اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

مسرحية‮ (‬الأصوات‮) ‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮(‬عن قصة قصيرة بنفس الاسم لجابرييل جوزبيوفيتشي‮)‬
الشخصيـات‮:‬
الرجل‮:‬‮ ‬في‮ ‬العقد الرابع من عمره‮. ‬شاعر وممثل مسرحي‮ ‬سابق‮.‬
العجوز‮:‬‮ ‬امرأة في‮ ‬عقدها السادس‮. ‬قوية البنية‮. ‬ترتدي‮ ‬ملابس عسكرية‮.‬
الساكن‮: ‬رجل بلا ملامح‮. ‬يمكن أن‮ ‬يكون شبحا أو ظلا أو صوتا إلا أنه بالتأكيد سيكون هـو الشيطان نفسه‮.‬
المنظـــر‮:‬
غرفة في‮ ‬طابق أعلي‮ ‬لمنزل قديم‮. ‬علي‮ ‬يسار المسرح ثمة باب‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬الخارج‮. ‬وعلي‮ ‬اليمين،‮ ‬شباك كبير‮ ‬يطل علي‮ ‬حديقة‮. ‬وإلي‮ ‬الوسط،‮ ‬في‮ ‬مواجهة الجمهور تماما،‮ ‬صورة شخصية كبيرة جدا‮ ‬يحيطها إطار خشبي‮ ‬لذلك الذي‮ ‬سيقوم بدور‮ " ‬الرجل‮ ". ‬ويقطع الزاوية اليسري‮ ‬للصورة شريط أسود كعلامة علي‮ ‬وفاة صاحبها‮. ‬وهناك سرير معدني‮ ‬يستعمل للمرضي‮ ‬في‮ ‬المستشفيات،‮ ‬وإلي‮ ‬جانبه منضدة صغيرة عليها دورق ماء وقدح زجاجي‮. ‬علب أدوية مختلفة الأنواع والأحجام‮. ‬أوراق متناثرة علي‮ ‬الأرض‮. ‬أوراق أشجار متيبسة صفراء تحت السرير‮. ‬وأمام الشباك كرسي‮ ‬قديم‮. ‬وبكلمة واحدة فإن الجو العام هو الكآبة والظلام والضجر‮.‬
الوقت الآن بعد‮ ‬غروب الشمس بقليل‮. ‬عند فتح الستار‮ ‬،‮ ‬يظهر‮ "‬الرجل‮" ‬مرتديا ما‮ ‬يشبه بدلة العمل الموحدة الزرقاء التي‮ ‬يجب أن تعطي،‮ ‬ما أمكن،‮ ‬إحساسا لدي‮ ‬المتفرج بأنها ربما قد تكون في‮ ‬الأصل بدلة سجين،‮ ‬مع طاقية رأس من قماش البدلة نفسه ولونها‮. ‬تظهر العجوز وفي‮ ‬يدها سوط أسود اللون ومميز،‮ ‬من النوع الذي‮ ‬يستعمل لترويض الجياد،‮ ‬وطبق طعام كبير سيبقي‮ ‬فارغا طيلة زمن العرض‮.‬
الرجل‮ : (‬لنفسه‮)‬‮ ‬ربما لم‮ ‬يكن هنالك من صوت‮. ‬نعم‮. ‬ربما‮. ‬لماذا أنا أرتعد‮. ‬يجب أن أتماسك‮. ‬يجب أن لا أشعر بالخوف مطلقاً‮. ‬مطلقاً‮. ‬‮(‬يرتعد من الخوف‮)‬
الرجل‮ : ‬ربما لم‮ ‬يكن هنالك من صوت أبدا‮. ‬‮(‬صمت‮) ‬
الرجل‮ : ‬كان عليَّ‮ ‬أن أكتب شيئا ما‮. ‬ولكن من المستحيل الآن معرفة ما إذا كان الصوت الذي‮ ‬أسمعه هو صوت حقيقي‮ ‬أم لا‮. ‬إن إدراك ذلك أمر بالغ‮ ‬الأهمية‮. ‬بالغ‮ ‬الأهمية‮. ‬‮(‬صمت‮) ‬
الرجل‮ :‬‮ ‬كَمْ‮ ‬مِنْ‮ ‬جدارٍ‮ ‬للرأس؟ إنني‮ ‬أتساءل‮. ‬كَمْ‮ ‬مِنْ‮ ‬جدار؟ ولكن،‮ ‬لماذا أسأل؟ ومن أسأل؟ وَمِمَّ‮ ‬أخاف؟ ولماذا أخاف؟ الأصوات في‮ ‬رأسي،‮ ‬تهمس،‮ ‬تدق،‮ ‬تضرب،‮ ‬تثقب،‮ ‬تخرب،‮ ‬تمشي،‮ ‬تحرق‮... ‬يااااااااااااااااه أيتها الكلمات،‮ ‬تراقصي‮ ‬في‮ ‬المكان الخالي‮ ‬تراقصي‮ ‬تراقصي‮ ‬تراقصي‮. ‬
‮(‬تدخل العجوز وهي‮ ‬تحمل الطعام‮. ‬إنها مقطبة وعابسة‮)‬
العجوز‮ :‬‮ ‬خُذْ‮. ‬هذا طعامك‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬من الذي‮ ‬كان‮ ‬يغني‮ ‬قبل قليل؟
العجوز‮ :‬‮ ‬يغني؟
