اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

مونودراما‮ ‬ انتقام

قييم هذا الموضوع
(2 تقيم)

 

‮(‬حجرة متواضعة في‮ ‬منزل المواطن س‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يتعدي‮ ‬أثاثها فراشًا بسيطًا وخزانة كتب قديمة تناثرت كتبها بداخلها وخارجها وعلي‮ ‬قطع الأثاث المتفرقة ودولاب ملابس ذو ضلفتين وعلي‮ ‬أحد الحوائط مرآة مربعة مغبشة وأشياء متناثرة بلا نظام وراديو صغير قد علاه الغبار‮ ) ‬
‮( ‬المواطن س في‮ ‬فراشه نائم ومغطي‮ ‬حتي‮ ‬وجهه‮ ‬،‮ ‬من تحت الغطاء تمتد‮ ‬يده بحركة تلقائية ليدير مفتاح الراديو الذي‮ ‬ينطلق بصوت متحشرج مذيعاً‮ ‬نشرة الأخبار الصباحية‮ ..)‬
صوت الراديو‮ : ‬وفي‮ ‬حادث مماثل قام شخص آخر بتفجير نفسه جنوب العاصمة وسط سوق تجاري‮ ‬مزدحم مما أدي‮ ‬إلي‮ ‬سقوط العشرات ما بين قتيل وجريح‮ .. ‬هذا وقد صرح مصدر مسئول في‮ ‬الحكومة بأنه‮ ‬يعتقد أن هناك جهات أجنبية وراء هذة العمليات الانتحارية تهدف إلي‮ ‬زعزعة استقرار البلاد وتشويه وجه النظام الديموقراطي‮ .. ( ‬فاصل موسيقي‮ ‬قصير‮ ) ‬ضرب زلزال بقوة‮ ‬7 ,6 بمقياس ريختر جنوب اندونيسيا مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا تشير التقارير الأولية إلي‮ ‬أنه‮ ‬يتجاوز المئات فضلاً‮ ‬عن تشريد الآلاف من سكان المنطقة وما زال الرعب‮ ‬يسيطرعلي‮ ‬الناس خشية التوابع‮ .. ‬الضحية رقم‮ ‬47 ‮ ‬لفيروس انفلونزا الخنازير لشاب في‮ ‬سن التاسعة عشر‮ ( ‬فاصل موسيقي‮). ‬
المواطن‮ : (‬ينهض بنصف جسده وهو‮ ‬يفرك عينيه‮ ‬يبدأ في‮ ‬الحركة ببطء وهو‮ ‬يتكلم‮) ‬هذا صباح آخر‮ ‬،‮ ‬لكنه مثل كل صباح‮ ‬،‮ ‬منذ سنوات‮ ‬يصحو المرء علي‮ ‬أنباء القتل والموت في‮ ‬كل مكان علي‮ ‬وجه الأرض‮ ‬،‮ ‬البعض‮ ‬يموت بسلاح أخيه‮ ‬،‮ ‬والبعض بسلاح عدوه‮ ‬،‮ ‬ومن لم‮ ‬يمت بالسيف مات بغيره‮ ‬،‮ ‬فها هي‮ ‬ظواهر الطبيعة تنافس الإنسان في‮ ‬الفتك بالإنسان‮ ‬،‮ ‬هذا زلزال بقوة‮ ‬5 أو‮ ‬6 علي‮ ‬مقياس ريختر‮ ‬يودي‮ ‬بحياة الآلاف ويشرد آلافاً‮ ‬أخري‮ ‬،‮ ‬هذا إعصار‮ ‬يضرب ساحلاً‮ ‬يفعل مثل أخيه‮ ‬،‮ ‬وذاك بركان‮ ‬يسأم من طول ركوده فيقرر أن‮ ‬يشعل ثورة تطيح بآلاف البؤساء‮ .. ‬وذاك وباء فتاك من صنع الإنسان‮ ‬يحصد مئات الأرواح هنا وهناك من أجل عيون البحث العلمي‮ ‬،‮ ‬هذا وذاك وهذا‮ .. ‬هذا ما‮ ‬يحدث كل صباح‮ ‬،‮ ‬بدلاً‮ ‬من أن تسمع زقزقة العصفور الفرحان بنور الصبح‮ ‬يشدو ألحان البراءة‮ .. ‬لكن الحق أقول لكم‮ .. ‬ما زال الإنسان متفوقاً‮ ‬في‮ ‬مضمار صنع الموت حتي‮ ‬جعل من الموت طقساً‮ ‬يومياً‮ ‬يطالعك في‮ ‬كل ما تقع عليه عيناك‮ ‬،‮ ‬بدءًا من صحيفة الصباح اليومية‮  ‬وفنجان القهوة حتي‮ ‬عجلات آخر قاطرة ليلية‮ ‬،‮ ‬يكفي‮ ‬أن‮ ‬يشعل حرباً‮ ‬شاملة تقتل ربع شباب العالم وتدمر أجيالاً‮ ‬أخري‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬هذا العالم بؤرة شر‮ ‬يتحتم أن تستأصل‮ ‬،‮ ‬لكن ماذا بعد‮ .. ‬؟ هذا هو السؤال‮ .. ‬؟ سؤال محير بلا شك‮ .. ‬وماذا بعد ؟ تري‮ ..! ‬هل أحد عنده رد‮ .. ‬؟ هل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون علي‮ ‬ظهر الأرض من‮ ‬يعرف ماذا بعد ؟ رحماك‮ ‬يا ربي‮ ( ‬تمتد‮ ‬يده لتغلق الراديو‮ ) ‬لنوقف سيل الدم قليلاً‮ ‬إذ‮ ‬يبدو هذا اليوم كئيب وشهية صناع الموت مفتوحة كأبواب الجحيم‮ ..    ‬
‮ ‬آاااه‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أن أغادر فراشي‮ ‬في‮ ‬مثل هذا الوقت من كل‮ ‬يوم‮ ‬،‮ ‬أمارس طقوسي‮ ‬اليومية مثل الأمس‮  ‬وقبل الأمس‮ ‬،‮ ‬لا‮ .. ‬لا‮ .. ‬الأيام المفردة لا تصلح في‮ ‬العد‮  ‬يمكن أن نستخدم الأسابيع أو الشهور أو إن شئت السنوات‮ ( ‬يتحرك بين أشيائه داخل الغرفة بشيئ من العصبية‮ ) ‬في‮ ‬الواقع لا فرق علي‮ ‬الإطلاق‮ .. ‬بل أستطيع أن أجزم بأن الغد كاليوم كالأمس‮ .. ‬آه‮ .. ‬هذا العالم لا‮ ‬يتغير بسهولة‮  ‬هذا العالم جد معقد وغير مفهوم‮ .. ‬يبدو‮ .. ‬يبدو أنني‮ ‬أمارس طقس الهذيان اليومي‮!! ‬لا‮ .. ‬لا‮ .. ‬لن أفعل‮ .. ‬منذ البارحة عزمت علي‮ ‬ألا أفعل هذا الجرم ثانية‮ .. ‬حقاً‮ ‬كنت قد عقدت هذا العزم في‮ ‬الأسبوع الماضي‮ ‬أو الذي‮ ‬قبله‮ .. ‬لا أذكر بالضبط‮ .. ‬لكن لا بأس‮ .. ‬لا بأس‮ .. ‬يوما ما سوف أنفذ ما أنوي‮ .. ‬لكن‮ .. ‬آه‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬اليوم متعب قليلاً‮ .. ‬نعم‮ .. ‬يبدو أنني‮ ‬اليوم لست علي‮ ‬ما‮ ‬يرام‮ ‬،‮ ‬أشعربآلام في‮ ‬أعضائي‮ ‬ومفاصلي‮ ‬تكاد تعجزني‮ ‬عن الحركة‮ ‬،‮ ‬أشعر أنني‮ ‬متيبس وكأنني‮ ‬كنت طوال الليل أصارع تنيناً‮ ‬أو ذئباً‮ ‬أو ما أشبه‮ .. ‬أليس من الأفضل أن أستريح لدقائق أخري‮ ‬،‮ ‬أم أن الراحة أضحت أكذوبة وسراباً‮ ‬نسعي‮ ‬خلفه دون وصول‮ .. ‬آااااه‮ .. ‬استرح أيها الجسد المنهك‮ .. ‬استرح قليلاً‮ ( ‬يتمدد جاذباً‮ ‬الغطاء علي‮ ‬جسده‮ .. ‬يظلم المكان تدريجياً‮ ‬مع موسيقي‮ ‬تصور أحلاماً‮ ‬مزعجة‮ .. ‬تنتقل بقعة الضوء إلي‮ ‬صدر المسرح لنشاهد شاشة تشبه خيال الظل‮ ‬،‮ ‬تضاء هذه الشاشة لنري‮ ‬خلفها شخصاً‮ ‬يمسك سكيناً‮ ‬يرفعه ببطء ثم‮ ‬يطعن نفسه‮ ‬،‮ ‬يتهاوي‮ ‬ساقطاً‮ ‬علي‮ ‬الأرض وهو‮ ‬يطلق صرخة المصروع‮ .. ‬تظلم الشاشة وفي‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يضاء المسرح إضاءة خفيفة‮ ‬،‮ ‬يدخل نفس الشخص وبيده سكين مندفعاً‮ ‬وكأن هناك من‮ ‬يطارده مطلقاً‮ ‬صرخة شبيهة بالأولي‮ ‬وإن كان بها ما‮ ‬يوحي‮ ‬بأنها صرخة انتصار‮ .. ‬يظل‮ ‬يدور حول نفسه دون أن‮ ‬يستقر‮)   ‬أنا الذي‮ ‬قتلته‮ .. ‬نعم‮ .. ‬أنا‮ .. ‬أنا ولا أحد‮ ‬غيري‮ .. ‬قتلته بيدي‮ ‬هذه‮ .. ‬لا‮ .. ‬لا بل قتلته بهذه السكين‮ ‬،‮ ‬لا لا‮ .. ‬بيدي‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ‬أقسم