اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

شهادة البكاء في زمن الضحك

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ع‮ . ‬د‮ .‬المنظر‮ " ‬ساحة‮ ‬يمتد منها شارع ذو رصيف‮ .. ‬إلي‮ ‬اليمين حوانيت ومقاهي‮ ‬ومنازل متواضعه‮ ‬،‮ ‬وإلي‮ ‬اليسار عمارات شاهقة تعطي‮ ‬ظهرها للمكان‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬نهاية الشارع الممتد قصر ضخم ذو أسوار عالية‮ ‬،‮ ‬يحيط بها الحراس‮ ‬،‮ ‬المكان خال‮ .. ‬لا أحد‮ ‬يمر‮ ‬،‮ ‬تظهر العرافة أو‮ (‬ضاربة الرمل‮) ‬وتنظر حولها في‮ ‬المكان‮".‬
العرافة‮ : ( ‬في‮ ‬استغراب‮ ) ‬لا أحد هناك‮ ! (‬تصرخ‮) ‬أصرخ في‮ ‬المدينة المستسلمة‮ ‬– ‮ ‬لعلها تبصق ساكنيها‮ ‬– ‮ ‬أدور في‮ ‬الساحات والشوارع‮ ‬،‮ ‬أنفخ في‮ ‬الحفائظ المرة والضغائن‮ ‬– ‮ ‬لعلها تدفع من بينها‮ ‬،‮ ‬فتي‮ ‬يرحمني‮ ‬من جسدي‮ ‬الجوال‮ ‬،‮ ‬بين السؤال والسؤال‮ ... ‬أصرخ فيكم‮ ... ‬أصرخ في‮ ‬المدينة الملعونة‮ ‬،‮ ‬لعلها تخرج رأسها من معطف الترقب المهزوم‮ ‬،‮ ‬لعلها تقوم‮ ‬،‮ ‬وتشرئب كي‮ ‬تأكلني‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬يجيئها سيف مغامر بضربة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الرقبة‮ ‬،‮ ‬يطيح بالرقبة‮.‬
‮(‬يبدأ الناس في‮ ‬الظهور بالتدريج‮ ‬– ‮ ‬تحاول الاقتراب منهم وهم كالسائرين نياماً‮)‬
أراك‮ ‬يا مدينتي‮ ‬أضحية تنتظر السكين‮ ‬،‮ ‬لكن‮ .. ‬ويا للأسف‮ .. ‬ظل الناس‮ ‬،‮ ‬أقفيه مدبوغة‮ .. ‬بالصفع وكأن الرأس حذاء للأقدام‮.‬
‮(‬ظهر‮ (‬الشاعر‮) ‬سائراً‮ ‬مائل الرأس محاذراً‮ ‬– ‮ ‬تقترب منه‮ (‬العرافة‮) ‬تحاول أن تستوقفه بعد أن ازداد عبور الناس‮)‬
العرافة‮ : ‬ماذا بك‮ ‬يا ولدي‮ ‬؟ لماذا تمشي‮ ‬هكذا‮ .. ‬مائل الرأس‮ .. ‬محاذراً‮ ‬؟
الشاعر‮ : (‬متوجساً‮) ‬أري‮ ‬عيون الشرطة السرية‮ ‬،‮ ‬تلمع من وجه إلي‮ ‬وجه‮ ‬،‮ ‬تنسكب الوجوه في‮ ‬الشوارع الخلفية‮ ‬،‮ ‬كل قفا وراءه عينان تحرقان ظلمة النخاع‮ ‬،‮ ‬تسألان عن هواجس الهوية وإرثنا المكتوم بين الشفة الخرساء‮ ‬،‮ ‬والشغاف‮ ‬،‮ ‬وعن حوارنا الضائع بين البحر والضفاف‮ ‬،‮ ‬وعن توهج الزواج بين الحمأ المسنون والشرارة الكونية‮ ‬،‮ ‬أري‮ ‬عيون الشرطة السرية‮.‬
‮(‬يظهر بعض رجال الشرطة قادمين من ناحية القصر الضخم من ذوي‮ ‬البزة اللامعة‮) ‬يحاول‮ (‬الشاعر‮) ‬أن‮ ‬يختفي‮ ‬بعيداً‮ ‬في‮ ‬أحد الأركان‮ ‬،‮ ‬تسرع إليه العرافة في‮ ‬حنو‮).‬
العرافة‮ : ‬ماذا بك؟ لماذا تسير مائل الرأس محاذراً‮ ‬في‮ ‬الطرق المشبوهة؟
الشاعر‮ : ‬يطاردني‮ ‬العساكر والمصابيح الضبابية فجئت مفزعاً‮ .. ‬قد خانني‮ ‬قلبي‮ .. ‬أقتات من جهامه الصوت وعقم رجعه لقمتي‮ ‬المكروهه‮ ‬،‮ ‬أؤمر في‮ ‬كل تقاطع أن أخذ المداخل الفرعية‮ .. ‬
العرافة‮ :‬‮ ‬من أنت‮ ‬يا ولدي‮ ‬؟‮!‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أنا‮ ‬شاعر‮.. ‬أطرح في‮ ‬كل قصيدة علي‮ ‬مشرحة الأسئلة اللئيمة‮ ‬،‮ ‬أُسأل في‮ ‬خلقتي‮ ‬المعوجة القويمة،‮ ‬أُسأل عن تهرباتي‮ ‬في‮ ‬طرق الرعب‮ ‬،‮ ‬ورعبي‮ ‬في‮ ‬طرق العصر وعتمه الرؤي‮ ‬وغيبه الفكاهة‮ ..‬
العرافة‮ :‬‮ ‬فماذا تريد مني؟
الشاعر‮ :‬‮ ‬خذي‮ ‬عني‮ ‬الجراب الفارغ‮ ‬المقطوع‮ ‬،‮ ‬هبيني‮ ‬كسرة من خبزك الأخضر‮ ‬،‮ ‬هبيني‮ ‬كوبه من مائك الدموي‮ ‬يعشب لونها في‮ ‬أضلعي‮ ‬الجوفاء‮ .. ‬فأنا علي‮ ‬منابر الفقر طعمت من أرغفه التخويف‮ ‬‮(‬يحيط رجال الشرطة بالشاعر‮ ‬– ‮ ‬بينما‮ ‬يتراقص بعض الشباب اللاهين وترتفع موسيقاهم الصاخبة من ملاهي‮ ‬الأثرياء‮)‬