الرجل‮ : ‬نعم‮. ‬في‮ ‬الطابق الأسفل‮. ‬لقد بدا لي‮ ‬وكأنه صوتُ‮ ‬طفلٍ‮ ‬يغني‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬ربما‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬ربما؟
العجوز‮ :‬‮ ‬تَنَحَّ‮ ‬وَقِفْ‮ ‬جانبا‮. ‬عليَّ‮ ‬أن أكنس الأوراق الصفراء تحت السرير‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬تفضلي‮. ‬تفضلي‮. ‬
العجوز‮ : (‬تنظر عبر النافذة‮ )‬‮ ‬امتداد لانهائي‮ ‬من أشجار تصرخ في‮ ‬وجه الريح‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬أية ريح؟‮ ‬
العجوز‮ :‬‮ ‬‮(‬وهي‮ ‬تصرخ‮)‬‮ ‬أيتها الأشجار الخبيثة،‮ ‬المسنة،‮ ‬الشائخة،‮ ‬القاسية‮. ‬‮(‬تغلق النافذة بعنف‮)‬
الرجل‮ : ‬إنها‮ ‬لا تؤثر إذا ما عرفنا كيف نتجاهلها‮. ‬وفي‮ ‬كل الأحوال،‮ ‬فإنه من الأفضل أن نتركها وشأنها‮.‬
العجوز‮ : (‬تهم بالخروج‮) ‬كفي‮. ‬لقد تكلمت أنت كثيرا‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬بدأت اليوم أسمع أصواتا‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬أنت دائما تسمع أصواتا‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬ولكن السؤال هو‮: ‬متي‮ ‬بدأت أسمعها؟
العجوز‮ : ‬أنت لم تبدأ بسماع الأصوات‮. ‬هذه أوهامك‮. ‬الحقيقة هي‮ ‬أنها معك دائما‮. ‬علي‮ ‬أطراف حياتك دون أن تتمكن من إدراكها‮. ‬فإذا ما حاولت ذلك زالت علي‮ ‬الفور‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬ولكن،‮ ‬لماذا؟ لماذا لا‮ ‬يمكن الإمساك بها؟
العجوز‮ :‬‮ ‬الأمر هكذا‮. ‬لقد خلقنا هكذا‮. ‬نسمع أصواتا بشكل مفاجئ وأحيانا أثناء النوم‮. ‬ولكن،‮ ‬لو كنت ذكيا وحاولت أن تصغي،‮ ‬فإنك لن تسمع سوي‮ ‬أصوات صادرة عن جسدك‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لا أعتقد أننا نتحدث عن نفس الأصوات‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬انتبه ها أنت ذا تجادلني‮ ‬وأنا لا أحب ذلك‮. ‬‮(‬تخرج العجوز‮. ‬يبقي‮ ‬الرجل وحيدا مرة أخري‮)‬
الرجل‮ : (‬لنفسه‮)‬‮ ‬ذات صباح شتائي،‮ ‬كان الأطفال‮ ‬يلعبون بالحجارة،‮ ‬تحت الأشجار،‮ ‬في‮ ‬نهاية الحديقة،‮ ‬بالقرب من الطريق،‮ ‬ليس بعيدا عن المنزل‮. ‬كنت ألعب،‮ ‬وكان رئيس فريقنا سَميناً‮ ‬بعض الشئ‮. ‬سألني‮ ‬السمين قائلا‮: ‬لماذا تنظر هكذا إلي‮ ‬الأشجار؟‮ ‬
قال السمين‮:‬‮ ‬لا تخف من الأشجار‮ ‬يا أبله‮. ‬
قال السمين متوسلا‮ : ‬ماذا تري؟ ماذا تري‮ ‬في‮ ‬تلك الشجرة؟‮ ‬
قال السمين‮:‬‮ ‬هذا ليس عدلا‮. ‬أنا أخبرك بكل شئ،‮ ‬وأنت لا تخبرني‮ ‬بأي‮ ‬شئ‮. ‬هذا ليس عدلا‮. ‬
قال السمين‮:‬‮ ‬إنك تفسد علينا سعادتنا‮. ‬
قال السمين للآخرين‮:‬‮ ‬انظروا انه لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يخبرنا ماذا رأي‮ ‬في‮ ‬الشجرة‮. ‬
قال الآخرون‮:‬‮ ‬هيا قل لنا ماذا رأيت‮. ‬
قال أحدهم‮:‬‮ ‬إنه خائف،‮ ‬والخوف‮ ‬يمنعه من الكلام‮. ‬كل الفريق أنشد بصوت واحد‮: ‬هيا أخبرنا ماذا رأيت؟ هيا أخبرنا أخبرنا هيا هيا هيا‮.‬
سألني‮ ‬السمين‮:‬‮ ‬لم أنت خائف؟ لا شئ هنا‮ ‬يدعو للخوف‮. ‬
صاح أحدهم‮:‬‮ ‬إنه خائف من الشجرة‮. ‬