أنني‮ ‬القاتل‮ .. ‬أنا القاتل‮ ( ‬يتهاوي‮ ‬علي‮ ‬الأرض وهو‮ ‬يردد بصوت‮ ‬ينخفض تدريجيا‮ ) ‬أنا القاتل‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ( ‬يبكي‮ ‬بكاءً‮ ‬صامتاً‮ ‬للحظة‮ .. ‬ثم‮ ‬ينهض فجأة وتتخذ ملامحه من‮ ‬يتحدي‮ ‬العالم‮ ) ‬نعم‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ‬أنا من قرر وفكر ونفذ‮ .. ‬ما من أحد حرضني‮ ‬،‮ ‬ما من أحد وضع الفكرة برأسي‮ .. ‬ما من أحد وضع السكين بيدي‮ .. ‬أنا الفاعل‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ‬لا تكلفوا أنفسكم مشقة البحث والتحري‮ ‬فأنا بين أيديكم‮ .. ‬أعترف بذنبي‮ ‬– إن كان خلاصي‮ ‬ذنب‮ ‬– ‮ ‬نعم‮  ‬أنا معترف ومُقِرّ‮ .. ‬أليس الاعتراف عندكم سيد الأدلة‮ .. ‬؟ إذن فأنا أقول لكم‮ ‬يا من تبحثون عن العدالة‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ‬أنا المذنب‮ .. ‬أقولها بملء فمي‮ ‬وأنا بكامل قواي‮ ‬العقلية وبحكمة السنين الطويلة الممتدة‮ ‬،‮ ‬أقول لكم‮ .. ‬أنا الذي‮ ‬قتلت هذا الشخص الماثل أمامكم‮ ( ‬يشير إلي‮ ‬خلف الشاشة التي‮ ‬تضاء لحظتها لنجد ما خلفها خاليا‮ .. ‬تنتقل بقعة الضوء إلي‮ ‬فراش المواطن الذي‮ ‬يهب فزعاً‮ ‬وهو‮ ‬يلهث صائحاً‮ .. ‬أنا القاتل‮ .. ‬أنا القا‮ ... ) ‬ياااه‮ .. ‬يا إلهي‮ .. ‬أكان هذا حلماً‮  ‬لا‮..‬لا‮.. ‬لم‮ ‬يكن حلماً‮ .. ‬كان حقيقة‮ .. ‬نعم‮ .. ‬لا‮ .. ‬بل كان كابوساً‮ .. ‬نعم بالتأكيد‮ .. ‬كان كابوساً‮ ‬مرعباً‮  ‬كا‮ .. ‬كيف‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتداخل الحلم بالحقيقة لهذا الحد‮ .. ‬أشعر أنني‮ ‬طعنت شخصاً‮ ‬بالفعل‮ ‬،‮ ‬أشعر أيضاً‮ ‬أن شخصاً‮ ‬ما طعنني‮ ‬بسكين‮ .. ‬ما زلت أحس بوخز السكين بصدري‮ .. ‬هل كانت معركة‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يحدث لي‮ ‬أن شاركت في‮ ‬أية معركة من قبل‮ ‬،‮ ‬لا أذكر أنني‮ ‬خضت عراكاً‮ ‬مرة‮ .. ‬حتي‮ ‬في‮ ‬أيام طفولتي‮ ‬التعسة‮ .. ‬أبداً‮ ‬لم أضرب أحداً‮ .. ‬بل إنني‮ ‬لا أعرف كيف أمد‮ ‬يدي‮ ‬لأمسك بخناق أحد‮ .. ‬لا أذكر أنني‮ ‬حاولت استرداد ما‮ ‬يؤخذ مني‮ ‬من لعب وخلافه‮ .. ‬بل إني‮ ‬كنت أهرول حين‮ ‬يشب عراكا بين الأقران‮ .. ‬هل كنت جبانا أم كنت عاقلاً‮ ‬كما تقول أمي‮ ‬؟‮! (‬يقلد صوت الأم‮ ) ‬أنت ولد عاقل وطيب‮ ‬،‮ ‬ما دمت تكره العنف والعراك فأنت ولد طيب ومسالم‮ ‬،‮ ‬العنف‮ ‬يا ولدي‮ ‬لا‮ ‬يلد إلا عنفاً‮ ‬،‮ ‬يجعل من هذا العالم‮ ‬غابة موحشة‮ ‬،‮ ‬هل تريد أن تعيش في‮ ‬غابة موحشة ؟