اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

مسرحية تمثيلية آدم‮..

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تمثيلية آدم التي‮ ‬توجد مخطوطتها الوحيدة في‮ ‬حوزة مكتبة‮ »‬تور‮ ‬Tours‮« ‬يرجع تاريخها إلي‮ ‬نهاية القرن الثاني‮ ‬عشر‮ - ‬ومن المحتمل أن‮ ‬يكون الذي‮ ‬قام بكتابتها شماس نورمندي،‮ ‬أو إنجليزي‮ ‬نورمندي‮ ‬مجهول الاسم‮ - ‬لكي‮ ‬تمثل خلال أعياد الميلاد في‮ ‬ميدان الكنيسة الخارجي،‮ ‬وذلك كما‮ ‬يتبين من الملاحظة المكتوبة علي‮ ‬المخطوطة باللاتينية حول الديكور،‮ ‬والملابس،‮ ‬وطريقة الإيماء‮ ‬Mimique،‮ ‬بل وحول إلقاء الممثلين،‮ ‬وتشتمل التمثيلية علي‮ ‬ثلاثة أجزاء‮: ‬سقوط آدم وحواء،‮ ‬ومقتل هابيل علي‮ ‬يد قابيل،‮ ‬وموكب الأنبياء لإعلان قدوم المسيح‮.‬
ومن شأن فكرة الخلاص عن طريق التكفير السارية في‮ ‬أرجاء تمثيلية آدم أن تحقق وحدتها الدرامية‮.‬
المنظر الأول
الرمز‮: ‬يا آدم‮!‬
آدم‮: ‬مولاي‮!‬
الرمز‮: ‬لقد خلقتك من تراب الأرض(1)‮.‬
آدم‮: ‬أعرف ذلك،‮ ‬يا مولاي‮.‬
الرمز‮: ‬لقد صورتك علي‮ ‬مثالي،‮ ‬وبرأتك علي‮ ‬صورتي،‮ ‬من تراب،‮ ‬فلا‮ ‬يصح لك‮ - ‬في‮ ‬أية حال‮ - ‬أن تجرد علي‮ ‬حربا‮.‬
آدم‮: ‬كلا،‮ ‬لن أفعل،‮ ‬بل سأومن بك،‮ ‬سأطيع خالقي‮.‬
الرمز‮: ‬لقد وهبتك صحبة طيبة‮! ‬إنها زوجك،‮ ‬واسمها حواء‮. ‬أنها زوجك ونظيرك،‮ ‬ويجب عليك أن تكون وفيا لها،‮ ‬وعليك أن تحبها،‮ ‬وعليها أن تحبك،‮ ‬وستحظيان‮ - ‬كلاكما‮ - ‬بحبي‮. ‬عليها أن تخضع لسلطانك،‮ ‬وعليكما أن تخضعا لإرادتي،‮ ‬لقد خلقتها من ضلعك،‮ ‬فهي‮ ‬غير‮ ‬غريبة عنك،‮ ‬بل منك جبلت‮. ‬صورتها من جسمك،‮ ‬فهي‮ ‬خارجة منك،‮ ‬لا من شيء آخر‮. ‬لا‮ ‬يكن بينكما أي‮ ‬شقاق،‮ ‬بل لا‮ ‬يكن بينكما إلا الحب العظيم،‮ ‬والمودة العظيمة‮: ‬هذا هو قانون عشرتكما‮. (‬لحواء‮) ‬وإليك أنت أيضا،‮ ‬يا حواء،‮ ‬سأوجه كلامي،‮ ‬فتديري‮ ‬هذا الكلام،‮ ‬واستفيدي‮ ‬منه‮: ‬إذا نفذت إرادتي،‮ ‬حفظت ما تنطوين عليه من طيبة،‮ ‬أحبي‮ ‬في‮ ‬خالقك وكرميه،‮ ‬واعترفي‮ ‬لي‮ ‬بأني‮ ‬مولاك‮. ‬وتوفري‮ ‬علي‮ ‬خدمتي‮ ‬بكل ما لديك من حماس،‮ ‬وقوة،‮ ‬وروح‮. ‬أحبي‮ ‬آدم وحوليه بحنانك‮. ‬إنه زوجك،‮ ‬وأنت زوجه‮. ‬برهني‮ ‬لي‮ ‬في‮ ‬كل وقت أنك لست علي‮ ‬استعداد لعصيانه،‮ ‬اخدميه وأحبيه من كل قبلك‮. ‬هذا هو قانون الزواج،‮ ‬فإذا أحسنت معونته،‮ ‬جعلتك وإياه موضع تكريمي‮.‬
حواء‮: ‬سأسير‮ - ‬يا مولاي‮ - ‬تبعا لما‮ ‬يرضيك،‮ ‬ولن أحاول أن أحيد عن ذلك بأية حال،‮ ‬سأعترف لك دائما بأنك المولي،‮ ‬وله بأنه الزوج والسيد،‮ ‬سأكون به له في‮ ‬كل حال،‮ ‬وسيتلقي‮ ‬مني‮ ‬خير النصائح،‮ ‬وسأبذل كل ما في‮ ‬وسعي‮ ‬لرضائك،‮ ‬وخدمتك‮.‬
الرمز‮: (‬يجعل آدم‮ ‬يقترب منه ويقول له بإصرار أشد من ذي‮ ‬قبل‮)‬(2)‮ ‬انصت‮ ‬يا آدم،‮ ‬وافهم قولي‮: ‬لقد خلقتك،‮ ‬والآن ها هي‮ ‬ذي‮ ‬الهبة التي‮ ‬أهبك أياها‮: ‬تستطيع‮ - ‬إذا أطعتني‮ - ‬أن تعيش أبدا،‮ ‬وألا‮ ‬يعتريك المرض أو الخوف،‮ ‬ولن تعرف الجوع،‮ ‬أو تشرب عن حاجة إلي‮ ‬الري‮. ‬ولن‮ ‬يمسك زمهرير ولا حر،‮ ‬ستحيا في‮ ‬سرور،‮ ‬فلا‮ ‬يصيبك النصب،‮ ‬وتظل في‮ ‬نعيم،‮ ‬فلا‮ ‬يمسك الألم‮. ‬وستتابع حياتك كلها في‮ ‬الإنشراح،‮ ‬ستدوم إلي‮ ‬الأبد،‮ ‬ولن‮ ‬يعتريها القصر،‮ ‬أقول لك ذلك،‮ ‬وأريد من حواء أن تسمعه،‮ ‬فإذا لم تفهمه كانت حمقاء،‮ ‬لكما الولاية علي‮ ‬الأرض كلها،‮ ‬علي‮ ‬طيرها وحيوانها وجميع سكانها‮. ‬ولن‮ ‬يضيركما في‮ ‬شيء أن تكونا موضعًا للحسد،‮ ‬لأن العالم بأسره سيكون تحت إمرتكما،‮ ‬وأمامكما سأضع الخير والشر كليهما،‮ ‬فمنذ الآن زنا كل شيء بغاية الدقة،‮ ‬ولا تسلكا سبيلا‮ ‬يتنافي‮ ‬والوفاء لي،‮ ‬دع الشر والزم والخير،‮ ‬أحبب مولاك،‮ ‬وابق معه،‮ ‬ولا تهجر نصيحته من أجل أية نصيحة أخري،‮ ‬فإذا فعلت ذلك بعدت عن طريق الخطيئة‮.‬
آدم‮: ‬حمدًا جزيلا لك،‮ ‬أنت‮ ‬يا من خلقتني‮ ‬ووهبتني‮ ‬هذه النعمة الجلي‮ ‬حين وضعت الخير والشر تحت تصرفي‮. ‬سأكرس إرادتي‮ ‬لخدمتك‮. ‬أنت مولاي،‮ ‬وأنا مخلوقك‮. ‬أنت الذي‮ ‬برأتني‮ ‬وأنا صنيعتك‮. ‬إن إرادتي‮ ‬لن تعصاك بقدر ما تتحمس لخدمتك‮.‬
الرمز‮: (‬يشير بيده إلي‮ ‬الفردوس‮) ‬يا آدم‮!‬
آدم‮: ‬مولاي‮!‬
الرمز‮: ‬سأخبرك بمقصودي‮. ‬انظر إلي‮ ‬هذه الجنة‮.‬
آدم‮: ‬ما اسمها؟
الرمز‮: ‬الفردوس‮.‬
آدم‮: ‬إنها رائعة الجمال‮.‬
الرمز‮: ‬أنا الذي‮ ‬غرستها ونسقتها،‮ ‬ومن سكنها صار حبيبي‮. ‬وها أنذا أسلمها إليك،‮ ‬لتسكنها وتحتفظ‮ ‬بها‮. (‬يجعلهما مدخلان الفردوس قائلا‮) ‬أدخلاها(3)
آدم‮: ‬أنستطيع دخولها؟‮!‬
الرمز‮: ‬وأن تعيشا فيها أبدا الآبدين‮. ‬وليس لكما أن تخشيا فيها شيئا،‮ ‬وفيها لن تموتا،‮ ‬ولن‮ ‬يعتريكما المرض‮. (‬الجوقة تغني‮ ‬العناء الجماعي‮): ‬إذن لقد فعل الله‮.‬
الرمز‮: (‬يمد ذراعه نحو الفردوس‮) ‬سأخبرك بطبيعة هذه الجنة‮: ‬ليست هناك من متعة تنقصها،‮ ‬ليس هناك من خير في‮ ‬هذا العالم إلا‮ ‬يوجد فيها بكل كفاية‮. ‬وفيها لن تعاني‮ ‬المرأة الأتراح من أجل الرجل،‮ ‬ولن‮ ‬يعاني‮ ‬الرجل عارًا أو خوفًا من أجل المرأة‮. ‬ولن‮ ‬يحتاج الرجل لارتكاب الخطيئة من أجل التناسل،‮ ‬ولن تعاني‮ ‬المرأة الآلام من أجل الوضع‮. ‬فيها ستحيا أبد الآبدين،‮ ‬فمناخها جيد جدًاولذا ستظل سنك دائمًا علي‮ ‬ما هي‮ ‬عليه دون أي‮ ‬تغيير لن تخشي‮ ‬فيها الموت،‮ ‬لأنه لن‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يصيبك‮ - ‬فلا تخرج منها،‮ ‬واجعل منها مقامك‮.‬
الجوقة‮: (‬تغني‮ ‬الغناء الجماعي‮): »‬قال الله لآدم‮« (‬ثم‮ ‬يقوم الله بتوجيه نظر آدم إلي‮ ‬أشجار الجنة ويقول‮):  ‬تستطيع أن تأكل من جميع هذه الفواكه كما تشاء،‮ (‬يوجه نظره إلي‮ ‬الشجرة المحرمة وثمرتها‮)‬،‮ ‬ولكني‮ ‬أنهاك عن الأكل من هذه فإنك إن أكلت منها مت من فورك،‮ ‬وفقدت حبي،‮ ‬وأصبحت تعس المصير‮.‬