شرطي‮ (‬1 ‮): ‬صراخك‮ ‬يزعج الجميع‮ ‬– ‮ ‬اصمت‮ .‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬العالم الذي‮ ‬أقام ليلة المأتم ماله‮ ‬يرقص في‮ ‬سرادق الجرائد المحنطة ؟‮! ‬والجبل الذي‮ ‬تطعمنا كنوزه برادة الحديد‮ ..  ‬ماله‮ ‬يجتذب السفائن الممغنطة‮ (‬تتعالي‮ ‬الضجة والأصوات المختلفة‮) ‬القصص المستسخفات‮ ‬،‮ ‬والقصائد المعادة‮ ‬،‮ ‬والناقد الأبله والمعلم الجرارة‮ ‬– أقيسه منُتجة في‮ ‬منطق البلادة‮ ‬،‮ ‬وأقسم لكم أني‮ ‬سوف أموت‮ ‬غيلة‮ ‬،‮ ‬وأني‮ ‬سأبدأ العبادة‮ ‬،‮ ‬وأخذ الصفرة من وجوه الكارهين كي‮ ‬أفرشها سجادة‮.‬
شرطي‮ (‬1‮):‬‮ ‬أنت لست بشاعر‮ ‬ – أنت متسول حقير‮ . ‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬لو كنت شاعراً‮ ‬يا سادتي‮ ‬الحاضرين لاغتسلت في‮ ‬أحرفي‮ ‬قوالب الأشياء‮ ‬،‮ ‬ولانفلتت‮ ‬يدي‮ ‬المخبأة‮ ‬ – بين السطور‮ ‬ – فجأة‮ ‬،‮ ‬وصفعت أقفية القراء‮.‬
شرطي‮ (‬2‮):‬‮ ‬ما هذا النحيب في‮ ‬حفلنا السعيد؟‮!‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أنا احترفت في‮ ‬قصائدي‮ ‬قافية التأبين‮ .. ‬أفتل مشنقات‮ ‬،‮ ‬أحفر مقبرات‮ ‬،‮ ‬ألطم خدي‮ ‬أمام هودج العرس الذي‮ ‬يقام حينما تنتحر العروس‮ ..‬
شرطي‮ (‬1‮):‬‮ ‬أنت لست بشاعر‮ ‬– أنت نكرة‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬لو كنت شاعراً‮ ‬لمت جائعاً‮ ‬في‮ ‬الشارع المضاء‮ (‬سرح بعيدا‮)‬‮ ‬لو كنت شاعراً‮ ‬يا قريتي‮ ‬البعيدة لانتحرت قصائدي‮ ‬كراهة للأوجه السعيدة أو هربت حروفها من‮ ‬غيهب الجريدة‮ ‬،‮ ‬وطعمت صداقة الهواء‮ ‬،‮ ‬لو كنت شاعراً‮ ‬لأخترت أن أمر في‮ ‬مزالق الأعراف‮. ‬لكنه السياف‮ .. ‬لكنها تجارة الأصداف‮ ‬،‮ ‬لكنها خيانة اليدين‮ ‬،‮ ‬وراحة الضمائر المبررة‮ ‬ – لكنه تخبطي‮ ‬في‮ ‬الكون والفساد‮.‬
شرطي‮ ‬(2)‮ :‬‮ ‬كفي‮ .. ‬أنت لست بشاعر‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬لو كنت شاعر‮ ‬،‮ ‬ما أنغرست خطاي‮ ‬في‮ ‬محابر الرماد‮ ‬– لكنني‮ ‬أموت‮ .. ‬تشنقني‮ ‬قصائدي‮ ‬في‮ ‬خيط عنكبوت‮ ..‬
شرطي‮ (‬1‮):‬‮ ‬مازلت تكذب وتتحايل وتزعجنا بكلماتك السخيفة‮ .. ‬اعترف‮ .. ‬من أنت أيها المرائي؟
الشاعر‮ :‬‮ ‬أنا اليتيم‮ ‬ – جئتكم مضيعاً‮ ‬،‮ ‬وجائعاً‮ ‬مفزعاً‮ ... ‬طعامكم‮ ‬يقتلني‮ ‬،‮ ‬والجوع في‮ ‬جبلتي‮ ‬يبعثني‮ .. ‬الجوع شارتي‮ ‬ولقبي‮ ... ‬علامتي‮ ‬،‮ ‬أمجاد أبائي‮ ‬،‮ ‬قبيلتي‮ ‬،‮ ‬ونسبي‮ .‬
شرطي‮ (‬1‮) :‬‮ ‬عد إلي‮ ‬قريتك أيها القبيح‮ ‬،‮ ‬وأسعي‮.. ‬وراء حمار السباخ‮ ‬،‮ ‬)يضحك الجميع إستهزاء(
الشاعر‮ : ‬)لا‮ ‬يأبه بضحكاتهم‮)‬‮ ‬الجوع في‮ ‬القري‮ ‬معشوشب‮ ‬يخضر في‮ ‬حشائش الجداول‮ .. ‬يصفر في‮ ‬السنابل‮ .. ‬يسود في‮ ‬لفائف الأطفال والوجوه‮ .. ‬يبيض في‮ ‬حفائر المقابر‮ .. ‬يطير في‮ ‬قزح الأصائل المطيرة‮ .‬
‮(‬يخرج بعض الفقراء من الحواري‮ ‬– ‮ ‬ينظر الشاعر اليهم‮ ‬،‮ ‬ويشير إلي‮ ‬الجميع‮) ‬الجوع في‮ ‬المدينة‮ .. ‬يصفر في‮ ‬انسكابة الجدائل‮ .. ‬يخضر في‮ ‬المزابل‮ .. ‬يسود في‮ ‬حدائق الأسفلت والسكوت‮ ‬،‮ ‬يطير في‮ ‬شوارع الزجاج والأحجار‮ ‬،‮ ‬ملونا في‮ ‬الصحف الفقيرة‮ ‬،‮ ‬معطراً‮ ‬بما‮ ‬يفوح من جوارب الأموات في‮ ‬الظهيرة‮ ..‬
شرطي‮ (‬1‮) :‬‮ ‬ماذا تنتظر‮ ‬– ‮ ‬عد إلي‮ ‬جحرك‮ ‬يا بليد‮ ..‬