‮ (‬بصوته هو‮ ) ‬لا‮ .. ‬لا‮ ‬ياأمي‮ ‬الطيبة‮ .. ‬لا أريد أن أعيش في‮ ‬غابة تعج بالوحوش من كل الأصناف والأشكال‮ .. ‬لا‮ ‬يا أمي‮ ‬الطيبة لا‮ .. ‬لن أقاتل ولن أشاغب‮ .. ‬لن أرفع حتي‮ ‬صوتي‮ ‬حين‮ ‬يدوس أحدهم قدمي‮ ‬،‮ ‬سأكتم ألمي‮ ‬بداخلي‮ ‬،‮ ‬لن أنطق حرفاً‮ ‬إذا ما صفعني‮ ‬أحد علي‮ ‬خدي‮ ( ‬حركة‮ ) ‬لكن عفواً‮ ‬يا أمي‮ .. ‬فهناك شخص آخر‮ ‬يرفض كل أوامرك‮ ‬،‮ ‬لا تقنعه نصائحك‮ ‬،‮ ‬يأبي‮ ‬أن‮ ‬يقبل هذا الوضع‮ .. ‬هذا الشخص الآخر‮ ‬يقبع هنا‮ (‬يشير إلي‮ ‬صدره بقبضته فيشعر بالألم‮ ) ‬يمسك بخناقي‮ ‬،‮ ‬يجثم علي‮ ‬صدري‮ ‬كجبل‮ ‬،‮ ‬أحاول أن أتملص منه‮ .. ‬يطاردني‮ ‬بإصرار ويلح عليّ‮ ‬أن أخرج من قمقمك السحري‮ .. ‬اكسر قيدك واصرخ‮ " ‬لا‮ " .. ‬هذا العالم قاسٍ‮ ‬وضنين‮ .. ‬لن تأخذ منه شيئاً‮ ‬إلا بالقوة‮ .. (‬بلهجة نصح وتهديد‮) ‬بقدر ما تملك من قوة ستفوز بما تبغي‮ .. ‬وبحسب سلاحك ستحصل علي‮ ‬ما تريد‮ (‬بلهجه ضعف‮) ‬وأنا‮ ‬يا أمي‮ ‬أعزل‮ ‬،‮ ‬وطيب ومسالم فداستني‮ ‬الأقدام وسط زحام البشر المجنون‮ .. ‬تاهت خطواتي‮ ‬علي‮ ‬أرصفة الأيام الصعبة‮ .. ‬يسلمني‮ ‬صباح لمساء بلا معني‮ ‬،‮ ‬ومساء لصباح بلا طعم حتي‮ ‬خلت أنني‮ ‬ميت‮ .. ‬جثة تتحرك بلا هدف‮ .. (‬لحظة صمت‮) ‬هذا العالم مجنون بلا شك‮ .. ‬يخيل إلي‮ ‬أني‮ ‬مجنون أيضاً‮ ‬،‮ ‬مثل كل شيئ حولي‮ .. ‬لست عاقلا ولا طيبا‮ ‬يا أمي‮ .. ‬أنا مجرد مجنون تافه‮ ‬،‮ ‬نكرة‮ ‬،‮ ‬ظل مر علي‮ ‬الأرض ولم‮ ‬يترك أثرا‮ (‬لحظة صمت‮) ‬حتي‮ ‬في‮ ‬الجامعة حين ظننت أنني‮ ‬أصبحت رجلا ومسؤولا وعزمت علي‮ ‬أن أمارس نشاطا ما مع بقية الزملاء لم أفعل‮ ! ‬لماذا‮ ..‬؟ لست أدري‮ ‬حتي‮ ‬الساعة‮ ! ‬هاتف بداخلي‮ ‬يصرخ فيّ‮ ‬أن تقدم‮ .. ‬لم أجرؤ‮ ..! ‬كنت أخاف وأرتعد من كل شيئ‮ ‬،‮ ‬من كف أبي‮ ‬إذ‮ ‬يلطمني‮ ‬حين أخطئ كما‮ ‬يخطئ كل الأطفال‮ ‬،‮ ‬من هراوة جندي‮ ‬الشرطة في‮ ‬أول مظاهرة للطلاب تطالب بالحرية‮ ‬،‮ ‬من عتمة الزنازين القاسية وبلاطها البارد‮ ‬،‮ ‬من زحام الشوارع وعيون الناس‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يكن أمامي‮ ‬من مفر‮ ‬غير الهرب‮ ‬،‮ ‬هربت إلي‮ ‬الكتب أقرأ وأقرأ‮ ‬،‮ ‬عشت عوالم أخري‮ ‬تتنفس خيرا وجمالا‮ ‬،‮ ‬كان الكتاب هو ملاذي‮ ‬الوحيد،‮ (‬لحظة صمت‮) ‬آااه‮ .. ‬في‮ ‬تلك الأيام الكثير مما‮ ‬يخجلني‮ ‬،‮ ‬نظرات الزملاء حين‮ ‬يثور الطلاب لأمر ما ولا أشاركهم ثورتهم كانت تحرق جلدي‮ ‬،‮ ‬أتفصد عرقاً‮ ‬،‮ ‬انكمش في‮ ‬ذاتي‮ ‬حتي‮ ‬ظنوا أني‮ ‬مريض‮ ‬،‮ ‬وهذا أهون من ظن البعض بأني‮ ‬جبان رعديد‮ .. ‬عندئذٍ‮ ‬كان الصوت الكامن فيّ‮ ‬يظل طوال الليل‮ ‬يوبخ فيّ‮ ‬،‮ ‬أحاول أن أسكته بلا جدوي‮ .. ‬إن أمسكت كتاباً‮ ‬أطل من بين سطوره‮ ‬يسخر مني‮ ‬،‮ ‬وإن أغمضت عيوني‮ ‬،ترائي‮ ‬لي‮ ‬شبحا بلا ملامح لكني‮ ‬أحس بغضبه‮ .. (‬يصرخ‮) ‬اللعنة‮ .. ‬اللعنة عليك وعليّ‮ ‬أنا قبلك‮ ‬،‮ ‬هل تظن أيها الشبح السخيف أني‮ ‬سعيد بهذا‮ ‬،‮ ‬لا‮ .. ‬أنا أكره نفسي‮ ‬،‮ ‬أحاول أن أفعل‮ ‬،‮ ‬لكني‮ ‬لا أجرؤ‮.. ‬ابتعد عني‮ .. ‬لا أريد أن أراك أو أسمع فحيحك السام وإن لم تبتعد عني‮ ‬فسأقتلك ولن أتردد‮ ‬،‮ ‬ستكون بوجهك الكالح هذا أول ضحايا ثورتي‮ ‬علي‮ ‬كل شيئ‮ ‬،‮ ‬لكنك لن تكون آخرهم‮ .. ‬أقسم لك أني‮ ‬سأنفذ تهديدي‮ ‬هذا‮ ‬يوما‮ ( ‬يتهاوي‮) ‬ما نفذت وعيدي‮ ‬قط‮ ‬،‮ ‬لا أتصور أن تمسك‮ ‬يدي‮ ‬سلاحا أبدا‮ .. ‬لماذا إذن أحمل سكيناً‮ ‬في‮ ‬أحلامي‮ .. ‬بل وأطعن شخصاً‮ ‬لا أعرفه‮ .. ‬هل هذا معقول ؟ لا‮  ‬لا‮ .. ‬هو إذن حلم أو كابوس داهمني‮ (‬صمت‮)   ‬لا‮ .. ‬لا‮ ..‬ليس حلماً‮ ‬ولا كابوساً‮ .. ‬ليس وهماً‮ ‬ولا خيالاً‮ .. ‬ما حدث كان حقيقة أكاد ألمسها بيدي‮ .. ‬قبضة كفي‮ ‬علي‮ ‬مقبض السكين‮ .. ‬نصل السكين اللامع في‮ ‬غبش الليل‮ .. ‬رعشة تسري‮ ‬بجسدي‮ .. ‬صرخات وحشية‮ .. ‬وخز السكين بصدري‮ ..  ‬صرخات الألم المكتوم تدوي‮ ‬بأذني‮ ‬حتي‮ ‬الآن‮ .. ‬لكن‮ ..! ‬من أنا‮  ‬أيهما أنا‮ ..‬؟ القاتل أم المقتول‮ ..‬؟ آااااه‮ ... ( ‬بانهيار‮) ‬يااامن‮ ‬يأخذ عمري‮ ‬كله‮ .. ‬ويعطيني‮ ‬جوابا لسؤالي‮ ..! (‬فترة صمت‮ ‬ينظر في‮ ‬ساعته‮ ) ‬لقد مر الوقت وسأذهب لعملي‮ ‬متأخراً‮ ‬كالعادة‮ .. ‬هيه‮ .. ‬عليّ‮ ‬أن أتحمل تقريع رئيسي‮ .. ‬وجبته اليومية التي‮ ‬يبدو أنه‮ ‬يتلذذ بها أكثر من أي‮ ‬شيئ آخر في‮ ‬هذا العالم‮ .. (‬ضاحكاً‮ ‬باستهزاء‮ ) ‬لماذا أحرمه من لذته ؟ فلأتأخر أنا وليتلذذ هو كما‮ ‬يحلو له‮ ( ‬تمتد‮ ‬يده بشكل تلقائي‮ ‬لتفتح الراديو،‮ ‬تنطلق منه أغنية لفيروز‮ .. ‬خداك قد اعترفا بدمي‮ ‬،‮ ‬فعلام جفونك تجحده‮ ) ‬عجباً‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬الأغاني‮ ‬ملوثة بالدماء‮ !‬؟ لا بأس ما دامت دماء عشق وهوي‮ .. ‬أشعر أنني‮ ‬متعب قليلا هذا الصباح‮ (‬يتحسس صدره ويتأوه‮) ‬،‮ ‬هذا الألم الحاد بصدري‮ ‬لا أعرف له سببا‮ .. ( ‬يتحرك ثانية‮  ‬يتجه لرف عليه بعض الأشياء الخاصة به‮ ) ‬تري‮ ‬أين فرشاة أسناني‮ ‬؟‮ ( ‬يتوقف متحيراً‮ ) ‬بالتأكيد لن أجدها بسهولة كالعادة‮ (‬يدندن مع فيروز‮) ‬لا أدري‮ ‬لماذا تختفي‮ ‬هذه الفرشاة اللعينة كلما احتجت إليها‮ .. ‬كل أشيائي‮ ‬تأبي‮ ‬أن أجدها بيسر‮ .. ‬فرشاة الأسنان‮ ‬،‮ ‬شفرة الحلاقة‮ ‬،‮ ‬الكتب‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬القمصان وربطات العنق الخانقة‮ .. ‬كل هذه الأشياء اللعينة تحرص علي‮ ‬الهروب كلما احتجت إليها‮ ..  ‬لا أدري‮ ‬لماذا ؟ أتراه إهمال مني‮ ‬؟ ربما‮ .. ‬علي‮ ‬أية حال أين أنت‮ ‬يا فرشاة أسناني‮ ‬الخبيثة‮ .. (‬يتلفت باحثا بيديه بين الأشياء‮ ) ‬الآن أريد فرشاة الأسنان‮ .. ‬ولابد من العثور عليها‮ .. ‬لنبحث هنا‮ .. ( ‬تعبث‮ ‬يده بعصبية ويلتقط شيئاً‮ ‬يجعله‮ ‬يقف مذهولاً‮ ‬وقد جحظت عيناه‮ ) ‬ما هذا‮ ..‬؟‮ ( ‬يرفع‮ ‬يديه أمام عينيه متجهاً‮ ‬إلي‮ ‬صدر المسرح وبها سكين ملوثة بدماء‮ ) ‬ما هذا‮ ..‬؟ سكين‮ ..!‬؟ من أين أتت هذه السكين ؟ لا أذكر أنني‮ ‬اشتريت سكيناً‮ ‬يوماً‮ .. ‬ولا اقترضتها من أحد‮ .. ‬ولا أهدانيها أحد‮ .. ‬من أين جاءت إذن ؟