آدم‮: ‬سأحافظ علي‮ ‬وصيتك بحذافيرها،‮ ‬لن نخالقها في‮ ‬شيء،‮ ‬لا أنا ولا حواء‮. ‬أمن أجل ثمرة واحدة تضيع كل هذه السكني‮! ‬إنه من العدل أن‮ ‬يقذف بي‮ ‬إلي‮ ‬الخارج في‮ ‬مهب الرياح،‮ ‬إذا أنا تخليت عن حبك من أجل تفاحة‮. ‬إن من‮ ‬يجدف ويخون،‮ ‬مولاه‮ ‬يجب أن‮ ‬يطبق عليه قانون الخونة‮ (‬الرب‮ ‬يذهب نحو الكنيسة‮. ‬آدم وحواء‮ ‬يتنزهان في‮ ‬الفردوس ويتسليان تسلية بريئة‮).‬
المنظر الثاني
‮(‬في‮ ‬هذه الأثناء تنتشر الشياطين في‮ ‬أرجاء المكان‮ - ‬بحركات وإشارات مناسبة‮ - ‬وتقترب بالتتابع من الفردوس وهي‮ ‬تلفت نظر حواء إلي‮ ‬الفاكهة المحرمة،‮ ‬كما لو كانت تريد إغراءها بالأكل منها‮. ‬وأخيرا‮ ‬يذهب إبليس إلي‮ ‬ادم‮).‬
إبليس‮: ‬ماذا تفعل‮ ‬يا آدم؟
آدم‮: ‬أعيش هنا في‮ ‬بهجة شاملة‮.‬
إبليس‮: ‬أأنت بخير؟
آدم‮: ‬لا أحس أن شيئا‮ ‬يضايقني‮.‬
إبليس‮: ‬يمكن للمرء أن‮ ‬يكون أحسن حالا‮.‬
آدم‮: ‬لا أدري‮ ‬كيف‮ ‬يمكن ذلك‮.‬
إبليس‮: ‬أتريد أن تعرف؟
آدم‮: ‬لن تجعلني‮ ‬هذه المعرفة خيرا مما أنا الآن‮.‬
إبليس‮: ‬إني‮ ‬أعرف كيف‮.‬
آدم‮: ‬وماذا‮ ‬يعنيني‮ ‬من ذلك؟
إبليس‮: ‬ولم لا؟
آدم‮: ‬هذا لن‮ ‬ينفعني‮ ‬في‮ ‬شيء‮.‬
إبليس‮: ‬بل سينفعك‮.‬
آدم‮: ‬لا أدري‮ ‬متي‮.‬
إبليس‮: ‬لن أقول لك ذلك بصورة عابرة‮.‬
آدم‮: ‬قله لي‮ ‬الآن‮.‬
إبليس‮: ‬كلا،‮ ‬إلا بعد أن تكل من كثرة رجائي‮.‬
آدم‮: ‬لست في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬معرفته‮.‬
إبليس‮: ‬حقا إنك لن تستطيع أن تنال من كل ذلك أية فائدة‮: ‬فأنت لا تعرف كيف تستمتع بالخير الذي‮ ‬في‮ ‬حوزتك‮.‬
آدم‮: ‬كيف ذلك؟
إبليس‮: ‬أتريد أن تعرف كيف؟ سأخبرك فيما بيني‮ ‬وبينك‮.‬
آدم‮: ‬فليكن‮.‬
إبليس‮: ‬أنصت‮ ‬يا آدم،‮ ‬أعرني‮ ‬سمعك‮.‬
آدم‮: ‬كلي‮ ‬آذان صاغية‮.‬
إبليس‮: ‬أتصدقني؟
آدم‮: ‬نعم،‮ ‬بكل تأكيد‮.‬
إبليس‮: ‬في‮ ‬كل ما أقوله؟
آدم‮: ‬إلا في‮ ‬شيء واحد‮.‬
إبليس‮: ‬وما هذا الشيء؟
آدم‮: ‬سأخبرك به‮: ‬ذلك أني‮ ‬لن أغضب خالقي‮.‬
إبليس‮: ‬أتخافه إلي‮ ‬هذا الحد؟
آدم‮: ‬نعم،‮ ‬الحقيقة أني‮ ‬أحبه،‮ ‬وأخافه‮.‬
إبليس‮: ‬ليس هذا من الحكمة،‮ ‬ماذا في‮ ‬مقدوره أن‮ ‬يفعل؟
آدم‮: ‬كل الخير والشر‮.‬
إبليس‮: ‬لقد أصبحت مجنونا منذ اليوم الذي‮ ‬اعتقدت فيه أنه‮ ‬يمكن للشر أن‮ ‬يصيبك،‮ ‬ألست‮ ‬غارقا في‮ ‬المجد؟ إنك منزه عن الموت‮.‬
آدم‮: ‬لقد أخبرني‮ ‬الرب بأنني‮ ‬سأموت إذا خالفت وصيته‮.‬
إبليس‮: ‬وما هي‮ ‬هذه المخالفة الكبيرة؟ إني‮ ‬أريد أن أعرفها دون أي‮ ‬تأخير‮.‬
آدم‮: ‬سأخبرك بها بكل صراحة‮: ‬لقد أدلي‮ ‬إلي‮ ‬بوصية،‮ ‬وهي‮: ‬أني‮ ‬أستطيع الأكل من جميع فواكه الجنة،‮ ‬ما عدا واحدة فقط،‮ ‬فقد نهاني‮ ‬عن الأكل منها،‮ ‬ولن أمسها بيدي‮.‬
إبليس‮: ‬وأي‮ ‬فاكهة تلك؟
آدم‮: (‬يرفع‮ ‬يده ويشير بها إلي‮ ‬الفاكهة المحرمة‮) ‬أتراها؟ إنها هي‮ ‬التي‮ ‬تنهاني‮ ‬عنها نهيا قاطعا‮.‬
إبليس‮: ‬أتدري‮ ‬لماذا؟
آدم‮: ‬أنا؟ كلا،‮ ‬بكل تأكيد‮.‬
إبليس‮: ‬سأخبرك بالسبب‮: ‬إن الفواكه الأخري‮ ‬لا تعنيه في‮ ‬شيء،‮ ‬أما هذه التي‮ ‬تتدلي‮ ‬من أعلي‮ - (‬مشيرا بيده إلي‮ ‬الفاكهة المحرمة‮) - ‬فإنها شيء آخر،‮ ‬إنها شجرة المعرفة التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬معرفة كل شيد‮. ‬فإذا أكلت منها،‮ ‬فعلت خيرا‮.‬
آدم‮: ‬أنا؟ وأي‮ ‬خير؟
إبليس‮: ‬ستري‮ ‬ذلك،‮ ‬سيرتفع الغطاء عن عينيك في‮ ‬الحال،‮ ‬وسينكشف لك كل ما هو كائن،‮ ‬وسيصبح في‮ ‬مقدورك أن تفعل كل ما تريد،‮ ‬فهذا خير جزيل تستحوذ عليه‮. ‬كل منها تنل خيرا،‮ ‬ولن تعود في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬خوف ربك في‮ ‬شيء،‮ ‬بل ستصبح ندا له في‮ ‬كل شيء(4)‮. ‬وهذا هو السبب الذي‮ ‬دفعه إلي‮ ‬تحريمها عليك،‮ ‬أتصدقني؟ ذق هذه الفاكهة‮.‬
آدم‮: ‬لن أفعل ذلك‮.‬
إبليس‮: ‬يا لها من مهزلة‮! ‬لن تفعل ذلك؟
آدم‮: ‬كلا‮.‬
إبليس‮: ‬إذن فأنت معتوه‮! ‬وسيأتي‮ ‬يوم تتذكر فيه ما أقوله لك‮. (‬الشيطان‮ ‬ينسحب،‮ ‬ويذهب إلي‮ ‬الشياطين الأخري،‮ ‬وبعد أن‮ ‬يجوله قليلا في‮ ‬المكان‮ ‬يرجع إلي‮ ‬إغرا آدم،‮ ‬والبشر والمرح‮ ‬يبدوان عليه‮)‬
إبليس‮: ‬ماذا تفعل‮ ‬يا آدم؟ ألن تغير رأيك؟ ألا تزال‮ ‬غارقا في‮ ‬أفكارك الحمقاء؟ أظن أني‮ ‬قلت لك ذات‮ ‬يوم‮: ‬إن الله قد جعلك هنا عالة عليه،‮ ‬وأنه لم‮ ‬يضعك هنا إلا لتأكل هذه الفاكهة،‮ ‬أليست لك إذن أية متعة أخري؟
آدم‮: ‬نعم بكل تأكيد،‮ ‬لا شيء‮ ‬ينقصني‮.‬
إبليس‮: ‬لن تصعد أبدا إلي‮ ‬أعلي‮ ‬مما أنت؟ أتعتبر أسمي‮ ‬المكارم أن‮ ‬يكون الرب قد جعلك بستانيه؟ إن الرب قد جعلك حارسا لجنته‮. ‬ألن تبحث لنفسك قط عن وظيفة أخري؟ أهو لم‮ ‬يخلقك إلا لكي‮ ‬تملأ كرشك؟ ألا‮ ‬يريد أن‮ ‬يسمو بك إلي‮ ‬مكانة أخري؟ أنصت،‮ ‬يا آدم،‮ ‬استمع إلي‮: ‬إذا أصغيت إلي‮ ‬نصيحتي‮ ‬التي‮ ‬يحق لك أن تثق فيها،‮ ‬استطعت أن تصبح بلا مولي،‮ ‬وأن تصير ندا للخالق‮. ‬بل سأقول لك الحقيقة في‮ ‬أخصر عبارة‮: ‬إنك إن أكلت التفاحة‮ (‬يمد‮ ‬يده نحو الجنة‮) ‬أصبحت لك السيادة،‮ ‬واستطعت أن تقتسم السلطان مع الرب‮.‬
آدم‮: ‬اخرج من هنا‮.‬
إبليس‮: ‬ماذا‮ ‬يقول آدم؟
آدم‮: ‬اخرج من هنا‮. ‬إنك الشيطان،‮ ‬ولست تقدم إلا النصائح الكاذبة‮.‬
إبليس‮: ‬أنا كيف ذلك؟
آدم‮: ‬إنك تريد أن تسلمني‮ ‬إلي‮ ‬الفناء،‮ ‬وأن تسيء ما بيني‮ ‬وبين مولاي،‮ ‬وأن تحرمني‮ ‬من السرور،‮ ‬وأن تلقي‮ ‬بي‮ ‬في‮ ‬بحر من الشقاد‮. ‬اخرج من هنا ولا‮ ‬يكن لك من الصفاقة ما‮ ‬يدفعك إلي‮ ‬العودة أمامي‮ ‬مرة أخري،‮ ‬إنك خائن عديم الإيمان‮. (‬يبتعد إبليس عن آدم حزينا مطأطئ الرأس،‮ ‬ويذهب حتي‮ ‬أبواب الجحيم حيث‮ ‬يتناقش مع الشياطين الأخري،‮ ‬ثم‮ ‬يجول بين الناس،‮ ‬وأخيرا‮ ‬يقترب من الفردوس من ناحية حواء التي‮ ‬يخاطبها في‮ ‬مرح وحنان‮).‬
المنظر الثالث(5)