الشاعر‮ : ‬إتسلي‮ ‬بانتظار الكذب الأسود أن‮ ‬يفقس في‮ ‬عش الصحيفة‮ .. ‬بين شعب كل من فيه قميئ ونبات متطفل‮ .. ‬فأراهم‮ ‬يسجدون ثم‮ ‬يمضون فرادي‮ ‬،‮ ‬يلتقون‮ .. ‬بين أسنانهم الخوف لجام حجري‮ ‬ومقاود‮ .. ‬فإذا هم‮ ‬يضحكون‮ ‬،‮ ‬ويحيلون الدم النازف والموتي‮ ‬حكاية‮ ‬،‮ ‬والمآسي‮ ‬نكته ضاحكة‮ ‬،‮ ‬والرعب خيلا من خيول الثرثرة‮ ‬،‮ ‬
العرافة‮ : (‬بحنان‮)‬‮ ‬لا تخف‮ ‬يا ولدي‮.‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬ارتعدت مفاصلي‮ ‬من خوف أن أخاف وأنا أنظر زيف الشعراء‮ .. ‬كلما ضجوا تدلوا في‮ ‬طريق المجزرة‮ .. ‬يبنون من الشعر توابيتنا‮ ‬،‮ ‬ومن زيفه القوافي‮ ‬مقبرة‮ ‬،‮ ‬أنتظر حتي‮ ‬أري‮ ‬الشعب المخادع‮ .. ‬كلما أغرق في‮ ‬الضحك تدلي‮ ‬رأسة‮ ‬،‮ ‬وتري‮ ‬الأرض اللعينة فرغت من ساكنيها‮.‬
‮(‬يدخل شاعر (2) (متأنق‮ ‬– ‮ ‬تلمع ملابسه‮ ‬،‮ ‬ويتجاوز رجال الشرطة‮ ‬،‮ ‬ويتقدم لدخول القصر‮ ‬،‮ ‬فيستوقفه شرطي‮ (‬1‮) ‬وشرطي(2)
شرطي‮ (‬ :(1)كيف جرؤت هذه اللحظة أن تمر عبر بابنا المحرم ؟
شرطي‮ ‬ (2)‮: (‬تعال‮)‬‮ ‬لا أنت من طينتنا ولا علي‮ ‬ثوبك شارة الدخول ؟‮!‬
شاعر‮ (‬ :(2 أنا مسافر مغترب‮ .. ‬غسلت طينتي‮ ‬في‮ ‬مطر الفصول‮ ‬– أرقص في‮ ‬الأعراس‮ ‬‮(‬يتراقص كالبهلوان‮).‬
شرطي‮ (‬1‮): (‬للشاعر‮)‬‮ ‬هذا شاعر حقيقي‮ ‬ – قل له من أنت؟
شاعر‮ (‬2‮): ‬أنا مسافر أدخل البوابة الممنوعة وشارتي‮ ‬قصائدي‮ ‬الطيعة المطيعة‮ ..‬‮(‬للشاعر‮)‬‮ ‬لا تلمني‮. ‬فأنا علي‮ ‬منابر الفقر طعمت من أرغفة التخويف،‮ ‬وأمتضغتني‮ ‬طرق الرعب فجئتكم بالقلم الأليف‮ ‬،‮ ‬وأمتسخت ملامحي‮ ‬التوقعات والخيبة والتسويف فجئتكم أفتح صدري‮ ‬علي‮ ‬هواء العالم الكثيف‮ .. ‬مُسمراً‮ ‬علي‮ ‬حوائط النذالة‮ ‬ – تتبعني‮ ‬مواسم السخرة والزيف لقاء حفنه من النخالة‮ .. ‬تربطني‮ ‬في‮ ‬وتد الربا‮ ‬،‮ ‬تطلقني‮ ‬في‮ ‬حافر الرغيف‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أما أنا فشاعر‮ ‬يخوض زحمه العالم بين مهده ولحده‮ ‬– تسأله الأشياء‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬وجهة‮ ‬يلبس كل شئ عباءة القضاء‮ .. ‬ففي‮ ‬الزمن المرعب كل لفظة شهادة،‮ ‬وكل سكتة شهادة‮ ‬،‮ ‬يرجمنا الكفر‮ ‬– تميتنا العبادة‮ ‬،‮ ‬يرفضنا المزدحم المليئ والخلاء‮ ‬– ‮ ‬فقد حاكمني‮ ‬الصباح‮ ‬،‮ ‬حاكمني‮ ‬المساء‮ ‬،‮ ‬طرحت بين حجة الصمت وحجة الغناء‮ ‬،‮ ‬وانكشفت تحت شموس الفقر سؤاتي‮ ‬،‮ ‬وغلقت منافذ الأمام والوراء‮ ‬،‮ ‬وأحترقت عريضة الدفاع في‮ ‬مواسم البيع وفي‮ ‬كهانة الشراء‮.‬
العرافة‮ : ‬يا ولدي‮ .. ‬في‮ ‬زمن الجوع تسمن الأقفية المفلطحة‮ ‬،‮ ‬وتملأ الجرائد المملحة بالصور البذيئة‮. ‬)في‮ ‬الخلفية في‮ ‬ساحة القصر ترقص أجساد عارية في‮ ‬صخب(
العرافة‮ : ‬في‮ ‬زمن الجوع تغلق الشوارع المفتحة بالجثث المطوحة‮ ‬،‮ ‬وتستنير المدن القميئة بالأنجم النحاس والأهلة الفضية الصديئه‮ .‬
)يتحسس رجال الشرطة الرتب التي‮ ‬علي‮ ‬اكتافهم(
الشاعر‮ : (‬يتوجه إلي‮ ‬شاعر‮ (‬2‮)‬‮ ‬كيف نجوت ؟‮! ‬إذ دخلت الطرق التائهة الغريبة‮ ‬،‮ ‬وأفلتت رأسك من حوافر الخيل‮ ‬،‮ ‬ومن خناجر الظلمة والرطوبة‮ ! ‬كيف لم تسقط بك القنطرة الواهية الرهيبة ؟‮! ‬كيف لم‮ ‬يغلق عليك العالم الحائط ؟‮! ‬كيف لم تغرق بك الجزيرة‮ ‬– ‮ ‬المنفي‮ ‬؟‮! ‬،‮ ‬ولم تسقط عليك السدم‮ ‬– الأعجوبة؟‮!‬