‮ ( ‬يبدو كأنه تذكر شيئاً‮ ) ‬آاااه‮ .. ‬الحلم‮ .. ‬أقصد الكابوس‮ .. ‬لم‮ ‬يكن حلماً‮ ‬إذن‮ !! ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬هذا‮ ..‬؟ رباه‮ .. ‬أكاد أفقد عقلي‮ .. ‬لا لا‮ .. ‬ربما أكون قد فقدته بالفعل‮ .. ‬وإلا فما معني‮ ‬ما‮ ‬يحدث لي‮ ‬اليوم‮ .. ‬أشعر أنني‮ ‬أتأرجح ما بين اليقظة والنوم‮ .. ‬بين الواقع والوهم‮ .. ‬يختلط كل شيئ في‮ ‬عقلي‮ ..‬لا أبصر إلا ضبابا في‮ ‬ضباب‮ ( ‬يتجه بنظره جهة عمق المسرح حيث الشاشة المضيئة‮ .. ‬يقلب عينيه بين السكين والشاشة‮ ‬،‮ ‬يندفع خلفها لنراه من خلالها‮ ‬يروح ويجيئ في‮ ‬ذعر للحظة ثم‮ ‬يندفع لمقدمة المسرح في‮ ‬غاية الذعر ويتحدث بصوت متقطع‮ ) ‬ياللهول‮ .. ‬ياللمصيبة‮ .. ‬جثـ‮ ... ‬جثة‮ !‬؟ جثة في‮ ‬بيتي‮ ..‬؟‮ ‬يا للمصيبة‮ .. ‬قتيل‮ .. (‬بذعر شديد ما بين المقدمة وصدر المسرح وبحركة لا تهدأ‮ ) ‬جثة حقيقية‮ .. ‬شخص مقتول بالفعل هناك‮ .. ‬مـ‮ ... ‬ماذا أفعل ؟ ماذا أفعل‮ ..‬؟‮ ‬ياربي‮ .. (‬للجمهور‮) ‬فليساعدني‮ ‬أحدكم‮  ‬أرجوكم‮ .. ‬أنا في‮ ‬مأزق‮ ‬،‮ ‬بل في‮ ‬ورطة‮ ‬،‮ ‬أنا في‮ ‬مصيبة بالفعل‮ .. ‬أرجوكم‮ .. ‬ساعدوني‮ .. (‬بيأس‮) ‬لا أحد‮ ‬يريد مساعدتي‮ .. ‬آااه‮ .. ‬علي‮ ‬أن أواجه مصيري‮ ‬وحدي‮ .. ‬هؤلاء الناس لن‮ ‬يساعدونني‮ .. ‬علي‮ ‬الأقل أيها السادة لا تبلغوا أحداً‮ ‬بما رأيتم‮ .. ‬خاصة الشرطة‮ .. ‬أرجوكم‮ .. ‬انتظروا قليلا حتي‮ ‬ينجلي‮ ‬الأمر ونعرف ماذا حدث بالضبط‮ .. ‬و‮.. ‬ومن هو صاحب هذه الجثـ‮.. ‬؟‮  ‬حقاًً‮ ‬،‮ ‬إني‮ ‬لم أسأل حتي‮ ‬من‮ ‬يكون ؟‮.. ‬تري‮ ‬من هو هذا المسكين‮ ..‬؟‮  (‬ينطلق إليه ونراه خلف الشاشة ويعود بعد برهة‮) ‬ليس في‮ ‬ثيابه شيئ‮ ‬يثبت شيئا‮ .. ‬لا هوية‮ .. ‬لا اسم‮.. ‬لا عنوان‮ .. ‬لاشيئ‮ ‬يدل علي‮ ‬شيئ‮ ! ‬لكن من قتله ولماذا‮ ..‬؟‮ ( ‬للجمهور‮) ‬أيكون أحدكم هو القاتل‮..‬؟ لا‮ .. ‬لا أظن ذلك معذرة فأنتم قوم طيبون‮ .. ‬مسالمون‮ .. ‬مثلي‮ ‬تماماً‮ .. ‬إذن من قتله‮..‬؟ أأكون أنا‮ ..‬؟ ر‮.. ‬ربما‮ .. ‬لكني‮ ‬لم أقتل أحداً‮ ‬قط‮ .. ‬لا أعرف أصلاً‮ ‬كيف‮ ‬يكون القتل‮ ..! ( ‬لنفسه ومن‮ ‬يتخيله محقق‮) ‬ها قد فعلت‮ .. ‬أنا!؟ مستحيل‮ .. ‬ما بال هذي‮ ‬السكين إذن‮..‬؟ لا أدري‮ .. ‬لا أعرف‮ .. ‬لا أعرف لمن السكين‮ .. ‬لا أعرف لمن الجثة‮  ‬لا أعرف ماذا‮ ‬يحدث في‮ ‬هذا اليوم الغريب‮ .. ‬أغرب عن وجهي‮ ‬الآن‮ .. ‬أغرب عني‮ ‬وإلاّ‮ ‬قتلتك‮ ( ‬تتردد ضحكة ساخرة في‮ ‬الخلفية‮ ) ‬ها أنت ذا تذكر القتل ثانية بل وتهدد به‮ ‬،‮ ‬قل حقاً‮ ‬ألم تقتل من قبل‮ ..‬؟ لا‮ .. ‬لم أقتل‮ .. ‬صدقني‮ ‬،‮ ‬ولماذا أقتل أحدا أيا كان‮ ..‬؟ للقتل مئات الأسباب‮ ! ‬قد‮ ‬يكون انتقاماً‮ .. ‬وقد‮ ‬يكون انتحاراً‮ .. ‬وقد‮ ‬يكون رغبة في‮ ‬إثبات الذات‮ .. ‬وقد‮ ‬يكون‮ (‬صارخاً‮) ‬كفي‮ .. ‬كفي‮ ‬بالله عليك‮ .. ‬من أنت؟ من تكون لتنصّب من نفسك قاضياً‮ ‬أو محققاً‮ ‬يطرح أسئلة بلا معني‮ ..‬؟ هيا‮ .. ‬هيا اغرب عن وجهي‮ ‬ودعني‮ ‬في‮ ‬ورطتي‮ (‬يتجه للجمهور‮) ‬يا سادة‮ .. ‬أرجوكم‮ .. ‬من فضلكم‮ .. ‬أقبل أياديكم‮ .. ‬ساعدوني‮ .. ‬لا أعرف ماذا أفعل‮ ..‬؟ لا حيلة لي‮ ‬أو قوة‮ .. ‬الأمر بأيديكم أنتم‮ .. ‬قولوا لي‮ .. ‬أشيروا علي‮ ‬ماذا أفعل‮ ..‬؟ لا جواب‮ .. ‬لارد‮ .. ‬لا‮ ‬يهم لا‮ ‬يهم‮  .. ‬حان الوقت لكي‮ ‬أكون إيجابياً‮ .. ‬سوف أواجه مشكلتي‮ .. ‬لن أهرب كما كنت أفعل دوماً‮ .. ‬الحل الآن هو أن أخفي‮ ‬الجثة‮ .. ‬نعم‮ .. ‬هذا هو الحل الأمثل فبدون الجثة ليست هناك جريمة‮ .. ‬وبدون جريمة لا محاكمة ولا أسئلة سخيفة‮ .. ‬لكن‮ .. ‬أين‮ ‬يمكن أن أخفي‮ ‬جثة‮ !‬؟‮ (‬للجمهور‮) ‬أين تخفون الجثث‮ ‬يا سادة‮ ..‬؟ سؤال سخيف كما‮ ‬يبدو من هيئتكم‮ .. ‬معذرة فالوضع الراهن بالنسبة لي‮ ‬ينسيني‮ ‬أصول اللياقة‮ .. (‬ينظر في‮ ‬ساعته‮) ‬تأخر الوقت كثيراً‮ ‬،‮ ‬يبدو أنني‮ ‬لن أتمكن من الذهاب إلي‮ ‬العمل اليوم‮ (‬يعود للعبث علي‮ ‬الرف‮) ‬بل لن أذهب عمداً‮ ‬وليضرب رئيسي‮ ‬في‮ ‬العمل رأسه في‮ ‬الحائط‮  ‬أو ليبحث له عن تسلية أخري‮ .. ‬فضلاً‮ ‬عن أني‮ ‬سأستريح‮ ‬يوماً‮ ‬من ثرثرة الزملاء الفارغة حول لعبة الكرة وفيلم السهرة والسياسة وارتفاع الأسعار وهموم الصغار ومطالب زوجاتهم التي‮ ‬لا تنتهي‮ .. ‬لا أعرف كيف تحملت كل هذا اللغو الفارغ‮ ‬كل هذه المدة الطويلة‮ .. ‬اللعنة‮ .. ‬اللعنة علي‮ ‬كل زملاء العمل وعلي‮ ‬العمل نفسه‮ .. ‬آاه‮ .. ‬أهذه أنت ؟ فرشاة أسناني‮ ‬،‮ ‬لقد وجدتها أخيراً‮ .. ‬أين كنت أيتها الفرشاة ؟ عليك اللعنة أنت أيضاً‮ .. ‬لم تعد لي‮ ‬حاجة بك‮ ‬،‮ ‬هناك‮  ‬ما هو أهم منك الآن‮ ( ‬يلقي‮ ‬بها‮ ) ‬لست أدري‮ ‬لم أعثر علي‮ ‬الشيئ الذي‮ ‬أبحث عنه بعد فوات الأوان دوماً‮ (‬يواصل العبث‮) ‬يبدو أنني‮ ‬قد نسيت ما أبحث عنه‮ (‬يضحك‮) ‬حقاً‮ ‬عم أبحث الآن‮..‬؟‮ (‬يمسك بشيئ‮ ‬غاضباً‮)  ‬آه‮ .. ‬أنتِ‮ !‬؟ أنتِ‮ ‬مرة أخري‮ .. ‬عليك اللعنة‮ .. ‬آه لو أعرف من أين أتيتِ‮ ‬أو من جاء بك ؟‮ ( ‬يتأمل السكين ويواجه بها الجمهور‮) ‬هل‮ ‬يعرف أحد منكم‮ ‬يا سادة من صاحب هذي‮ ‬السكين ؟ أنا لا أتهم أحداً‮ ‬بالطبع‮ .. ‬لكني‮ ‬فقط أتسائل‮ .. ‬معذرة مرة أخري‮ ‬،‮ ‬فهو سؤال سخيف أيضاً‮ ‬معذرة‮ ‬يا سادة‮ .. ‬لا تؤاخذوني‮ ‬فالوضع جد خطير ومحير‮ (‬بإيقاع سريع‮) ‬الأولي‮ ‬الآن أن أخفي‮ ‬هذي‮ ‬السكين فهي‮ ‬أداة الجريمة كما‮ ‬يقولون في‮ ‬مثل هذه المواقف وهي‮ ‬دائماً‮ ‬أول ما‮ ‬يبحثون عنه عند اكتشاف جريمة ما فإذا لم‮ ‬يجدوا أداة الجريمة‮ ‬،‮ ‬يظل الأمر معلقاً‮ .. ‬لكن أين‮ .. ‬أين‮ ..‬آه هنا‮ (‬يخفيها تحت وسادته‮) ‬أليس كذلك ؟‮.. ‬لا لا‮.. ‬هذا أول مكان سوف‮ ‬يبحثون فيه بالتأكيد‮ .. ‬بل هنا أفضل‮ ( ‬يمسك كتاباً‮ ‬ضخماً‮ ‬ويضعها بين صفحاته ويدسه في‮ ‬خزانة كتبه‮) ‬نعم هنا أفضل‮ (‬يتوقف فجأة متفكراً‮) ‬آه لقد نسيت ما هو أهم‮ ‬،‮ ‬أنشغل بإخفاء أداة الجريمة قبل أن أخفي‮ ‬جسم الجريمة نفسه‮ ‬،‮ ‬أقصد الجثة‮ .. (‬ينطلق بسرعة إلي‮ ‬خلف الشاشة‮ ‬يجر جثة وهمية ويتجه بها ناحية فراشه‮) ‬كم هي‮ ‬ثقيلة هذه الجثة‮ .. ‬معذرة‮ ‬يا سيد‮ ‬،‮ ‬لا أعرف لك اسما حتي‮ ‬أناديك به‮ ‬،‮ ‬وعلي‮ ‬أية حال لا‮ ‬يحتاج الأمر لأي‮ ‬نداء لأنك بالطبع لن تسمعني‮ ‬ولن ترد علي‮ ‬أسئلتي‮ ‬الغبية‮.. ‬تعالي‮ ‬هنا‮ .. ‬يجب أن تختفي‮ ‬تماماً‮ (‬يتوجع بشدة واضعاً‮ ‬يده علي‮ ‬صدره‮) ‬أين أضعك الآن‮ .. ‬تحت الفراش ؟ لا لا‮ ‬،‮ ‬هذا‮ ‬غير لائق‮ .. ‬نعم‮ .. ‬هنا‮ .. ‬نعم هنا‮ ..‬علي‮ ‬الفراش‮ .. ‬ليس لدي‮ ‬مكان آخر‮ (‬يتوجع بشدة‮ ‬،‮ ‬يتحامل علي‮ ‬نفسه حتي‮ ‬يضع الجثة الوهمية علي‮ ‬فراشه ويغطيها‮) ‬آااه‮ .. ‬صدري‮ ‬يؤلمني‮ .. ‬ما عدت أحتمل‮ .. ‬رأسي‮ ‬يدور‮ .. ‬يدور‮ .. ‬قواي‮ ‬تخور‮ .. ‬تخور‮ ..  (‬يتهالك جالساً‮ ‬علي‮ ‬فراشه تمتد‮ ‬يده علي‮ ‬صدره‮ ‬،‮ ‬يرفعها أمام عينيه‮ ) ‬ما هذا‮ !‬؟ أهذا دم‮ !‬؟‮ (‬برعب‮) ‬يبدو ذلك‮ .. ‬ما معني‮ ‬هذا‮ .. ‬لماذا أنا جريح‮ .. ‬من طعن من‮ !‬؟ أنا أم هو ؟ من هو ومن أنا ؟ أأنا الذي‮ ‬قتلته‮  .. ‬أم هو الذي‮ .... ! ‬لالالا‮  ‬الأمر مريب‮ .. ‬لم أعد أفهم شيئا‮ .. (‬بضعف ويأس‮) ‬لا‮ ‬يهم‮ .. ‬لا‮ ‬يهم‮ .. ‬يا سادة‮ .. ‬من أراد أن‮ ‬يبلغ‮ ‬الشرطة فليفعل‮ .. ‬لم أعد أخاف من شيئ‮ .. ‬لم أعد أخاف من أحد‮ .. ‬هذا العالم سيئ ومعقد ومحير‮.. ‬يصحو فيه المرء علي‮ ‬أنغام الموت‮ ‬،‮ ‬وينام علي‮ ‬موسيقاه الوحشية‮ .. ‬أمي‮ ‬الطيبة الحنون‮ .. ‬مدي‮ ‬لي‮ ‬يدك‮ .. ‬خذيني‮ ‬في‮ ‬أحضانك‮ ‬يا أمي‮ .. ‬أحن إلي‮ ‬الدفء والسلام والأمان‮ .. ‬أحن إلي‮ ‬صوت عصفور صغير‮ ‬يزقزق حين‮ ‬ينجلي‮ ‬الظلام وتبدو تباشير الصبح في‮ ‬الأفق البعيد‮ .. ‬خذيني‮ ‬ياأمي‮ (‬يئن‮) ‬أنا‮ .. ‬أنا القاتل ولا أحد‮ ‬غيري‮ .. ‬أنا المقتول كذلك‮ .. ‬أنا متعب وجريح‮ .. ‬أريد أن أنام‮ .. ‬أن أنا‮ ......       ‬
‮(‬الكلمات الأخيرة وهو‮ ‬يأخذ وضع النوم في‮ ‬المكان الذي‮ ‬مدد فيه الجثة وينتهي‮ ‬مع سقوط رأسه علي‮ ‬وسادته جاذباً‮ ‬الغطاء علي‮ ‬وجهه كما كان الوضع في‮ ‬البداية‮ ) ‬
‮( ‬إظلام‮ )‬‮ ‬
‮ ‬
‮   ‬سامي‮ ‬بطة

‮  ‬

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: مونودراما‮ ‬ انتقام
  • تأليف: ‮ ‬سامي‮ ‬بطة
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٧
المزيد من مواضيع هذا القسم: « غرفــة الإنعـــاش الأسطورة »

1 تعليق

  • أضف تعليقك خليل الثلاثاء, 03 تشرين2/نوفمبر 2015 00:58 أرسلت بواسطة خليل

    اذا سمحت اريد ان اجسد هاذا المونودرام

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here