إبليس‮: ‬لقد حضرت هنا من أجل أن أكلمك،‮ ‬يا حواء‮.‬
حواء‮: ‬قل لي،‮ ‬أيها الشيطان،‮ ‬ماذا تريد؟
إبليس‮: ‬إني‮ ‬أسعي‮ ‬إلي‮ ‬مصلحتك،‮ ‬وإلي‮ ‬سعادتك‮.‬
حواء‮: ‬ليمنحنا الرب إياهما‮.‬
إبليس‮: ‬لا تخافي،‮ ‬فإني‮ ‬أعرف أسرار الفردوس منذ زمن طويل‮. ‬وأريد أن أقص عليك طرفا منها‮.‬
حواء‮: ‬أبدأ،‮ ‬إذن،‮ ‬فإني‮ ‬مصغية إليك‮.‬
إبليس‮: ‬أستصغين إلي؟
حواء‮: ‬نعم،‮ ‬ولن أغضب في‮ ‬شيء‮.‬
إبليس‮: ‬هل ستكتمين السر؟
حواء‮: ‬نعم،‮ ‬أقسم لك‮.‬
إبليس‮: ‬وإذا أذيع؟
حواء‮: ‬لن‮ ‬يكون ذلك علي‮ ‬يدي‮.‬
إبليس‮: ‬سأثق فيك،‮ ‬ولن أطب منك أي‮ ‬ضمان‮.‬
حواء‮: ‬في‮ ‬وسعك أن تثق في‮ ‬كلمتي‮.‬
إبليس‮: ‬إنك سريعة الفهم،‮ ‬فقد رأيت آدم،‮ ‬ولكنه أظهر حمقا شديدا‮.‬
حواء‮: ‬إنه شديد المراس بعض الشيء‮.‬
إبليس‮: ‬سيلين‮. ‬إنه أشد مراسا من الجحيم‮.‬
حواء‮: ‬إنه جد صريح‮.‬
إبليس‮: ‬كلا،‮ ‬بل شديد الخضوع‮. ‬فإذا كان لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يبالي‮ ‬بنفسه فليبال بك علي‮ ‬الأقل‮. ‬إنك مخلوقة ضعيفة مفعمة بالحنان والمودة،‮ ‬ووجهك أنضر من وجه الوردة،‮ ‬إنك أنصع بياضا من البلور والثلج الذي‮ ‬يتساقط فوق جليد الوادي،‮ ‬وقد جمع الخالق بينكما وأنتما جد متنافرين‮: ‬فأنت شديدة الحنان،‮ ‬وهو شديد القسوة،‮ ‬ومع ذلك فأنت أحكم منه،‮ ‬لأنك تخضعين قلبك لعقلك،‮ ‬لذلك‮ ‬يسر المرء أن‮ ‬يوجه إليك حديثه‮. ‬إني‮ ‬أريد أن أتكلم معك‮.‬
حواء‮: ‬تستطيع أن تثق بي‮.‬
إبليس‮: ‬أريد ألا‮ ‬يعرف أحد ذلك‮.‬
حواء‮: ‬ومن الذي‮ ‬يهمه أن‮ ‬يعرفه؟
إبليس‮: ‬حتي‮ ‬ولا آدم‮.‬
حواء‮: ‬كلا،‮ ‬أقسم لك‮.‬
إبليس‮: ‬إذن سأوضح لك الأمر،‮ ‬فأنصتي‮ ‬إلي‮. ‬ليس الآن في‮ ‬هذا المكان سوانا نحن الاثنين،‮ ‬أما آدم فهناك،‮ ‬ولن‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يسمعنا‮.‬
حواء‮: ‬ارفع صوتك،‮ ‬فلن‮ ‬يسمعنا،‮ ‬مهما تكلمت عاليا‮.‬
إبليس‮: ‬إني‮ ‬أحذرك من شرك نصب لك في‮ ‬هذه الجنة،‮ ‬ذلك أن الفاكهة التي‮ ‬أباحها لكما الرب ليست جيدة،‮ ‬أما تلك التي‮ ‬حرمها عليكما بكل صرامة،‮ ‬فإنها ذات مزية جلي‮: ‬ففيها نعيم الحياة،‮ ‬وفيها القوة والسيادة،‮ ‬وفيها المعرفة الشاملة،‮ ‬وفيها الخير والشر‮.‬
حواء‮: ‬ما نكهتها؟
إبليس‮: ‬من السماء،‮ ‬ولا شك أن المصير الذي‮ ‬يليق بجمال جسمك ووجهك،‮ ‬ليس أقل من أن تكوني‮ ‬ملكة العالم،‮ ‬ملكة الجنة والنار،‮ ‬وأن تعرفي‮ ‬كل ما هو موجود،‮ ‬وأن تكوني‮ ‬سيدة الجميع‮.‬
حواء‮: ‬أهذه الفاكهة علي‮ ‬نحو ما تقول؟
إبليس‮: ‬نعم،‮ ‬حقيقة‮.‬
حواء‮: (‬بعد أن تتأمل الفاكهة المحرمة وقتا طويلاً‮): ‬إن مجرد رؤيتها‮ ‬يفعمني‮ ‬بالراحة‮.‬
إبليس‮: ‬فكيف‮ ‬يكون الحال لو أكلت منها؟
حواء‮: ‬ما‮ ‬يدريني؟
إبليس‮: ‬ألا تصدقينني؟ خذيها أولا،‮ ‬وناوليها آدم،‮ ‬وفي‮ ‬الحال سينزل عليكما تاج من السماء،‮ ‬وتصبحان ندين للخالق‮. ‬ولن‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يخفي‮ ‬عليكما مقاصده،‮ ‬لن تكادا تذوقان الفاكهة حتي‮ ‬يتغير قلبكما‮. ‬ستصبحان‮ - ‬بلا أدني‮ ‬شك‮ - ‬منساويين للرب في‮ ‬الطيبة،‮ ‬وفي‮ ‬القدرة‮. ‬فذوقي‮ ‬هذه الفاكهة‮.‬
حواء‮: ‬ما أشد شوقي‮ ‬لأكلها؟
إبليس‮: ‬لا تصدقي‮ ‬آدم‮.‬
حواء‮: ‬سأذوقها فيما بعد‮.‬
إبليس‮: ‬متي؟
حواء‮: ‬انتظر حتي‮ ‬ينام آدم‮.‬
إبليس‮: ‬كليهما،‮ ‬لا تخافي،‮ ‬فإن الانتظار ضرب من الصبيانية‮.‬
‮(‬يبتعد الشيطان عن حواء،‮ ‬ويعود إلي‮ ‬الجحيم،‮ ‬آدم‮ ‬يقترب منها،‮ ‬وقد بدا عليه الامتعاض من تبادلها الحديث مع إبليس‮)‬
المنظر الرابع
آدم‮: ‬أخبريني،‮ ‬أيتها المرأة،‮ ‬ماذا طلب منك هذا الشيطان اللعين؟ ماذا أراد منك؟
حواء‮: ‬كان‮ ‬يككلمني‮ ‬عن شرفنا‮.‬
آدم‮: ‬لا تصدقي‮ ‬هذا الخائن‮... ‬نعم،‮ ‬إنه خائن‮.‬
حواء‮: ‬أعرف ذلك جيداً‮.‬
آدم‮: ‬أنت؟ كيف عرفته؟
حواء‮: ‬قلت لك‮: ‬إني‮ ‬أعرف ذلك،‮ ‬فماذا تهم معرفة الطريق الذي‮ ‬وصلت به؟
آدم‮: ‬سيحملك علي‮ ‬تغيير رأيك‮.‬
حواء‮: ‬كلا،‮ ‬لأني‮ ‬لن أصدق شيئاً‮ ‬يقوله قبل أن اختبره‮.‬
آدم‮: ‬لا تدعيه‮ ‬يقترب منك منذ الآن،‮ ‬لأنه سيء النية إلي‮ ‬أقصي‮ ‬حد،‮ ‬فقد سبق له أن أراد خيانة مولاه والسمو عليه‮. ‬مثل هذا الشقي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يتورع عن ذلك السلوك،‮ ‬لا أريد أن‮ ‬يحظي‮ ‬منك بحسن استقبال‮.‬
‮(‬حية جيدة المحاكاة تصعد علي‮ ‬جذع الشجرة المحرمة،‮ ‬حواء تقرب منها أذنها كما لو كانت تريد أن تنصت لنصيحتها‮. ‬ثم تقتطف التفاحة،‮ ‬وتقدمها لآدم ولكنه‮ ‬يرفضها‮) ‬(6)
حواء‮: ‬كل،‮ ‬يا آدم،‮ ‬إنك تجهل كنهها،‮ ‬فلتأخذ هذا الخبر الذي‮ ‬صادفنا‮.‬
آدم‮: ‬أهي‮ ‬طيبة؟
حواء‮: ‬ستعرف ذلك‮... ‬لن تستطيع معرفته دون أن تذوقها‮.‬
آدم‮: ‬إني‮ ‬أخافها‮.‬
حواء‮: ‬دع عنك هذا‮!‬
آدم‮: ‬لن آكل منها‮.‬
حواء‮: ‬إن ترددك‮ ‬يدل علي‮ ‬حماقتك‮.‬
آدم‮: ‬إذن،‮ ‬سآخذها‮.‬
حواء‮: ‬كل منها،‮ ‬فتعرف الخير والشر،‮ ‬وسأبدأ أنا بالأكل منها‮.‬
آدم‮: ‬وأنا بعدك‮.‬
حواء‮: ‬إنها لا خطر منها‮ (‬تأكل جزءا من التفاحة‮... ‬لآدم‮) ‬لقد ذقتها‮: ‬الله‮! ‬ما أطيبها؟ لا أعتقد أني‮ ‬ذقت شيئاً‮ ‬أطيب منها‮. ‬يالطيب مذاق هذه التفاحة‮!‬
آدم‮: ‬ما مذاقها؟
حواء‮: ‬لم‮ ‬يتأت لإنسان أن ذاق مثلها‮. ‬الآن انكشف الغطاء عن عيني‮ ‬حتي‮ ‬أصبحت أشبه الرب القدير‮. ‬صرت أعرف كل ما كان،‮ ‬وكل ما لابد أن‮ ‬يكون،‮ ‬وأنا الآن أسيطر علي‮ ‬كل شيء‮. ‬فكل،‮ ‬يا آدم،‮ ‬لا تتردد،‮ ‬خذ هذه التفاحة،‮ ‬إن ذلك من أجل سعادتك‮.‬
آدم‮: (‬يأخذ التفاحة من‮ ‬يد حواء‮): ‬سأصدق ما تقولين،‮ ‬فما أنت إلا نصف مني‮.‬
حواء‮: ‬كل،‮ ‬فليس هناك ما تخشاه‮.‬
‮(‬آدم‮ ‬يأكل جزءا من التفاحة،‮ ‬وفي‮ ‬الحال‮ ‬يعرف خطيئته،‮ ‬فيطأطئ بصورة تجعل الجمهور لا‮ ‬يراه،‮ ‬وينزع عنه ملابس العيد،‮ ‬ويرتدي‮ ‬ملابس زرية مصنوعة من ورق شجرة التين(7)،‮ ‬ثم‮ ‬يبدأ في‮ ‬الانتحاب وقد بدا علي‮ ‬وجهه أشد أنواع الألم)؟