شاعر‮ (‬2 ‮): ‬تركت في‮ ‬منقطع اليأس رواحلي‮ ‬،‮ ‬شربت من ساقيه الدماء في‮ ‬دواخلي‮ ‬،‮ ‬أكلت ما أبقته لي‮ ‬النيران من سنابل‮ ‬،‮ ‬وجئتكم أظلع في‮ ‬توافه الهموم‮ ...‬أجمع باقتي‮ ‬من شجر الزقوم‮ ‬– أنشد في‮ ‬مدائح الفحول‮ ‬،‮ ‬أو أنشد المرثية التي‮ ‬أعددتها لكل مأتم‮ ‬،‮ ‬أو أسكب النبيذ للذي‮ ‬يدفع من عصارة الدم‮ .. ‬حنجرة أنا لكل نابح وصاهل‮  ‬وشاحج‮ .. ‬للندب‮ .. ‬للطبول‮ .. ‬مؤتمن علي‮ ‬الحريم‮ .. ‬عالم في‮ ‬شجر الأنساب أو في‮ ‬كيمياء الجنس للعنين والأكول‮ .. ‬ادخل في‮ ‬المدائن المدخولة الأصول أجعلها طاهرة في‮ ‬كتب النسابة العدول‮ .. ‬أدخل‮ .. ‬متخماً‮ ‬بالطبع‮ ... ‬في‮ ‬أزمنة المجاعة‮ .. ‬أجعلها حديقة مثمرة‮ ‬‮(‬تحرك في‮ ‬المكان بشكل استعراضي‮)‬‮ ‬أو‮ ‬غيمة ممطرة‮ ‬‮(‬ينظر إلي‮ ‬السماء في‮ ‬غرور‮) ‬في‮ ‬كتب التاريخ والشريعة‮.. ‬
العرافة‮ : (‬الشاعر‮ (‬2 ‮)‬‮ : ‬استر وجهك الموصوم عنا‮ .‬
الشاعر‮ (‬2 ‮) :‬‮ ‬حاولت أن أجمع باقتي‮ ‬من شجر الزقوم وأخصف من أشواكها دراعة تسترني‮ ‬عن وجهي‮ ‬الموصوم‮ .. ‬فكيف لي‮ ‬أن أبتعد عن الغنائم المقسمة‮ ‬،‮ ‬وأغيب عن المحالفات والتواصلات والمساومة‮ !‬؟‮ ‬‮(‬ينظر اليه العسكر والبعض بإعجاب‮)‬‮.‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬يعلمونك من أول الصباحي‮ ‬حتي‮ ‬إحالة التقاعد شحذ ملكات الحرص والمساومة‮ ‬،‮ ‬ويعلموننا كيف نتفنن في‮ ‬استغفال جارنا في‮ ‬قبضة من الملح وعلبة من الثقاب‮ ... ‬نعرف من طبائع النمل ومن طقوسنا الكلبية كيف نواري‮ ‬وجهنا الأجرب كي‮ ‬نأخذ‮ ‬– بالمجان‮ ‬– دخينة أو كوبة من الشراب‮ .. ‬نظل عمرنا نحلم بالسفر إلي‮ ‬بلاد النفط والجمارك المفتوحة والأرؤس الفارغة المحشوة بالرمل والملوحة‮ ‬،‮ ‬والشبق الغبي‮ ‬والمراهم الجنسية‮ ... ‬‮(‬يتجه للعرافة متسائلاً‮) ‬أيها العرافة‮ .. ‬لماذا خلت أرضنا من مكان لنا؟ لماذا خلا العالم الرحب من موطئ للقدم؟
العرافة‮ : (‬تغني‮ ‬مع المجموعة‮)‬‮ ‬جادك الغيث إذا البرق رمي‮ ‬رمحه بين الضحي‮ ‬والغلس‮.. ‬فأحال الصمت ناراً‮ ‬ودما‮ ..‬
شاعر‮ (‬2 ‮): ‬يا عرافة‮ .. ‬غناؤك لا‮ ‬يبهجني‮ ..‬
العرافة‮ : (‬تغني‮)‬‮ ‬سدد السهم فاصمي‮ ‬أذرعي‮ .. ‬طائر الخوف وعصر العسس‮ ‬،‮ ‬وأحال البرق أطلال الحمي‮ .. ‬بئر نار في‮ ‬هشيم اليبس
شاعر : (2)أيها الشاعر الكئيب افتح نوافذك وابتهج‮ ‬يا حزين‮.‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أفتح الآن زجاج النافذة‮ ‬– فإذا بنا نرفع في‮ ‬المحافل شاره وعلامة لقدوم‮ ‬‮(‬ظلمائيل‮)‬‮ ‬مد كفيه إلي‮ ‬جميزة الحزن القديم‮ .. ‬في‮ ‬دمي‮ ‬هز الفروع‮ .. ‬فارتمت منها وريقات الدموع‮ ‬،‮ ‬وأقبل الموت بوجه وقناع‮ ... ‬ضمني‮ ‬وهو‮ ‬يغني‮ ‬بالوداع لزمان اليأس بالأندلس‮.‬
شاعر‮ (‬2‮):‬‮ ‬أعوذ بالله من أشعارك وغنائك‮ ... ‬
الشاعر‮ : ‬أعوذ بالشعر من الجنون‮ ‬،‮ ‬لولاه ما كنت ولا تفتحت مشارط الشمس بأمشاج الرؤية في‮ ‬العيون‮ ‬،‮ ‬لولاه ما تكورت وانبسطت جوانب المهجور والمسكون‮ ‬،‮ ‬لولاه ما انتحرت تحت مطر الدهشة بالصمت أو الخيانة‮.‬
شاعر‮ (‬2‮):‬‮ ‬حيرتني‮ .. ‬من أنت ؟‮!‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أنا أيوب‮ ..‬
العرافة‮ : (‬تغني‮) ‬في‮ ‬ليلة عرسك‮ ‬يا أيوب‮ ‬،‮ ‬سيحط علي‮ ‬مئذنة الصيف قمر ثلجي‮ ‬مصلوب‮ . ‬في‮ ‬ليلة عرسك‮ ‬يا‮ ‬‮(‬أيوب‮)‬‮ ‬سيحط‮ ‬‮(‬البوم‮)‬‮ ‬علي‮ ‬صفصاف الليل‮ ‬،‮ ‬ويطير الصقر الأسود في‮ ‬التبانة‮ ‬،‮ ‬فتفر نجوم الليل من‮ ‬غير مدار في‮ ..  ‬ليلة عرسك‮ ‬يا أيوب سيساق إليك الهودج مطويا من‮ ‬غير عروس‮ .. ‬ستمد اليك موائد لا‮ ‬يعمرها‮ ‬غير السوس‮ ‬،‮ ‬وسيرقص في‮ ‬محفلك جراء الصيف‮ ‬،‮ ‬وتموء القطط الليلية‮ .. ‬في‮ ‬ليلة عرسك‮ ‬يا أيوب ستزف وحيدا معصوب الرأس‮ ‬،‮ ‬وتفاجأ فوق سرير العرس‮ ‬،‮ ‬بالعتمة والصمت الثيب‮.‬
