اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

أبو الغرائب‮ ‬في‮ ‬بلاد العجائب احتفال مسرحي‮ ‬في‮ ‬12 ‮ ‬نفسا

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

شخصيات الاحتفال
أبو الغرائب‮ ‬
نجمـــة
1‮  ‬ــ أبو الغرائب‮   ‬يودع نجمة
‮(‬رجل في‮ ‬مقتبل العمر،‮ ‬هو أبو الغرائب‮ ..  ‬يضع أشياءه في‮ ‬حقيبة،‮ ‬استعدادا للسفر‮ ‬،‮ ‬تدخل شابة حسناء هي‮ ‬نجمة،‮ ‬تقترب منه أكثر،‮ ‬من‮ ‬غير أن‮ ‬يحس بها‮ ‬،‮ ‬تتابع فعله بكثير من الألم‮) ‬
نجمـــــــــة‮: ‬إلي‮ ‬أين أيها المسافر المجنون؟
أبو الغرائب‮: (‬ ينظر إليها‮ )‬‮ ‬أهذه أنت‮ ‬يا نجمة؟
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬نعم،‮ ‬هذه أنا،‮ ‬وقد سألتك،‮ ‬إلي‮ ‬أين السفر‮ ‬يا أبا الغرائب ؟
أبو الغرائب‮: ‬إلي‮ ‬أين ؟وحق الله لست أدري،‮ ‬المهم أن أمشي‮ ‬في‮ ‬الأرض،‮ ‬وأن أحلق في‮ ‬السماء،‮ ‬وأن أسافر فوق الماء،‮ ‬وأن أغير هواء بهواء،‮ ‬وأن أغيب هنا وأحضر هناك،‮ ‬وأن أموت وأبعث حيا‮..‬
نجمــــــــــة‮:‬‮ ‬ وأنا؟ ألم تفكر في؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وكيف؟ أنت ابنة عمي،‮ ‬وسأقتسم معك كل ثروتي‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ الأهم هو أن نقتسم الحياة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ الحياة لا تقتسم‮ ‬يا ابنة العم،‮ ‬وهي‮ ‬أصغر من أن تقبل القسمة،‮ ‬ولو إلي‮ ‬نصفين،‮ ‬إنها أدق من شعرة،‮ ‬وأمضي‮ ‬من شفرة،‮ ‬وأخف من ريشة،‮ ‬وأسرع من رصاصة‮ ..‬
نجمــــــــة‮:‬ حديثك هذا‮ ‬يخيفني‮ .. ‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ أما أنا فلا شيء‮ ‬يخيفني‮ ‬إلا‮ ‬غموض هذا العالم،‮ ‬ولا شيء‮ ‬يسحرني‮ ‬أكثر من سحر هذه الحياة‮..‬
نجمــــــــة‮:‬ لو أنني‮ ‬علي‮ ‬الأقل،‮ ‬كنت أعرف ماذا تريد؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ ما أريده لا أعرفه،‮ ‬وما أعرفه لا أريده،‮ ‬أو لا‮ ‬يريدني،‮ ‬والمهم هو أن أسعي‮ ‬لشيء،‮ ‬وأن أنتقل من شيء إلي‮ ‬شيء،‮ ‬وأن أمسك بشيء،‮ ‬وأن‮ ‬يكون هذا الشيء حقيقيا،‮ ‬وألا‮ ‬يكون بخارا أو هباء‮ ..‬
‮(‬صوت منبه السيارة‮)‬‮ ‬هذا سائق السيارة،‮ ‬وهو‮ ‬يستعجلني‮ ..‬‮ ( ‬يطل من النافذة ويقول بأعلي‮ ‬صوته‮)‬
إنني‮ ‬قادم‮ .. ‬انتظر قليلا‮ ‬يا عبد الجبار‮ ..‬‮ (‬لنجمة‮)‬‮ ‬لقد طلبت منه أن‮ ‬يوصلني‮ ‬إلي‮ ‬المطار،‮ ‬وقد جاء في‮ ‬الموعد‮.‬
نجمــــــــة‮:‬ أنت تهرب مني،‮ ‬قلها ولا تخجل‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬ أبدا،‮ ‬إنني‮ ‬لا أهرب إلا من نفسي‮ ‬يا نجمة‮ ..‬
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ أنا نفسك؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وأهرب من مكاني‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ إن هذا المكان ـ وكل مكان ـ ليس مكانك وحدك،‮ ‬وحيثما ذهبت،‮ ‬وكيفما اتجهت،‮ ‬فإنك سوف تلقاني‮ ‬معك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ ولا أهرب إلا من ظلي‮ ‬أيضا‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ لا أحد‮ ‬يهرب من ظله‮ .. ‬إلا الموتي‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وقد أهرب من جلدي،‮ ‬إذا استطعت لذلك سبيلا‮  ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ جلدك عنوانك،‮ ‬وهل تريد أن تكون بلا عنوان؟‮ ‬
أبو الغرائب‮: ‬ سأحاول أن أنفلت من لحظتي،‮ ‬وأن أتحرر من كسوتي،‮ ‬وأن أكون أطول من قامتي،‮ ‬وأن أعيش حياتي‮ ‬كاملة،‮ ‬من ألفها إلي‮ ‬يائها،‮ ‬وأطلب من الله ألا تكون بهذه الحياة‮ ‬ياء،‮ ‬ومع هذه الحياة،‮ ‬أريد أن أعيش ألف حياة أخري‮ ‬إضافية‮ ..‬
‮( ‬يضع أشياءه في‮ ‬الحقيبة‮ ‬،‮ ‬ويذهب ليأتي‮ ‬بغيرها،‮ ‬ليجد أن نجمة قد أفرغت كل ما فيها‮ )  ‬
نجمـــــــــة‮: ‬ كل شيء سوف‮ ‬ينقضي‮ ‬غدا‮ .. ‬وسيصبح مثل هذه الحقيبة الفارغة‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬وذلك ما‮ ‬يعذبني‮ ‬ويقلقني‮ ‬يا نجمة‮..‬
نجمــــــــة‮:‬ وأول الأشياء ثروتك‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ أعرف،‮ ‬والمصيبة إذا قضيت أنا،‮ ‬وبقيت هي‮ ‬من بعدي،‮ ‬وجاء من‮ ‬يرثها بغير حق‮..‬ليت هذا العمر‮ ‬يا ابنة العم‮ ‬يدور حول نفسه،‮ ‬وليته حين‮ ‬يمشي‮ ‬لا‮ ‬يمشي‮ ‬إلا باتجاه نفسه،‮ ‬وأن‮ ‬يتحاشي‮ ‬في‮ ‬سيره طريق العجز وطريق الشيخوخة وطريق الموت،‮ ‬وطريق الوصول إلي‮ ‬المنتهي‮ .. ‬
نجمـــــــــة‮: (‬لنفسها‮)‬‮ ‬العمر طريق واحد،‮ ‬والكل‮ ‬يمشي‮ ‬فيه‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ حتي‮ ‬أنا ؟
نجمـــــــــة‮: ‬ حتي‮ ‬أنت‮ ‬يا أبا الغرائب،‮ ‬وحتي‮ ‬أنا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ سبحان الله‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ ومهما ابتعدت،‮ ‬فإنه لابد أن نلتقي‮ ..‬
أبو الغرائب‮: (‬ يهمس لنفسه‮ ) ‬نلتقي؟ لا أظن‮.. (‬‮ ‬يغير مجري‮ ‬الحديث‮) ‬أنت تعرفين‮ ‬يا ابنة العم،‮ ‬بأن السيد أبي‮ ‬ـ‮ ‬غفر الله لنا وله ولكل الخطاءين ـ كان بخيلا‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ لم‮ ‬يكن بخيلا،‮ ‬ولكنه كان حريصا علي‮ ‬ماله‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬هكذا كان‮ ‬يقول دائما‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ هو أبوك،‮ ‬لا تنس هذا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وكيف أنساه ؟ هو أبي‮ ‬أنا،‮ ‬وهو عمك أنت‮ ‬،‮ ‬وهو عدو نفسه،‮ ‬وعدو الحياة‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ هو اليوم من أهل الموتي،‮ ‬فاطلب لروحه الرحمة‮ .. ‬     
أبو الغرائب‮: ‬ ألف رحمة عليه‮ .. ‬لقد جمع المال،‮ ‬وكدسه،‮ ‬وحرم نفسه،‮ ‬وحرم أهله‮.. ‬جعل منا فقراء ونحن أغنياء،‮  ‬عرف كيف‮ ‬يقتنص الأموال،‮ ‬وكيف‮ ‬يكون فقيها كبيرا في‮ ‬علم الجمع والمنع،‮ ‬ولكنه ظل جاهلا بعلم العيش،‮ ‬وبفن الوجود،‮ ‬وبفقه الإنفاق،‮ ‬لقد كانت له معرفة كبيرة بجمع الأموال،‮ ‬لم‮ ‬يتعلم كيف‮ ‬ينفقها،‮ ‬وبدل أن‮ ‬يقتلها ليحيا،‮ ‬ونحيا معه،‮ ‬فقد قتلته هي‮ .. ‬المسكين،‮ ‬مات هو وبقيت هي‮ .. ‬اللعنة علي‮ ‬كل شيء‮ ‬يبقي‮ ‬خلفنا،‮ ‬ولا‮ ‬يكون أمامنا‮.‬
نجمـــــــــة‮: (‬ لنفسها‮ )‬‮ ‬لا أحد‮ ‬يقتله اليوم،‮ ‬ويعيد قتله إلا أنت‮..‬
أبو الغرائب‮: (‬ يضحك‮)‬‮ ‬ثروته اليوم تضحك عليه،‮ ‬تضحك علي‮ ‬حمقه وجنونه وعلي‮ ‬قلة عقله،‮ ‬وتقول له،‮ ‬تعب كله كان عيشك،‮ ‬وخواء كله كان عمرك،‮ ‬وهباء كلها ثروتك‮ .. ‬بخله كان أقوي‮ ‬منه،‮ ‬لقد عاش ومات،‮ ‬والفلس الأصفر سيده ومولاه‮ ‬،‮ ‬كان وحده معشوقه،‮ ‬وكان معبوده الأوحد،‮ ‬وكان ربه الذي‮ ‬لا رب له سواه‮ ..‬
نجمــــــــــة‮: ‬ أعوذ بالله‮ ‬،‮ ‬ما هذا الذي‮ ‬تقول؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا شيء‮ ‬يعادل شهوة الحصول علي‮ ‬المال،‮ ‬إلا لذة إنفاقه‮ ‬يا نجمة‮.. ‬
ما أحلي‮ ‬أن نصنع ابتسامة هنا،‮ ‬وأن نصنع فرحة هناك،‮ ‬وأن ننفق المال من أجل الجنون‮ .. ‬‮(‬يأخذ الحقيبة ويهم بالانصراف،‮ ‬فتمسك به نجمة‮ )‬
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ أبو الغرائب‮:  ..‬
أبو الغرائب‮: (‬ ملتفتا‮ )‬‮ ‬نعم ؟
نجمـــــــــة‮: ‬ رجاء لا ترحل‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ قدري‮ ‬أن أرحل‮ ‬يا‮  ‬نجمة،‮ ‬أرحل اليوم،‮ ‬وليس‮ ‬غدا‮..‬
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ لن تجد شيئا هناك،‮ ‬وكل الدنيا مختصرة هنا،‮ ‬وكل النساء أنا،‮ ‬فكر في‮ ‬الغربة‮ ‬يا أبا الغرائب،‮ ‬وفكر في‮ ‬العزلة،‮ ‬وفكر في‮ ‬الوحدة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ لقد فكرت‮ ‬يا نجمة‮..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وماذا وجدت ؟
أبو الغرائب‮: ‬ وجدت أنني‮ ‬في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬التغيير‮ .. ‬إلي‮ ‬تغيير‮ ‬غربة بغربة،‮ ‬ومن‮ ‬يدري؟ قد تكون الغربة الأخري‮ ‬أحسن،‮ ‬أو علي‮ ‬الأقل،‮ ‬تكون أقل سوء وأقل عذابا‮ .. ‬والغربة بين الغرباء‮ ‬يا نجمة،‮ ‬قد لا تكون‮ ‬غربة‮..‬سأمشي‮ ‬اليوم في‮ ‬طريق،‮ ‬ولن أكون وحدي‮ ‬يا‮  ‬نجمة،‮ ‬سأجد معي‮ ‬رفاق الطريق‮ .. (‬‮ ‬منبه السيارة،‮ ‬وهو‮ ‬يستعجل أبا الغرائب‮) ‬
 نعم‮ .. ‬نعم‮ .. ‬إنني‮ ‬قادم‮ ..‬‮ ( ‬يقفل الحقيبة علي‮ ‬ما فيها‮ .. ‬تبقي‮ ‬أغلب الأشياء والملابس ملقاة علي‮ ‬أرضية المسرح‮ )‬
وداعا‮ ‬يا بنت العم‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ رجاء،‮ ‬لا تقل وداعا‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وماذا تريدين أن أقول‮ ‬يا نجمة ؟
نجمـــــــــة‮: ‬ قل كلمة أخري‮ .. ‬أية كلمة‮ ..  ‬إلا هذه‮ . ‬قل تصبحين علي‮ ‬خير،‮ ‬ودعني‮ ‬أنتظر أن‮ ‬يأتي‮ ‬الصبح‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ تصبحين علي‮ ‬ألف ألف خير‮ ..‬‮ ( ‬يخرج‮ ‬،‮ ‬تبقي‮ ‬نجمة وحدها،‮ ‬تلاحظ أنه قد نسي‮ ‬معطفه،‮ ‬فتأخذه‮ ‬،‮ ‬وتجري‮ ‬خلفه‮ )‬
نجمـــــــــة‮: ‬ أبو الغرائب‮:  ‬،،‮ ‬انتظر،‮ ‬لقد نسيت معطفك‮ .. ‬انتظر أيها المجنون‮ .. ‬انتظر‮ ..‬
‮(‬تخرج‮)‬
2‮ ‬ــ أبو الغرائب من‮ ‬يكون‮ ‬
‮(  ‬الرجل الأول‮:  ‬والرجل الثاني‮: ‬،‮ ‬وهما في‮ ‬مقهي،‮ ‬نسمع صوت مذياع‮ ‬يذيع آخر الأخبار،‮ ‬أمامهما كؤوس شاي‮ ‬وكتب وجرائد‮ .. ‬تمر أمامهما امرأة متسولة تشبه نجمة،‮ ‬تشرب آخر ما تبقي‮ ‬في‮ ‬الكؤوس،‮ ‬وتجمع قطع السكر،‮ ‬يدخل أبو الغرائب‮: ‬،‮ ‬ينظر‮ ‬يمنة ويسرة،‮ ‬يتمتم بكلام‮ ‬غير مسموع،‮  ‬ثم‮ ‬يخرج‮ .. ‬تجري‮ ‬خلفه المرأة المتسولة‮ ) ‬
الرجل الأول‮: ‬ هل تعرف هذا الرجل‮ ‬يا صاحبي؟
الرجل الثاني‮: ‬ وكيف لي‮ ‬أن أعرفه،‮ ‬إن كان هو نفسه لا‮ ‬يعرف نفسه ؟
الرجل الأول‮: ‬ سمعتهم‮ ‬يقولون هو رجل مجنون‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ نعم،‮ ‬هو مجنون بهذه الحياة،‮ ‬ومفتون بها،‮ ‬يقولون بأنه‮ ‬يأكل كثيرا،‮ ‬ويشرب كثيرا،‮ ‬ويضحك كثيرا،‮ ‬ويرقص كثيرا،‮ ‬ويغني‮ ‬كثيرا،‮ ‬ويفرح لأقل الأشياء،‮ ‬ويغضب لأتفه الأسباب‮ ..‬
الرجل الأول‮:‬‮ ‬ كلنا نحب الحياة‮ ‬يا صاحبي‮ ..‬
الرجل الثاني‮:‬‮ ‬ نعم،‮ ‬ولكن أمنا الحياة،‮ ‬لا تحب إلا من تشاء‮ .. ‬لا تحب إلا التافهين والحمقي‮ ‬من الناس،‮ ‬أما العقلاء والحكماء من أمثالنا‮ .. ‬
الرجل الأول‮: (‬يضحك‮)‬‮ ‬من أمثالنا؟ وهل نحن فعلا عقلاء وحكماء‮ ‬يا صاحبي؟
الرجل الثاني‮: ‬ تقريبا‮ ( ‬يضحك‮) ‬كلنا نحب الحياة،‮ ‬ولكن حبه،‮ ‬هو الأكبر والأقوي،‮ ‬فهو‮ ‬يقرأ كثيرا،‮ ‬ويكتب كثيرا،‮ ‬ويتكلم كثيرا،‮ ‬ويجادل في‮ ‬كل الأمور،‮ ‬حتي‮ ‬في‮ ‬تلك التي‮ ‬لا‮ ‬يفهمها،‮ ‬ولا‮ ‬يعرف عنها أي‮ ‬شيء‮.. ‬إنه لا‮ ‬يتعب أبدا،‮ ‬ولا‮ ‬ينام إلا نادرا،‮ ‬وإذا نام مرة،‮ ‬فإنه لا‮ ‬ينام‮  ‬إلا واقفا،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يوقظه إلا لحن شجي،‮ ‬أو تغريد الطيور،‮ ‬أو هديل الحمام‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬غناء مغنية،‮ ‬أو عزف علي‮ ‬العود،‮ ‬أو علي‮ ‬الناي،‮ ‬أو علي‮ ‬الكمان،‮ ‬أو قارئ‮ ‬يقرأ القرآن‮.. ‬بهذا سمعتهم‮ ‬يتحدثون،‮ ‬والله أعلم‮..‬