آدم‮: ‬وا مصيبتاه‮! ‬ماذا ارتكبت،‮ ‬أنا،‮ ‬أيها الآثم؟ لقد مت الآن،‮ ‬وانتهي‮ ‬الأمر،‮ ‬لقد مت دون رجعة،‮ ‬مادمت قد هويت من علياء وضعي‮! ‬لقد تغير مصيري،‮ ‬ويا لسوء ما تغير‮! ‬كان من قبل مصيراً‮ ‬سعيداً،‮ ‬وها هو ذا الآن‮ ‬غاية في‮ ‬القسوة‮. ‬هجرت خالقي‮ ‬اتباعا لنصيحة امرأة سيئة‮. ‬وا مصيبتاه‮! ‬ماذا ارتكبت،‮ ‬أنا،‮ ‬أيها الآثم؟ كيف لي‮ ‬أن أعول علي‮ ‬خالقي‮ ‬الذي‮ ‬هجرته بحماقتي؟ لم‮ ‬يسبق لي‮ ‬قبل أن أعقتد صفقة في‮ ‬مثل هذا الخسران‮. ‬الآن عرفت معني‮ ‬الخطيئة‮. ‬آه‮! ‬أيها الموت،‮ ‬لماذا تتركني‮ ‬علي‮ ‬قيد الحياة؟‮! ‬لماذا لم‮ ‬يتخلص مني‮ ‬العالم؟ لابد لي‮ ‬أن أهوي‮ ‬إلي‮ ‬قاع الجحيم‮. ‬في‮ ‬الجحيم سيكون مقري‮ ‬حتي‮ ‬يأتي‮ ‬من‮ ‬يخلصني،‮ ‬في‮ ‬الجحيم ستكون حياتي‮. ‬وأني‮ ‬لي‮ - ‬هناك‮ - ‬بمن‮ ‬يأتي‮ ‬لنجدتي؟ أني‮ ‬لي‮ - ‬هناك‮ - ‬بمن‮ ‬يخف لإنقاذي؟‮! ‬من ذا الذي‮ ‬سيخلصني‮ ‬من مثل هذا العذاب؟ لماذا أراني‮ ‬سلكت هذا السلوك المشين تجاه مولاي؟ لقد ضعت دون رجعة،‮ ‬لقد بلغ‮ ‬سلوكي‮ ‬تجاه ربي‮ ‬درجة من السوء تجعلني‮ ‬عاجزاً‮ ‬عن الدفاع عن نفسي‮ ‬أمامه،‮ ‬لأني‮ ‬علي‮ ‬خطأ وهو علي‮ ‬حق‮. ‬أيها الرب،‮ ‬ما أبشع قضيتي(8)‮! ‬من ذا الذي‮ ‬سيتذكرني‮ ‬بعد اليوم؟ إنني‮ ‬مذنب لا عذر له،‮ ‬لأني‮ ‬أذنبت في‮ ‬حق ملك المجد،‮ ‬في‮ ‬حق ملك السماء‮. ‬ليس لي‮ ‬صديق ولا جار‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يخلصني‮ ‬مما أنا فيه‮. ‬من ذا الذي‮ ‬أسأله العون،‮ ‬إذا كانت زوجتي‮ ‬قد خدعتني،‮ ‬زوجتي‮ ‬التي‮ ‬منحني‮ ‬الرب إياها لتكون نصفي؟ لقد وجهت إلي‮ ‬مشورة سيئة‮: ‬آه،‮ ‬يا حواء‮! (‬ينظر إلي‮ ‬حواء زوجته،‮ ‬قائلا‮):  ‬آه أيتها المرأة الحمقاء،‮ ‬إنك لم تولدي‮ ‬مني‮ ‬إلا من أجل شقائي،‮ ‬ياليته كان قد حرق ذلك الضلع الذي‮ ‬قادني‮ ‬إلي‮ ‬هذا الوضع السيء‮! ‬ألاليت النار كانت قد أبادت ذلك الضلع الذي‮ ‬ألقي‮ ‬بي‮ ‬في‮ ‬هذا الاضطراب الشامل‮! ‬لماذا لم‮ ‬يحرق الرب هذا الضلع حين أخذه مني؟ لماذا لم‮ ‬يقتلني؟ إن الضلع قد خان الجسم كله،‮ ‬وأصابه بالجنون،‮ ‬ووضعه في‮ ‬أسوأ حال‮. ‬لم أعد أدري‮ ‬ما أقول أو أفعل‮. ‬فإذا لم تتداركني‮ ‬نجدة من السماء،‮ ‬فلن أتخلص من هذا العذاب‮. ‬هذا هو الداء الذي‮ ‬يعذبني‮. ‬آه،‮ ‬يا حواء،‮ ‬لقد كان من سوء حظي‮ ‬أن جاء اليوم الذي‮ ‬أصبحت فيه زوجتي‮: ‬ياله من عذاب أليم انقض علي‮ ‬في‮ ‬تلك اللحظة‮! ‬الآن أصبحت ضائعا بفضل مشورتك،‮ ‬وبفضل مشورتك ترديت في‮ ‬الشر،‮ ‬وهويت من أعلي‮ ‬مكان،‮ ‬ولن‮ ‬يستطيع إنسان حي‮ ‬أن‮ ‬يخلصني‮ ‬مما أنا فيه ما لم‮ ‬يتدخل إله الجلال‮. ‬ماذا أقول؟ وا أسفاه‮!! ‬لماذا ذكرت اسمه؟ أتراه سيساعدني؟ لقد أثرت‮ ‬غضبه‮. ‬لن‮ ‬يستطيع أحمد أن‮ ‬يقدم لي‮ ‬يد العون إلا الابن الذي‮ ‬سيخرج من أحشاء مريم‮. ‬لا أدري‮ ‬ماذا سيحل بنا بعد أن فقدنا إيماننا بالله،‮ ‬والآن ليكن ما‮ ‬يريد الله أن‮ ‬يكون،‮ ‬فليس لي‮ ‬إلا أن أموت‮.‬
المنظر الخامس
‮(‬الجوقة تغني‮ ‬الآية‮ ‬Lumdiam bularet‮ ‬وبعد النشيد‮ ‬يقبل الرب حاملا بطرشيلا(9)‮ ‬etole‮. ‬ويدخل الفردوس وهو‮ ‬يتلفت فيما حوله باحثا عن آدم‮. ‬ولكن آدم وحواء‮ ‬يختبئان في‮ ‬ركن من الفردوس مظهرين أنهما‮ ‬يعرفنا سوء حالهما‮)‬
الرمز‮: ‬آدم،‮ ‬أين أنت،‮ ‬يا آدم؟
‮(‬ينهضان كلاهما واقفين أمام الرب،‮ ‬ولكنهما لا‮ ‬يقفان مستقيمين،‮ ‬بل منحنيين أمام عار الخطيئة،‮ ‬وقد بدا عليهما الحزن الشديد‮)‬
آدم‮: ‬إني‮ ‬هنا أيها المولي‮ ‬الجميل‮. ‬لقد اختبأت بسبب‮ ‬غضبك،‮ ‬وجثمت هنا لأني‮ ‬عار كل العري‮.‬
الرمز‮: ‬ماذا فعلت؟ كيف تأتي‮ ‬لك أن تحيد عن الطريق المستقيم؟ من الذي‮ ‬انتزعك من حالتك السعيدة؟ ماذا فعلت؟ لماذا‮ ‬يعتريك العار؟
آدم‮: ‬كيف‮ ‬يجوز لي‮ ‬أن أدخل معك في‮ ‬سؤال وجواب؟
الرمز‮: ‬لم تكن،‮ ‬خلال اليوم السابق،‮ ‬تنطوي‮ ‬علي‮ ‬شيء‮ ‬يشعرك بالعار،‮ ‬والآن أراك حزينا كئيبا،‮ ‬ومن تكون هذه حالة لابد أن‮ ‬يكون قلق الضمير‮.‬
آدم‮: ‬لقد بلغ‮ ‬شعوري‮ ‬بالعار أمامك،‮ ‬يا مولاي،‮ ‬حدا جعلني‮ ‬أختبئ‮.‬
الرمز‮: ‬ولماذا؟
آدم‮: ‬هناك عار كبير‮ ‬يلطخني،‮ ‬فلا‮ ‬يجعلني‮ ‬أجرؤ‮  ‬علي‮ ‬النظر في‮ ‬وجهك‮.‬
الرمز‮: ‬لماذا لم تطع أمري؟ أعاد عليك ذلك بالربح؟ أنت عبدي‮ ‬وأنا مولاك‮.‬
آدم‮: ‬لا أستطيع أن أقول لك عكس ذلك‮.‬
الرمز‮: ‬لقد برأتك علي‮ ‬مثالي‮: ‬فلماذا خالفت وصيتي؟ لقد صورتك علي‮ ‬صورتي‮ ‬بكل دقة،‮ ‬وكان جزائي‮ ‬منك أن سببت لي‮ ‬كل هذه الإهانة،‮ ‬إنك لم تراع نهي،‮ ‬وخالفته عامدا‮. ‬لقد أكلت الفاكهة التي‮ ‬نهيتك عنها بكل صراحة،‮ ‬واعتقدت أنك بذلك أصبحت نداً‮ ‬لي‮! ‬فهل تريد‮ - ‬يا تري‮ - ‬أن تكون جفاحا مضحكا؟
آدم‮: (‬يمد‮ ‬يده نحو الرب،‮ ‬ثم نحو حواء‮) ‬إني‮ ‬المرأة التي‮ ‬منحتني‮ ‬إياها هي‮ ‬أول من ارتكب هذه المعصية‮. ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬ناولتني‮ ‬الفاكهة،‮ ‬فأكلتها‮. ‬والآن أري‮ ‬أني‮ ‬فعلت ذلك لشقائي‮. ‬لقد أخطأت حين أكلت منها‮: ‬أسأت التصرف بسبب زوجتي(10)‮.‬
الرمز‮: ‬لقد صدقت زوجتك أكثر مما صدقتني،‮ ‬وأكلت الفاكهة دون إذني‮. ‬والآن ها هو ذا الثمن‮: ‬ملعونة الأرض التي‮ ‬تبغي‮ ‬أن تبذر فيها قمحك،‮ ‬إنها لن تحمل ثمارا من أجلك‮. ‬إنها ستكون ملعونة تحت‮ ‬يدك،‮ ‬ومن العبث أن تحاول استثمارها‮. ‬من أجلك ستصبح عقيما،‮ ‬ولن تنتج‮ ‬غير الشوك والحسك،‮ ‬وستصبح بذورك ملعونة تحت الحكم الذي‮ ‬قضي‮ ‬به عليك،‮ ‬ولذا سيعتريها الفساد بالكدر والنصب ستأكل خبزك،‮ ‬وبعرق جبينك طوال الليل والنهار ستعيش(11)‮. (‬يلتفت إلي‮ ‬حواء وعليه سيما التهديد‮) ‬وأنت،‮ ‬يا حواء،‮ ‬أيتها المرأة السيئة،‮ ‬لقد أعلنت علي‮ ‬الحرب،‮ ‬ولم تراع وصاياي‮.‬