شاعر‮ (‬2‮) (‬للعرافة‮) :‬‮ ‬كفي‮ ‬نحيباً‮ ‬يا بومة الشؤم‮ .. ‬هذا شاعر خائن‮ .. ‬عدو للوطن‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أنا فزاعة الطير بأرض الفقراء‮ .. ‬كنت في‮ ‬قلب العراء واقفا‮ ‬،‮ ‬يستألف الطير ذراعي‮ ‬– الخشبة‮ ‬،‮ ‬وكرات القش في‮ ‬رأسي‮ ‬الغريب المستباح‮ ... ‬كل‮ ‬يوم بيضه تفقس في‮ ‬أعشاش أحزاني‮ ‬مدينة‮ ... ‬كل ظل عابر‮ ‬ينبت في‮ ‬وهمي‮ ‬كوي‮ ‬للحس والرؤيا وأصواتي‮ ‬السجينة‮ ‬،‮ ‬وأنا أسمع في‮ ‬الظلمة صوت العابرين‮ ... ‬فأري‮ ‬عورة أحزاني‮ ‬تعرت‮ ... ‬أنحني‮ ‬،‮ ‬أسقط‮ ‬،‮ ‬أرمي‮ ‬للفضاء الأسود‮ ‬غربان الأغاني‮ .. ‬أكتب جوعي‮ ‬رغيفا ورمحا وشمساً‮ ‬أخبئها في‮ ‬قميصي‮.‬
شاعر‮ (‬2 ‮):‬‮ ‬نسيت بلادك‮ ‬يا خائن الوطن‮.‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬فلتنسجي‮ ‬كفني‮ ‬يا بلادي‮ .. ‬ليست بلادي‮ ‬بلادي‮ ‬،‮ ‬كانت تحل ضفائرها تحت ألوية السبي‮ ... ‬تنثر ابناءها في‮ ‬نسيج الشوارع‮ ‬،‮ ‬وهذي‮ ‬النعوش المليئة مسبحتي‮ ‬،‮ ‬ودمي‮ ‬طالع في‮ ‬عروق الشمس‮.‬
شرطي‮ (‬1‮): ( ‬يتدخل في‮ ‬غلظة‮)‬‮ ‬أنت مثير للبلبلة ولابد من اعتقالك‮.‬
العرافة‮ : ‬)تتدخل مع المجموعة في‮ ‬غناء(‮ ‬آه‮ ‬يا ليلا زجاجي‮ ‬العيون‮ .. ‬اطفئ الآن عيون الحرس‮ .. ‬علني‮ ‬أهرب في‮ ‬نعش الجنون‮ .. ‬هرب الطين بجذر النرجس‮.‬
الشاعر‮ : ‬أري‮ ‬عيون الشرطة السرية تلمع من وجه إلي‮ ‬وجه‮ ‬،‮ ‬أري‮ ‬عيون الشرطة السرية‮ .. ‬أنا في‮ ‬الرغيف الخميرة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السوق سر الربا‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬كنوز الصبايا قشعريرة‮ ‬،‮ ‬وأنا فيضان الكلام المؤجل‮ .. ‬أتحول في‮ ‬النهر دوامه من حجارة‮.. ‬باسم من أكتب‮..  ‬والليل أمامي‮ ‬كتب مصفوفة،‮ ‬والشعب لا‮ ‬يقرأ‮ .. ‬شاعر‮ (‬2‮):‬‮ ‬الكئيب مسكين‮ .. ‬لا‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يضحك‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬أضحك في‮ ‬مأتم المدينة‮ .. ‬مكذباً‮ ‬مناقب الموتي‮ ‬،‮ ‬ورافضا مدامع الأحياء‮ .. ‬مستعدياً‮ ‬تاريخها الوالغ‮ ‬في‮ ‬الدماء
)يتقدم ستة رجال متأنقين فيرحب بهم شاعر‮ ‬ (2)فيشير اليهم في‮ ‬فخر وكبريا‮)‬
شاعر ): (2)للشاعر‮) ‬هؤلاء هم الرجال الوطنيون بحق‮ ..‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬هؤلاء‮ ! ‬كانوا أربعة بصاصين وجلادين‮ .. ‬‮(‬يشير إلي‮ ‬الأول‮)‬‮ ‬ممثل متهدل السمنه‮ ‬يلمع سالفة من تحت الصلعة‮ .. ‬،‮ ‬وهذا‮ .. ‬لص الأشعار الضائع في‮ ‬أوهام قزامته‮ ‬،‮ ‬يتخلل لحيته بأصابع من دخان الشيشة أو لفتات وقاحته الهشة‮ .. ‬كان الثالث‮ ... ‬من تسع سنين‮ ‬– يسمع أو‮ ‬،‮ ‬يتشمم وقع خطاي‮ .. ‬بقامته الفارعة المشدودة‮ ‬،‮ ‬والعينين الجاحظتين وأرنبة الأنف الذئبية‮ ... ‬رابعهم جرو مفروق الشعر‮ ‬،‮ ‬خفيف‮ ‬،‮ ‬ينصت‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬ركن منفرد من أرصفه المقهي‮ ‬،‮ ‬يغوي‮ ‬،‮ ‬الشعراء المبتدئين بسمت بلاهته المندهشة‮ ‬،‮ ‬وهذا الإنسان الثرثار‮ ‬،‮ ‬مجدور الوجه‮ ‬،‮ ‬ثقيل الشفتين‮ ‬،‮ ‬يتحدث منه دثار فوق دثار‮ ‬،‮ ‬فتقول عباءته خطبا ومواعظ كونية‮ ‬،‮ ‬تتفجر منه المزق التحتية‮ ‬،‮ ‬ثرثرة ملأي‮ ‬بالأخطاء النحوية‮ ‬،‮ ‬وأنا مطروح تجرف قلبي‮ ‬النار‮ .. ‬