الرجل الأول‮: ‬ ها هو ذا قادم نحونا‮ .. ‬‮( ‬يدخل أبو الغرائب‮:  ‬،‮ ‬تتبعه المتسولة،‮ ‬تنظر إليه من بعيد نظرة‮ ‬غريبة من‮ ‬غير أن تقترب منه،‮ ‬يتجه نحو طاولة الرجلين،‮ ‬وينشد‮)‬
الرجل الثاني‮: (‬ ينشد بطريقة مسرحية‮)‬‮ ‬قفا نبك من ذكري‮ ‬حبيب ومنزل‮ ‬
‮( ‬وهو‮ ‬ينظر إليهما‮)‬‮ ‬صباح الخير أيها الشابان الوسيمان‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ قل مساء الخير،‮ ‬فقد مضي‮ ‬الصباح‮ ‬يا هذا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ مضي‮ ‬الصباح؟ عجبا،‮ ‬وبهذه السرعة؟ الويل لي‮ ‬الويل لي،‮ ‬لقد ضاع مني‮ ‬نصف‮ ‬يومي،‮ ‬وخسرت نسبة كبيرة من عمري،‮ ‬وأنا لا أدري‮ .. ‬‮( ‬بحزن مفتعل‮)‬‮ ‬مرة أخري‮ ‬أقول لكما،‮ ‬قفا نبك،‮ ‬ولكن هذه المرة علي‮ ‬شبابي‮ .. ‬ماذا تنتظران ؟ ألا تسمعان ؟ لقد قلت لكما قفا‮ .. ‬وقفا هي‮ ‬قفا‮ .. ‬‮(‬يقفان‮)‬‮ ‬إنني‮ ‬لا أحب القاعدين،‮ ‬ولا أحب النائمين،‮ ‬وأكره الغافلين‮ ..‬
‮(‬يقفون جميعهم‮)‬
الرجل الأول‮: ‬ من أي‮ ‬بلد أنت‮ ‬يا صاحبي؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ كل بلد فيه الجمال،‮ ‬مثل هذا،‮ ‬هو بلدي،‮ ‬وهو موطني‮ ‬وهو مسكني‮..‬
الرجل الثاني‮: (‬ لنفسه‮)‬‮ ‬وأي‮ ‬جمال في‮ ‬هذا البلد؟‮ ‬غير له السؤال‮ ‬يا صاحبي‮ ..‬
‮ ‬الرجل الأول‮: ‬ قصدت أن أقول،‮ ‬أين تعيش اليوم؟
أبو الغرائب‮: ‬ إنني‮ ‬أعيش بين حدين،‮ ‬حد الجسد وحد الروح،‮ ‬وأنتقل بين حدين،‮ ‬حد المولد وحد الموت،‮ ‬وأبدع بين حدين؛ حد الشعر وحد الفلسفة،‮ ‬ومحاصر أنا بين حدين؛ حد القبح وحد الجمال،‮ ‬ومعلق أنا بين حدين؛ حد الإقامة وحد الترحال،‮ ‬وإنني‮ ‬أفكر،‮ ‬وكثير من تفكيري‮ ‬محاصر بالخيال،‮ ‬وفي‮ ‬مملكة الخيال لا وجود إلا للمحال‮.. ‬مولدي‮ ‬الذي‮ ‬كان،‮ ‬لم أختره أنا،‮ ‬وموتي‮ ‬الآتي،‮ ‬هو وحده الذي‮ ‬سوف‮ ‬يختارني‮ ‬يوما،‮ ‬وعليه،‮ ‬فلم‮ ‬يبق أمامي‮ ‬سوي‮ ‬أن أختار حياتي،‮ ‬وفي‮ ‬هذه الحياة اخترت أن أكون مسافرا،‮ ‬وألا أكون مقيما،‮ ‬فأنا رحالة وجواب آفاق،‮ ‬وفي‮ ‬كل أرض لدي‮ ‬أهل وأصحاب وشيوخ ورفاق،‮ ‬فهل تقبلان صحبتي‮ ‬ورفقتي،‮ ‬وأن تقتسما معي‮ ‬حمقي‮ ‬وشيئا من جنوني؟
الرجل الأول‮: ‬ وأنت،‮ ‬هل تريد أن تقتسم معنا عقلنا ؟
أبو الغرائب‮: ‬ أعوذ بالله،‮ ‬أخاف أن أشقي‮ ‬بالعقل،‮ ‬وأن أعيش‮ ‬غريبا في‮ ‬هذا الزمن الأحمق‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ إنك تهرب إذن؟
أبو الغرائب‮: ‬ لست أدري،‮ ‬قد‮ ‬يكون هروبا إلي‮ ‬الأمام وإلي‮ ‬الأعلي‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ وممن تهرب‮ ‬يا صاحبي؟
أبو الغرائب‮: ‬ ممن أهرب ؟
الرجل الثاني‮:  ‬من البلاد أم من العباد،‮ ‬أم منهما معا ؟
أبو الغرائب‮: ‬ الهروب الجبان لا‮ ‬يليق بي‮ .. ‬إنني‮ ‬عاشق،‮ ‬والعاشق لا‮ ‬يهرب من عشقه ولا من‮  ‬معشوقه ولا من وطن العشق والجمال‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ ولكنك تبتعد عمن تحب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ إنني‮ ‬أبتعد عنهم،‮ ‬لأقترب منهم،‮ ‬وأدعهم هناك،‮ ‬لألقاهم هنا‮ .. ‬إنني‮ ‬لا أسافر إلا ومعي‮ ‬فرحي،‮ ‬ومهمتي‮ ‬هي‮ ‬أن أنقل الفرح للناس‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ وحزنك ؟ أليس لديك حزن في‮ ‬مثل حزني‮ ‬؟
أبو الغرائب‮: ‬ حزني‮ ‬لا‮ ‬يخص أحدا‮ ‬غيري،‮ ‬وإنني‮ ‬أحتفظ به لنفسي،‮ ‬تكفي‮ ‬الناس أحزانهم،‮ ‬ولا‮ ‬يعقل أن أضيف إلي‮ ‬همهم همي،‮ ‬وأضيف إلي‮ ‬حزنهم‮  ‬حزني‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ حدثني‮ ‬عن الحب‮ ‬يا صاحبي،‮ ‬هل أحببت مثلي‮ ‬؟
أبو الغرائب‮: ‬ ومن أحببت أنت؟
الرجل الثاني‮: ‬ حسناء من قوم المجوس الشرفاء والنبلاء‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ امرأة واحدة ؟
الرجل الأول‮: ‬ نعم،‮ ‬امرأة واحدة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وخنت كل النساء الفاتنات؟ تالله لأنت‮ (‬‮ ‬مسخوط‮) ‬رب العالمين،‮ ‬وسوف‮ ‬يعاقبك عقابا شديدا‮ ‬يوم القيامة‮ ..‬
الرجل الثاني‮:‬‮ ‬ هي‮ ‬امرأة واحدة حقا،‮ ‬ولكنها تختصر كل نساء الكون‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬ أما أنا،‮ ‬فقد أحببت كل النساء،‮ ‬وامرأة واحدة لا تكفي،‮ ‬وعشقت كل الشراب،‮ ‬وقلت،‮ ‬كأس واحدة لا تكفي،‮ ‬وعشقت كل الأعمار،‮ ‬لأن عمرا واحدا لا‮ ‬يكفي،‮ ‬وعشقت كل الأكوان،‮ ‬لأن كونا واحدا لا‮ ‬يكفي،‮ ‬وعشقت كل الطرق،‮ ‬وهل طريق واحد لا‮ ‬يكفي؟ وتعلقت بكل اللغات،‮ ‬لأن لغة واحدة لا تكفي،‮ ‬ولهذا فإنني‮ ‬أغبط الذين‮ ‬يؤمنون بتناسخ الأرواح،‮ ‬وعشقت كل البلدان الجميلة والعالمة والحالمة،‮ ‬وبلد واحد لا‮ ‬يكفي،‮ ‬واتخذت كل الأوطان أوطاني،‮ ‬وقلت،‮ ‬وطن واحد لا‮ ‬يكفي،‮  ‬ولهذا،‮ ‬فإنه لا أحد أسعد حظا،‮ ‬من رجل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون هنا،‮ ‬وأن‮ ‬يكون هناك،‮ ‬وأن‮ ‬يكون في‮ ‬كل مكان،‮ ‬وأن‮ ‬يكون‮  ‬له انتماء إلي‮ ‬أمنا الحياة،‮ ‬وإلي‮ ‬أختنا الأرض،‮ ‬وأن‮ ‬يكون له انتساب إلي‮ ‬شجرة الوجود الوارفة الظلال‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ وما قولك في‮ ‬الزواج ؟
أبو الغرائب‮: ‬ كل امرأة أعرض عليها إعجابي‮ ‬بها،‮ ‬تعرض علي‮ ‬هي‮ ‬الزواج،‮ ‬وأسألها‮ .. ‬اسمعوا ما دار بيني‮ ‬وبين نجمة‮..‬
الرجل الثاني‮: ‬ ومن تكون نجمة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ هي‮ ‬ابنة عمي،‮ ‬أردت لها أن تكون امرأة حرة،‮ ‬وأرادت هي‮ ‬أن تكون جارية‮ .. ‬هي‮ ‬النجمة الوحيدة الموجودة علي‮ ‬الأرض،‮ ‬إنها متمسكة بالأرض بشكل‮ ‬غريب،‮ ‬مع أن الأصل في‮ ‬النجوم أن تكون عالية في‮ ‬السماء‮ ( ‬يعم‮ ‬الظلام المسرح كله،‮ ‬وتظهر نجمة وحدها داخل بقعة ضوء،‮ ‬يلتحق بها أبو الغرائب‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يبقي‮  ‬الرجل الأول‮:  ‬والرجل الثاني‮:  ‬جامدين‮)  ‬
3‮ ‬ ــ حديث الزواج المستحيل
‮( ‬أبو الغرائب وهو‮ ‬يقرأ كتابا‮ )  ‬
أبو الغرائب‮: ‬ حدثيني‮ ‬عن الزواج وقولي‮ ‬،‮ ‬ما الزواج‮ ‬يا امرأة؟
نجمـــــــــة‮: ‬ هو رباط مقدس أيها الرجل‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ آه‮ ‬،‮ ‬هو رباط؟‮ ‬يعني‮ ‬هو قيد؟ أليس كذلك؟
نجمـــــــــة‮: ‬ ليس تماما،‮ ‬ولكن‮ .. ‬تقريبا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وهو قيد في‮ ‬يد من‮ ‬يا فاتنة؟ في‮ ‬يدي‮ ‬أنا طبعا ؟ قوليها ولا تخجلي‮ .. ‬قوليها‮ ‬يا عدوة الحرية والحياة،‮ ‬وعدوة الفرح والمرح وعدوة الانبساط و‮( ‬النشاط‮) .. ‬
نجمـــــــــة‮: ‬ أنت عدو نفسك،‮ ‬ولكنك لا تدري‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا أيتها الظالمة الآثمة،‮ ‬ما هو ذنبي‮ ‬حتي‮ ‬أسجن؟ أجيبي‮ ‬في‮ ‬كلمة أو في‮ ‬كلمتين،‮ ‬وخير الكلام ما قل ودل،‮ ‬هل قتلت أحدا من الناس،‮ ‬أو حتي‮ ‬من أشباه الناس؟ طبعا لا،‮ ‬هل سرقت ما لا عاما أو خاصا؟ هل زورت وثائق؟ هل انتحلت صفة؟ هل تعديت حدود الله؟
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ ذنبك أنني‮ ‬أحبك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ سبحان الله،‮ ‬هذا ليس حبا‮ .. ‬ويمكنك أن تسميه باسم آخر‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وأريد أن أبني‮ ‬معك بيتا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ أنا لا أفهم شيئا في‮ ‬البناء،‮ ‬ألا تعرفين هذا؟ وفي‮ ‬الهدم‮ ‬يمكن أن أفيدك،‮ ‬وأن أفيد كل عباد الله‮ .. ‬أفيدكم قليلا أو كثيرا‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وأنا أيضا مثلك،‮ ‬لا أفهم شيئا في‮ ‬البناء‮ .. ‬بيتنا سيبنيه البناء،‮ ‬وسيضع نوافذه النجار،‮ ‬وسيدخل النور إليه الكهربائي،‮ ‬وسيصنع بابه الحداد‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا ويلي‮ .. ‬أقلت الحداد؟ هذا معناه أن‮  ‬الباب سيكون من حديد‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وسوف نسكنه نحن‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نحن؟‮ ‬يعني‮ .. ‬‮( ‬أنا وأنت بإشارة من‮ ‬يده‮)‬
نجمــــــــة‮:‬ نعم‮.. ‬يعني‮ ‬أنا وأنت‮ .. ‬هذا في‮ ‬الأول،‮ ‬ومن بعد إن شاء الله،‮ ‬يلتحق بنا الأبناء والأحفاد،‮ ‬وأبناء الأحفاد والأصهار،‮ ‬ومع توالي‮ ‬الأيام والأعوام،‮ ‬سوف تصبح بإذن الله جد قبيلة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنا ؟ أنا جد؟‮ ‬يا ويلي‮ .. ‬وأكون شيخا عجوزا،‮ ‬مثل جدنا الذي‮ ‬كنا نحمله في‮ ‬قفة؟
نجمـــــــــة‮: ‬ هي‮ ‬قفة واحدة،‮ ‬سوف نوضع فيها كلنا‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ كلنا ؟ حتي‮ ‬أنا ؟
نجمــــــــة‮:‬ نعم‮.. ‬حتي‮ ‬أنت‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وما البيت‮ ‬يا‮  ‬نجمة؟ عرفيه لي‮ ‬ـ عافاك الله ونجاك من كل سوء ـ فأنا لا أعرفه‮..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ ماذا أقول لك ؟ هو فضاء مغلق‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ مغلق؟ ولماذا‮ ‬يغلق؟
نجمـــــــــة‮: ‬ له سقف،‮ ‬وله جدران،‮ ‬وله باب خشبي‮ ‬أو حديدي،‮ ‬وله نوافذ كبيرة أو صغيرة‮.. ‬به أثاث،‮ ‬وبه أدوات في‮ ‬المطبخ‮ .. ‬وأهم شيء في‮ ‬هذا البيت،‮ ‬هو أن‮ ‬يكون له باب‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم نعم،‮ ‬الآن فقط عرفت،‮ ‬وهذا الباب‮ ‬يا نجمة،‮ ‬له بالتأكيد بواب شديد وغليظ،‮ ‬أليس كذلك؟ ومن‮ ‬يدري،‮ ‬فقد‮ ‬يكون له كلب للحراسة أيضا،‮ ‬أو تكون له مجموعة كبيرة من الكلاب المدربة علي‮ ‬الطاعة وعلي‮ ‬العض‮.. ‬هو سجن آخر إذن،‮ ‬وهذا السجن له سجين مسكين،‮ ‬وله سجان ظالم وغاشم‮..‬
نجمـــــــــة‮: (‬ تضحك‮)‬‮ ‬ولكن‮ .. ‬سجانك أنت مختلف‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ مختلف في‮ ‬أي‮ ‬شيء؟
نجمــــــــة‮:‬ هو أنثي‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنثي؟ وليكن‮.. ‬السجن سجن،‮ ‬ولو كانت جدرانه من الزجاج والمرايا،‮ ‬والسجان سجان،‮ ‬ولو كان من الجنس اللطيف،‮ ‬أو من الجنس الخشن،‮ ‬أو كان من الملائكة أو من الشياطين،‮ ‬أنا‮ ‬يا ابنة عمي‮ ‬لست كائنا بيتيا‮ .. ‬
نجمـــــــــة‮: ‬ آه‮ .. ‬هكذا‮ .. ‬لست كائنا بيتيا،‮ ‬وماذا تكون ؟
أبو الغرائب‮: ‬ أنا كائن وحشي‮ ..‬
نجمــــــــة‮:‬ كل وحشي‮ ‬يدجن‮ ‬‮( ‬تضحك‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ أنا رجل سوقي‮ ..‬