حواء‮: ‬الحية الملعونة هي‮ ‬التي‮ ‬خدعتني(12)‮.‬
الرمز‮: ‬بسببها اعقتدت أنك ستصبحين ندا لي؟ والآن أتستطيعين أن تخمني؟ فيما مضي‮ ‬كانت لكما السيادة علي‮ ‬كل ما تدب فيه الحياة،‮ ‬فكيف فقدتها بهذه السرعة؟ ها أنت ذي‮ ‬حزينة خجلة‮. ‬أترين أنك رابحة أم خاسرة سأجازيك بما أنت أهل له،‮ ‬وسأدفع لك الثمن الذي‮ ‬يستحقه عملك‮.‬
ستنقض عليك المصائب من كل جانب‮. ‬ستحملين أولادك كرها(13)،‮ ‬وستلدينهم كرها،‮ ‬وسيقضون كل حياتهم‮ ‬غارقين في‮ ‬بحر من القلق،‮ ‬هذه هي‮ ‬الآلام،‮ ‬هذا هو الخراب الذي‮ ‬ألقيت بنفسك فيه،‮ ‬أنت وذريتك‮. ‬وكل من سينحدرون منك سيبكون علي‮ ‬خطيئتك‮.‬
حواء‮: ‬لقد أتيت عملا سيئاً‮! ‬وكان ذلك في‮ ‬لحظة جنون،‮ ‬فمن أجل تفاحة سأعاني‮ ‬كل هذا الضرر الذي‮ ‬سيغمرني‮ ‬بالألم،‮ ‬أنا وذريتي‮: ‬فائدة صغيرة تكبدني‮ ‬عقاباً‮ ‬كبيراً‮. ‬وإذا كنت قد أذنبت،‮ ‬فلم‮ ‬يكن ذلك من‮ ‬غرائب الأمور،‮ ‬لأن الحية الملعونة هي‮ ‬التي‮ ‬خدعتني‮. ‬فهي‮ ‬خبيرة في‮ ‬ميدان الشر ولا تمت إلي‮ ‬النعجة بشبه‮. ‬ومن الخطل أن‮ ‬يتخذ المرء منها نصيحة لقد أخذت التفاحة،‮ ‬والآن أعلم أني‮ ‬ارتكبت حماقة،‮ ‬لأنك كنت قد حرمتها،‮ ‬ومن ثم اعترف بأني‮ ‬قد اقترفت خيانة‮! ‬لقد أخطأت حينما ذقتها،‮ ‬وها أنذي‮ ‬موضع لبغضك،‮ ‬فمن أجل ثمرة ضئيلة لا أري‮ ‬لي‮ ‬محيصا من فقدان الحياة‮.‬
الرمز‮: (‬مهددا الحية‮) ‬وأنت أيتها الحية،‮ ‬كوني‮ ‬ملعونة‮! ‬سأسترجع منك حقوقي،‮ ‬ستزحفيفن علي‮ ‬بطنك مادمت علي‮ ‬قيد الحياة‮. ‬ولن تأكلي‮ ‬غير التراب،‮ ‬سواء أكنت في‮ ‬الغابة أم في‮ ‬السهل أم في‮ ‬البرية‮. ‬وستقوم البغضاء بينك وبين المرأة حيث ستظل عدوة لك إلي‮ ‬الأبد‮. ‬ستسعين إلي‮ ‬لدغ‮ ‬عقبها،‮ ‬وستقوم هي‮ ‬بنزع حمتك‮. ‬وتسحق رأسك بمطرقة ثقيلة تسبب لك أقصي‮ ‬أنواع العذاب(14)‮. ‬وستحرص أيضا علي‮ ‬الانتقام منك،‮ ‬لقد أخطأت حين دبرت حياتها،‮ ‬فإنها سترغمك علي‮ ‬إحناء رأسك،‮ ‬وسيأتي‮ ‬يوم‮ ‬يخرج فيه من بين أحشائها سليل‮ ‬يكشف عن ضروب نفاقك كلها‮. (‬ثم‮ ‬يطردهم الرب من الجنة قائلا‮) ‬والآن،‮ ‬اخرجوا من الجنة،‮ ‬فقد استبدلتم بها دار إقامة سيئة‮. ‬علي‮ ‬الأرض ستشيدون بيوتكم(15)،‮ ‬ولم‮ ‬يصبح لكم أي‮ ‬حق في‮ ‬الجنة،‮ ‬وليس لكم أن تطالبوا بشيء فيها‮.‬،‮ ‬ستخرجون منها دون عون،‮ ‬ليس لكم فيها أي‮ ‬حق،‮ ‬فاتخذوا لكم في‮ ‬غيرها مقرا‮. ‬وبخروجكم منها ستتخلي‮ ‬عنكم السعادة‮. ‬ومنذ الآن ستعرفون الجوع والتعب،‮ ‬ستعرفون العذاب والألم خلال أيام الأسبوع جميعاً‮. ‬وستكون إقامتكم فوق الأرض إقامة سيئة،‮ ‬ثم تموتون في‮ ‬نهاية الأمر،‮ ‬ولا تكادون تذوقون الموت حتي‮ ‬تذهبوا إلي‮ ‬الجحيم من فوركم‮. ‬ستكون الأرض مأوي‮ ‬أجسامكم،‮ ‬أما أرواحكم،‮ ‬فإلي‮ ‬الجحيم مأواها حيث‮ ‬يقف الهلاك لها بالمرصاد‮. ‬وستصبحون تحت سلطان الشيطان،‮ ‬ولن‮ ‬يكون في‮ ‬مقدور أحد أن‮ ‬يحفظكم منه،‮ ‬لن‮ ‬يستطيع أحد أن‮ ‬يكون لكم عوناً‮ ‬إذا أنا لم تأخذني‮ ‬بكم شفقة(16)‮ (‬الجوقة تغني‮ ‬الآية‮ ‬Jmsudore vultus tui‮) ‬وحينئذ‮ ‬يأتي‮ ‬الملاك مرتديا لباسا أبيض وممسكا بيده سيفا متوهجاً‮. (‬الرب‮ ‬يوقفه علي‮ ‬باب الفردوس ويقول له‮):‬
‭ ‬الرمز‮: ‬احرس لي‮ ‬الفردوس جيداً‮. ‬واحذر أن تدخلها هذه الذرية الطالحة‮. ‬واحرص علي‮ ‬ألا‮ ‬يحصل علي‮ ‬القدرة أو الإذن بمس فاكهة الحياة بل سد عليه الطريق بهذا لاسيف المتوهج‮.‬
‮(‬وحين‮ ‬يخرج آدم وحواء من الجنة‮ ‬يظلان متعبين مطأطئ رأسيهما حتي‮ ‬يمسا الأرض،‮ ‬ويبدو عليهما الحزن والخجل‮. ‬الرب‮ ‬يشير إليهما بيده وقد أدار عنهما وجهه نحو الفردوس،‮ ‬في‮ ‬حين تترنم الجوقة بالآية‮ ‬quasi Unus‮ ‬وبعد النشيد‮ ‬يرجع الرب نحو الكنيسة‮)‬
المنظر السادس
‮(‬يري‮ ‬آدم وبيده الفأس،‮ ‬وحواء ومعها المجرفة وقد بدأ‮ ‬يلفحان الأرض،‮ ‬ويبذران فيها القمح،‮ ‬ثم‮ ‬يذهبان لانتحاء مكان‮ ‬يجلسان فيه قليلا من فرط التعب في‮ ‬العمل،‮ ‬ويريان من حين لحين‮ ‬يرفعان بصريهما نحو الجنة وهما‮ ‬يبكيان،‮ ‬ويضربان بأيديهما علي‮ ‬صدريهما‮. ‬وفي‮ ‬هذه الأثناء‮ ‬يقبل الشيطان ويغرس الشوك والحسك في‮ ‬أرضهما،‮ ‬ثم‮ ‬يذهب آدم وحواء‮ ‬يرجعان،‮ ‬ولا‮ ‬يكادان‮ ‬يريان الشوك والحسك حتي‮ ‬يتملكهما الهم الشديد،‮ ‬ويأخذان في‮ ‬قرع صدريهما وفخذيهما بحركات وإشارات تدل علي‮ ‬الألم،‮ ‬ويبدأ آدم في‮ ‬الانتحاب‮).‬
آدم‮ : ‬وا آسفا‮! ‬ما أضعفني‮ ‬أمام شقوتي‮ ‬التي‮ ‬رأيتها منذ اليوم الذي‮ ‬انقضت فيه خطيئاتي‮ ‬علي،‮ ‬لأني‮ ‬هجرت مولاي‮ ‬المعبود‮. ‬من ذا الذي‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يخف لنجدتي؟‮ (‬ينظر إلي‮ ‬الفردوس ويداه ممدودتان‮ - ‬نحوها،‮ ‬وقد طأطأ رأسه في‮ ‬خضوع ويتابع نحيبه‮) ‬أيها الفردوس،‮ ‬أيها المقام الجميل،‮ ‬يا حديقة المجد،‮ ‬ما أجمل النظر إليك‮! ‬الحقيقة أني‮ ‬طردت منها بسبب خطيئتي،‮ ‬وقد فقدت كل أمل في‮ ‬العودة إليها‮. ‬كنت فيها،‮ ‬ولم أكد استمتع بها،‮ ‬صدقت المشورة التي‮ ‬لم تلبث أن أدت إلي‮ ‬طردي،‮ ‬والآن أراني‮ ‬نادماً،‮ ‬ويحق لي‮ ‬أن أحزن عليها،‮ ‬ولكن فات الآوان،‮ ‬ولم‮ ‬يصبح في‮ ‬مقدور لهفاتي‮ ‬أن تفعل شيئاً‮. ‬أين كانت بصيرتي؟ أين كان عقلي‮ ‬حين هجرت ملك المجد من أجل إبليس؟ ها أنذا الآن أتألم،‮ ‬ولكن دون جدوي‮. ‬إن خطيئتي‮ ‬ستسجل في‮ ‬التاريخ،‮ (‬يمد‮ ‬يده نحو حواء التي‮ ‬تقف وحدها أعلي‮ ‬منه قليلا،‮ ‬ويهز رأسه في‮ ‬حق شديد‮). ‬آه‮! ‬أيتها المرأة السيئة المفعمة بالخيانة‮! ‬لق سارعت بدفعي‮ ‬إلي‮ ‬حتفي‮ ‬حين عملت علي‮ ‬فقدان بصيرتي‮ ‬وعقلي‮. ‬إني‮ ‬نادم علي‮ ‬ما كان،‮ ‬وليس لي‮ ‬أن أطمع في‮ ‬أي‮ ‬غفران‮. ‬يا حواء التعسة‮! ‬ما كان أسرعك إلي‮ ‬الشر حين عجلت بتصديق نصيحة التنين‮! ‬بخطيئتك أصبحت في‮ ‬عداد الأموات‮.. ‬نعم،‮ ‬لقد فقدت الحياة،‮ ‬أما خطيئتك فستسطر في‮ ‬الكتاب‮. ‬أترين الأشراط الدالة علي‮ ‬الانقلاب الهائل؟ لقد حلت بالأرض لعنتنا‮. ‬بذرنا قمحاً‮ ‬فأنتج لنا حسكا‮. ‬انظري‮ ‬إلي‮ ‬بداية عقابنا‮: ‬إنه ألم هائل بالنسبة لنا،‮ ‬ولكن الألم الذي‮ ‬ينتظرنا أشد منه هولا‮. ‬فسنساق إلي‮ ‬الجحيم،‮ ‬واعلمي‮ ‬أننا هناك لن نعدم الألم،‮ ‬ولا العذاب‮. ‬فماذا ترين،‮ ‬يا حواء المسكينة؟ هذا هو ريحك،‮ ‬هذا هو المهر الذي‮ ‬قدم لك‮! ‬لن تستطيعي‮ ‬أبداً‮ ‬أن تجلبي‮ ‬للرجل خيراً،‮ ‬بل ستكونين دائما للعقل عدواً‮. ‬وكل أولئك الذين سيخرجون من أصلابنا سيعانون جزاء جرمك‮. ‬لقد أخطأت،‮ ‬وسيحكم عليك هؤلاء جميعا،‮ ‬أما الذي‮ ‬سيرد إليك اعتبارك،‮ ‬فلن‮ ‬يأتي‮ ‬إلا بعد زمن طويل‮.‬
