحطيب‮" ‬استعراض‮ "‬الشبكة والصياد‮" ‬واستعراض آخر علي‮ ‬أنغام الموشح الأندلسي‮ "‬يالا‮.. ‬ولالي‮ ‬يا زماني‮.." ‬وكذلك الإنشاد الصوفي‮ ‬واستعراض‮ "‬جايين من الصعيد الجواني‮ ‬نُفض المقاولة‮.."‬،‮ ‬وتميزت الأشعار التي‮ ‬كتبها محمد الشاعر واعتمد عليها الغناء والاستعراض،‮ ‬وأكد سيد البنهاوي‮ ‬مصمم الاستعراضات علي‮ ‬حرفيته في‮ ‬ابتكار تشكيلات أثرت في‮ ‬العرض وبعثت جوًا من متعة التلقي‮ ‬لدي‮ ‬الجمهور،‮ ‬واستغل‮ "‬البنهاوي‮" ‬موتيفات الديكور في‮ ‬بعضها‮ ‬– ‮ ‬المسلة وكرسي‮ ‬العرش مثلاً‮ ‬– ‮ ‬وكانت تلك الاستعراضات في‮ ‬حاجة لمسرح أكثر اتساعًا من خشبة مسرح الهناجر كمسرح البالون مثلا‮ ‬يساعد علي‮ ‬إظهار جماليات التشكيل والتكوينات،‮ ‬قام بالاستعراضات نور السمان وحاتم حسام وسيد عبد النعيم وعمرو حامد ومصطفي‮ ‬السيد وآية صلاح وتميزوا بوحدة الحركة والمحافظة علي‮ ‬انتظام الشكل،‮ ‬والتجسيد الناجح للجملة الحركية التي‮ ‬تبعث رسائل مرئية في‮ ‬كثير من الأحيان إلي‮ ‬المتلقي‮..‬
اعتمد العرض علي‮ ‬شقين من الموسيقي‮ ‬التي‮ ‬صاحبته،‮ ‬أحدهما‮ "‬مُسّجل‮" ‬يصاحب الأحداث والرقصات والمشاهد التمثيلية من ألحان أحمد خلف الذي‮ ‬نجح في‮ ‬وضع ألحان مناسبة تتماشي‮ ‬مع سياق العرض وقام بتوزيعها وائل عبد المنعم،‮ ‬والشق الموسيقي‮ ‬الآخر‮ "‬لايف‮" ‬يتم فوق خشبة المسرح قامت به فرقة الآلات الشعبية التي‮ ‬قادها محمود السباعي،‮ ‬وأعضاؤها مرزوقة عبد الغني‮ ‬وصبحية عبد الغني،‮ ‬ويحيي‮ ‬مصطفي،‮ ‬وطارق سعيد،‮ ‬وسعيد أحمد،‮ ‬ومحمد سعيد،‮ ‬ورأفت أيوب،‮ ‬وحمادة عبد الونيس،‮ ‬ومشحوت الفخراني‮ ‬وهاني‮ ‬مشحوت،‮ ‬وتشكلت بأدائهم الموسيقي‮ ‬والغنائي‮ ‬حالة طقسية من الفولكلور المصري‮ ‬الممتع والمحبب لدي‮ ‬المُشاهد،‮ ‬وخاصة في‮ ‬الاستعراض الجنائزي‮ ‬المصحوب بمندبة الشهداء‮" ‬وأنا تحت سابع أرض وفوق السحاب،‮ ‬برسم ملامح شمس بتشق الضباب‮" ‬الذي‮ ‬أثار وجدان المتلقي‮. ‬
لم‮ ‬يفت مخرج العرض استخدام عرائس الأراجوز التي‮ ‬اقتسمت الأداء التمثيلي‮ ‬مع محركها الذي‮ ‬ارتدي‮ ‬ملابس الأراجوز وأدي‮ ‬دوره‮ "‬عادل ماضي‮" ‬حيث قام بدور الراوي‮ ‬والمعلق علي‮ ‬مجريات الأحداث في‮ ‬العرض،‮ ‬وأجاد‮ "‬ماضي‮" ‬الأداء رغم ملاحظة عدم انضباط صوت الأراجوز الذي‮ ‬خرج رفيعًا حادًا فيما‮ ‬يشبه الصراخ‮ ‬غير المريح‮  ‬للأذن‮.‬
قُدم عرض أبو العُريّف من خلال ديكور صممه ونفذه‮ "‬إبراهيم الفوي‮" ‬وتميز بأفكار جديدة ومحاولة إيجاد حلول لتوسيع خشبة المسرح كتلك البانوهات التي‮ ‬ترتفع أغلفتها إلي‮ ‬أعلي‮ ‬الشواية مع بقاء إطارها الخارجي‮ ‬فارغًا،‮ ‬ورفع الكواليس الجانبية لفتح مجال الرؤية ولاستيعاب حشود الممثلين والراقصين والعازفين،‮ ‬قدم‮ "‬الفوي‮" ‬أيضًا موتيفة‮" "‬المسلة‮" ‬المقسمة إلي‮ ‬ثلاثة أجزاء استخدم المخرج منها جزئين كتوابيت في‮ ‬مشهد جنائزي،‮ ‬والجزء الثالث كطاولة للشراب في‮ ‬حفل تنصيب أبو العُريّف،‮ ‬وقدم الديكور أيضًا موتيفات لها دلالة مكانية كالنسر المرفوع في‮ ‬أعلي‮ ‬عمق المسرح،‮ ‬والمسلة الفرعونية،‮ ‬كما قسم المسرح إلي‮ ‬عدة مستويات وكان‮ ‬يمكن الاكتفاء بالمستوي‮ ‬الذي‮ ‬جلست فوقه فرقة الآلات الشعبية وترك مساحة أكبر في‮ ‬أرضية الخشبة لتسهيل حركة المجاميع،‮ ‬قدم إبراهيم الفوي‮ ‬أيضًا مجموعة كبيرة من الإكسسوارات تميزت باستخدام خامات بسيطة وساعدت علي‮ ‬الأداء التمثيلي،‮ ‬وكان للحظة الإضاءة التي‮ ‬وضعها بإتقان أيضًا أثر كبير في‮ ‬تحقيق صورة العرض وتجسيد مشاهد خاصة في‮ ‬استخدامها في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬توجد فيها خيمة الأراجوز‮ "‬ذات التصميم‮" ‬المبتكر من قماش الخيامية‮ ‬– وكذلك في‮ ‬المشاهد التراجيدية كالمشاهد الجنائزية ومشاهد الثورة وما تم فيها من قتل الأبرياء العُزّل‮..‬
نجحت‮ "‬فايزة نوارة‮" ‬في‮  ‬تقديم مجموعة كبيرة من التصميمات المميزة لملابس العرض كملابس حسن شر الطريق وحمبوزو والوزراء وأبو العُريّف وكذلك ملابس الفلاحات المزركشة بألوان زاهية تعكس فرحة حصاد القطن،‮ ‬والتي‮ ‬اختلفت في‮ ‬مشهد الحداد والجنائز‮..‬
وبدا عنصر الملابس عنصرًا هامًا لا‮ ‬يمكن تصور العرض بدونه كعرض فانتازي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬الاستعراضات والصورة خاصة الفولكلورية المصرية‮..‬
جسد شخصيات العرض فريق تمثيل متميز في‮ ‬تكوينه ونجح مخرج العرض في‮ ‬تسكين الأدوار،‮ ‬فكان موفقًا في‮ ‬اختيار هاني‮ ‬إبراهيم في‮ ‬تجسيد شخصية‮ "‬حسن شر الطريق‮" ‬بما‮ ‬يمتلك من صفات جسدية وملامح وأداء صوتي،‮ ‬تجعله قادرًا علي‮ ‬الإقناع،‮ ‬وكذلك‮ "‬محمد مديح‮" ‬الذي‮ ‬قام بدور‮ "‬حمبوزو‮" ‬وتجسيده لدور الماكر صانع الأحداث،‮ ‬ومحمود بغدادي‮ ‬في‮ ‬دور‮ "‬ميموس الأول‮" ‬ونجح كرم أحمد بما له من مواصفات خاصة في‮  ‬استغلال أدواته الطبيعية كضخامة الجسد وبلاهة الملامح في‮ ‬تجسيد دور أبو العُريّف و"جالس القرفصاء‮"‬،‮ ‬ونجحت‮ "‬دعاء‮" ‬في‮ ‬تقمص شخصية وهيبة وشيماء فوزي‮ "‬ست الحسن‮"‬،‮ ‬وأية محمود‮ "‬أم الخير‮" ‬وولاء في‮ ‬دور‮ "‬الوتد خانوم‮" ‬ودعاء الخولي‮ ‬– علمي‮ ‬علمك‮ ‬– وبدا عماد عبد العظيم مقنعًا في‮ ‬دور الشاطر حسن وكذلك عبد الرحمن سيد في‮ ‬دور جحا،‮ ‬وحسن إبراهيم الذي‮ ‬جسد دور المصري‮ ‬المسيحي،‮ ‬ومحمد أمين المصري‮ ‬المسلم،‮ ‬ومصطفي‮ ‬شيتوس الذي‮ ‬جسد دور الشلبي‮ ‬وتميز بحضوره المسرحي‮ ‬وإسلام الحسيني‮ ‬في‮ ‬دور السقا أو وزير الري،‮ ‬وباقي‮ ‬الوزراء حمادة شوشة في‮ ‬دور الأتونجي‮ ‬وأحمد شعراوي‮ "‬حجاج‮"‬،‮ ‬ومحمود فتحي‮ ‬وزير الزراعة أو‮ "‬أبوجراد‮"‬،‮ ‬ومحمد عزت وزير الثقافة الحلو منه فيه جسد أيضًا أدوار شباب المحروسة كل من أحمد ماهر،‮ ‬ومحمود السيد،‮ ‬ومحمد مصطفي،‮ ‬ومحمد جهاد،‮ ‬وأحمد سعد،‮ ‬وصالح الحداد،‮ ‬وأحمد مظهر‮.‬

رامي‮ ‬البكري

معلومات أضافية

  • اسم المسرحية: أبو العُريّف
  • جهة الانتاج: مركز الهناجر للفنون ـ القاهرة
  • عام الانتاج: ٢٠١٢
  • تأليف: عبد المنعم عبد القادر
  • إخراج: حسن الوزير
  • جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here