العرافة‮ (‬تتدخل‮) :‬‮ ‬دعك منهم‮ ‬يا ولدي
شاعر‮ (‬2‮):‬‮ ‬‮(‬متحدياً‮)‬‮  ‬من أين أتيت‮ ‬يا نكرة ؟
الشاعر‮ :‬‮ ‬أتيت اليك من سفر إلي‮ ‬سفر‮ ‬،‮ ‬تركت جوادي‮ ‬المهزول فوق قناطر القرية‮ ‬،‮ ‬وجئت اليك مرتعشاً‮ ‬خلال شوارع المدن‮ ‬،‮ ‬ركبت عواصف الطرقات‮ ‬،‮ ‬وأستلقيت في‮ ‬السفن‮ (‬مخاطباً‮ ‬العرافة‮)‬‮ ‬وأعرف أن عينيك المغرغرتين بالرحمة،‮ ‬ستمتلئان بالقمر المجنح آخر الصيف‮ ‬،‮ ‬وتنسكبان في‮ ‬ضعفي‮.‬
العرافة‮ : (‬تغني‮) ‬من الذي‮ ‬يركض في‮ ‬البرية‮ ‬– ‮ ‬في‮ ‬جيبه فطيرة الرمل‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬لسانه أغنية منسية‮ ... ‬من الذي‮ ‬يركض في‮ ‬البرية‮ ‬– ‮ ‬يركض مرة ضبا ومرة خرافة‮ ‬– ‮ ‬يصير هامة تصرخ أو مجاهدًا‮ ‬يرفع بيرق العرافة‮ ‬،‮ ‬أو رقصة في‮ ‬ساعة مخيفة‮ ‬،‮ ‬بندولها‮ ‬يقتل إذ‮ ‬يذهب في‮ ‬الفضاء أو‮ ‬يبُعث إذ‮ ‬يُحيي‮ !! ‬من الذي‮ ‬يركض في‮ ‬البرية‮ ‬،‮ ‬منسلخاً‮ ‬من لحمه النيئ‮ ‬،‮ ‬هاربا من دمه المختمر المحموم،‮ ‬مستقبلاً‮ ‬في‮ ‬وجهه حوافر النجوم‮.‬
الشاعر‮ : ‬أعضائي‮ ‬هي‮ ‬الأرض الوسيعة‮ ‬،‮ ‬والخليفة قبضة من طينتي‮ ‬،‮ ‬والناس أبنائي‮ .. ‬ألبستني‮ ‬القري‮ ‬عريها معطفا وأساور طينية من مجاعاتها‮ ‬،‮ ‬وهبتني‮ ‬قبيل رحيلي‮ ‬زواده من مواويلها‮ ‬،‮ ‬والبكاء‮ .. ‬برجلي‮ ‬خفان‮ ‬،‮ ‬أبوابها موعد للبكاء وأعتابها‮ ‬غربة تترجل في‮ ‬وطن الروح‮ ‬،‮ ‬والثأر أحصنه جمحت تحت شمس الشراسة‮ ... ‬ألقت بفرسانها في‮ ‬جرار من الماء والنار‮ ‬،‮ ‬والنهر بالجثث الطافية‮ ‬،‮ ‬وكل القري‮ ‬انتظرت جثث الميتين بعيداً‮ ... ‬فهل‮ ‬يفتح النهر أبوابه في‮ ‬سواعدهم‮ .. ‬فهل‮ ‬يجيئون‮ ..‬هل ؟‮!‬
شاعر‮ (‬2‮):‬‮ ‬أنت إذن‮ ‬– ‮ ‬خائف‮ .. ‬فلماذا تدعي‮ ‬الشجاعة ؟‮!‬
الشاعر‮ : ‬أيها الخوف‮ ‬– ‮ ‬الأب‮ .. ‬الخبز الصديق لو جئت في‮ ‬عباءة الهزيمة‮ .. ‬فأفسحوا طريقي‮ ... ‬ففي‮ ‬جيوبها دفاتر الجريمة‮ ‬،‮ ‬وبومة الكبريت والحريق‮ .. ‬‮(‬رجال الشرطة‮ ‬يحيطون بالشاعر فيتفرق الجميع في‮ ‬خوف ما عدا‮ (‬العرافة‮))‬
العرافة‮ :  (‬تشير للهاربين‮)‬‮ ‬وجوه مدبوغة بصفرة الشمس المعتلة‮ ‬،‮ ‬وغبار الأحذية‮ ‬،‮ ‬عيون تختلط فيها حمرة بصفرة براووق البن المتخثر‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يشبهها شئ إلا عيون الكلاب الميتة في‮ ‬مجرور النهر ومستنقعات النتن الدهري‮ ‬– ‮ ‬كأن‮ ‬‮(‬خنوم‮)‬‮ ‬رب الخلق الخزاف الذي‮ ‬يشكل الحياة‮ .. ‬ذلك المعبود ذو رأس الكبش والقرنين والذي‮ ‬خلق الإنسان من طمي‮ ‬النيل‮ .. ‬كان‮ ‬يدخرها في‮ ‬فواخيره الأزلية‮ ‬،‮ ‬حرسا سرمدياً‮ ‬لفراعنة كل الدهور‮ ‬،‮ ‬وسوي‮ ‬رب الخلق‮ ‬‮(‬خنوم‮)‬‮ ‬الخزاف‮ .. ‬لا ألهة هناك‮ !!‬
الشاعر‮ : (‬يشير إلي‮ ‬رجال الشرطة المحيطين به‮)‬‮ ‬خمسون عاما‮ ... ‬كنت شاهدها الضحية‮ ‬،‮ ‬والمقاود جررت فولاذها الريح العفية‮ ‬،‮ ‬عسكر الثوار‮ ‬،‮ ‬حفارو القبور‮ ‬،‮ ‬المخبرون‮ ‬،‮ ‬نخاسة الأفكار في‮ ‬الزيف الأجير‮ ‬،‮ ‬كتائب من سرايا الأمن‮ ‬،‮ ‬تبدأ ركعة الموت المعاد علي‮ ‬ربوبيات لاظوغلي‮ ‬،‮ ‬ونهش الكهرباء علي‮ ‬المحاصم والمحاشم‮.‬
العرافة‮ : (‬تحاول إعادة الهاربين من المكان‮)‬‮ ‬هيا ارجعوا‮ ... ‬كونوا شهود عدل‮ ‬‮(‬لا‮ ‬يرد أحد‮)‬‮ ‬مجد ولا شرف‮ ‬،‮ ‬والشعب تحت عراء العار‮ ‬يرتجف‮ !! ‬قد‮ ‬يسلم الترف المأبون في‮ ‬زمن ديوثة الصحف‮ ‬،‮ ‬ما أنت تحت سياط الكهرباء وبين القيد والظلمات السود‮ ... ‬تعترف‮ ... ‬إن الكلاب ملوك والملوك دمي‮ ‬،‮ ‬والأرض تحت جيوش الروم تنجرف‮ ... ‬كل المماليك العتاة الأقدمون المحدثون‮ ‬،‮ ‬يتنزلون خلائفاً‮ ‬من ظلماء الجوع والفوضي‮ .. ‬‮(‬يتم تعذيب الشاعر علي‮ ‬أيدي‮ ‬رجال الشرطة‮) ‬
العرافة‮ : (‬من بعيد‮) ‬كلب في‮ ‬علو البغل‮ ‬يقعي‮ ‬،‮ ‬أخر في‮ ‬،‮ ‬هيئة الوحش الخرافي‮ ‬اشرأب‮.‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬بسم الله‮ ‬،‮ ‬بسم الإنسان في‮ ‬طرقات الطاعة‮ ‬،‮ ‬والمشبوح الكلمة في‮ ‬أحزان القلب‮ ‬،‮ ‬بسم اللعنة والمغضوب عليهم والضالين‮ ‬،‮ ‬أبتهل إلي‮ ‬الكلمات‮ ‬– الحرية،‮ ‬والإيقاع الطعنة‮ ‬،‮ ‬والفاصلة الحادة كالسكين‮ ‬،‮ ‬أن تقطع ما‮ ‬يربطني‮ ‬بالإنسان‮ ‬،‮ ‬أن تجعل مني‮ ‬ذئباً‮ ‬يعوي‮ ‬في‮ ‬ظلمات الوحشة والبرية‮ ... ‬وأعوذ بالرفض وبالقصيدة‮ ‬،‮ ‬من نعمة الرضا‮.‬
شرطي‮ (‬1‮): (‬زاجراً‮ ‬إياه‮)‬‮ ‬أين كنت بالأمس ؟
الشاعر‮ :‬‮ ‬كنت أقاتل شبح الطاغية القابع في‮ ‬كل ضمير‮ ‬،‮ ‬والملوك المتخفين بأسمال اليتامي‮ ‬الضائعين‮ ‬،‮ ‬وعروش الفقراء الخونة‮ ..‬
العرافة‮ : ‬ويا إنسان‮ ‬،‮ ‬بقايا من خشاش الأرض أنت‮ ‬،‮ ‬وشائه الخلقة‮ ‬،‮ ‬يطاردك العساكر والقناديل المسائية‮ ‬،‮ ‬فتضرب تائها من مهدك الثلجي‮ ‬لللحِد‮ ‬،‮ ‬دماؤك ليس تخضر‮ ‬،‮ ‬وأرضك لم تفجر ماءها بئرا‮ ‬،‮ ‬وطول الدهر لم تثمر شجيرات الدم المغدور عنقوداً‮ ‬من الغضب‮ ... ‬‮(‬تخرج من الزنزانة وتبحث في‮ ‬كل مكان حولها وتهرول في‮ ‬كل ركن‮ ‬– ‮ ‬بينما الآخرون‮ ‬يسترقون السمع من خلف الأبواب‮ ‬،‮ ‬وينظرون إلي‮ ‬الخارج في‮ ‬رعب‮) (‬وتتحول الخلفية إلي‮ ‬عيون وآذانّ‮ ‬في‮ ‬هلع‮)‬‮.‬
العرافة‮ : (‬صارخة‮) ‬شعب‮ ‬‮(‬خنومي‮)‬‮ ‬،‮ ‬وجيش مشتري‮ ‬من صيد نخاسين‮ ‬،‮ ‬والباشا‮ ‬يقدم في‮ ‬رطانته جلائبه‮ ‬،‮ ‬الطواشي‮ ‬،‮ ‬القضاة‮ ‬،‮ ‬المخبرين‮ ‬،‮ ‬السادة الخصيان‮ ‬،‮ ‬أعيان التسول‮ ‬،‮ ‬جلجوت المنبريات الزواني‮ ‬،‮ ‬البزرميط المدعي‮ .. ‬درع عن الشرف المفتت‮ ‬،‮ ‬والسيوف مباعة كي‮ ‬يملك الغرب الرقاب‮ ‬،‮ ‬هذه كانت حدود العبقرية في‮ ‬المكان‮ ‬،‮ ‬سجين وجلادون‮ ‬،‮ ‬أدوار‮ ‬‮(‬الخنومبين‮)‬‮ ‬ما بين الهزائم والزرائب‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الأرض من أقصي‮ ‬غوايات القناصل وابتياع السيف حتي‮ ‬الموت في‮ ‬ختل الكلام‮ ... (‬تتجه إلي‮ ‬زنزانة الشاعر‮)..‬‮ ‬هل كل مجدك‮ ‬يا‮ (‬خنوم‮) ‬؟‮! ‬هذي‮ ‬الدمي‮ ‬الفخار تذروها الهشاشة في‮ ‬رياح السجن والتعذيب من جيل لجيل‮ ‬
‮(‬يتحول المنظر إلي‮ ‬زنزانة التعذيب‮)‬
الشاعر‮ : ‬وطن السر الذي‮ ‬يطلع مني‮ ‬،‮ ‬خطو في‮ ‬تاريخه‮ ‬،‮ ‬رأسي‮ ‬فضاء انجمه‮ ‬،‮ ‬لحمي‮ ‬علامات النجوم،‮ ‬وطيور البر،‮ ‬إذ تأكل لحمي‮ ‬وتطير‮ ‬،‮ ‬وجعلت لحمي‮ ‬تاجا‮ ‬،‮ ‬جعلتني‮ ‬ملكاً‮ ‬تمتد من تحتي‮ ‬حدود المملكة‮ ..‬
العرافة‮ : (‬تحنو علي‮ ‬الشاعر المقيد تحت نير التعذيب‮) ‬كيف احترقت نفسك‮ ‬يا شاعر حتي‮ ‬أصبحت حفرة نار في‮ ‬الجحيم‮ ‬،‮ ‬وأنا علمت أجدادك روح الرب في‮ (‬الكلمة‮) ‬،‮ ‬وأسرجت من أخيلة الرؤيا براقا،‮ ‬ثم فتحت من الدهشة والنشوة معراج ذهول‮!!‬