حواء‮: ‬يا آدم،‮ ‬أيها السيد الجميل،‮ ‬لقد أطلت في‮ ‬لومي،‮ ‬ذكرتني‮ ‬رذيلتي‮ ‬وعنفتني‮ ‬عليها،‮ ‬فإني‮ ‬إذا كنت قد أذنبت،‮ ‬فإني‮ ‬أعاني‮ ‬عقاب ذنبي،‮ ‬إني‮ ‬مدينة،‮ ‬والله هو الذي‮ ‬سيحاسبني،‮ ‬لقد أجرمت أفدح الجرم في‮ ‬حق الله،‮ ‬وفي‮ ‬حقك‮. ‬وذكري‮ ‬جرمي‮ ‬ستظل حية زمنا طويلا‮. ‬إن خطئ لشديد،‮ ‬وإني‮ ‬لأكره خطيئتي‮. ‬إني‮ ‬شقية،‮ ‬محرومة من كل خير‮. ‬وليس لي‮ ‬أن اطلب من الله حاميتي،‮ ‬وأنا الآثمة الكبيرة‮. ‬فاغفر لي،‮ ‬لأني‮ ‬لا أستطيع التكفير‮. ‬ولو كان في‮ ‬مقدوري‮ ‬أن أكفر لقدمت قربانا‮. ‬آه،‮ ‬أيتها الآثمة‮! ‬آه،‮ ‬أيتها التعسة‮! ‬آه أيتها الضعيفة‮! ‬إن خطيئتي‮ ‬تملؤني‮ ‬بالخوف من الله،‮ ‬فخذني،‮ ‬إذن،‮ ‬أيها الموت،‮ ‬ولا تتركني‮ ‬للحياة،‮ ‬ها أنذي‮ ‬في‮ ‬خطر،‮ ‬ولن أستطيع الوصول إلي‮ ‬بر النجاة‮. ‬إن الحية الخائنة،‮ ‬إن التنين الملعون قد أغراني‮ ‬بأكل تفاحة التعاسة‮. ‬فقدمتها لك،‮ ‬وأنا أعتقد أني‮ ‬أفعل الخير،‮ ‬فسقتك إلي‮ ‬خطيئة لا أعرف كيف أخلصك منها‮! ‬لماذا لم أطع أمر الخالق؟ لماذا،‮ ‬يا مولاي،‮ ‬لم أحافظ علي‮ ‬تعاليمك؟ لقد أخطأت‮ ‬يا آدم،‮ ‬ولكني‮ ‬أنا أصل دائناً‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يبدو شقاؤه قريبا‮. ‬إن جريمتي،‮ ‬إن مغامرتي‮ ‬المشئومة ستكلف أولادنا ثمنا‮ ‬غاليا‮. ‬كانت الفاكهة حلوة المذاق،‮ ‬ولكن العقاب شديد‮! ‬ولقد أكلناها من أجل شقائنا،‮ ‬وسيدوم عقابنا،‮ ‬ومع ذلك،‮ ‬فإن لي‮ ‬أملا في‮ ‬الله،‮ ‬وسينتهي‮ ‬بأن‮ ‬يغفر لي‮ ‬هذه الغلطة‮. ‬سيرد الإله إلي‮ ‬فضله وقربه من جديد،‮ ‬وسينقذنا من الجحيم بقدرته‮.‬
‮(‬يدخل الإله ومعه ثلاثة شياطين أو أربعة تحمل في‮ ‬أيديها سلاسل وقيودا فتضعها حول عنقي‮ ‬آدم وحواء‮. ‬ويأخذ البعض في‮ ‬دفعهما إلي‮ ‬الجحيم،‮ ‬والبعض الآخر في‮ ‬جرهما وتقابلها شياطين أخري،‮ ‬ترقص مظهرة بذلك سرورها لخسراتهما‮. ‬وحين تراهما طائفة أخري‮ ‬من الشياطين،‮ ‬تشير إليهما بالأصابع ونلقي‮ ‬القبض عليهما،‮ ‬وتقليهما في‮ ‬الجحيم،‮ ‬يتصاعد دخان كثيف مع صيحات مرح وأزيز مراجل،‮ ‬وقدور تقرع فيما بينها‮.. ‬وبعد لحظات تخرج الشياطين وتعدو في‮ ‬كل اتجاه من المكان،و فيما عدا بعضها التي‮ ‬بقي‮ ‬في‮ ‬الجحيم‮).‬
المنظر السابع
‮(‬يدخل قابيل وهابيل‮. ‬قابيل‮ ‬يرتدي‮ ‬ملابس حمراء،‮ ‬أما ملابس هابيل فبيضاء‮. ‬يفلحان الأرض التي‮ ‬تم تحضيرها‮. ‬ث‮ ‬يبدأ هابيل‮ - ‬الذي‮ ‬يأخذ لنفسه شيئا من الراحة‮ - ‬في‮ ‬توجيه الكلام إلي‮ ‬أخيه بصوت عذب ودود‮)‬
هابيل‮: ‬يا قابيل،‮ ‬إننا إخوان،‮ ‬ابنا أول رجل،‮ ‬وهو آدم‮. ‬وحواء اسم امنا،‮ ‬فلا‮ ‬يصح لنا أن نسلك سلوك الأخساء في‮ ‬خدمة الرب،‮ ‬ولنخضع دائما للخالق،‮ ‬ولنخدمه بصورة تجلب لنا حبه الذي‮ ‬فقده أبوانا بحمقهما،‮ ‬وليحب كلانا الآخر حباً‮ ‬ثابتاً‮ ‬قوياً،‮ ‬ولنتفان في‮ ‬خدمة الله تجلب له السرور،‮ ‬ولنؤد إليه حقه دون تحفظ،‮ ‬فإذا عملنا علي‮ ‬طاعته من كل قلبينا،‮ ‬لم‮ ‬يكن لروحينا أن تخشيا الهلاك،‮ ‬ولنؤد إليه زكاته(17)‮ ‬وجميع حقوقه،‮ ‬من حاصلات وقرابين وعطايا وضحايا،‮ ‬فإننا إذا استسلمنا لإغراء منعها،‮ ‬كان جزاؤنا الخسران في‮ ‬الجحيم دون رجعة،‮ ‬ولتكن علاقة ما بيننا قائمة علي‮ ‬التعاطف العظيم دون حسد ودون انتقاص،‮ ‬فلماذا‮ ‬يثور الخلاف بيننا،‮ ‬وهذه الأرض كلها في‮ ‬متناول أيدينا؟
قابيل‮: (‬ناظرا إليه بسيما السخرية‮) ‬أخي‮ ‬الجميل هابيل‮. ‬إنك تعرف كيف تجيد الوعظ،‮ ‬وتروض عقلك،‮ ‬وتعرض ثمرات فكرك،‮ ‬ولكن من‮ ‬يصغي‮ ‬إلي‮ ‬دروسك لا‮ ‬يبقي‮ ‬لديه‮ - ‬بعد بضعة أيام‮ - ‬إلا القليل مما‮ ‬يستطيع اعطاءه،‮ ‬وأنا لم أرحب قط بإيتاء الزكاة،‮ ‬وفي‮ ‬وسعك أن تجزل عطاءك من ملكك الخاص‮. ‬أما مالي‮ ‬فإن‮» ‬سأفعل به ما‮ ‬يحلو لي،‮ ‬ولن تحل بك اللعنة من أجل خطيئة ارتكبها أنا‮. ‬وإذا كانت الطبيعة تعلمنا أن‮ ‬يحب كل منا صاحبه،‮ ‬فليرتفع من بيننا كل رياء،‮ ‬فعلي‮ ‬من‮ ‬يبدأ منا بإعلان الحرب علي‮ ‬أخيه أن‮ ‬يتحمل تبعة عمله،‮ ‬ولا‮ ‬يلومن إلا نفسه‮.‬
هابيل‮: (‬بصوت أكثر عذوبة‮) ‬قابيل،‮ ‬يا أخي‮ ‬الجميل،‮ ‬أصغ‮ ‬إلي‮.‬
قابيل‮: ‬بكل سرور،‮ ‬فماذا تريد؟
هابيل‮: ‬أريد خيرك‮.‬
قابيل‮: ‬لحسن الحظ،
هابيل‮: ‬لا تثر أبدا ضد الرب،‮ ‬ولا تصعر خدك‮ ‬غروراً،‮ ‬صدق ما أقول‮.‬
قابيل‮: ‬لست إلا راغبا في‮ ‬ذلك‮.‬
هابيل‮: ‬اتبع نصيحتي،‮ ‬ولتحمل إلي‮ ‬الإله الرب قربانا‮ ‬يروقه،‮ ‬فإننا إذا أرضيناه،‮ ‬لم تنقض علينا الخطيئة أبدا،‮ ‬ولم‮ ‬يستول علينا الحزن مطلقا،‮ ‬إذ من الخير أن نسعي‮ ‬إلي‮ ‬اكتساب حبه،‮ ‬هيا،‮ ‬ولنقدم علي‮ ‬مذبحة قربانا نرجو أن‮ ‬يجذب انتباهه،‮ ‬ولنتوسل إليه أن‮ ‬يمنحنا حبه،‮ ‬وأن‮ ‬يحمينا بالليل والنهار‮!‬
قابيل‮: (‬وكأنه استحسن نصيحة هابيل‮) ‬أخي‮ ‬الجميل هابيل،‮ ‬لقد تكلمت فأحسنت الكلام،‮ ‬وصغت موعظتك في‮ ‬خير أسلوب،‮ ‬وسأتبعها‮. ‬هيا نقدم قرباننا،‮ ‬فإنك علي‮ ‬حق،‮ ‬ماذا ستقدم؟