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ أعرف‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أصحو ليلا،‮ ‬وأنام نهارا،‮ ‬ولا أشتغل إلا خارج الليل والنهار‮ .. ‬أنا طائر من الطيور النادرة الحرة،‮ ‬إنني‮ ‬أعيش القلق‮ ‬يا نجمة،‮ ‬ولا أحيا إلا بالقلق،‮ ‬وتضيق بي‮ ‬الأرض،‮ ‬ولا تسعني‮ ‬إلا السماء‮..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وأجمل ما‮  ‬في‮ ‬الزواج أيها المجنون،‮ ‬أنه حرية‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬ والحرية أقبلها‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ وأنه مسؤولية أيضا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أعوذ بالله من المسؤولية،‮ ‬إنني‮ ‬لا أليق بها‮ ‬يا نجمة،‮ ‬وهي‮ ‬لا تليق بي‮ .. ‬وأنا رجل،‮ ‬يحب أن‮ ‬يكون سائلا،‮ ‬ومتسائلا،‮ ‬وألا‮ ‬يكون مسئولا أبدا‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ والزواج استقرار أيها الرجل‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬‮ ‬ لا شيء مستقر في‮ ‬هذه الحياة‮ ‬يا بنت الناس،‮ ‬ولا شيء ثابت في‮ ‬هذا الوجود،‮ ‬وكيف تريدين أن نكون نحن جامدين،‮ ‬وكل شيء فينا ومن حولنا‮ ‬يتغير؟
نجمــــــــة ‮: ‬في‮ ‬الزواج‮ ‬يكمن شيء من التوازن‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وأنا لا اكره شيئا أكثر من التوازن‮ .. ‬
نجمـــــــــة‮: ‬ ومع الزواج،‮ ‬يأتي‮ ‬الأبناء‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ مرة أخري‮ ‬الأبناء؟
نجمـــــــــة‮: ‬ وهم زينة الحياة الدنيا،‮ ‬ومعهم ندرك الحكمة،‮ ‬ونصبح أهلا لأن نمارس التربية‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ التربية؟ أنا أربي؟ ألا تعرفين؟ لقد مات أبي،‮ ‬وماتت أمي،‮ ‬قبل أن‮ ‬يكملا تربيتي،‮ ‬وإلي‮ ‬الآن،‮  ‬مازلت بلا تربية،‮ ‬ولو عرضت علي‮ ‬أن تكوني‮ ‬أمي‮ ‬لكان أحسن‮ .. ‬
نجمـــــــــة‮: ‬ أنا أمك؟‮ ‬
أبو الغرائب‮: ‬ كوني‮ ‬أمي،‮ ‬أو كوني‮ ‬أختي،‮ ‬فذلك أحسن لك ولي‮ ‬يا نجمة،‮ ‬صدقيني‮ .. ‬
نجمـــــــــة‮:‬‮  ‬ كيف أصدقك أيها المجنون؟
أبو الغرائب‮: ‬ اسمعي‮ ‬يا ابنة عمي،‮ ‬معي‮ ‬أنا ستجدين ولدا جميلا جاهزا،‮ ‬ولن تتعبي‮ ‬في‮ ‬حمله،‮ ‬ولا في‮ ‬وضعه،‮ ‬ولا في‮ ‬تربيته،‮ ‬ولن‮ ‬يقول لك،‮ ‬خذيني‮ ‬معك إلي‮ ‬حمام النساء،‮ ‬ما رأيك؟
نجمـــــــــة‮:‬‮ ‬ عندما تكون جادا،‮ ‬سيكون لي‮ ‬رأي‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: ‬ بأذني‮ ‬يا نجمة‮ ‬،‮ ‬سمعت متزوجا بئيسا‮ ‬يلعن كل المتزوجين المذنبين‮ ..‬
نجمـــــــــة‮: ‬ من‮ ‬يلعن المتزوجين لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون منهم‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ هل تعرفين ماذا قال هذا المذنب العاصي؟
نجمـــــــــة‮: ‬ ماذا قال؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ قال‮ .. ‬إنني‮ ‬ألعن الذين تزوجوا قبلي‮ ‬والذين تزوجوا بعدي‮ ‬أيضا،‮ ‬لأن الذين تزوجوا قبلي‮ ‬لم‮ ‬ينصحوني،‮ ‬والذين تزوجوا بعدي‮ ‬لم‮ ‬يستشيروني‮ ‬لأنصحهم‮ ..‬
نجمـــــــــة‮:  ‬ ملعون أنت وملعون صاحبك هذا‮ ..   ‬
‮( ‬تدير وجهها وتنصرف‮ ‬غاضبة‮ ‬،‮ ‬يبقي‮ ‬أبو الغرائب‮  ‬وحده‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ انتظري‮ .. ‬لم أكمل كلامي‮ ‬بعد‮ .. ‬يا نجمة‮ .. ‬لا تفهميني‮ ‬خطأ‮ ..‬
‮ ‬ ‮(‬تختفي‮ ‬بقعة الضوء،‮ ‬وتعود الإضاءة كما كانت‮ )‬
4‮ - ‬أبو الغرائب‮:  ‬يفسر‮ ‬غرابته‮..‬
‮( ‬تعود الإضاءة كاملة إلي‮ ‬المسرح،‮ ‬أبو الغرائب‮:  ‬مع الرجلين في‮ ‬نفس المقهي‮  )‬
الرجل الأول‮: ‬ إنني‮ ‬حائر في‮ ‬أمرك أيها الرجل الغريب‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنا الغريب بين الغرباء،‮ ‬والتائه بين التائهين،‮ ‬غريب وعجيب قليلا،‮ ‬وبالتأكيد أنتما أغرب مني‮ .. ‬تعرفان عني‮ ‬كل شيء،‮ ‬ولا أعرف عنكما أي‮ ‬شيء،‮ ‬فمن تكون أنت ؟
الرجل الأول‮: ‬ أنا أخوك ميمون بن ميمون‮  ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أهلا بميمون،‮ ‬وأنت ؟
الرجل الثاني‮: ‬ وأنا ابن عمك سعيد بن مسعود‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لم تخبرني،‮ ‬ما الذي‮ ‬يحيرك في‮ ‬أمري‮ ‬يا ميمون؟
الرجل الأول‮: ‬ إن أكثر هذا الذي‮ ‬تقول،‮ ‬ويقول الناس عنك،‮ ‬لا أستطيع أن أصدقه‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ إن كنت لا تستطيع أن تصدق،‮ ‬فلا تصدق،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يجبرك علي‮ ‬ذلك،‮ ‬نحن علينا أن نقول،‮ ‬وأنتم عليكم أن تسمعوا،‮ ‬وهذا كل ما في‮ ‬الأمر‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ ما أغربك أيها الرجل،‮ ‬وما أغرب هذه الدنيا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ اسمع‮ ‬يا ميمون بن ميمون،‮ ‬وأنت أيضا‮ ‬يا سعيد بن مسعود،‮ ‬وأضيفا إلي‮ ‬معلوماتكما‮.. ‬هذا إذا كانت لكما معلومات طبعا‮.. ‬‮( ‬يضحكون‮)‬‮ ‬إنه ليس ضروريا أبدا،‮ ‬ألا نأخذ الحقيقة إلا من أفواه العاقلين وحدهم‮ ‬،‮ ‬وألا نأخذ الحكمة إلا من الحكماء،‮ ‬وألا نقبل العلم إلا من العلماء،‮ ‬وألا نسمع الشعر إلا من الشعراء،‮ ‬وألا نسمع الموسيقي‮ ‬إلا من العود أو من الناي‮ ‬أو من الكمان‮..‬
الرجل الثاني‮: ‬ ماذا تريد أن تقول أيها الغريب ؟
أبو الغرائب‮: ‬ إنني‮ ‬أقول‮ ‬يا صاحبي،‮ ‬إن الحكمة‮ ‬يمكن أن نسمعها من أفواه الأطفال،‮ ‬وأن نأخذها من أقوال ومن أفعال المجانين والحمقي‮ ‬أمثالي،‮ ‬يمكن أن نقتبسها من طائر‮ ‬يطير،‮ ‬أو أن نستوحيها من ضوء هذا النهار،‮ ‬أو من ظلمة ذلك الليل،‮ ‬أو من رقة النسيم،‮ ‬أو من قوة الريح،‮ ‬أو من عنف العاصفة،‮ ‬أو أن نقرأها في‮ ‬صوت الرعد أو في‮ ‬وميض البرق‮ ..‬
الرجل الأول‮:‬‮ ‬ يا صاحبي،‮ ‬إن السلامة في‮ ‬الاستقامة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮  ‬ وكيف لي‮ ‬أن أكون مستقيما،‮ ‬وكل هذه الطرق معوجة ؟
الرجل الثاني‮: ‬ إن كانت معوجة فقومها‮  ‬أنت‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنا ؟ لا أستطيع‮ ‬يا صاحبي،‮ ‬ولا أحد‮ ‬غيري‮ ‬يمكن أن‮ ‬يستطيع‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ يمكن أن نساعدك نحن‮.. ‬أنا وصاحبي‮ ‬سعيد بن مسعود‮..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ (‬ يضحك‮ )‬‮ ‬وحتي‮ ‬ولو ساعدتني‮ ‬الجن والشياطين والغيلان كلها،‮ ‬فلن أستطيع شيئا‮ ..‬
الرجل الثاني‮:‬‮ ‬ أيكون ذلك هو ما‮  ‬نسميه المحال ؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ نعم،‮ ‬هو المحال القطعي،‮ ‬وما علينا سوي‮ ‬أن نرضي‮ ‬بالذي‮ ‬هو كائن،‮ ‬وأن نأخذ الأشياء كما هي،‮ ‬وأن نتكيف مع كل مناخ،‮ ‬وأن نتأقلم مع كل طقس،‮ ‬وألا نطلب أن تكون سنة الله علي‮ ‬غير ما هي‮ ‬عليه‮ .. ‬
الرجل الأول‮: ‬ هذا جنون‮ ‬يا صاحبي‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬وقد رضيت به،‮ ‬ورضي‮ ‬بي،‮ ‬وشكرت الله عليه،‮ ‬وإنني‮ ‬لا أريد أن أكون رجلا متزنا،‮ ‬في‮ ‬أوطان‮ ‬غير متزنة،‮ ‬أو أن أكون جادا،‮ ‬في‮ ‬أزمان‮ ‬غير جادة،‮ ‬أو أن أعيش بعقل كبير،‮ ‬بين المجانين والحمقي،‮ ‬وأن أشقي‮ ‬في‮ ‬مدن بلا روح وبلا عقل‮.. ‬مصيبتي،‮ ‬أنني‮ ‬أفعل الأشياء الجيدة بشكل سيئ،‮ ‬وأنني‮ ‬أفعل الأشياء السيئة بشكل جيد،‮ ‬وهذا كل ما أقدر عليه‮ .. ‬لقد علمتني‮ ‬الأيام والليالي‮ ‬ألا أكون كونا مغلقا،‮ ‬وإنني‮ ‬أعيش هذا اليوم،‮ ‬كما‮ ‬يشاء هذا اليوم،‮ ‬وغدا سوف أكون شخصا آخر،‮ ‬وكما وجدت الناس فيه،‮ ‬سوف أكون،‮ ‬فمع المجانين سأكون مجنونا‮ ..‬
الرجل الثاني‮:‬ ومع العقلاء،‮ ‬من أمثالنا نحن،‮ ‬كيف‮ ‬يمكن أن تكون؟
أبو الغرائب‮: ‬ سأحاول أن أكون عاقلا،‮ ‬مؤقتا طبعا،‮ ‬وحتي‮ ‬إشعار آخر‮.. ‬تذكر‮ ‬يا صاحبي،‮ ‬أن كل شيء في‮ ‬حياتنا مؤقت‮ .. ‬‮(‬يضحك‮)   ‬
الرجل الأول‮: ‬ ومع الكرماء؟
أبو الغرائب‮: ‬ سأكون كريما،‮ ‬وأقول حيا الله الكرم‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ وإذا وجدت نفسك بين البخلاء؟
أبو الغرائب‮: ‬ أعوذ بالله،‮ ‬سأفوض أمري‮ ‬إلي‮ ‬الله،‮ ‬وأقول لا حول ولا قوة إلا بالله،‮  ‬وأكون في‮ ‬الظاهر واحدا منهم،‮ ‬وفي‮ ‬السر ألعنهم،‮ ‬وألعن آباءهم وأجدادهم‮ .. ‬إنني‮ ‬رائع إذا أراد الله،‮ ‬ومنافق إذا شاء الوقت،‮ ‬وتافه إذا أراد الناس ذلك‮ .. ‬وفي‮ ‬أحيان كثيرة،‮ ‬أجد نفسي‮ ‬مجبرا علي‮ ‬أن أكون بليدا ومغفلا،‮ ‬وإن لم أفعل ذلك،‮ ‬حينا بعد حين،‮ ‬فإنه لابد أن تدوسني‮ ‬عجلات الأيام،‮ ‬وأن تطحنني‮ ‬طواحين اللئام‮..  ‬الرجل الأول‮: ‬ أنت رجل ذكي‮  ‬يا صاحبي‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أبدا،‮ ‬والله ما أنا إلا رجل‮ ‬غبي،‮ ‬والجديد في‮ ‬أمري،‮ ‬أنني‮ ‬أعرف أنني‮ ‬غبي‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ والغبي‮ ‬الذي‮ ‬يعرف أنه‮ ‬غبي،‮ ‬ويقول أنا‮ ‬غبي،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون‮ ‬غبيا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وماذا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون‮ ‬يا سعيد بن مسعود؟
الرجل الأول‮:‬‮ ‬ يكون نصف‮ ‬غبي،‮ ‬أو ربع‮ ‬غبي،‮ ‬ومن‮ ‬يعرف أنه مجنون،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون إلا حكيما مثلك‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وهل أنا فعلا كذلك ؟
الرجل الثاني‮:‬‮  ‬ لست أدري‮ .. ‬
أبو الغرائب‮: (‬ للرجل الأول‮)‬‮ ‬لم تخبرني‮ ‬أنت،‮ ‬ماذا جئت تصنع في‮ ‬هذه المدينة؟
الرجل الأول‮: ‬ جئت أبحث عن عمي،‮ ‬وهذه هي‮ ‬صورته‮ .. ‬انتظر لحظة،‮ ‬لقد وضعتها في‮ ‬هذا الجيب‮.. ‬لا في‮ ‬هذا‮ .. ‬أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،‮ ‬أين هي‮ ‬الصورة؟ أين هي؟‮ ‬‮( ‬يفتش في‮ ‬جيوبه‮ ) ‬آه‮ .. ‬وجدتها‮ . . ‬‮( ‬يخرج من جيبه صورة شمسية ويقربها من عينيه‮)‬‮ .. ‬انظر‮ ..‬
أبو الغرائب‮: (‬ وهو‮ ‬ينظر إلي‮ ‬الصورة‮) ‬هذا ليس عمك أيها المحتال،‮ ‬ولكنه أنت‮ ..‬
الرجل الثاني‮: (‬وهو‮ ‬يطل علي‮ ‬الصورة‮)‬‮ ‬تماما،‮ ‬ليس في‮ ‬الصورة إلا أنت‮ .. ‬أيها المحتال‮..‬
الرجـل الأول‮:‬ أنا ؟ أبدا‮ ‬يا صاحبي،‮ ‬وحق الله هو عمي،‮ ‬وهو‮ ‬يشبهني،‮ ‬وأنا أشبهه،‮ ‬وكلنا في‮ ‬عائلة بني‮ ‬خيبان نتشابه بشكل كبير‮.. ‬نتشابه كالبقر‮ .. ‬‮( ‬يضحكون‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ تماما،‮ ‬وهذا ما لاحظته أنا أيضا‮..‬
الرجل الأول‮: ‬ وماذا لاحظت‮ ‬يا صاحبي؟
أبو الغرائب‮: ‬ لاحظت أن في‮ ‬وجوهكم ملامح كثيرة من وجوه البقر‮ .. ‬‮( ‬يضحك‮) ‬أقول هذا،‮ ‬وأعتذر للبقر‮ .. ‬‮( ‬يضحكون‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ وماذا جري‮ ‬لعمك هذا،‮ ‬حتي‮ ‬جئت تبحث عنه ؟
الرجل الأول‮:‬‮ ‬ لقد خرج من بيت جدي‮ ‬وهو صغير،‮ ‬وضاع في‮ ‬أرض الله الواسعة،‮ ‬وفي‮ ‬الأيام الأخيرة،‮ ‬وصلتنا أخبار،‮ ‬بأن عمي‮ ‬حي،‮ ‬وبأنه‮ ‬يعيش في‮ ‬هذه المدينة،‮ ‬وبأنه قد أصبح من الأغنياء الكبار فيها‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ ما أسعدك بعمك الغني‮.. ‬أنت المحظوظ فينا‮  ‬كلنا‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ اذكرنا عند عمك بخير‮ ‬يا صاحبي‮ ..‬
أبو الغرائـب ‮:‬‮ ‬وجئت لترثه وهو علي‮ ‬قيد الحياة؟
الرجل الأول‮: ‬ لا أحد‮ ‬يعلم إن كان مازال علي‮ ‬قيد الحياة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أما أنا،‮ ‬فقد ورثت المرحوم أبي،‮ ‬وأصبحت ـ مؤقتا ـ من الأغنياء،‮ ‬وإنني‮ ‬أطحن أمواله طحنا،‮ ‬وإنني‮ ‬أدعوكما لأن تستفيدا من كرمي،‮ ‬قبل أن تنفذ أموالي،‮ ‬وأرجع إلي‮ ‬حجمي‮ ‬الحقيقي‮ .. ‬اتبعاني‮ ‬وسوف أريكما العجب‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ نتبعك‮ .. ‬إلي‮ ‬أين؟
أبو الغرائب‮: ‬ إلي‮ ‬أين؟ أنا نفسي‮ ‬لا أعرف إلي‮ ‬أين‮ .. ( ‬يخرجون من جهة لتظهر المرأة المتسولة من الجهة الأخري‮ .. ‬تجري‮ ‬خلفهم من‮ ‬غير أن‮ ‬يشعروا بها‮ .. ‬ظلام‮)    ‬
5‮ ‬ــ أبو الغرائب مع قارئة الكف‮: ‬
‮(‬تعود الإضاءة‮ ‬،‮ ‬يدخل أبو الغرائب‮:  ‬وهو في‮ ‬حالة حيرة وقلق‮ .. ‬يمشي‮ ‬خطوات ثم‮ ‬يتوقف‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ إلي‮ ‬أين كنت ذاهبا ؟ تزاحمت في‮ ‬ذهني‮ ‬الصور،‮ ‬ولم أعد أذكر شيئا،‮ ‬وقبل هذا الوقت،‮ ‬أين كنت‮ ‬يا أنا؟ مرة أخري‮ ‬أقول لا أذكر‮ .. ‬يظهر أنني‮ ‬أدور في‮ ‬دائرة مفرغة،‮ ‬وأنني‮ ‬ألتف حول نفسي،‮ ‬ويخيل لي‮ ‬بأنني‮ ‬أسير وأمشي،‮ ‬وأنا لا أمشي‮ .. ‬ما نحن إلا مخلوقات ضائعة في‮ ‬كون ضائع‮ ..‬
‮( ‬تدخل نجمة،‮ ‬وهي‮ ‬متنكرة في‮ ‬زي‮ ‬غجرية‮ .. ‬تنظر إليه من بعيد نظرة إشفاق،‮ ‬وتخرج‮)‬
لقد رحلت،‮ ‬وابتعدت،‮ ‬وتغيرت من حولي‮ ‬أسماء الأمكنة،‮ ‬وتغيرت أسماء نفس البلدان،‮ ‬وتتابعت الأوقات بعد الأوقات،‮ ‬ولكن،‮ ‬هل تغير روح الأشياء؟ هذه السماء،‮ ‬هي‮ ‬نفسه السماء،‮ ‬وهذه الأرض التي‮ ‬أمشي‮ ‬عليها،‮ ‬هي‮ ‬دائما نفس الأرض‮.. ‬لا شيء تغير،‮ ‬نفس الشمس التي‮ ‬تشرق في‮ ‬كل مكان،‮ ‬ونفس القمر الذي‮ ‬يضيء في‮ ‬هذه السماء،‮ ‬ونفس النجوم‮ ‬،‮ ‬ونفس الظلمة التي‮ ‬تحاصرنا مساء كل‮ ‬يوم‮.. ‬لا جديد إلا الملل والسأم‮ ..‬
‮( ‬تعود نجمة الغجرية،‮ ‬تقترب منه،‮ ‬وكأنها لا تراه‮ .. ‬ينظر إليها‮)‬
صدقت نجمة الأرض‮ .. ‬أصابت هي،‮ ‬وأخطأت أنا‮ .. ‬فعلا،‮ ‬كل نساء الدنيا،‮ ‬يمكن أن تختزلهن امرأة واحدة،‮ ‬وتتعدد الأسماء،‮ ‬وتختلف الأزياء،‮ ‬وهن في‮ ‬النهاية،‮ ‬روح واحد أوحد‮ ..‬
قارئة الكف‮: : ‬ ‮(‬وكأنها تكلم نفسها‮ )‬‮ ‬قالت الغجرية جدتي،‮ ‬وهي‮ ‬امرأة حكيمة،‮ ‬
إن ذلك الذي‮ ‬نقترب منه أكثر،‮ ‬ندركه بشكل أحسن،‮ ‬وأن ما ندركه نعرفه،‮ ‬وما نعرفه نألفه،‮ ‬ونستأنس به،‮ ‬وما نألفه ونتعود عليه،‮ ‬يصبح عاديا،‮ ‬ومن طبيعة الأشياء العادية،‮ ‬ألا تكون‮ ‬غريبة،‮ ‬وألا تكون عجيبة،‮ ‬وألا تدهشنا ولا تثيرنا،‮ ‬وتكون معنا وبيننا دائما ولا نراها‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ ماذا تقول هذه المرأة الغجرية ؟ كأني‮ ‬بها تقصدني‮ ‬أنا‮ ..‬
قارئة الكف‮: (‬وهي‮ ‬تنظر إليه‮ )‬‮ ‬كل ما‮ ‬يسحرنا‮ ‬يدهشنا،‮ ‬وللسحر لحظة واحدة ثم‮ ‬يزول،‮ ‬ولا أحد‮ ‬ينخدع بنفس السحر مرتين‮.. ‬لا أحد،‮ ‬إلا المغفلون‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أي‮ ‬سحر تقصد هذه المرأة ؟ إنها تنظر إلي،‮ ‬وكأنني‮ ‬مذنب في‮ ‬
حقها‮.. ‬من أنت أيتها المرأة ؟
قارئة الكف‮: (‬تضحك‮)‬‮ ‬من أنا ؟ لقد أجبت نفسك وأنت لا تدري‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أجبت نفسي؟
قارئة الكف‮: ‬ أنا امرأة،‮ ‬لقد قلتها أنت،‮ ‬وسمعتها أنا،‮ ‬وفي‮ ‬جسد كل امرأة تسكن كل نساء الكون‮.. ‬أنا هي‮ ‬وهي‮ ‬أنا‮..‬
أبو الغرائب‮: (‬ لنفسه‮)‬‮ ‬كأنني‮ ‬سمعت هذا الكلام من قبل‮.. ‬أنت امرأة،‮ ‬وأنا لم أقل عكس هذا‮.. ‬يا سبحان الله،‮ ‬إنها تشبه نجمة‮..‬لم تخبريني‮ .. ‬ما هي‮ ‬مهنتك ؟
قارئة الكف‮: ‬ اسألني‮ ‬عن اسمي‮ ‬أولا،‮ ‬فقد‮ ‬يهمك‮ .. ‬اسمي‮ ‬نجمة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا الله‮ .. ‬حتي‮ ‬أنت نجمة ؟
قارئة الكف‮: ‬ نجمة واحدة بين النجوم،‮ ‬ولست كل النجوم‮ .. ‬
أبو الغرائب‮:(‬ لنفسه‮)‬‮ ‬اسمها نجمة‮..‬
قارئة الكف‮: ‬  وإن كانت نجمة واحدة‮ ‬يمكن أن تخنزل كل النجوم‮..‬
قارئة الكف‮: ‬ أما مهنتي،‮ ‬فهي‮ ‬أن‮ ‬يكتب الله في‮ ‬سمائه ما‮ ‬يشاء،‮ ‬وأن أقرأ أنا في‮ ‬لوحه ما أقدر عليه‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وماذا تقرئين ؟
قارئة الكف‮: ‬ أقرأ خطوط الكف،‮ ‬وأقرأ عمق الفنجان،‮ ‬وأقرأ أوراق اللعب‮..  ‬وأقرأ حبات الرمل،‮ ‬وأقرأ الوجوه وما خلف الوجوه‮ .. ‬إنني‮ ‬‮(‬شوافه‮)‬‮ ‬وعرافة،‮ ‬ومهمتي‮ ‬أن أري‮ ‬ما لا‮ ‬يراه المبصرون العميان،‮ ‬وأن أعرف ما لا‮ ‬يعرفه الغافلون‮ .. ‬‮(‬تضحك في‮ ‬دلال‮ )‬
أبو الغرائب‮: ‬ وهل تعرفين من أكون أنا؟ ولماذا أنا الآن هنا ؟
قارئة الكف‮: ‬ أنت جاهل،‮ ‬يحمل جهله فيه،‮  ‬وجهله‮ ‬يهرب منه‮ .. ‬أنت رجل من الناس‮ ‬،‮ ‬يظن أنه‮ ‬يطير في‮ ‬السماء،‮ ‬وهو‮ ‬يزحف علي‮ ‬بطنه في‮ ‬الأرض‮ ..‬
أبو الغرائب‮: (‬يضحك‮ )‬‮ ‬لا،‮ ‬أخطأت‮ ..‬
 قارئة الكف‮: ‬ عمرك لحظة واحدة،‮ ‬لا أقل ولا أكثر،‮ ‬لحظة مقتطعة من زمن‮ ‬
جاهلي‮ ‬أعمي‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ ماذا تقولين‮ ‬يا امرأة؟ ما أنا إلا رجل‮ ‬يبحث‮ ..‬
قارئة الكف‮: ‬ أعرف،‮ ‬ولكنك تبحث عن مجهول‮..‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ في‮ ‬يوم من الأيام،‮ ‬سيصبح هذا المجهول‮  ‬معلوما‮ ..‬
قارئة الكف‮: ‬ ها‮ .. ‬هذا ما لن‮ ‬يتحقق أبدا‮ .. ‬‮( ‬وهي‮ ‬تمسك بكفه‮)‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ لن‮ ‬يتحقق؟ ولماذا أيها الغجرية؟
قارئة الكف‮:‬‮ ‬ تسألني‮ ‬لماذا؟ لأنه‮ .. ‬غير موجود‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وكيف عرفت أنت هذا؟
قارئة الكف‮: ‬ ‮(‬وهي‮ ‬تنظر إلي‮ ‬كفه‮)‬‮ ‬يسألني‮ ‬كيف عرفت؟ كفك قال كل شيء‮ .. ‬أنت ليس في‮ ‬كفك إلا هذا الذي‮ ‬أقول،‮ ‬وتأكد بأنك لن تجد شيئا أبدا‮.. ‬هل تعرف لماذا ؟
أبو الغرائب‮: ‬ لماذا ؟
قارئة الكف‮: ‬ لأنك لا تبحث إلا عن الخواء‮ .. ‬أنت الآن ضائع وتائه‮.. ‬قلها ولا تخجل‮ .. ‬اعتبرني‮ ‬مثل أمك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ مثل أمي‮ ‬؟
قارئة الكف‮: ‬ مثلا‮ .. ‬أو مثل ابنة عمك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وأين هي‮ ‬ابنة عمي؟
قارئة الكف‮: ‬ ‮(‬ لنفسها‮)‬‮ ‬ضيعتها‮ .. ‬أو مثل الطبيب الذي‮ ‬تقول له كل شيء‮ ..‬
أبو الغرائب‮:  ‬ ‮(‬لنفسه‮ )‬‮ ‬وهل أنت فعلا طبيب؟ وأي‮ ‬طبيب في‮ ‬الدنيا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعرف دائي‮ ‬ودوائي؟
قارئة الكف‮: ‬ بح أمامي‮ ‬بكل شيء،‮ ‬فالبوح نصف العلاج‮ .. ‬قل كل شيء،‮ ‬ولا تخف عني‮ ‬أي‮ ‬شيء،‮ ‬فليس بين العليل وطبيبه أسرار‮ .. ‬اعترف‮ ‬يا أيها الغريب‮ .. ‬أنت اليوم ضائع بين الضائعين‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا لا‮ .. ‬لست ضائعا،‮ ‬ولكنني‮ ‬فقط حائر‮ .. ‬حائر قليلا‮ .. ‬هي‮ ‬حالة عابرة‮ ‬يا امرأة،‮ ‬وسوف تمضي‮ ..‬
قارئة الكف‮:‬‮ ‬ قال سوف تمضي‮ .. ‬هل تدري‮ ‬أيها الغريب،‮ ‬أن ذلك الذي‮ ‬نبحث عنه،‮ ‬قد‮ ‬يكون الآن بيننا ونحن لا ندري،‮ ‬قد‮ ‬يكون هنا‮ ‬،‮ ‬قريبا منك ومني،‮ ‬ونحن لا نراه‮ .. ‬آه ما أغبانا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ لا نراه ؟
قارئة الكف‮: ‬ وقد نراه بعيدا جدا،‮ ‬ونسافر إليه،‮ ‬ونقطع الأنهار والبحار،‮ ‬ونعير السهول والجبال،‮ ‬ويكون تعبنا بلا معني‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ أنا لا أبحث عن شيء،‮ ‬ولكنني‮ ‬أبحث عن امرأة‮ ..‬
قارئة الكف‮: ‬ وهذه المرأة،‮ ‬تركتها هناك‮ ‬،‮ ‬وجئت تبحث عنها هنا،‮ ‬ألا ما أغباكم أيها الرجال‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا الله‮ .. ‬هذا الصوت‮..‬
قارئة الكف‮: ‬ ماذا به صوتي؟
أبو الغرائب‮: ‬ كأنني‮ ‬أعرفه‮ ..‬
قارئة الكف‮: ‬ كأنه‮ ‬يشبه صوت نجمة،‮ ‬أليس كذلك ؟ ولكنه ليس صوتها‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ عجبا،‮ ‬هي‮ ‬تعرف اسم نجمة‮..‬
قارئة الكف‮: (‬ تضحك‮) ‬ومن في‮ ‬كل الدنيا من لا‮ ‬يعرف نجمة؟ هذا الصوت،‮ ‬هو صوت نفسك الحقيقية،‮ ‬وإنني‮ ‬أكلمك من داخلها‮ ‬،‮ ‬فأنصت إلي‮ ‬نبض روحك،‮  ‬أنصت إليها تسمع الغرائب‮ ‬يا‮ .. ‬أبا الغرائب‮ ..‬
‮(‬ تنطق اسمه وتخرج‮)‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ نطقت اسمي‮ ‬أنا أيضا‮.. ‬هي‮ ‬تعرفني‮ ‬إذن،‮ ‬وتعرف نجمة ابنة عمي‮  .. ‬انتظري‮ ‬أيتها المرأة الغجرية‮ .. ‬بالله انتظري‮ .. ‬‮( ‬يجري‮ ‬خلفها‮ .. ‬ظلام‮)‬
6‮ - ‬المتسولة الخرساء تشبه نجمة
‮( ‬فضاء مقهي‮ ‬الغرباء‮ .. ‬تدخل المتسولة التي‮ ‬تشبه نجمة،‮ ‬تنتقل بين رواد المقهي‮ ‬بخفة ورشاقة‮ ‬،‮ ‬تنظر إليهم من‮ ‬غير أن تمد‮ ‬يدها،‮ ‬ومن‮ ‬غير أن تنطق بأية كلمة‮ .. ‬يدخل أبو الغرائب‮:  .. ‬يتأملها من بعيد‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ هذه المتسولة الخرساء‮ .. ‬إنها تشبهها بشكل‮ ‬غريب،‮ ‬تشبه نجمة ابن عمي‮ .. ‬أول مرة رأيتها،‮ ‬قلت هي،‮ ‬ودق قلبي،‮ ‬وحنت نفسي‮ ‬إلي‮ ‬بلدي،‮ ‬وإلي‮ ‬أهلي،‮ ‬وإلي‮ ‬صحبي‮ .. ( ‬وهو‮ ‬ينظر إليها نظرة إشفاق‮) ‬يا الله‮ .. ‬ألا‮ ‬يكفي‮ ‬أن تكونخرساء،‮ ‬حتي‮ ‬تكون متسولة أيضا ؟ كل ذنبها أنها تعيش في‮ ‬عالم ظالم‮ .. (‬يقترب منها،‮ ‬ويناديها‮) ‬يا آنسة‮ .. ‬يا بنت الناس‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تلتفت إليه،‮ ‬وفي‮ ‬وجهها بقايا ابتسامة بريئة‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ آ‮ .. ‬تسمعين؟
المتسولـــة ‮(‬ تشير إليه أن نعم‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا سبحان الله‮ .. ‬نفس الملامح والقسمات،‮ ‬ونفس الالتفاتة،‮ ‬ونفس الابتسامة الصافية‮ .. ‬ولكنك لا تتكلمين؟
المتسولـــة‮: ‬‮(‬إشارة نعم برأسها‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬لم تنصفك هذه الحياة الغريبة،‮ ‬ولا أنصفك هذا المجتمع الظالم‮ ( ‬لنفسه،‮ ‬وهو‮ ‬ينظر إليها نظرة إشفاق‮ ‬‮) ‬يا الله‮ ..‬خرساء ومتسولة؟
المتسولـــة‮: (‬تطرق برأسها،‮ ‬بحزن‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ هل أنت من هذه المدينة ؟
المتسولــــة‮:‬ ‮(‬إشارة لا‮ )‬
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ وهل أنت‮ .. ‬لا قدر الله،‮ ‬متزوجة ؟
المتسولـــة‮:‬‮ (‬ تضحك في‮ ‬حياء،‮ ‬وتشير أن لا‮ ) ‬
بو الغرائب‮:‬ ماذا أقول لك‮ ‬يا بنت الناس؟ حقا أنت خرساء،‮ ‬ولكن عيون كل الرجال عوراء وحولاء وعمياء‮ ‬،‮ ‬وأنا‮ .. ‬ولا فخر،‮ ‬أول العميان‮.. ‬اللعنة علي‮ .. ‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬تضحك ولا تجيب‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ وما هو اسمك‮ ‬يا‮  ‬آنسة ؟
المتسولـــة‮: (‬تشير بيدها إلي‮ ‬السماء‮)‬
أبو الغرائب‮: (‬ وهو‮ ‬ينظر إلي‮ ‬الأعلي‮)‬‮ ‬اسمك سماء‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬إشارة لا‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ اسمك‮ .. ‬غيمة ؟