الشاعر‮ : ‬أنا أكتب جوعي‮ ‬مظاهره تستحم بدمع الشوارع‮ .. ‬تكبر تحت الهراوات‮ .. ‬تدخل أروقة السر،‮ ‬تحلم بالثورة الغامضة‮ .‬
العرافة‮ : (‬تخاطب رجال الشرطة في‮ ‬رجاء‮)‬‮ ‬من‮ ‬يمنح الحجر المخبأ تحت ذاكرة الطفولة‮ (‬صهوة‮) ‬،‮ ‬أو في‮ (‬قرابات‮) ‬البيت الأليف‮ .. ‬غير القصيدة ؟‮!‬
الشاعر‮ :‬‮ ‬القصيدة‮ ‬– ‮ ‬من سواها‮ ‬،‮ ‬حين‮ ‬يداخلها الحجر‮ ‬،‮ ‬متكشفاً‮ ‬عن وجهه الحجري‮ ‬ثم‮ ‬يقيم فيها‮ !‬
العرافة‮ :‬‮ ‬متي‮ ‬تعبر تلك الهوة با فتاي‮ . ‬؟
الشاعر‮ : ‬الهوة التي‮ ‬يحفرها الإنسان‮ ‬،‮ ‬بالصمت والكآبة‮ ‬،‮ ‬بالصوت والكتابة‮ ‬،‮ ‬وباقتسام الأمر بين شارة السيد أو مقاود العبيد‮ ‬،‮ ‬الهوة التي‮ ‬تمتد‮ ‬– كي‮ ‬تضيق‮ ‬،‮ ‬متي‮ ‬يعبرها الإنسان‮ !!‬
شرطي‮ (‬1‮): (‬في‮ ‬غلظة‮)‬‮ ‬سندفنك هنا حيا‮ .. ‬
العرافة‮ :‬‮ ‬إلي‮ ‬جوار النهر ادفنوه
الشاعر‮ : ‬أيها النهر انتظرني‮ ‬،‮ ‬واتخذ جمجتي‮ ‬عشا‮ ‬،‮ ‬وخذ من جسدي‮ ‬الحي‮ ‬دفاترك‮ .. ‬خذ‮ ‬يدي‮ ‬واكتب بها في‮ ‬الرمل‮ ‬‮(‬شكواك‮) ‬القديمة‮ ‬،‮ ‬خد لساني‮ ‬بومه تنعب في‮ ‬ليل الهزيمة‮ ‬،‮ ‬خذ دمي‮ ‬حبرا وأعراقي‮ ‬دواة وأنتشلني‮ ‬من سهوب اليأس وأطرحني‮ ‬علي‮ ‬رجليك رغوة‮ ..‬
العرافة‮ : (‬في‮ ‬حيرة تتساءل‮)‬‮ ‬ماذا تفعل‮ ‬يا فتاي‮ .. ‬هل اقتربت النهاية ؟‮!‬
الشاعر‮ : ‬أنا‮ ..‬،‮ ‬أرسم الطقوس‮ ‬،‮ ‬دمي‮ ‬علي‮ ‬جبهتي‮ ‬،‮ ‬عيناي‮ ‬رمح مغمس في‮ ‬الشموس‮! ‬وفي‮ ‬ضلوعي‮ ‬جعبة للسهام‮ ‬،‮ ‬والأرض من تحتي‮ ‬حصان شموس‮ ‬،‮ ‬والبرق خبز شعائري‮ ‬،‮ ‬والأفق طيرا الغمام‮ ‬،‮ ‬وسكتي‮ ‬حلم طائف بالرؤوس‮ ‬،‮ ‬فأبدأي‮ ‬– ‮ ‬معي‮ ‬– ‮ ‬مع الشعب‮ ‬– ‮ ‬رسم الطقوس‮.‬
العرافة‮ :‬‮ ‬لهفي‮ ‬عليك‮ ‬يا فتاي‮ ..‬
الشاعر‮ : ‬ظلي‮ ‬علي‮ ‬الأرض ممدود‮ ‬يراوغني‮ .. ‬هذا أنا‮ ‬– ‮ ‬فمن انحلت مفاصلة‮ ‬– ‮ ‬أرخي‮ ‬يديه علي‮ ‬كتفي‮ ‬ينهدل ؟ هل كنت أحمله حتي‮ ‬أفر به عبر التواريخ،‮ ‬والغربان شاهدة أن التواريخ مجلي‮ ‬القتل‮ .. ‬مجزرة في‮ ‬إثر مجزرة ؟
العرافة‮ : (‬لرجال الشرطة‮) ‬دعوني‮ ‬أغُسله وأكفنه بيدي‮.‬
شرطي‮ (‬1‮): (‬يمنعها‮)‬‮ ‬دعينا ننهي‮ ‬الأمر في‮ ‬هدوء‮ ... ‬‮(‬يمارسون مهمة الغُسل‮)‬
الشاعر‮ : ‬هل تسمعونني‮ ‬؟‮! ‬أصرخ تحت ماء الغسل خائفاً‮ ‬من كفني‮. ‬لا تربطوا‮ ‬يدي‮ .. ‬لا تقيدوا أقدامي‮ ... ‬فربما أهرب في‮ ‬الظلام‮ ‬،‮ ‬ولا تقيموا مأتمي‮ .. ‬فإنتي‮ ‬المطلوب بالثأر لكل صرخة وقطرة من الدم‮ ..‬
العرافة‮ : (‬ترثية‮)‬‮ ‬وأنت أيتها الأرض‮ ‬،‮ ‬ويا أيها الموت أنت بارد‮ .. ‬لكنه كان سيدك‮ .. ‬ستنال الأرض جسده‮ .. ‬أما روحه ففي‮ ‬السماء‮ .. ‬
النهاية

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: شهادة البكاء في زمن الضحك
  • تأليف: إعداد: عبد الغني داود مستلهم من أشعار محمد عفيفي‮ ‬مطر
  • معلومات عن المؤلف: هذا الإعداد منطلقاً‮ ‬من حب الشاعر‮ ‬– جاءت هذه الصورة التي‮ ‬تصورتها‮ .. ‬من خلال أشعاره‮ ‬– ويظل في‮ ‬مخيلتي‮ ‬توظيف كل مفردات العرض المسرحي‮ ‬الحي‮ .. ‬بما فيها تقنيات لغات خشبة المسرح
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 202
أخر تعديل في الخميس, 27 تشرين1/أكتوير 2011 12:12
المزيد من مواضيع هذا القسم: تلاته في واحد »

1 تعليق

  • أضف تعليقك فاطمة حسن اححمد السبت, 24 كانون1/ديسمبر 2011 06:27 أرسلت بواسطة فاطمة حسن اححمد

    رائع جداااااااااااااااااااااااااااااااااااا

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here