هابيل‮: ‬سأقدم حملا،‮ ‬خير ما في‮ ‬منزلي‮ ‬من حملان وأجملها‮. ‬هذا ما سأقدمه،‮ ‬وليس شيئا آخر،‮ ‬ولكني‮ ‬سأضيف إليه البخور‮. ‬ذلك ما استقر عليه عزمي‮. ‬وأنت،‮ ‬ماذا ستقدم؟
قابيل‮: ‬سأقدم بعض قمحي،‮ ‬كما وهبني‮ ‬الله إياه‮.‬
هابيل‮: ‬من خير ما لديك‮.‬
قابيل‮: ‬كلا،‮ ‬في‮ ‬الحقيقة‮. ‬إن خير ما لدي‮ ‬سأصنع منه خبزا هذا المساء‮.‬
هابيل‮: ‬هذا قربان‮ ‬غير مقبول‮.‬
قابيل‮: ‬ماذا تقول؟ لعلك تمزح‮.‬
هابيل‮: ‬أنت رجل‮ ‬غني،‮ ‬ولديك ماشية كثيرة‮.‬
قابيل‮: ‬نعم‮.‬
هابيل‮: ‬ألا تعدها بالرأس،‮ ‬وتؤتي‮ ‬عنها الزكاة؟ إنك ستقدمها إلي‮ ‬الرب نفسه،‮ ‬فقدمها عن طيب خاطر تنل منه خير الجزاء‮. ‬أهذا ما ستفعله؟
قابيل‮: ‬كلا،‮ ‬وألف كلا،‮ ‬أيها الأخ الجميل،‮ ‬يا لها من حماقة‮! ‬أتريد ألا‮ ‬يبقي‮ ‬لدي‮ ‬من كل عشر مواش أملكها‮ ‬غير تسع؟ إن نصيحتك هذه لا تساوي‮ ‬شيئا‮. ‬هيا،‮ ‬وليقدم كل منا ما‮ ‬يريد‮.‬
هابيل‮: ‬هذا ما أوافق عليه‮.‬
قابيل‮: ‬يذهبان نحو حجرين كبيرين جهزا من قبل لهذا الغرض،‮ ‬ووضعا متباعدين بعض الشيء أحدهما عن الآخر بحيث إذا ظهر الرب كان حجر هابيل عن‮ ‬يمينه وحجر قابيل عن‮ ‬يساره،‮ ‬هابيل‮ ‬يقدم حملا،‮ ‬وبعض البخور الذي‮ ‬يتصاعد دخانه نحو السماء،‮ ‬ويقدم قابيل حزمة قمح،‮ ‬وعلي‮ ‬أثر ذلك‮ ‬يطهر الرب،‮ ‬فيبارك قرابين هابيل ويرد قرابين قابيل‮. ‬بعد التقديم‮ ‬يلقي‮ ‬قابيل نظره علي‮ ‬هابيل،‮ ‬ثم‮ ‬يذهب كل منهما إلي‮ ‬حال سبيله(18)‮.‬
قابيل‮: (‬وقد عاد نحو هابيل،‮ ‬وأخذ‮ ‬يحاول استدراجه إلي‮ ‬الخارج لكي‮ ‬يقتله‮) ‬هيا نخرج
هابيل‮: ‬لماذا‮.‬
قابيل‮: ‬لكي‮ ‬نريح جسمينا،‮ ‬ونرعي‮ ‬عملنا،‮ ‬ونري‮ ‬ما إذا كان قمحنا قد نما وغطاه النور،‮ ‬وسنرجع بعد ذلك،‮ ‬حيث نكون أكثر نشاطا‮.‬
هابيل‮: ‬سأذهب معك حيثما أردت‮.‬
قابيل‮: ‬هيا إذن،‮ ‬فهذا خير ما تفعل‮.‬
هابيل‮: ‬أنت أخي‮ ‬الأكبر وسأفعل كل ما تأمر به‮.‬
قابيل‮: ‬تقدم أمامي،‮ ‬وسأتبعك علي‮ ‬مهل وبخطي‮ ‬بطيئة‮.‬
‮(‬يذهبان إلي‮ ‬مكان منعزل،‮ ‬يكاد أن‮ ‬يكون مختبئا،‮ ‬حيث‮ ‬ينقض قابيل كالمجنون علي‮ ‬هابيل لكي‮ ‬يقتله‮).‬
قابيل‮: ‬إنك ميت‮ ‬يا هابيل‮.‬
هابيل‮: ‬أنا؟ لماذا‮.‬
قابيل‮: ‬أريد أن انتقم منك‮.‬
هابيل‮: ‬هل تري‮ ‬أني‮ ‬ارتكبت جرما؟
قابيل‮: ‬نعم،‮ ‬أنت خائن،‮ ‬وهذا ما قام عليه الدليل‮.‬
هابيل‮: ‬كلا،‮ ‬بكل تأكيد‮.‬
قابيل‮: ‬أتنكر ذلك؟
هابيل‮: ‬أنا لم أمل إلي‮ ‬الخيانة قط‮.‬
قابيل‮: ‬ولكنك ارتكبتها‮!!‬
هابيل‮: ‬أنا؟ كيف ذلك؟
قابيل‮: ‬ستعرف بعد قليل‮.‬
هابيل‮: ‬لست أفهم شيئا‮.‬
قابيل‮: ‬سأفهمك بعد قليل‮.‬
هابيل‮: ‬الحقيقة أنك لن تستطيع مطلقا أن تقدم الدليل علي‮ ‬ذلك‮.‬
قابيل‮: ‬ليس الدليل ببعيد‮.‬
هابيل‮: ‬الله في‮ ‬عوني
قابيل‮: ‬سأقتلك‮.‬
هابيل‮: ‬الله مطلع‮.‬
قابيل‮: (‬مهددا إياه برفع‮ ‬يده‮) ‬هذا هو الدليل‮.‬
هابيل‮: ‬إن اعتمادي‮ ‬كله علي‮ ‬الله‮.‬
قابيل‮: ‬إنه لن‮ ‬يجيرك مني‮.‬
هابيل‮: ‬في‮ ‬مقدوره أن‮ ‬يخجلك‮.‬
قابيل‮: ‬لن‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يجنبك الموت‮.‬
هابيل‮: ‬ليس لي‮ ‬إلا أن استسلم لقضائه في‮ ‬كل أمر‮.‬
قابيل‮: ‬سأخبرك بالحقيقة،‮ ‬إنك أصبحت وثيق الصلة بالرب الذي‮ ‬رفض لي‮ ‬كل شيء من أجلك،‮ ‬وبسببك رد قرباني‮. ‬أتظن أني‮ ‬لن أحملك علي‮ ‬دفع الثمن؟ سأقابلك بما أنت جدير به‮. ‬سأتركك علي‮ ‬هذه الأرض مجندلا‮.‬
هابيل‮: ‬إنك إن قتلتني‮ ‬ارتكبت إثما،‮ ‬ولابد أن‮ ‬ينتقم الله منك لموتي،‮ ‬الله‮ ‬يعلم أني‮ ‬لم أعمل شرا،‮ ‬ولم أفسد ما بينك وبينه،‮ ‬بل لقد نصحتك‮ - ‬علي‮ ‬العكس من ذلك‮ - ‬بأن تسير علي‮ ‬المنهج الذي‮ ‬يليق بسلامة،‮ ‬فقدم له الحمد الواجب له،‮ ‬وقدم له الزكاة والبواكير والقرابين،‮ ‬وبذلك تكسب حبه وإذا لم تفعل ذلك،‮ ‬حل بك‮ ‬غضبه‮. ‬إن الرب حق،‮ ‬وهو‮ ‬يحسن معاملة من‮ ‬يخدمه،‮ ‬ولا‮ ‬يقضي‮ ‬عليه بالهلاك‮.‬
قابيل‮: ‬أنت كثير الكلام،‮ ‬وستموت من فورك‮.‬
هابيل‮: ‬ماذا تقول،‮ ‬يا أخي؟ أتهددني؟ لقد جئت هنا إلي‮ ‬الخارج ثقة في‮ ‬وعدك‮.‬
قابيل‮: ‬لم تعد في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬ثقة،‮ ‬فسأقتلك،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجب أن تتأكد منه‮.‬
هابيل‮: ‬ادعو الله أن‮ ‬يشملني‮ ‬برحمته‮.‬
هابيل‮ ‬يجثو علي‮ ‬ركبتيه متجها نحو المشرق ويجب أن‮ ‬يضع الممثل تحت ملابسه قربة مختفية،‮ ‬فيضربها قابيل كما لو كان‮ ‬يقتل هابيل نفسه‮.‬
يبقي‮ ‬هابيل ممددا علي‮ ‬الأرض وقد فقد الحياة،‮ ‬الجوقة تغني‮ ‬الآن‮: ‬أين هابيل أخوك؟
المنظر الثامن
‮(‬في‮ ‬هذه الأثناء‮ ‬يقبل الرب من الكنيسة نحو قابيل،‮ ‬وبعد انتهاء الإنشاد‮ ‬يخاطبه في‮ ‬غضب‮)‬
الرمز‮: ‬قابيل أين أخوك هابيل؟ هل بدأت الثورة؟ إنك قد اشتبكت معي‮ ‬في‮ ‬خصام،‮ ‬والآن أرني‮ ‬أخاك حيا‮.‬
قابيل‮: ‬أأعرف أنا،‮ ‬يا مولاي،‮ ‬أين ذهب؟ وما إذا كان في‮ ‬البيت أم في‮ ‬حقل القمح؟ لماذا‮ ‬يتحتم علي‮ ‬أن أعثر عليه؟ إني‮ ‬لم التزم بحراسته‮.‬
الرمز‮: ‬ماذا فعلت به؟ أين وضعته؟ إني‮ ‬أعرف ذلك جيداً،‮ ‬أعرف أنك قتلته‮. ‬فقد صاح دمه‮ ‬يخبرني‮ ‬بذلك،‮ ‬وصعدت إلي‮ ‬روحه في‮ ‬السماء‮. ‬لقد ارتكبت جريمة منكرة،‮ ‬وستظل ملعونا طول حياتك،‮ ‬لن تفارقك اللعنة مطلقا‮. ‬هذه هي‮ ‬الجريمة،‮ ‬وهذا هو لعقاب‮. ‬لا أريد أن‮ ‬يقوم إنسان بقتلك،‮ ‬بل أريد أن تقضي‮ ‬حياتك في‮ ‬العذاب،‮ ‬وإذا أقدم أحد علي‮ ‬قتل قابيل انتقمت لقابيل سبع مرات‮. ‬إنك قتلت أخاك الذي‮ ‬وضع ثقته فيك،‮ ‬وسيكون عقابك شديداً‮.‬
‮(‬ثم‮ ‬يتجه الرب نحو الكنيسة‮. ‬تقبل الشياطين وتقود قابيل إلي‮ ‬الجحيم بقسوة،‮ ‬وهي‮ ‬تنهال بالضربات الشديدة علي‮ ‬رأسه وكتفيه،‮ ‬كما أنها تحمل هابيل أيضا،‮ ‬ولكن بلطف‮)‬