سألني‮ ‬السمين‮:‬‮ ‬لماذا أنت خائف من الشجرة؟ ما الذي‮ ‬تخشاه،‮ ‬في‮ ‬شجرةٍ‮ ‬عجوز؟‮ ‬
قال السمين‮:‬‮ ‬إما أن تخبرنا بالذي‮ ‬يبعث فيك الخوف،‮ ‬أو إنك لن تلعب معنا بعد الآن‮.‬
‮(‬صمت‮.. ‬ويفضل أن‮ ‬يستمر الصمت لمدة تقرب من الدقيقتين أو أكثر بغية بعث الملل والترقب لدي‮ ‬المتفرج‮) (‬تدخل العجوز وبيدها طبق الطعام‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬اسمعي،‮ ‬لقد كتبت قصيدة‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬جئتك بالطعام‮.‬
الرجل‮ : ‬كنت مريضا ليلة أمس‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬أنت لست مريضا‮.‬
الرجل‮ : ‬إنني‮ ‬أسمع دائما صوت النزيل في‮ ‬غرفة الطابق الأسفل،‮ ‬كما إن هناك من‮ ‬يعزف موسيقي‮ ‬في‮ ‬الحديقة‮. ‬‮(‬تنظر العجوز إلي‮ ‬الحديقة‮) ‬
الرجل‮ :‬‮ ‬حدثيني‮ ‬عنه‮. ‬أرجوك‮. ‬أرجوك‮.‬
العجوز‮ : ‬ليس لدي‮ ‬الكثير لأقوله لك‮. ‬كانت هناك حديقة تتوسطها بحيرة‮. ‬وكانت الأشجار تعرش فوقها لتري‮ ‬صورها في‮ ‬الماء تلوح لها‮. ‬جاء الشتاء وأحاط بالأشجار سجن من الثلوج حجب رؤية حدود أغصانها بوضوح‮. ‬كانت تعلم أنها مسجونة،‮ ‬هناك في‮ ‬الأسفل‮. ‬وعندما طلعت الشمس الباردة البيضاء خافت الأشجار من صورها المنعكسة،‮ ‬لكنها لم تستطع أن تتحول عن المكان‮. ‬وكان ثمة فتاة صغيرة حينها،‮ ‬فتجمدت علي‮ ‬الفور بجانب الأشجار‮. ‬صبية‮ ‬غامضة لا شكل لها‮. ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تسلقت فيه جدران نفسها،‮ ‬لم تتمكن من إشاحة وجهها بعيدا،‮ ‬ولم تتمكن،‮ ‬ولم تستطع إلا أن تري،‮ ‬وظلت أبدا‮ ‬غير واضحة المعالم‮.‬
الرجل‮ : ‬ما هذا الهراء الذي‮ ‬أسمعه؟ أنا لم أسألك الحديث عن نفسك،‮ ‬بل عنه‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬وما الفرق؟ الأمر سيان‮. ‬وأنت أيضا‮. ‬ما الفرق؟ هذا عنك أيضا‮. ‬‮(‬تترك العجوز المكان‮)‬
الرجل‮ : ‬ما هذا الهراء؟ أسألها عن شخص‮ ‬يسكن في‮ ‬الطابق الأسفل ويطلق أصواتا طيلة الليل وهي‮ ‬تتحدث لي‮ ‬عن ذكريات شبابها‮.. ‬هذا إذا كانت قد مرت أصلا بمرحلة الشباب‮. ‬هه‮. ‬‮(‬صـــــــمت‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬إنها تتدخل في‮ ‬حياتي‮ ‬منذ أمد بعيد،‮ ‬وقد آن الأوان لتكون ميتة‮. ‬لقد تعبت من سماع الأصوات،‮ ‬وأريد أن أري‮ ‬الأطفال‮ ‬يلعبون في‮ ‬الحديقة‮. ‬ولكن الأشجار العالية تحجب عني‮ ‬رؤية الحديقة‮. ‬وربما ابنتي‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تختفي‮. ‬ولم لا؟ وهل ذلك مستحيل؟‮ ‬‮(‬تدخل العجوز‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لقد بدأت الكلمات تصبح أثقل‮.‬
العجوز‮ :  (‬بازدراء‮)‬‮ ‬الكلمات؟ كيف‮ ‬يمكنك التفكير بشكل مناسب،‮ ‬إذا كانت الكلمات تشغل رأسك دوما؟ ألا تري‮ ‬أنها تندس في‮ ‬الطريق؟