المتسولـــة‮:‬‮ (‬إشارة لا‮ )‬
أبو الغرائب‮: ‬ اسمك قوس فزح ؟
المتسولـــة‮:‬ ‮(‬ إشارة لا‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ عرفت‮ .. ‬اسمك قمر،‮ ‬أو بدر،‮ ‬أو الثريا‮ ..‬
المتسولـــة‮:‬ ‮(‬تشير إليه تقريبا‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ آ‮ .. ‬ألا‮ ‬يكون اسمك‮ .. ‬نجمة؟
المتسولـــة‮:‬‮ (‬ فرحة‮ .. ‬تصفق بيديها،‮ ‬هو ذاك‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ يا سبحان الله‮ .. ‬تشبهين نجمة ابنة عمي،‮ ‬وتتقاسمان كل شي،‮ ‬حتي‮ ‬الاسم‮ ‬،‮ ‬فقط،‮ ‬هي‮ ‬تتكلم كثيرا،‮ ‬وأنت لا تتكلمين،‮ ‬وصمتك ـ لو تعرفين ـ أبلغ‮ ‬من كلامي‮ ‬ومن كلامها،‮ ‬وأبلغ‮ ‬من كلام كل المتكلمين‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تفهمه ـ بالإشارة ـ بأنها لم تفهم‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ آه‮ .. ‬نسيت أن أقول لك‮ ‬يا نجمة،‮ ‬بأن لدي‮ ‬ابنة عم رائعة،‮ ‬تشبهك في‮ ‬كل شيء،‮ ‬واسمها نجمة‮..‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬إشارة مثلي‮ ‬أنا؟‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬مثلك أنت؟ لا‮ ‬،‮ ‬بل هو أكثر‮ ‬يا نجمة‮ .. ‬هي‮ ‬أنت وأنت هي‮ .. ‬أنتما روح في‮ ‬جسدين‮ ..‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬تشير إليه في‮ ‬حياء،‮ ‬هل تزوجتها؟‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ هل تزوجتها؟‮ ( ‬بأسف‮) ‬لا‮ ..‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬إشارة ولماذا؟‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ لماذا؟ لأنني‮ ‬أعمي،‮ ‬ومغفل،‮ ‬وأحمق‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تشير إليه،‮ ‬بأنك لست أعمي،‮ ‬ولست أحمق‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ ما أضيق هذا العالم‮ ‬يا نجمة،‮ ‬وما أغرب ما تصنعه الأيام والليالي‮ ‬بنا‮ .. (‬يتأمل وجهها عن قرب‮) ‬ما كنت أعرف أن نجمة جميلة إلا عندما رأيتك أنت‮ .. ‬أكان ضروريا‮ ‬يا ربي،‮ ‬ألا أرٍاها في‮ ‬صورتها الحقيقية،‮ ‬إلا بعد أن أقطع السهول والجبال،‮ ‬وبعد أن أجتاز الأنهار والوديان،‮ ‬وبعد أن أبتعد عنها؟
المتسولـــة‮: (‬تسأل،‮ ‬هل أنت حزين؟‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم‮ .. ‬أنا حزين‮ ‬يا نجمة،‮ ‬لأنني‮ ‬ضيعت نجمة،‮ ‬وسعيد أيضا،‮ ‬لأنني‮ ‬وجدت نجمة‮ ..‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬تشير إليه بأن الفرق بينها وبين نجمة الأخري‮ ‬كبير جدا،‮ ‬وأنه لا مجال للمقارنة بينهما‮ .. ‬أنا نجمة منطفئة في‮ ‬الأرض،‮ ‬وهي‮ ‬نجمة مضيئة في‮ ‬السماء‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا لا‮ .. ‬لا فرق بينكما‮ .. ‬إلا في‮ ‬اللباس‮ ( ‬يخرج من جيوبه أوراقا نقدية‮) ‬خذي‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تسأل بالإشارة ما هذا؟‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ هذه حصتك من المال لهذا اليوم‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل‮ ‬يوم ألقاك فيه،‮ ‬لك مني‮ ‬نفس القدر أو أكثر‮..‬
المتسولـــة‮:‬‮ (‬وهي‮ ‬تنظر إلي‮ ‬الأوراق النقدية‮ .. ‬تشير إلي‮ ‬أن هذا شيء كثير‮ .. ‬كثير جدا‮ ) ‬
أبو الغرائب‮: ‬خذي‮ ‬هذا المال،‮ ‬واشتري‮ ‬به ملابس جديدة وجميلة،‮ ‬وانظري‮ ‬إلي‮ ‬نفسك في‮ ‬المرآة،‮ ‬وستجدين أن نجمة التي‮ ‬في‮ ‬المرآة تنطق،‮ ‬وتقول‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬بالإشارة‮: ‬ماذا تقول‮)‬
 أبو الغرائب‮: ‬ تقول،‮ ‬أنا أحلي‮ ‬كل نساء الكون‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تضحك،‮ ‬وهي‮ ‬تنظر إليه في‮ ‬إعجاب‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ سأعطيك المال حتي‮ ‬تنفد خزائني،‮ ‬ونتبادل الأدوار،‮ ‬وأصبح أنا متسولا،‮ ‬وتصبحين أنت‮ ‬غنية‮.. ‬ما رأيك ؟
المتسولـــة‮: (‬إشارة أنها لا تقبل تبادل الأدوار بينهما‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ هناك حل آخر،‮ ‬وهو أن نبذر كل هذا المال الذي‮ ‬معي،‮ ‬والذي‮ ‬لم‮ ‬يبق لي‮ ‬منه إلا القليل،‮ ‬وأن نصبح متسولين‮.. ‬أنا وأنت،‮ ‬وأن أفوز بالشرف العظيم‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تسأله بالإشارة‮: ‬أي‮ ‬شرف؟‮)‬
 أبو الغرائب‮: ‬ شرف أن أكون زميلك في‮ ‬المهنة،‮ ‬وأن أكون تلميذك في‮ ‬مدرستها‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تضحك‮ .. ‬تضع الأوراق النقدية في‮ ‬الجراب المعلق علي‮ ‬صدرها‮ .. ‬تحييه بيدها استعدادا للانصراف‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬رافقتك السلامة‮ .. ‬في‮ ‬المرة القادمة أريد أن أراك في‮ ‬زي‮ ‬الأميرات الفاتنات‮ ..‬
المتسولـــة‮: (‬تشير إليه أن نعم‮ .. ‬تخرج من جهة‮ ‬،‮ ‬ويخرج هو من الجهة الأخري‮ .. ‬ظلام‮ )‬
7 ــ المتسولة الخرساء تختفي‮ .. ‬
‮(‬باحة مقهي‮ ‬الغرباء‮ .. ‬كراسي‮ ‬وطاولات وشمسيات تملأ فضاء المسرح،‮ ‬وأشخاص‮ ‬يعبرون في‮ ‬كل الاتجاهات‮.. ‬يصدح مذياع المقهي‮ ‬بأغاني‮ ‬شعبية قديمة،‮ ‬يجلس بعض رواد المقهي‮ ‬هنا وهناك،‮ ‬وأمامهم حقائبهم وأمتعتهم‮ .. ‬يدخل أبو الغرائب‮:  ‬وهو مستعجل كعادته،‮ ‬يتأمل المكان بحثا عن شخص ما‮ .. ‬يقترب منه نادل المقهي،‮ ‬وهو عجوز‮ ‬يمشي‮ ‬بصعوبة‮)‬
الــنـــــــادل‮:‬ كأني‮ ‬بك‮ ‬يا ولدي‮ ‬تريد أن تسأل عن أحد من الناس،‮ ‬ولكنك متردد‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬أريد أن أسأل‮ ‬يا عمي،‮ ‬وأكون سعيدا لو تجيبني‮ ‬بسرعة،‮ ‬لأنني‮ ‬مستعجل‮..‬
الــنـــــــادل‮:‬ سبحان ربي‮ ‬العظيم،‮ ‬لا أكلم أحدا من الناس إلا وأجده مستعجلا‮ .. ‬عمن تسأل‮ ‬يا ولدي؟
أبو الغرائب‮: ‬ أسأل عن تلك المتسولة الخرساء التي‮..‬
الــنـــــــادل‮:‬ آ‮ .. ‬تريد نجمة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ نعم‮ .. ‬نجمة‮ ‬،‮ ‬أتعرفها ؟
الــنـــــــادل‮:‬ ومن في‮ ‬هذه المدينة كلها،‮ ‬من لا‮ ‬يعرف نجمة؟
أبو الغرائب‮: ‬ هل رأيتها؟ لا شك أنك رأيتها‮ .. ‬أليس كذلك؟ فهي‮ ‬تمر بهذا المقهي‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ .. ‬هي‮ ‬معلمة من معالم هذه المدينة،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتصور هذه المدينة بدون نجمة‮ ..‬
الــنـــــــادل‮:‬ ولكنها هذا اليوم لم تأت وهذا شيء‮ ‬غير طبيعي‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لم تأت؟ في‮ ‬الأمر شيء‮ ‬يا عمي‮ ..‬
الــنـــــــادل‮:‬ أنا أيضا أقول هذا‮ .. ‬في‮ ‬الأمر شيء بلا شك،‮ ‬وأتمني‮ ‬أن‮ ‬يكون المانع من حضورها خيرا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ قد تكون مريضة‮ ‬يا عمي‮ ..‬
الــنـــــــادل‮:‬ محتمل جدا أن تكون مريضة‮ .. ‬بالأمس رآها الناس وهي‮ ‬تسعل‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ ألا تعرف بيتها‮ ‬يا عمي؟
الــنـــــــادل‮:‬ وهل لها بيت حتي‮ ‬أعرفه؟ هي‮ ‬لا تري‮ ‬إلا في‮ ‬حارات المدينة وفي‮ ‬هذه المقاهي‮ ‬الشعبية،‮ ‬وعند محطات الحافلات‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ من‮ ‬يمكن أن أسأل‮ ‬غيرك‮ ‬يا عمي؟
الــنـــــــادل‮:‬ اسأل شحاذي‮ ‬المدينة،‮ ‬واسأل صعاليكها،‮ ‬واسأل ماسحي‮ ‬الأحذية،‮ ‬واسأل النشالين،‮ ‬فقد تجد الجواب عند واحد منهم‮ .. ‬ها هو علال النشال،‮ ‬اسأله‮ .. ‬فقد‮ ‬يفيدك في‮ ‬شيء‮ .. ( ‬ينسحب النادل‮ .. ‬يقترب أبو الغرائب‮:  ‬من علال النشال‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنت هو علال؟
النشـال‮:‬ أنا هو،‮ ‬إذا سرقت منك محفظتك،‮ ‬وكان بها أوراق مهمة،‮ ‬فإنني‮ ‬أستطيع أن أردها لك،‮ ‬فأنا ــ ولا فخر ـ خبير خطير جدا‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنت خبير؟
النشـال‮:‬ أي‮ ‬نعم‮ .. ‬يمكنك أن تجربني‮ ‬إذا شئت‮ .. ‬وخبرتي‮ ‬بجيوب هذه المدينة كبيرة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ إنني‮ ‬أسألك‮ ‬يا علال‮ .. ‬هل رأيت نجمة؟
النشـال‮:‬ هل رأيت نجمة‮ .. ‬أنا ما رأيت إلا الذين‮ ‬يسألون عن نجمة،‮ ‬وهم خلق كثير،‮ ‬وأنا واحد منهم‮ ‬،‮ ‬وأنت واحد منهم‮ .. ‬الكل في‮ ‬المدينة‮ ‬يسأل عن نجمة‮ ‬،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعرف أين هي‮ ‬نجمة،‮ ‬فقد تكون في‮ ‬الأرض وقد تكون في‮ ‬السماء‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لقد اختفت فجأة‮ ‬،‮ ‬ومن قبل لم‮ ‬يكن‮ ‬يخلو منها مكان،‮ ‬وكانت في‮ ‬كل مكان‮ ..‬
النشـال‮:‬ أظنها‮ ‬يا سيدي‮ ‬ـ والله أعلم ـ أنها عادت إلي‮ ‬وطنها‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وطنها؟ ماذا تقول؟ من كان وطنه قلوب الناس‮ ‬يا ولدي،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يبحث عن أي‮ ‬وطن‮..‬
النشـال‮:‬ لا تنس‮ ‬يا سيدي‮ .. ‬بأنها‮ ‬غريبة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ نجمة‮ ‬غريبة؟ لا أظن‮ ..‬   
النشـال‮:‬ هي‮ ‬مثلك ومثلي،‮ ‬ومثل كل هؤلاء الغرباء من رواد مقهي‮ ‬الغرباء‮ .. ‬هي‮ ‬غريبة عن هذا البلد،‮ ‬وعن هذه المدينة،‮ ‬وربما أيضا،‮ ‬عن هذه الدنيا‮ .. ‬كل المدينة اليوم‮ ‬يا سيدي،‮ ‬لا حديث لها إلا عن اختفاء نجمة‮ .. ‬لقد سمعت،‮ ‬من‮ ‬يقول بأنهم خطفوها‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮.. ‬غير ممكن،‮ ‬ومن‮ ‬يقوي‮ ‬علي‮ ‬خطف نجمة؟
النشـال‮:‬ وقال آخرون،‮ ‬بأنها سقطت في‮ ‬مياه‮  ‬البحر،‮ ‬وبأن أمواجه العالية أغرقتها‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وما الذي‮ ‬ذهب بها إلي‮ ‬البحر؟
النشـال‮:‬ هو كلام في‮ ‬كلام‮ ‬،‮ ‬وأظن أن القول الصحيح هو ما قالته أم الخير الدلالة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وماذا قالت أم الخير الدلالة؟
النشـال‮:‬ قالت بأنها تزوجت عاملا مهاجرا،‮ ‬وبأنها هاجرت معه،‮ ‬ورحلت إلي‮ ‬ما وراء البحر‮ ..   ‬
أبو الغرائب‮: ‬ أتهاجر هي‮ ‬،‮ ‬وأبقي‮ ‬أنا ؟ هل تعرف‮ ‬يا علال‮.. ‬إنني‮ ‬أتفاءل خيرا برؤيتها‮ ..‬
النشـال‮:‬ أنا أيضا أتفاءل بها خيرا،‮ ‬ومنذ‮ ‬غابت،‮ ‬ضاقت جيوب الناس الأغنياء،‮ ‬وسكنها الريح والخواء،‮ ‬وكانت من قبل ممتلئة بالمحافظ الجلدية‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ سرقة الناس ليس شغلا‮ ‬يا ولدي‮ ..‬
النشـال‮:‬ هو شغل‮ ‬يا سيدي‮ ‬،‮ ‬وإن كان له اسم آخر،‮ ‬فأنا لا أعرفه‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لدي‮ ‬ما‮ ‬يغنيك عن هذا الشغل‮ ..‬
النشـال‮:‬ لا شيء‮ ‬يغنيني‮ ‬عن هذا الشغل‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ كف‮ ‬يدك عن جيوب الناس،‮ ‬وسأعطيك مصروفك اليومي‮ ..‬
النشـال‮:‬ يا سيدي‮ .. ‬لقد اخترت أن أكون نشالا،‮ ‬فكيف تعرض علي‮ ‬أنت أن أكون متسولا؟
إذا سمعت أي‮ ‬خير جديد عن نجمة،‮ ‬سأبلغك به‮ .. ( ‬يخرج النشال‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ النشال كان هنا،‮ ‬بجانبي،‮ ‬ومن الضروري‮ ‬أن أتفقد جيوبي‮ .. (‬يفتش جيوبه‮) ‬يا ويلي‮ .. ‬أين راحت محفظتي؟
النشـال‮:‬ ‮(‬ يطل عليه‮) ‬آ‮ .. ‬نسيت أن أسألك‮ .. ‬أهذه المحفظة هي‮ ‬محفظتك ؟
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬هي‮ ‬محفظتي‮ ..‬
النشـال‮:‬ خطأ‮ .. ‬لا تقل محفظتي،‮ ‬وقل هي‮ ‬محفظتنا،‮ ‬يعني،‮ ‬أنت وأنا‮.. ‬ولأنني‮ ‬نشال اشتراكي‮ ‬محترم،‮ ‬فإنني‮ ‬سأقتسمها معك‮ .. ‬فأنا رجل لا أظلم أحدا،‮ ‬ولا أريد أن‮ ‬يظلمني‮ ‬أي‮ ‬أحد،‮ ‬ومن العدل أن تأخذ أنت النصف الأول،‮ ‬وأن آخذ أنا النصف الثاني‮.. ‬اتفقنا؟‮ (‬يأخذ بعض الأوراق من المحفظة،‮ ‬ويرميها له‮)‬
خذ‮..  ‬لقد أعطيتك الأوراق الإدارية،‮ ‬وأخذت أنا الأوراق المالية فقط‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ فقط؟
النشـال‮:‬ نعم‮ .. ‬فقط‮.. ‬حلال عليك‮ ‬يا سيدي‮ ‬ما أخذت أنت،‮ ‬وحلال علي‮ ‬أنا ما أخذت أنا‮ .. ‬وهكذا،‮ ‬تكون قد استفدت أنت،‮ ‬وأكون قد استفدت أنا أيضا‮ .. ‬وبهذا تتحقق العدالة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ اللعنة عليك‮ .. ‬لو كنت طلبت مني‮ ‬لأعطيتك‮ ..‬
النشـال‮:‬ أنا لا أطلب،‮ ‬ولا أريد من أحد أن‮ ‬يعطيني،‮ ‬ولكنني‮ ‬آخذ‮ .. ‬آخذ حقي‮ ‬بيدي،‮ ‬وكل المتعة في‮ ‬أن آخذ‮ ‬يا سيدي‮ .. ‬وهذه المتعة لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحسها إلا من جربها مثلي،‮ ‬ألا تريد ـ مثلا ـ أن أعطيك دروسا في‮ ‬النشل؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ .. ‬لا أريد‮ ..‬
النشـال‮:‬ ما لدي‮ ‬من علم،‮ ‬ليس لديك أنت،‮ ‬ولا تعرفه،‮ ‬وقد تحتاجه في‮ ‬يوم من الأيام‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ علمك لا‮ ‬يعنيني،‮ ‬وما‮ ‬يشغلني‮ ‬الآن هو نجمة‮ ..‬
‮(‬يختفي‮ ‬النشال،‮ ‬ويخرج أبو الغرائب‮:  .. ‬ظلام‮)‬
8 ــ أبو الغرائب‮:  ‬يودع الأصدقاء ويرحل
‮(‬يدخل أبو الغرائب‮: ‬،‮ ‬يتبعه حمال أعرج‮ .. ‬يحمل حقيبتين كبيرتين،‮ ‬ويضع علي‮ ‬ظهره صرة كبيرة،‮ ‬تتدلي‮ ‬علي‮ ‬صدره أشياء كثيرة من أمتعة أب الغرائب‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ ضع الحقيبتين هنا‮ .. ‬فوق هذا الكرسي،‮ ‬واجلس أنت هناك‮ .. ‬في‮ ‬الكرسي‮ ‬الآخر‮ .. ‬من حقك أن تستريح قليلا‮ ..‬
الحـــمـــــال‮:‬ نعم‮ .. ‬أنا في‮ ‬حاجة لأن أستريح قليلا‮ .. ‬حقائبك ثقيلة جدا‮ .. ‬ماذا فيها؟
أبو الغرائب‮: ‬ فيها ذنوبي،‮ ‬ولا شيء أثقل من الذنوب‮ ..‬
الحـــمـــــال‮:‬ ‮(‬لنفسه‮ ‬‮) ‬أحمل ذنوب الناس،‮ ‬وذنوبي‮ ‬أنا من‮ ‬يحملها؟
أبو الغرائب‮: ‬ أطلب لك شايا‮ ‬يا عمي؟
الحـــمـــــال‮:‬ أريد قهوة،‮ ‬وأريدها سوداء،‮ ‬وبلا سكر،‮ ‬تماما مثل أيامي‮ ‬المظلمة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: (‬ينادي‮) ‬قهوة وشاي‮ .. ‬وبسرعة أرجوك‮ .. ‬بسرعة‮ .. ( ‬يجلس‮)‬
الحـــمـــــال‮:‬ هل تصدق‮ ‬يا سيدي‮ .. ‬أنا لم‮ ‬يسبق لي‮ ‬أن سافرت‮ ‬يوما ؟
أبو الغرائب‮: ‬ غير ممكن‮ .. ‬مع أنك لا تغادر محطة القطار بالمدينة إلا لتعود إليها‮ ..‬
الحـــمـــــال‮:‬ إنني‮ ‬أحمل أمتعة المسافرين ولا أسافر،‮ ‬وأقرأ متعة السفر في‮ ‬أعين المسافرين ولا أسافر‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ آ‮ .. ‬عرفت‮ .. ‬من أجل هذا أدركتك الشيخوخة‮ ‬يا عمي،‮ ‬ولو سافرت مثلي،‮ ‬لكان لك في‮ ‬كل رحلة عمر جديد‮ ..‬
الحـــمـــــال‮:‬ وما حاجتي‮ ‬إلي‮ ‬الأعمار الجديدة ؟ إنني‮ ‬أعتبر أن العالم‮ ‬ينتهي‮ ‬عند نقطتين؛ المقبرة ومحطة القطار‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ .. ‬لا الدنيا الحقيقية تبدأ من محطة القطار‮ ‬يا عمي‮ .. ‬اسأل أهل العلم تعلم‮ .. ‬‮(‬يشير إلي‮ ‬نفسه‮ .. ‬يقترب منهما النادل وهو‮ ‬يحمل صينيته بين‮ ‬يديه‮)‬
الـــنـــــادل‮:‬ القهوة السواء‮ ..‬
الحـــمـــــال‮:‬ لي‮ ‬أنا‮ ..‬
الـــنــــــادل‮:‬ والشاي‮ ‬الأخضر بالنعناع‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ والشاي‮ ‬الأخضر لي‮ ..‬
الـــــنــــادل‮:‬ وهذا كأس ماء بارد لصاحب القهوة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ اجلس قليلا‮ ‬يا عمي‮ .. ‬قرب ذلك الكرسي‮ ‬إلي‮.. ‬أريد أن أسألك‮ ..‬
الـــــنــــادل‮:‬ تسألني؟ عن نجمة؟
أبو الغرائب‮: ‬ نجمة ضاعت‮ ‬يا عمي‮ .. ‬ضاعت‮ .. ‬
الـــــنــــادل‮: (‬لنفسه‮ ‬‮) ‬والله ما ضاع‮  ‬إلا أنت أيها المسكين‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ماذا تقول‮ ‬يا عمي‮ ‬؟
الـــــنــــادل‮:‬ أنا ؟ لا شيء‮ .. ‬فقط أتلو بعض الأدعية‮ ‬يا ولدي‮ ‬،‮ ‬أدعو لك ولي،‮ ‬ولكل الناس الضائعين في‮ ‬مملكة رب العالمين‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ شكرا‮ ‬يا عم‮ .. ‬حقا في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬الدعوات‮ .. ‬لقد جئت الآن أسأل عن صديقين عزيزين،‮ ‬ميمون وسعيد،‮ ‬أتعرفهما ؟‮ ‬
الـــــنــــادل‮:‬ ميمون وسعيد؟ ما أعرفه‮ ‬يا سيدي،‮ ‬هو أنني‮ ‬لست أنا الميمون ولست السعيد‮.‬
أبو الغرائب‮: ‬ ‮(‬ لنفسه‮)‬‮ ‬لم‮ ‬يفهمني‮ ‬الرجل‮ .. ‬وما أظنه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفهم أحد‮ ‬غيري‮ ..‬
الـــــنــــادل‮:‬ ولست أدري،‮ ‬عن أي‮ ‬ميمون تسأل‮ .. ‬عن ميمون بن ميمونة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الـــــنــــادل‮:‬ عن ميمون بن متعوس ؟
أبو الغرائب‮: ‬ يا عمي‮.. ‬أنا أسألك عن صاحبي‮ ‬ميمون بن ميمون‮ .. ‬أتعرفه ؟
الـــــنــــادل‮:‬ ميمون؟ هذا الاسم لا علم لي‮ ‬به‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ وأسألك عن صاحبي‮ ‬سعيد‮ .. ‬ألم‮ ‬يأت للمقهي‮ ‬بعد؟
الـــــنــــادل‮:‬ وحتي‮ ‬هذا الاسم لا أعرفه‮ .. ‬من المؤكد أنني‮ ‬أعرف صاحبه،‮ ‬إنني‮ ‬أتذكر الوجوه،‮ ‬ولا أتذكر الأسماء‮ ‬،‮ ‬وإذا رأيته سأقول لك هذا هو‮ ..‬
‮(‬يدخل‮  ‬الرجل الأول‮:  ‬والرجل الثاني‮: )‬
أبو الغرائب‮: ‬ أخيرا جاء الرجلان‮ .. ‬علي‮ ‬كل حال،‮ ‬شكرا جزيلا‮ ‬يا عمي‮ ..‬
الـــــنــــادل‮:‬ العفو‮ ‬يا ولدي،‮ ‬أنا لم أقم إلا بالواجب‮ .. ( ‬يقف‮ .. ‬يتأمل القادمين‮) ‬تبارك الله‮ .. ‬ميمون وسعيد‮.. ( ‬لنفسه‮) ‬تسمع عنهما خير من أن تراهما‮ .. ‬هما رجلان عاديان جدا‮.. ‬مثل كل الناس‮ .. ‬إنني‮ ‬أعرفهما‮ .. ( ‬يخرج‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ كنت سأرحل،‮ ‬من‮ ‬غير أن أودعكما‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ ترحل؟ إلي‮ ‬أين ترحل أيها المجنون؟
أبو الغرائب‮: ‬ إلي‮ ‬أرض‮ ‬غير هذه‮ .. ‬لقد ضاعت مني‮ ‬نجمة‮ ..‬
‮ ‬الرجل الثاني‮: ‬ نجمة ابنة عمك؟
أبو الغرائب‮: ‬ تلك نجمتي‮ ‬الأولي،‮ ‬أما نجمتي‮ ‬الثانية،‮ ‬فهي‮ ‬تلك الخرساء المتسولة‮ .. ‬لقد اختفت فجأة،‮ ‬ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يراها،‮ ‬وسألت عنها،‮ ‬ولم أجد إلا أجوبة ناقصة‮ .. ‬سأرحل إلي‮ ‬أرض أخري‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ أرض أخري‮ ‬؟ ماذا تقول‮ ‬يا هذا المجنون ؟ ليس هناك أرض‮ ‬غير هذه الأرض‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ حقائبي‮ ‬هاهي‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬جاهزة،‮ ‬وسأنتقل إلي‮ ‬مدينة‮ ‬غير هذه المدينة‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ يا صاحبي‮ .. ‬كل المدن متشابهة،‮ ‬ولن تجد شيئا جديدا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا أصدق‮ ..‬
‮  ‬الرجل الأول‮:  ‬ ولن تجد من‮ ‬يحبك أكثر منا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ آ‮ .. ‬مثل هذا الكلام قالته نجمة،‮ ‬وفي‮ ‬كل مدينة أسمعه‮..‬
‮ ‬الرجل الثاني‮: ‬ لأنه وحده الحقيقة‮ ‬يا أيها المجنون‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ سأركب متن القطار،‮ ‬ليأخذني‮ ‬إلي‮ ‬أقرب ميناء،‮ ‬لتتسلمني‮ ‬الباخرة بعد ذلك،‮ ‬وتمخر بي‮ ‬عباب البحر،‮ ‬وتأخذني‮ ‬إلي‮ ‬حيث أشاء‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ ليس المهم أن تشاء أنت،‮ ‬والأهم أن‮ ‬يشاء الله،‮ ‬فقل إن شاء الله‮ ..‬
لرجل الثاني‮:  ‬وماذا عساها تكون وجهتك هذه المرة؟
أبو الغرائب‮: ‬ سأذهب بحثا عن المدينة المنورة‮..‬
الرجل الأول‮: ‬ تقصد المدينة المنورة بلا شك؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮.. ‬أقصد المدينة الملونة‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ لا أعرفها‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ أنا أيضا لا أعرفها،‮ ‬ولو كنت أعرفها،‮ ‬ما عشقتها كل هذا العشق‮ .. ‬هي‮ ‬الحبيب المجهول‮ ‬يا صاحبي‮ .. ‬إنني‮  ‬أملك سوي‮ ‬أن أتقدم إلي‮ ‬الأمام،‮ ‬وأن أصعد إلي‮ ‬الأعلي،‮ ‬وأن أرحل إلي‮ ‬المكان الأبعد،‮ ‬وقد أجد نجمة‮ ‬يوما‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ وقد لا تجدها‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ نجمة تركتها خلفك،‮ ‬فهل نسيت؟ فالتفت إلي‮ ‬الوراء تجدها،‮ ‬فهي‮ ‬موجودة في‮ ‬وطنك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ كل الأوطان أوطاني‮ ‬يا بحر العلوم‮ .. ‬سأركب المخاطر وأغامر،‮ ‬وسوف أنتزع حياتي‮ ‬الحقيقية انتزاعا‮ .. ‬أنتزعها من قبضة الموت‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬  الموت ليس لعبة‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ بل هو لعبة،‮ ‬ومن‮ ‬يلعب مع الموت تكتب له الحياة،‮ ‬سأذهب إلي‮ ‬الأندلس،‮ ‬لأجرب لعبة مصارعة الثيران‮.. ‬هي‮ ‬لعبة مسلية علي‮ ‬كل حال‮ ..‬
الرجل الثاني‮: ‬ من الأحسن لو تصارع الثيران الآدمية،‮ ‬فهي‮ ‬الأخطر‮ ‬يا صاحبي‮ .. ‬الأخطر عليك وعلينا وعلي‮ ‬كل أخوتنا البائسين‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ ويمكن أن أذهب إلي‮ ‬جبال الهيملايا لأمارس لعبة الصعود إلي‮ ‬أعلي‮ ‬القمم،‮ ‬وأكون بذلك قريبا من الله،‮ ‬ومن السحاب ومن كل النجوم‮ .. ‬
الرجل الأول‮: ‬ الله موجود في‮ ‬كل مكان‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ( ‬يقف‮ ‬،‮ ‬فيقف الحمال أيضا‮ ‬‮) ‬
أبو الغرائب‮: ‬ لقد ذهبت الآن،‮ ‬وإنني‮ ‬لا أسألكما إلا شيئا‮  ‬واحدا،‮ ‬وهو ألا تبخلا علي‮ ‬بدعواتكما‮ .. ‬لأول مرة أحس بالخوف من السفر‮ .. ( ‬يحضن‮  ‬الرجل الأول‮:  ‬وارجل الثاني‮ ‬بحرارة‮)‬
الرجل الثاني‮: ‬ سوف ندعو لك بالهداية‮ ..‬
الرجل الأول‮: ‬ .. وأن ترحم نفسك وأهلك،‮ ‬وأن تتصالح مع ذاتك المجنونة‮.. (‬ينظر إليهما نظرة حزينة،‮ ‬ثم‮ ‬يدير وجهه،‮ ‬ويخرج،‮ ‬يتبعه الحمال ونظرات صديقيه‮ .. ‬ظلام‮)‬
‮    ‬9 ــ أبو الغرائب‮:  ‬في‮ ‬المدينة المغلقة
‮( ‬في‮ ‬مدينة أخري،‮ ‬وفي‮ ‬فضاء ساحة واسعة‮ ‬،‮ ‬أبو الغرائب‮:  ‬وحده،‮ ‬وهو في‮ ‬حالة حزن‮ .. ‬ملابسه ممزقه‮ .. ‬يمشي‮ ‬بخطي‮ ‬متثاقلة‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ لقد اعترض طريقي‮ ‬قطاع الطرق،‮ ‬وأوسعوني‮ ‬ضربا،‮ ‬وأخذوا حقائبي،‮ ‬وجردوني‮ ‬من ملابسي،‮ ‬وأخذوا كل ما كان معي‮ ‬من مال‮.. ‬أخذوا مني‮ ‬كل شيء‮.. ‬حتي‮ ‬الأوراق التي‮ ‬تثبت هويتي‮ ‬أخذوها‮ .. ‬أصبحت‮ ‬غريبا في‮ ‬بلاد الغربة،‮ ‬ويوم كان معي‮ ‬المال لم أكن كذلك‮.. ‬كان المال أهلي،‮ ‬وكان فيه صحبي،‮ ‬واتخذته عشيرتي،‮ ‬وقلت هو وحده وطني‮.. ‬كنت كبيرا به،‮ ‬وعاليا به،‮ ‬أما الآن فإنني‮ ‬لا أحد،‮ ‬أنا والهباء سواء‮ .. ‬ضيعت حجمي،‮ ‬وخسرت وزني،‮ ‬وتخلي‮ ‬عني‮ ‬ظلي،‮ ‬ولم تعد تسعفني‮ ‬كلماتي،‮ ‬وأصبحت كالريشة في‮ ‬مهب الرياح‮ .. ‬إنني‮ ‬جائع وخائف وظمآن‮.. ‬يلسعني‮ ‬البرد،‮ ‬ويحرقني‮ ‬الحر،‮ ‬وتتحاشاني‮ ‬الأجساد في‮ ‬الطريق العام‮ ..‬
‮(‬يقترب من عمود كهربائي‮ ‬عمومي،‮ ‬يريد أن‮ ‬يجلس علي‮ ‬كرسي‮ ‬خشبي،‮ ‬فتدوي‮ ‬صفارة من بعيد‮)‬
صوت خارجي‮ ‬ممنوع دخول الحديقة ليلا‮  ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ آ ه‮ .. ‬ممنوع،‮ ‬إنني‮ ‬أسمع من‮ ‬يقول لي‮ ‬ممنوع‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬لا أري‮ ‬أحدا من الناس‮ .. ( ‬يبتعد قليلا ويقف عند باب وهمي‮) ‬وهل‮ ‬يمكن أن أدخل هذا المسجد؟
صوت خارجي‮: ( ‬آخر‮) ‬لا‮ .. ‬أبواب كل المساجد مقفلة ليلا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ يا الله‮ ..‬حتي‮ ‬أبواب بيوت الله مقفلة في‮ ‬وجه عيال الله؟
صوت خارجي‮: ‬وهي‮ ‬لا تفتح إلا وقت الصلاة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ وأبواب الكنائس؟ أليست لديكم كنائس في‮ ‬هذه المدينة ؟
صوت خارجي‮: ‬لدينا كنائس،‮ ‬وهي‮ ‬مقفلة أيضا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ والمعابد الأخري،‮ ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬بيوت الله،‮ ‬ألا‮ ‬يمكن أن أجدها مفتوحة؟
صوت خارجي‮: ‬الوقت ليل‮ ‬،‮ ‬وكل الأبواب مقفلة‮ ..‬  
أبو الغرائب‮: ‬ نعم‮ .. ‬البيوت مقفلة،‮ ‬والقلوب مقفلة،‮ ‬وأرواح كل الناس مقفلة‮ .. ( ‬يمشي‮ ‬من‮ ‬غير أن‮ ‬يعرف إلي‮ ‬أين‮) ‬ليل هذه المدينة مرعب وطويل جدا،‮ ‬وهو أطول من كل الليالي‮ ‬التي‮ ‬أعرف‮ .. ‬كل أهل هذه المدينة لهم بيوت،‮ ‬ما أسعدهم بها،‮ ‬وقد دخلوها الآن،‮ ‬وأغلقوا أبوابها بإحكام‮ .. ‬أنا وحدي‮ ‬الذي‮ ‬ليس له بيت،‮ ‬وليس له باب،‮ ‬وليس له فراش،‮ ‬وليس له أهل،‮ ‬وليس له أصحاب،‮ ‬وليس له وطن‮ ..‬
‮(‬يسمع نباح كلب فيبتعد‮) ‬يكفي‮ .. ‬يكفيك نباحا أيها الكلب،‮ ‬لقد سمعتك،‮ ‬وفهمت إشارتك البليغة،‮ ‬وها أنا قد ابتعدت‮ .. ( ‬يبتعد‮) ‬أهل هذا البيت لم‮ ‬يكتفوا بالباب والبواب،‮ ‬فاستعانوا بخدمات هذا الكلب الشرس‮ .. ‬يظهر أن كل من هو خارج الأبواب مشكوك فيه،‮ ‬وأنه متهم،‮ ‬وأنه سيظل متهما،‮ ‬إلي‮ ‬أن تثبت براءته،‮ ‬وهو لص وسارق؛ هكذا‮ ‬يفكر أصحاب البيوت الكبيرة بلا شك‮.. ‬الآن فقط أدرك معني‮ ‬الغربة،‮ ‬وأحس طعم التشرد،‮ ‬وأحس بالحاجة إلي‮ ‬أن أكون موصولا إلي‮ ‬الأرض،‮ ‬وإلي‮ ‬الناس‮ ..‬
‮(‬يجلس إلي‮ ‬الأرض متعبا‮) ‬هذا الباب ليس باب بيت من البيوت،‮ ‬هو باب بناية حكومية كبيرة،‮ ‬ولن أجد من‮ ‬يزعجني‮ ‬هذه المرة‮ .. ( ‬تدوي‮ ‬صفارة من بعيد،‮ ‬فيهب واقفا‮ ‬‮)‬
صوت خارجي‮: ( ‬آخر‮) ‬ابتعد‮ .. ‬ابتعد أكثر،‮ ‬وإلا ألقينا عليك القبض‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ هذا ليس بيتك‮ ‬يا سيدي‮ ..‬
صوت خارجي‮: ‬هذا بنك،‮ ‬هل فهمت؟ وليس مسموحا لأي‮ ‬أحد أن‮ ‬يقترب من بناية البنك‮.. ‬هذه هي‮ ‬الـتعليمات‮.. ‬ابتعد أكثر‮ .. ( ‬يبتعد أكثر‮)  ‬
أبو الغرائب‮:‬ يا سبحان الله،‮ ‬يوم كان المال معي،‮ ‬كان كل شيء مسموحا به‮ ‬،‮ ‬أما الآن‮ ‬،‮ ‬فقد أصبح كل شيء ممنوعا‮ .. ‬لا أحد موجود في‮ ‬شوارع هذه المدينة إلا أنا‮ ‬،‮ ‬لا أحد‮ ‬يمر،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعبر‮.. ‬حتي‮ ‬القطط والكلاب موجودة في‮ ‬البيوت،‮ ‬وهي‮ ‬أسعد حظا مني‮ .. ( ‬وهو‮ ‬ينصت لصوت الصمت‮) ‬هذا الصمت‮ ‬يزعجني‮ ‬ويقلقني،‮ ‬وليتني‮ ‬أسمع صوتا آدميا‮ ‬،‮ ‬وليكن صوت من كان‮ ..‬
‮(‬فجأة،‮ ‬يسمع وقع أقدام تقترب‮) ‬أخيرا‮ .. ‬هناك أشخاص قادمون،‮ ‬وسأجد من‮ ‬يكلمني‮ ‬وأكلمه‮..‬
‮(‬يدخل شرطيان‮ .. ‬ينظران إليه بارتياب‮)‬
أبو الغرائب‮: ‬ هما شرطيان‮ .. ‬وأن‮ ‬يكون الإنسان أمام شرطيين،‮ ‬أحسن من أن‮ ‬يكون أمام لصين‮  ..‬
‮( ‬يقترب منه شرطيان‮ )‬
الشرطـــي1 ‮: ‬ماذا تفعل أنت هنا ؟
أبو الغرائب‮: ‬ أنا ؟ أنا لا أفعل شيئا ممنوعا‮ ..‬
الشرطــي1 ‮: ‬من أنت أيها الغريب؟
أبو الغرائب‮: ‬ من أنا ؟ أنا هو أبو الغرائب‮:  .. ‬ألا تعرفني؟
الشرطــي2  ‮: ‬أهذا هو اسمك ؟
أبو الغرائب‮: ‬ نعم،‮ ‬وبهذا الاسم أحيا وأعيش،‮ ‬وبه سوف ألقي‮ ‬وجه الله‮ ..‬
الشرطــي1  ‮:‬‮ ‬لديك ما‮ ‬يثبت هذا؟
أبو الغرائب‮: ‬ يثبت ماذا؟
الشرطــي2  ‮:‬‮ ‬أنك فعلا صاحب هذا الاسم‮ ..‬
أبو الغرائب‮: (‬يضحك في‮ ‬سخرية مرة‮)‬‮ ‬لقد أخذوا مني‮ ‬كل شيء،‮ ‬ما كان في‮ ‬حقائبي،‮ ‬وما كان فوق جلدي‮ ‬،‮ ‬وما عاد لي‮ ‬غير اسمي‮ ‬هذا،‮ ‬ولو استطاعوا لأخذوه هو أيضا‮..‬
الشرطــي1 ‮: ‬أخذوا كل شيء ؟ من تقصد أيها الغريب؟
أبو الغرائب‮: ‬ من أقصد؟ أقصد السادة قطاع الطرق،‮ ‬الحمد لله أنهم تركوا لي‮ ‬هذا الهواء الذي‮ ‬أتنفسه،‮ ‬و لساني‮ ‬الذي‮ ‬أكلمكم به،‮ ‬وهذا الحيز من الأرض الذي‮ ‬أقف عليه،‮ ‬وأمشي‮ ‬فوقه‮ ..    ‬
الشرطــي2  ‮:‬‮ ‬كل هذا الكلام‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬دليل،‮ ‬فهل لديك بطاقة تعريف؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي1  ‮: ‬لديك دفتر للحالة المدنية ؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي2  ‮:‬‮ ‬لديك بطاقة الحزب؟
أبو الغرائب‮: ‬ أي‮ ‬حزب ؟
الشرطي1  ‮:‬‮ ‬الحزب الحاكم الآن‮..‬
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطي‮ ‬2 ‮:‬‮ ‬أو الحزب الذي‮ ‬سوف‮ ‬يحكم مستقبلا؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي1  ‮: ‬لديك مهنة؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي2 ‮:‬‮ ‬لديك شهادة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي1  ‮: ‬لديك عنوان في‮ ‬المدينة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ لا‮ ..‬
الشرطــي2  ‮: ‬هل تعرف أحدا في‮ ‬هذه المدينة ؟
أبو الغرائب‮: ‬ أعرف لصوصها فقط‮ ..‬
الشرطــي1 ‮: ‬وهل‮ ‬يعرفك أحد من الناس ؟
أبو الغرائب‮: ‬ وأين الناس في‮ ‬هذه المدينة ؟ أنا ما رأيت إلا الجدران العالية،‮ ‬وما كلمت فيها‮ ‬غير الأبواب الموصدة‮ ..‬
الشرطــي2 ‮: ‬في‮ ‬هذه الحال،‮ ‬سنكون مضطرين لنأخذك معنا‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬ إلي‮ ‬أين؟ إلي‮ ‬السجن؟
الشرطــي1  ‮: ‬السجن؟ لا‮ .. ‬فقط سنتحقق من براءتك،‮ ‬وسنعيدك إلي‮ ‬مكانك‮ ..‬
‮(‬يمسك به الشرطيان،‮ ‬ويخرجون جميعهم‮. ‬ظلام‮)    ‬
10 ــ البحر صامت ونجمة تكلمت
)أبو الغرائب‮:  ‬وحده،‮ ‬وهو منكمش إلي‮ ‬جانب نار مشتعلة،‮ ‬نسمع صوت الأمواج المتلاطمة،‮ ‬وصوت طيور البحر‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬ لقد أخذوني‮ ‬إلي‮ ‬قسم الشرطة،‮ ‬وبقيت في‮ ‬ضيافتهم أياما طويلة،‮ ‬وأشبعوني‮ ‬أسئلة،‮ ‬وكانت أسئلتهم‮ ‬غريبة جدا،‮ ‬وعرضوا علي‮ ‬أسماء أكبر المجرمين في‮ ‬العالم،‮ ‬وأشهر الإرهابيين في‮ ‬العالم،‮ ‬وقالوا أتعرفهم؟ قلت لا‮ ‬،‮ ‬وأعادوا نفس الأسئلة،‮ ‬مرة بعد مرة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة أقول لا لا،‮ ‬وما أنا إلا رجل مجنون،‮ ‬وأن جنوني‮ ‬بريء‮ .. ‬ولما تيقنوا من براءتي،‮ ‬أطلقوا سراحي،‮ ‬وأعادوني‮ ‬إلي‮ ‬غربتي‮..‬
‮(‬بعد لحظات قليلة،‮ ‬وبعد أن أحس بشيء من الدفن،‮ ‬ينتصب أبو‮ ‬غريب واقفا،‮ ‬ليناجي‮ ‬البحر وأمواجه‮)‬
إنني‮ ‬أعشقك أيها البحر،‮ ‬وأبو الغرائب‮:  ‬والعجائب الحقيقي‮ ‬هو أنت‮ .. ‬نعم،‮ ‬هو أنت ولست أنا‮ .. ‬لا أحد أقوي‮ ‬منك إلا أنت‮ ‬،‮ ‬ولا شيء أغرب من أشيائك أنت‮..‬
إنني‮ ‬أكلم نوارس هذا البحر،‮ ‬بلغة أهل البر،‮ ‬فهل تراها تسمعني‮ ‬وتفهمني؟ وأناجي‮ ‬موج هذه الشطآن،‮ ‬وأشكو لها ضعفي‮ ‬وذلي،‮ ‬وأرجو أن تشعر بشيء من حزني،‮ ‬ومن ألمي،‮ ‬ومن خيبتي،‮  ‬ومن إحساسي‮ ‬بالغربة بين الناس‮ ..‬
لا جديد في‮ ‬هذه المدينة أيها البحر،‮ ‬ولا جديد في‮ ‬تلك المدن الأخري،‮ ‬والتي‮ ‬سمعت عن بعضها،‮ ‬ورأيت بعضها،‮ ‬وقرأت عن أغلبها في‮ ‬الكتب وفي‮ ‬المنشورات السياحية‮ .. ‬كل المدن متشابهة،‮ ‬مثل الناس في‮ ‬قبيلة صاحبي‮ ‬شهر بن دهر،‮ ‬والذين‮ ‬يتشابهون كالبقر‮.. ‬هي‮ ‬أرض واحدة،‮ ‬وهي‮ ‬سماء واحدة،‮ ‬وشمس واحدة تشرق علي‮ ‬الجميع‮ .. ‬هي‮ ‬قطعة شطرنج ممتدة،‮ ‬نسميها أرضا‮ ‬،‮ ‬ونحن فيها مجرد بيادق آدمية متحركة،‮ ‬وهناك قوي‮ ‬خفية تحركها‮ ‬،‮ ‬فمن كان هناك،‮ ‬يظن أن الجمال كله هنا،‮ ‬وأن الحق هنا،‮ ‬وأن العدل موجود عندنا وحدنا،‮ ‬ومن كان هنا معنا،‮ ‬فإنه لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يبقي‮ ‬معنا،‮ ‬لأنه عينه هناك مع الآخرين‮ .. ‬ألا ما أبلدنا،‮ ‬وما أتعسنا،‮ ‬نحن لا نري‮ ‬إلا ما كان بعيدا عنا‮.. ( ‬يتأمل السماء‮) ‬إنني‮ ‬الآن أراك أيتها النجمة،‮ ‬لأنك بعيدة عني،‮ ‬أنا في‮ ‬الأرض وأنت في‮ ‬السماء،‮ ‬ويوم كنت بجانبي،‮ ‬لم أرك‮ .. ‬اللعنة علي‮ .. ‬ما أغباني‮.. ‬نحن لا نحن إلا لما ضيعناه،‮ ‬نهرب ممن‮ ‬يعشقنا،‮ ‬ونعشق من‮ ‬يحب‮ ‬غيرنا،‮ ‬والدائرة تدور،‮ ‬والطاحونة تطحن‮ .. ‬نجمتان في‮ ‬سمائي‮ ‬ضيعتهما،‮ ‬النجمة الأولي‮ ‬هربت منها،‮ ‬والنجمة الثانية هربت مني‮..‬
هذا اليوم،‮ ‬لا جديد فيه،‮ ‬ولا أعرف أي‮ ‬يوم هو،‮ ‬وتدور الأيام حول نفسها‮ .. ‬تدور في‮ ‬الفراغ،‮ ‬ولا تأتي‮ ‬بأي‮ ‬جديد‮ .. ‬ويوم الجمعة‮ ‬يشبه الأربعاء،‮ ‬ويوم السبت لا‮ ‬يختلف عن‮ ‬يوم الأحد‮.. ‬آه ما أتعسني‮ ‬وما أشقاني،‮ ‬لقد كان في‮ ‬نيتي‮ ‬أن أوجد أياما جديدة،‮ ‬وأن أعطيها أسماء جديدة،‮ ‬آه‮ ‬،‮ ‬كل ذلك كان من أوهام الماضي‮ .. ‬الماضي‮ ‬الذي‮ ‬تبخر في‮ ‬الهواء،‮ ‬وأصبح مجرد هباء‮..  ‬
‮( ‬ينادي‮ ‬بأعلي‮ ‬صوته‮) ‬أين أنت أيتها النجمة المضيئة؟ أين أنت؟ في‮ ‬الأرض أم في‮ ‬السماء ؟ أما أنا،‮ ‬فإنني‮ ‬معلق بينهما،‮ ‬فلا أنا من أهل الأرض ولا من أهل السماء‮ ..‬
صوت نجمة‮: ( ‬مصحوب بصدي‮) ‬إنني‮ ‬هنا،‮ ‬بجانبك‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬مستغربا لما سمع‮) ‬كأنني‮ ‬سمعت صوتا‮ .. ( ‬يلتفت حوله‮) ‬هو صوت من هذا؟
صوت نجمة هو صوتي‮ ‬أنا‮.. ‬صوت نجمة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬وهو‮ ‬يرفع بصره إلي‮ ‬السماء‮) ‬نجمة ؟ أين أنت ؟ ومن أي‮ ‬مكان تتكلمين؟
صوت نجمة‮:‬ أكلمك من داخل نفسك‮ ..‬
أبو الغرائب‮: ‬  إنني‮ ‬لا أراك‮ ‬يا نجمة‮ .. ( ‬وهو‮ ‬يدور في‮ ‬مكانه‮) ‬أين أنت؟
صوت نجمة‮:‬  أنت لا تراني،‮ ‬لأنك لا تريد‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ لا أريد؟ من قال هذا؟
صوت نجمة‮:‬ تركتني‮ ‬بالقرب منك في‮ ‬الأرض،‮ ‬ورحت تبحث عني‮ ‬في‮ ‬السماء‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ يا نجمة،‮ ‬لا أحد‮ ‬يتعلم بدون ثمن،‮ ‬واليوم تعلمت،‮ ‬وتطهرت،‮ ‬بعد أن دفعت الثمن،‮ ‬وحق الله دفعته‮ ‬غاليا‮.. ‬إنني‮ ‬الآن أسمع صوتك،‮ ‬ولكنني‮ ‬لا أراك‮..‬
صوت نجمة‮:‬ أنت لا تسمعني،‮ ‬ولا تراني‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ كان ذلك قديما‮ ‬يا نجمة،‮ ‬أما الآن فلا،‮ ‬وقد أصبحت رجلا آخر‮ .. ‬الغربة مدرسة،‮ ‬وكل شيء فيها‮ ‬يعلم‮ .. .‬
صوت نجمة‮:‬ كنت مجنونا‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ نعم‮ .. ‬كنت،‮ ‬ولولا جنوني،‮ ‬ما كنت أترك وطني‮ ‬وأتشرد في‮ ‬بلاد الغربة،‮ ‬ولولا جنوني‮ ‬ما كنت أهجر بيتي،‮ ‬وأهجر الراحة والدفء‮ ..‬
صوت نجمة‮:‬ الجنون في‮ ‬الحياة،‮ ‬مثل الملح في‮ ‬الطعام،‮ ‬قليله مستحب،‮ ‬وكثيره ضار وقاتل‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬وهو‮ ‬ينظر حوله‮) ‬من أين‮ ‬يأتي‮ ‬صوتك‮ ‬يا نجمة؟ إنني‮ ‬لا أري‮ ‬أحدا في‮ ‬هذه الظلمة‮ ..‬
صوت نجمة‮:‬ إنني‮ ‬أقرب إليك من نفسك الحقيقية‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬لنفسه‮) ‬نفسي؟ وأين هي‮ ‬نفسي؟ ما أنا إلا ظل‮ ‬يمشي‮ ‬بين الظلال‮ ..‬
صوت نجمة‮:‬ قل‮ ‬يا أبا الغرائب،‮ ‬هل أدركت شيئا من ذلك الذي‮ ‬كنت تبحث عنه ؟
أبو الغرائب‮:‬ أبدا‮ .. ‬ما أدركت شيئا‮ ‬يا نجمة،‮ ‬وضيعت كل الأشياء،‮ ‬ومن خسر نفسه،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون رابحا أبدا،‮ ‬حتي‮ ‬ولو فتحت أمامه كل كنوز الأرض والسماء‮ .. ‬
صوت نجمة‮:‬ هذه لغة جديدة‮ ‬يا أبا الغرائب،‮ ‬وأنا ما تعودت منك مثل هذا الحديث‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ وأنا نفسي،‮ ‬ما تعودت من نفسي‮ ‬مثل هذا الحديث‮ .. ‬لقد أدركت‮ ‬يا نجمة،‮ ‬أن الطريق الذي‮ ‬نمشي‮ ‬فيه ليس طريقا واحدا،‮ ‬ولكنه طريقان اثنان،‮ ‬أحدهما مستقيم وحاد،‮ ‬مثل رمح مسموم،‮  ‬ومن‮ ‬يملك أن‮ ‬يمشي‮ ‬حافيا فوق رمح مسموم؟‮ ‬
صوت نجمة‮:‬ والثاني‮ ‬يا أبا الغرائب؟
أبو الغرائب‮:‬ والثاني‮ ‬معوج ومنحرف،‮ ‬مثل منجل،‮ ‬ولبعض عباد الله مآرب كثيرة في‮ ‬هذا الإعوجاج‮ ..‬
صوت نجمة‮:‬ أما أنا،‮ ‬فلا أري‮ ‬إلا طريقا‮  ‬واحدا‮ .. ‬هو طريق واحد أوحد‮ ‬يا أبا الغرائب‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ هو طريق واحد؟
صوت نجمة‮:‬ نعم،‮ ‬ولكننا نراه من جهتين،‮ ‬فنتخيله طريقين؛ من جهة الذهاب ومن جهة الإياب،‮ ‬فيكون صعودا في‮ ‬الحالة الأولي،‮ ‬ويكون نزولا في‮ ‬الحالة الثانية‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ يا الله‮.. ‬مثل هذا الكلام لم أسمعه منك من قبل‮ ‬يا نجمة‮ ..‬
صوت نجمة‮:‬ ومثل هذا الكلام لم تكن تريد سماعه من قبل‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ من قبل؟ أبو الغرائب‮:  ‬الذي‮ ‬كان من قبل لا أعرفه‮ ‬يا نجمة،‮ ‬ولا أعترف به‮ .. ‬أنا اليوم رجل آخر،‮ ‬وليس لدي‮ ‬غير هدف واحد،‮ ‬وهو أن أعود إلي‮ ‬بلدي،‮ ‬وإلي‮ ‬أهلي،‮ ‬وإلي‮ ‬بيتي،‮ ‬وأن أكون قريبا منك‮.. ‬يا نجمة‮ .. ( ‬وهو‮ ‬ينظر إلي‮ ‬السماء‮) ‬الآن فقط فهمت،‮ ‬من تكونين بالنسبة إلي‮..‬
صوت نجمة‮:‬ من أكون ؟
أبو الغرائب‮:‬‮ ‬ أنت أنا‮ .. ‬نعم،‮ ‬أنت أناي‮ ‬الأخري،‮ ‬وما‮  ‬أفقر من لا تتعدد أناه بالآخرين وفي‮ ‬الآخرين،‮ ‬وما أتعس من لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يكون هو وغيره‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يكون واحدا من الناس،‮ ‬وأن‮ ‬يكون هو كل الناس‮.. ‬
‮( ‬ينتظر أن‮ ‬يجيب الصوت بشيء‮ .. ‬يعم الصمت المكان‮)‬
يا نجمة‮ .. ‬تكلمي‮ .. ‬قولي‮ ‬كلاما آخر‮ .. ‬أريد أن أسمع صوتك‮ .. ‬إنه لا شيء‮ ‬يشغلني‮ ‬الآن سوي‮ ‬أن أعود إلي‮ ‬وطني‮ .. ‬أنت وطني‮ .. ‬أنت‮ ‬يا نجمة‮ .. ‬
‮( ‬يخرج وهو‮ ‬ينادي‮)‬‮ ‬نجمة‮ .. ‬نجمة‮ .. ‬
11 ــ نجمة الخرساء ليست خرساء
‮(‬أبو الغرائب‮:  ‬في‮ ‬شوارع مدينة صاخبة،‮ ‬يريد أن‮ ‬يمد‮ ‬يده للناس الذين‮ ‬يمرون بجانبه،‮ ‬والذين لا‮ ‬يراهم إلا هو وحده،‮ ‬ولكنه‮ ‬يتردد ولا‮ ‬يقدر‮ .. ‬يتابع بنظره ما‮ ‬يحدث أمامه بقلق‮ .. ‬ضجيج وصخب وأصوات تأتي‮ ‬من كل الجهات‮.. ‬عربات وسيارات تمر‮ ‬،‮ ‬أرجل تضرب علي‮ ‬الأرض بشدة‮ .. ‬يري‮ ‬امرأة بالقرب منه،‮ ‬ينجذب إليها بشكل آلي،‮ ‬يقف خلفها‮ ‬،‮ ‬ويريد أن‮ ‬يكلمها،‮ ‬فلا تطاوعه الكلمات‮ .. ‬تلتفت المرأة إليه،‮ ‬وإذا هي‮ ‬نجمة المتسولة‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ لا‮ .. ( ‬يفرك عينيه‮)‬
نـــجـــمــــــة‮: (‬تضحك‮ .. ‬يصبح اسمها نجمة فقط‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ أهذه أنت‮ ‬يا نجمة،‮ ‬أم هو خيال ؟
نـــجـــمــــــة‮: (‬تشير إليه أن نعم‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ لا أصدق‮ .. ‬نعم لا أصدق،‮ ‬وما أظنني‮ ‬الآن إلا في‮ ‬حلم،‮ ‬ومن‮ ‬يدري،‮ ‬قد‮ ‬يكون هذا من فعل الحمي‮ .. ‬لست بخير‮ ‬يا نجمة‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: (‬تؤكد عليه أنها هي‮ ‬نجمة‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ لا‮ .. ‬أنت‮ .. ‬تركتك هناك‮ .. ‬في‮ ‬ذلك العالم الآخر،‮ ‬وفي‮ ‬تلك المدينة الأخري،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك الحي‮ ‬الآخر‮ .. ‬هناك تركت نجمتي‮ ‬الأولي،‮ ‬وفي‮ ‬المدينة الثانية تركت نجمتي‮ ‬الثانية‮ .. ‬من أنت،‮ ‬ومن هي،‮ ‬ومن أنا؟
نـــجـــمــــــة‮: (‬تمد‮ ‬يدها كما كانت تفعل،‮ ‬لتقنعه بأنها نجمة المتسولة‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬لنفسه‮) ‬يا رب العالمين‮ .. ‬إنها تطلب صدقة،‮ ‬وماذا‮ ‬يمكن أن أعطيها،‮ ‬وقد أصبحت متسولا مثلها؟
نـــجـــمــــــة‮: (‬تشير إليه أنها‮ ‬يمكن أن تعطيه مالا‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬ أنت؟
نـــجـــمــــــة‮: (‬تشير أن نعم‮ .. ‬تدخل‮ ‬يدها في‮ ‬الجراب المعلق علي‮ ‬صدرها‮ .. ‬تخرج أوراقا نقدية كثيرة،‮ ‬وتعطيها له‮)   ‬
أبو الغرائب‮:‬ يا الله‮ .. ‬من أين لك كل هذا المال‮ ‬يا نجمة،‮ ‬ومن أين أتيت به؟
نـــجـــمــــــة‮: ( ‬هو منك‮ .. ‬هل نسيت؟‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ مني‮ ‬أنا ؟
نـــجـــمــــــة‮: ‬‮( ‬نعم نعم‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬ لا لا‮ .. ‬هو مالك أنت‮ ‬يا نجمة،‮ ‬وسوف تحتاجينه‮ ‬يوما‮ .. ( ‬يرجع إليها الأوراق النقدية فترفض أن تمسك بها‮)‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬‮( ‬تشير إليه أنه مالنا نحن معا‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ أتقولين هو مالنا معا‮ .. ‬يعني‮ ‬أنا وأنت ؟
نـــجـــمــــــة‮: (‬تشير بيدها‮ : ‬نعم أنا وأنت‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬ أتقصدين أن‮ .. ‬؟
نـــجـــمــــــة‮: ( ‬تشير أن نعم‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ أن نتزوج‮ ‬يا نجمة ؟
نـــجـــمــــــة‮: ‬‮( ‬نعم‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ أنا وأنت؟
نـــجـــمــــــة‮: ‬‮( ‬نعم،‮ ‬أنا وأنت‮)‬
أبو الغرائب‮:‬ ولكنني‮ .. ( ‬وقد تذكر نجمة ابنة عمه‮) ‬متعلق بها‮ ‬يا نجمة‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬‮( ‬بها‮ .. ‬بمن؟‮) ‬
أبو الغرائب‮:‬ بنجمتي‮ ‬الأخري‮ .. ‬هي‮ ‬ابنة عمي،‮ ‬وفيها ما ليس في،‮ ‬ولا في‮ ‬أية امرأة في‮ ‬الدنيا‮ .. ‬هي‮ ‬عاقلة وحكيمة،‮ ‬وأنا مجنون وأحمق‮ .. ‬وهي‮ ‬تعرف كل شيء،‮  ‬وأنا لا أعرف أي‮ ‬شيء‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ( ‬تنزع المنديل الذي‮ ‬علي‮ ‬وجهها،‮ ‬وتلقي‮ ‬بالأسمال البالية التي‮ ‬عليها،‮ ‬فتظهر في‮ ‬زي‮ ‬جميل‮) ‬أنا هي‮ ‬نجمتك الأخري‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ ‮(‬يقف مشدوها‮) ‬أنت؟ أنت نجمتي‮ ‬الأولي‮ ‬ونجمتي‮ ‬الثانية ؟
نـــجـــمــــــة‮: ‬وأنا قارئة الكف‮:  ‬أيضا‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ يا الله‮ .. ‬ما أسعدني‮ ‬بك‮ ‬يا نجمة‮ .. ‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬لقد سافرت معك،‮ ‬في‮ ‬الحافلة وفي‮ ‬القطار،‮ ‬وفي‮ ‬الباخرة‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ كنت قريبة مني،‮ ‬وأنا لا أدري‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬لقد اشتغلت طباخة في‮ ‬الباخرة،‮ ‬وكنت جارتك في‮ ‬فندق الغرباء‮ .. ‬وكانت عيوني‮ ‬تحرسك من نفسك أيها المجنون،‮ ‬وكل ذلك من‮ ‬غير أن تشعر بي‮ ..‬
أبو الغرائب‮:‬ اللعنة علي‮ .. ‬إنني‮ ‬أحس نفس إحساسي‮ ‬وأنا أمام أمي‮ .. ‬بودي‮ ‬لو أبكي‮ ‬علي‮ ‬ركبتك‮.. ‬ألا ما أعظمك أيتها المرأة؟
نـــجـــمــــــة‮: ‬لم تقل لي،‮ ‬أينا هي‮ ‬الأجمل والأحلي،‮ ‬أنا أم الأخري؟
أبو الغرائب‮:‬ ماذا أقول لك؟ كنت سأكون شقيا،‮ ‬لو كنت أكثر من واحدة‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬ألست أنت من قلت قبل،‮ ‬امرأة واحدة لا تكفي؟
أبو الغرائب‮:‬ آ‮ .. ‬كان ذلك في‮ ‬زمن الجاهلية الجهلاء،‮ ‬كنت واهما‮ ‬يا نجمة،‮ ‬وكنت مخدوعا،‮ ‬وكنت مجنونا كبيرا كبيرا‮..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬والآن؟
أبو الغرائب‮:‬ الآن ـ وبحمد الله تعالي‮ ‬ـ أصبحت مجنونا قليلا قليلا،‮ ‬وشيء من الجنون لابد منه‮ ‬يا نجمة‮ .. ‬أليس كذلك؟‮ (‬يضحكان‮) ‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬شيء قليل فقط‮ ..‬
أبو الغرائـــب‮:‬ إنني‮ ‬أقول لك،‮ ‬وأقول لكل العالم،‮ ‬ومن هذه المدينة النائية،‮ ‬ومن هذه الساعة التي‮ ‬لا تشبهها أية ساعة‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬نعم،‮ ‬ماذا تقول؟‮  ‬
أبو الغرائـــب‮:‬ ‮(‬يصرخ بأعلي‮ ‬صوته‮)‬‮ ‬أقول‮ .. ‬امرأة واحدة تكفي‮ .. ( ‬يضحكان‮)‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬أتعبتني‮ ‬كثيرا أيها الولد المتعب‮ ..‬
أبو الغرائـــب‮:‬ لا أحد‮ ‬يتعلم بالمجان‮ ‬يا نجمة‮..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬نعم،‮ ‬ولكن الثمن كان فادحا‮ ‬يا أبا الغرائب،‮ ‬وكان أغلي‮ ‬مما تتحمله امرأة من البشر‮ ..‬
أبو الغرائـــب‮:‬ سامحيه‮ ‬يا نجمة‮ ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬أسامحه؟ أسامح من؟
أبو الغرائب‮: ‬ سامحي‮ ‬ذلك الظالم الآثم الذي‮ ‬يسمي‮ ‬أبو الغرائب‮:  ..‬
نـــجـــمــــــة‮: ‬لقد سامحته‮ ..‬
أبو الغرائـــب‮:‬ تعالي‮ ‬نرجع إلي‮ ‬وطننا،‮ ‬فقد اشتقت إلي‮ ‬الناس والطير،‮ ‬وإلي‮ ‬كل شيء فيه‮ ..‬
‮(‬تضع‮ ‬يدها في‮ ‬يده ويخرجان‮)  ‬
‮ ‬عبد الكريم برشيد

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: أبو الغرائب‮ ‬في‮ ‬بلاد العجائب احتفال مسرحي‮ ‬في‮ ‬12 ‮ ‬نفسا
  • تأليف: عبد الكريم برشيد
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here