وفي‮ ‬هذه الأثناء‮ ‬يظل الأنبياء مختبئين علي‮ ‬استعداد للظهور متتابعين،‮ ‬ويتقدم كل نبي‮ ‬في‮ ‬جلال بعد أن‮ ‬ينادي‮ ‬اسمه،‮ ‬ويتلو نبوءته بصوت واضح متميز النبرات،‮ ‬وبعد أن‮ ‬ينتهي‮ ‬كل فتي،‮ ‬يقوده الشيطان إلي‮ ‬الجحيم‮).‬
نبوءة أشعيا
ومن بعده‮ (‬يأتي‮ ‬أرميا‮) ‬يأتي‮ ‬إشعيا ممسكا بيده كتاباً،‮ ‬ومرتديا عباءة فضفاضة،‮ ‬ثم‮ ‬يتلو نبوءته‮.‬
‮»‬سيخرج من جذع‮ ‬يسي‮ ‬قضيب،‮ ‬وتنبت من جذعه زهرة تحمل عليها روح الرب‮«‬(19)‮.‬
إشعيا‮: ‬سأقول لكم قولا عجيبا(20)‮:‬
سيخرج من جذع‮ ‬يسي
غصن تخرج منه زهرة،
تصبح جديرة بشرف عظيم،
سيوليها روح القدس عنايته،
وعليها سيتخذ راحته‮.‬
‮(‬وحينئذ‮ ‬يصعد رجل من المعبد ليجادل إشعيا،‮ ‬ويقول له‮)‬
يهوذا‮: ‬هذا هو جوابي،‮ ‬يا سيد إشعيا‮:‬
أهي‮ ‬خرافة أم نبوءة
تلك التي‮ ‬تفوهت بها هنا؟
أأنت الذي‮ ‬وجدتها أم هي‮ ‬مكتوبة؟
أأنت نمت وحلمت بها،
أهي‮ ‬يقين أم مزاح؟
إشعيا‮: ‬إنها ليست خرافة،‮ ‬بل كلها حقيقية‮.‬
يهوذا‮: ‬إذن،‮ ‬فأرنا حقيقتها‮.‬
إشعيا‮: ‬إن ما قيل ليس إلا نبوءة‮.‬
يهوذا‮: ‬أهي‮ ‬مكتوبة في‮ ‬كتاب؟
إشعيا‮: ‬نعم في‮ (‬كتاب‮) ‬الحياة‮).‬
إنها ليست حلما،‮ ‬بل رؤيا‮.‬
يهوذا‮: ‬وكيف رأيتها؟
إشعيا‮: ‬بحق الله‮.‬
يهوذا‮: ‬يبدو لي‮ ‬أنك هرم مخرف،‮ ‬ولقد أصبحت مضطرب العقل قبل الأوان،‮ ‬هذه هي‮ ‬الحال التي‮ ‬يبدو لي‮ ‬أنك صرت إليها،‮ ‬أتعرف جيداً‮ ‬كيف تنظر في‮ ‬المرآة؟
ٌإذن فانظر في‮ ‬يدي‮ ‬هذه،‮ ‬
‮(‬وحينئذ‮ ‬يمد أمامه‮ ‬يده‮)‬
لتري‮ ‬ما إذا كان قلبي‮ ‬مريضاً‮ ‬أم سليما‮.‬
إشعيا‮: ‬إن فيك داء الخيانة
الذي‮ ‬لن تبرأ منه طول حياتك‮.‬
يهوذا‮: ‬أأنا مريض؟
إشعيا‮: ‬نعم،‮ ‬بالضلال‮.‬
يهوذا‮: ‬متي‮ ‬أبرأ منه؟
إشعيا‮: ‬لن تبرأ منه في‮ ‬أي‮ ‬يوم،‮ ‬علي‮ ‬وجه التأكيد‮.‬
يهوذا‮: ‬إذن،‮ ‬استأنف نبوءتك‮.‬
إشعيا‮: ‬إن ما أقوله ليس هراء‮.‬
يهوذا‮: ‬إذن،‮ ‬أعد علينا الكلام عن رؤياك،‮ ‬وما إذا كان ذلك‮ ‬غصنا أم عصاة،‮ ‬وعما سينتج عن زهرته‮. ‬وحينئذ سنعتبرك أستاذاً،‮ ‬وهذا الجيل سينصت إلي‮ ‬درسك‮.‬
إشعيا‮: ‬إذن،‮ ‬أنصت إلي‮ ‬العجيبة الكبري‮ ‬التي‮ ‬لم تسمع بمثلها‮ - ‬مجرد سماع‮ - ‬منذ وجد هذا العالم‮.‬
ها هي‮ ‬ذي‮ ‬العذراء تحمل،‮ ‬وتلد ابنا،‮ ‬وتسميه عمانوئيل(21)‮.‬
إنه قريب،‮ ‬وليس بعيدا،‮ ‬لن‮ ‬يتأخر وقوعه،‮ ‬بل هو بين‮ ‬يدينا،‮ ‬ذلك أن العذراء ستحمل،‮ ‬وستلد العذراء ولدا‮ ‬يسمي‮ ‬عما نوئيل،‮ ‬ويكون رسوله القديس جبرائيل‮.‬
العذراء هي‮ ‬العذراء مريم،‮ ‬إنها ستحمل ثمرة الحياة،‮ ‬عيسي‮ ‬مخلصنا الذي‮ ‬سيخلص آدم من العذاب،‮ ‬ويعيده إلي‮ ‬الجنة‮:‬
وهذا الذي‮ ‬أقوله لكم قد جاء من عند الله‮.‬
إنه حقيقة مقررة،‮ ‬وذلك ما لابد أن‮ ‬يحيي‮ ‬الأمل‮.‬
الهوامش
(1)‮ »‬وخلق الرب الإلهي‮ ‬آدم من تراب الأرض‮« ‬سفر التكوين إصحاح‮ ‬2،‮ ‬آية7‮.‬
(2)‮ ‬هذه الملاحظة‮ - ‬ككل الملاحظات الأخري‮ ‬في‮ ‬تمثيلية آدم‮ - ‬مكتوبة باللاتينية،‮ ‬ويلاحظ أن المؤلف بعد الأوزان،‮ ‬تبعا للمواقف والأحاسيس التي‮ ‬يجب أن نثيرها في‮ ‬السامعين‮. ‬انظر من‮ ‬16‭.‬
(3)‮ ‬المؤلف هنا بعدل نص سفر التكوين الذي‮ ‬يقول‮: ‬إن حواء خلقت في‮ ‬الجنة
(4)‮ ‬انظر سفر التكوين،‮ ‬الإصحاح الثالث،‮ ‬الآيتين‮ ‬4،‮ ‬5‮.‬
(5)‮ ‬هذا المنظر مستوحي‮ ‬من التكوين‮ ‬3،‮ ‬1‮ - ‬ 5‮.‬
(6)‮ ‬انظر سفر التكوين‮ ‬3،6‮.‬
(7)‮ ‬انظر سفر التكوين‮ ‬3،7‮.‬
(8)‮ ‬هنا نري‮ ‬آدم‮ - ‬بالرغم من‮ ‬يأسه‮ - ‬يواجه كارثته مواجهة رجل القانون،‮ ‬والحقيقة أن الأدب الفرنسي‮ ‬في‮ ‬العصور الوسطي‮ ‬كثيرا ما‮ ‬يلبس المسائل الخلقية لباس المسائل القانونية،‮ ‬فآدم هنا‮ ‬يعبر عن أمله في‮ ‬الخلاص،‮ ‬ولكنه لا‮ ‬يوجه كلمة استعطاف واحدة للرب‮.‬
(9)‮ ‬حلية طقوسية تتكون من شريط النسيج‮ ‬يحمل ثلاثة صلبان وينزل من العنق حتي‮ ‬القدمين،‮ ‬وفي‮ ‬بداية التمثيلية‮ ‬يظهر الرمز مرتديا عباءة مطاسية طويلة ذات كمين واسعين،‮ ‬وكان‮ ‬يلبس هذه العباءة في‮ ‬بادئ الأمر الشمامسة،‮ ‬وبعد ذلك لبسها القس المطارنة‮. ‬أمام‮ »‬البطرشيل‮« ‬فشعار القضاء،‮ ‬ولذلك لا‮ ‬يظهر الرمز هذه المرة باعتباره خالقا،‮ ‬كما كان الحال من قبل،‮ ‬بل باعتباره قاضيا‮ (‬هـ‮. ‬شانار‮ ‬H. chansrd‮ ‬سر آدم،‮ ‬ص‮ ‬71،‮ ‬هامش‮ ‬2‮).‬
(10)‮ ‬انظر التكوين‮ ‬3،12‮.‬
(11)‮ ‬انظر التكوين‮ ‬3،‮ ‬19-17‮.‬
(12)‮ ‬انظر التكوين‮ ‬3،13‮.‬
(13)‮ ‬انظر التكوين‮ ‬3، 26‮.‬
(14)‮ ‬هذه الفقرة مستوحاة من سفر التكوين‮ ‬3،‮ ‬15-14‮.‬
(15)‮ ‬انظر سفر التكوين‮ ‬3،23‮.‬
(16)‮ ‬إشارة خفية إلي‮ ‬الفداء المقبل‮.‬
(17)‮ ‬الكلمة‮ »‬عشرة‮« ‬وهي‮ ‬من مصطلحات الكتاب المقدس كما أنها من مصطلحات عهد الإقطاع حيث كان‮ ‬يقدم عشر للحصول والماشية زكاة الله،‮ ‬فيعطي‮ ‬للاوبين لدي‮ ‬اليهود،‮ ‬والكنيسة،‮ ‬أو للسيد الاقطاعي‮ ‬في‮ ‬أوربا الاقطاعية‮.‬
(18)‮ ‬انظر قصة هابيل وقابيل في‮ ‬سفر التكوين من الكتاب المقدس‮.‬
(19)‮ ‬بعد أن‮ ‬يعلن إشعيا نبوءته هذه باللاتينية‮ ‬يعلق عليها بالفرنسية علي‮ ‬هذا النحو المذكور‮.‬
 (20)هذا النص حتي‮ ‬آخر التمثيلية مكتوب في‮ ‬الأصل بالإنجليزية النورمندية‮. ‬المترجم‮.‬
(21)‮ ‬سفر إشعيا‮ ‬8،14‮. ‬والأبيات التالية ترجمة أنجلو نورمندية،‮ ‬وشرح للنبوءة‮. ‬المترجم‮.‬

تذييل‮: ‬نشرت بكتاب‮ »‬المؤلف الديني‮ ‬في‮ ‬العصور الوسطي‮« ‬إصدار وزارة الإرشاد القومي‮.‬
مؤلفا الكتاب‮: ‬جان فرابييه
أ.م‮. ‬جوسار

 

المؤلف‮: ‬مجهول
ترجمة‮: ‬د‮. ‬محمد القصاص


‮ ‬

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: تمثيلية آدم‮..
  • تأليف: ترجمة‮: ‬د‮. ‬محمد القصاص
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢٣
أخر تعديل في الخميس, 22 كانون1/ديسمبر 2011 11:30
المزيد من مواضيع هذا القسم: « مسرحية كل إنسان رقصة الفئران »

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here