الرجل‮ :‬‮ ‬لا‮. ‬إنها تتكاثف‮. ‬إنها تتدحرج من فمي‮ ‬وتنزلق علي‮ ‬صدري‮ ‬وتسقط علي‮ ‬الأرض دون أن تعطيني‮ ‬فرصة النظر إليها أو الإحساس بها بعد ذلك‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬الكلمات مضحكة‮. ‬إنها تتبدل،‮ ‬تتمدد،‮ ‬تستيقظ،‮ ‬تحلم‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لقد سمعتك‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬عبر كل هذه الجدران؟
الرجل‮ :‬‮ ‬ولكن ألم تسمعي‮ ‬صوتي‮ ‬أنت أيضاً؟‮ ‬‮(‬صـــــــمت‮)‬
العجوز‮ :‬‮ ‬نحن لم نتكلم مع بعض كثيرا‮. ‬أليس كذلك؟
الرجل‮ : (‬موافقا‮)‬‮ ‬كلا‮.‬
العجوز‮ : ‬ربما كنا نبحث طوال الوقت عن كلمة‮ ‬يمكن أن تنقذنا‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬تفكرين كثيرا في‮ ‬الإنقاذ‮. ‬بينما أنت لم تسألي‮ ‬نفسك أبدا لماذا‮ ‬يجب أن تنقذنا الكلمات؟
العجوز‮ :‬‮ ‬ذلك لأنها آخر ما نملك‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬إنها كل ما‮ ‬يملكه الآخرون‮. ‬وكلماتهم لن تنقذنا أبدا‮.‬
العجوز‮ : ‬عفوا‮. ‬لقد اختلط الأمر علي،‮ ‬إذ إنني‮ ‬عبرت عن أفكارك،‮ ‬وأنت عبرت عن أفكاري‮. ‬يحصل هذا في‮ ‬بعض الأحيان‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬عندما‮ ‬يعرف شخصان بعضهما جيدا،‮ ‬يكون الأمر هكذا‮ ‬غالبا‮.‬
‮(‬إظـــلام تام لعدة ثوان‮. ‬ثم‮ ‬يُنار المسرح بشكل فجائي‮. ‬في‮ ‬الطابق الأسفل‮ ‬يظهر شبح الساكن ويتم سماع صوته فقط‮)‬
الساكن‮ :‬‮ ‬إنه الظلام،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬تخشاه‮. ‬إنه‮ ‬يستر عيوبنا دوما‮. ‬جرب،‮ ‬أشعل النور،‮ ‬تظهر العيوب‮. ‬جرب،‮ ‬أطفئ النور،‮ ‬تختفي‮ ‬العيوب‮.‬
العجوز‮ : ‬لا تحاول أن تغرر به،‮ ‬المسكين،‮ ‬كي‮ ‬يسلم،‮ ‬ويصدق بك‮. ‬ربما لا تزال النوبات المرضية تلاحقك،‮ ‬إنما ذلك ليس سببا كافيا لنستنتج أننا قد تأثرنا بك‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬لا توجد طريقة لمقاومة النوبات المرضية،‮ ‬إلا بالقدرة علي‮ ‬إعطاء الحياة ومنحها للآخرين‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لكنك تجعله‮ ‬يخاف الآن‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬صدقيني،‮ ‬إنه هو من‮ ‬يبعث الخوف فينا‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬إذا لم تسكت فسوف أعاقبك بقسوة‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬ولماذا أسكت؟ كل شئ مثلما كان‮. ‬البيت،‮ ‬السياج،‮ ‬الأشجار،‮ ‬الأطفال‮. ‬كل شئ كما هو‮. ‬فقط،‮ ‬ذلك الشعور عند تخوم الجسد،‮ ‬هو الذي‮ ‬تغير‮. ‬إنه أكثر من شعور‮. ‬إنه ظل وراء الأعين‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬وكم‮ ‬يبعد؟
الساكن‮ :‬‮ ‬نفس المسافة دائما‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬أية مسافة؟
الساكن‮ :‬‮ ‬المسافة المستحيلة‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬ومتي‮ ‬بدأت الأعراض بالظهور؟
الساكن‮ :‬‮ ‬ذات‮ ‬يوم‮. ‬بيد أنها كانت موجودة من قبل‮. ‬وهذا شيء أكيد‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬والآن قل لي‮ ‬ماذا أنت فاعل؟‮ ