اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‬هوميروس في‮ ‬زمن العولمة

قييم هذا الموضوع
(2 تقيم)

 

‮(‬تقع الأحداث في‮ ‬أثينا،‮ ‬الدولة‮ ‬– المدينة،‮ ‬حاضرة الثقافة والحضارة الهيلينية الزاهرة‮. ‬موسيقا‮ ‬يونانية تصويرية،‮ ‬يدق هوميروس الشاعر اليوناني‮ ‬الكبير،‮ ‬وهو حامل دواوينه الشعرية،‮ ‬باب أفلاطون‮): ‬
هوميروس‮: ( ‬يطرق الباب‮ )‬‮ ‬طق…طق…طق‮…. ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬من الطارق؟
هوميروس‮:‬‮ ‬أنا‮ ‬يا سيدي‮ ‬أفلاطون‮! ‬من فضلك افتح لي‮ ‬بابك،‮ ‬إنني‮ ‬في‮ ‬حاجة إليك‮! ‬
أفلاطون‮: (‬يفتح الباب،‮ ‬ويخرج في‮ ‬لباسه الحريري‮ ‬اليوناني‮ ‬الدال علي‮ ‬الثراء والترف‮):‬‮ ‬من أنت لتزعجني‮ ‬في‮ ‬هذا الوقت المبكر،‮ ‬وتوقظني‮ ‬من نومي‮ ‬اللذيذ؟
هوميروس‮:‬‮ ‬أستسمحك سيدي‮! ‬إنه منتصف النهار،‮ ‬وعفوا عن هذا الإزعاج‮ ‬غير المقصود‮ !‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬لا ضير،‮ ‬لندخل إلي‮ ‬غرفة الاستقبال لنري‮ ‬أمرك‮ ! ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬شكرا جزيلا‮! ‬‮( ‬يدخلان إلي‮ ‬حجرة الاستقبال‮) ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬قل لي‮ ‬من أنت ؟ إني‮ ‬لا أعرفك‮. ‬فهل أنت تعرفني‮ ‬يا هذا؟‮ ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬كيف لا أعرفك،‮ ‬فأنت نار علي‮ ‬علم في‮ ‬أثينا،‮ ‬وفي‮ ‬كل أصقاع العالم،‮ ‬إني‮ ‬أعرفك جيدا،‮ ‬ألست فيلسوف اليونان الأعظم إلي‮ ‬جانب تلميذك أرسطو؟‮! ‬ألست صاحب المحاورات والجمهورية الفاضلة،‮ ‬فضلا عن كونك التلميذ النجيب لفيلسوف الفلاسفة سقراط؟‮! ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬ولكن لم تقل لي‮ ‬من أنت؟‮ ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬أنا هوميروس‮. ‬هو‮...‬مي‮ ...‬روس‮!!! ‬
أفلاطون‮ ( ‬متعجبا‮): ‬أنت هوميروس‮! ‬أنت هوميروس بالذات‮! ‬شاعر اليونان الأكبر،‮ ‬صاحب الإلياذة والأوديسة؟‮! ‬هوميروس في‮ ‬منزلي‮!  ‬يالها من صدفة عجيبة‮!‬
هوميروس‮:‬‮ ‬نعم،‮ ‬أنا هوميروس بعينه ولحمه وشحمه‮. ‬
أفلاطون‮: ‬هذا‮ ‬شرف كبير أعتز به أيما اعتزاز‮ ‬،‮ ‬حينما‮ ‬يزورني‮ ‬شاعر أثينا العظيم الذي‮ ‬أتحفنا بملاحمه الرائعة،‮ ‬وبطولاته الخارقة‮. ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬أشكرك سيدي‮ ‬علي‮ ‬حفاوتك وترحيبك بي‮.‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬ما الأمر الذي‮ ‬قصدتني‮ ‬فيه‮ ‬يا شاعرنا الكبير؟
هوميروس‮:‬‮ ‬لقد ظلمتني‮ ‬يا أفلاطون،‮ ‬وظلمت كل شعراء اليونان وشعراء العالم قاطبة،‮ ‬وأغضبت الإله أبولو!إله الشعر طبعا كما تعرف،ويعرف ذلك فلاسفة أثينا وملوك اليونان‮! ‬
أفلاطون‮( ‬متعجبا‮):‬‮ ‬أنا‮... ‬‮( ‬يضحك أفلاطون بصوته العالي‮ ‬بشكل هيستيري‮)‬‮ ‬أنا‮... ‬وكيف ذلك‮ ‬يا صديقي‮ ‬العزيز؟‮ ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬لقد طردتنا‮ ‬يا أفلاطون من جمهوريتك الفاضلة،‮ ‬وهذا ليس عدلا في‮ ‬حقنا،‮ ‬ولا نرضي‮ ‬به نحن معشر الشعراء،‮ ‬وجمهرة المبدعين‮! ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬إني‮ ‬أعتبر ذلك عين الحق،‮ ‬وعين الصواب والحكمة،‮ ‬فأين المشكلة والعيب؟‮ ‬
هوميروس‮:( ‬غاضبا‮) ‬المشكلة أنك وضعت الفلاسفة والملوك في‮ ‬أعلي‮ ‬هرم جمهوريتك،‮ ‬واعتبرتهم من طبقة الذهب‮. ‬لذلك،‮ ‬يحق لهم أن‮ ‬يتقاسموا السلطة ونعيم الثراء والجاه،‮ ‬كما استعنت بالجنود ووضعتهم في‮ ‬وسط الهرم الاجتماعي،واعتبرتهم من طبقة الفضة لتحافظوا علي‮ ‬مكانتكم وثرواتكم التي‮ ‬لاتعد ولا تحصي،‮ ‬أما العبيد فهم في‮ ‬أسفل السافلين،‮ ‬وفي‮ ‬الدرك الأسفل من الحضيض،‮ ‬فاعتبرتهم من طبقة الحديد؛ لأنهم أداة الإنتاج الطيعة لكم‮ ‬،‮ ‬تسخرونها لأغراضكم ومصالحكم الشخصية‮! ‬ولكي‮ ‬يصفو الجو لك ولطبقتك،‮ ‬أصدرت لعنتك القاسية علي‮ ‬الشعراء،‮ ‬فطردتهم بلا رحمة من جنتك الحالمة،‮ ‬وحرمتنا من الدخول إلي‮ ‬مدينتك الفاضلة‮. ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬الشعراء الحالمون لا‮ ‬يستحقون الدخول إلي‮ ‬مدينتي‮ ‬اليوطوبية الفاضلة؛ لأنهم ليسوا أهلا لذلك‮! ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬ما هذا الغرور الزائد‮ ‬يا أفلاطون؟ لماذا لا نستحق الدخول إلي‮ ‬مدينتكم؟‮ ‬
أفلاطون‮: ‬أنتم‮ ‬معشر الشعراء تعيشون في‮ ‬الأحلام الكاذبة،‮ ‬والأوهام الضائعة،‮ ‬أنتم تقولون ما لا تفعلون،‮ ‬تهيمون في‮ ‬أودية الخيال،‮ ‬تبحثون عن الحقيقة في‮ ‬السراب،‮ ‬وتبالغون في‮ ‬الكلام،‮ ‬تحولون الحقيقة إلي‮ ‬مجاز،‮ ‬وتردون النملة أسدا،‮ ‬وتشبهون النذل أوالحقير‮  ‬بالشمس أو القمر،‮ ‬وشتان بين هذا وذاك؟
هوميروس‮:‬‮ ‬وأين الحقيقة عندكم أيها الفلاسفة الحكماء؟
أفلاطون‮:‬‮ ‬إنها في‮ ‬عالم المثل،‮ ‬طبعا هذا العالم لا تدركونه أنتم أيها الشعراء؛ لأنكم مرتبطون بعالم الحس والأشياء،‮ ‬أنتم تعيشون في‮ ‬عالم متغير نسبي‮ ‬وغير حقيقي‮ ‬مثل أهل الكهف‮. ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬وأين هذا العالم الذي‮ ‬تتحدث عنه‮ ‬يا فيلسوف العقلاء؟ إذا كان عالمنا‮ ‬غير حقيقي‮ ‬وزائل؟‮ ‬
أفلاطون‮: ‬هذا عالم المثل أيها الخياليون السطحيون،‮ ‬فإنه لا‮ ‬يدرك إلا بالعقل والتأمل الذاتي،‮ ‬ولا‮ ‬يصل إليه إلا الفلاسفة الحاذقون في‮ ‬المعرفة والاستطلاع‮. ‬فالمعرفة تذكر،‮ ‬والجهل نسيان،‮ ‬ألا تعرف ذلك أيها الشاعر الحاذق؟
هوميروس‮:‬‮ ‬يالها من أسطورة كاذبة‮! ‬ويالها من خرافة ساذجة‮! ‬لا‮ ‬يقبلها العقل والمنطق اللذان تتبجح بهما في‮ ‬محاوراتك العقيمة مع قارئك الوهمي‮! ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬أنتم‮ ‬يا شعراء الخيال و مبدعي‮ ‬الخبال لا تحاكون إلا القشور من الأشياء،‮ ‬تعيشون بأقنعة الزيف والهراء،‮ ‬تقتلون الحقيقة بأخطاء المجاز واستعارة الأوهام‮. ‬تكثرون من التهويل والتعظيم،‮ ‬تجعلون الجبان شجاعا،‮  ‬والبخيل كريما،‮ ‬عند العطاء تحولون الهجاء مدحا،‮ ‬وعند الامتناع تحولون المدح هجاء‮. ‬أتسمي‮ ‬هذا شعرا وفنا وإبداعا‮ ‬يا هوميروس الملاحم؟‮! ‬
هوميروس‮:‬‮ ‬الشعر‮ ‬يا أفلاطون،‮ ‬يا صديقي‮ ‬العظيم،‮ ‬موهبة إبداعية‮ ‬يهبها إله الشعر أبولو لمن‮ ‬يستحقها عن طبع ودراية،‮ ‬يهبها لمن‮ ‬يمتلك ناصية البلاغة والفن‮. ‬الشعر إحساس ووجدان،‮ ‬عاطفة وإنسانية،‮ ‬حب وعطاء،‮ ‬سلم وخيال،‮ ‬بناء ونماء،‮ ‬حياة وسعادة‮. ‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬كفاكم‮ ‬من العواطف الزائدة،‮ ‬والأخيلة الواهمة،‮ ‬عليكم بالعقل وحكمة المنطق لتفوزوا بكرسيكم في‮ ‬برلمان جمهوريتي‮ ‬الفاضلة،‮ ‬ومدينتي‮ ‬السامية‮! ‬
هوميروس‮: ‬طز‮! ‬طز‮! ‬طز في‮ ‬جمهوريتك الحمقاء التي‮ ‬لم‮ ‬يجتمع فيها إلا المجانين أمثالك،‮ ‬والحثالة من الناس الذين‮ ‬يفسدون عقول الشباب و المجتمع بالشك والخرافات السوفسطائية والجدل العقيم علي‮ ‬غرار أستاذك سقراط‮!‬
أفلاطون‮:‬‮ ‬أنتم هم المجانين حقا،‮ ‬تجعلون السراب حقيقة،‮ ‬تنساقون وراء الأهواء وعواطف الذات،‮ ‬تستبدلون الحكمة باللاعقل،‮ ‬والمنطق باللاوعي‮. ‬
هوميروس‮: ‬كفانا من منطقكم‮ ‬يا فلاسفة النظريات بلا ممارسة،‮ ‬والاستدلال واللوغوس‮! ‬كفانا من عقلكم الذي‮ ‬استلب الإنسان وشيأه،‮ ‬وحوله إلي‮ ‬أعداد وأرقام وآلات ممسوخة مستهجنة‮. ‬فبآليات العقل والعلم،‮ ‬أشعلتم أيها الفلاسفة الحروب والنيران في‮ ‬قلوب الأطفال والكبار،‮ ‬ولدتم الحقد والإرهاب باسم الحضارة والثقافة و قواعد القانون،‮ ‬بمنطقكم قتلتم الشعر والانزياح،‮ ‬وحنطتم الغاب والطبيعة بالإسمنت والفولاذ،‮ ‬وأدميتم البراءة،‮ ‬وجرحتم الحب والحياة‮. ‬
أفلاطون‮: ‬الشعر جنون وحمق بلا رسالة ولا هدف،‮ ‬ولن نعترف بهذيانكم حتي‮ ‬تعودوا إلي‮ ‬الصواب ومنطق الرشد،‮ ‬آنذاك سأدخلكم إلي‮ ‬جمهوريتي‮ ‬الفاضلة وجنة السعداء،‮ ‬حيث الخير الأسمي،‮ ‬والنعيم الخالد بين العقل المطلق والمنطق الأكمل‮. ‬وإذا أصررتم علي‮ ‬الرفض،‮ ‬سنحاربكم بشراسة،‮ ‬وبدون هوادة،‮ ‬يا شعراء الضلال والسراب والترهات،‮ ‬حتي‮ ‬ينتصر العقل علي‮ ‬الخيال،‮ ‬والمنطق علي‮ ‬الأوهام‮. ‬
هوميروس‮: ‬أعتقد أننا لن نتفاهم،‮ ‬ولن نتفاهم أبدا وأبدا،‮ ‬وأنا مضطر لأتركك الآن تكمل نومك‮ ‬يا أفلاطون،‮ ‬يا نديم الملوك والحكماء!أيها المثالي‮ ‬الحالم في‮ ‬سماء الميتافيزيقا والكوسمولوجيا وعالم الأوهام الضائعة‮! ‬وأقول لك نيابة عن شعراء العالم‮: ‬لن نرضي‮ ‬بمنطقك،‮ ‬ولن نخضع لمساوماتك الرخيصة،‮ ‬ولن نرضي‮ ‬بمنطق العنف ولا بحرب طروادة،‮ ‬و لن نسمح بحرب البسوس أو حرب داحس والغبراء وحرب الخليج،‮ ‬لن نترك العقل‮ ‬يستبيح الأطفال،‮ ‬ويقتل الأبرياء باسم اللوغوس ومنطق الأرقام،‮ ‬لن نرضي‮ ‬بعولمة الحب،‮ ‬ومكننة القلب،‮ ‬ولن نتاجر في‮ ‬العواطف والأحاسيس،‮ ‬سنعيش من أجل الشعر،‮ ‬وجنون الشعر،‮ ‬وحب الشعر،‮ ‬لن نخون بودلير ولا إليوت،‮ ‬لن نخون السياب ولا نازك،‮ ‬لن نتساهل في‮ ‬موت لوركا و نيرودا،‮ ‬ولن نبيع الشعر في‮ ‬سوق العولمة،‮ ‬لن نبيع الشعر في‮ ‬معارض الغات،‮ ‬ولا في‮ ‬حانات الخمور،‮ ‬ولا في‮ ‬مواخير هز الأرداف و الأعجاز،‮ ‬ولا في‮ ‬أسواق النخاسة‮.‬
‮(‬يخرج هوميروس وهو‮ ‬يردد مرارا وتكرارا‮):‬‮ ‬سنعيش من أجل الشعر،‮ ‬سنعيش من أجل الحب،‮ ‬سنعيش من أجل الشعر،‮ ‬سنعيش من أجل الحب‮.. ‬‮(‬يرفع دواوينه الشعرية إلي‮ ‬الأعلي‮ ‬كـأنه‮ ‬يظهر العناوين للجمهور،‮ ‬وينزل إليهم مرددا عباراته المسكوكة في‮ ‬حماس وهذيان شاعري‮ ‬يقدم لهم تلك الدواوين الشعرية‮ )‬،‮ ‬آه،‮ ‬آه‮...‬آه،‮ ‬آه أينك‮ ‬يا أبولو،‮ ‬أينك‮ ‬ياأبولو!آه،‮ ‬آه‮...‬آه أينك‮ ‬يا أدونيس،‮ ‬أينك‮ ‬يا أدونيس‮! ‬‮(‬موسيقا‮ ‬يونانية مصاحبة لهذه الحرقة الدرامية،‮ ‬والممثل منطو علي‮ ‬نفسه‮ ‬يحضن في‮ ‬صمت ديوانا شعريا‮ ‬،‮ ‬ويبدو في‮ ‬جو رهيب من التأثر والحزن علي‮ ‬مآل الشعر‮.....)

‮(‬د.جميل حمداوي‮-‬المغرب‮)‬‬

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: ‬هوميروس في‮ ‬زمن العولمة
  • تأليف: جميل حمداوي
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 261

1 تعليق

  • أضف تعليقك beddar الخميس, 06 تشرين2/نوفمبر 2014 00:27 أرسلت بواسطة beddar

    شكرا جزيلا

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here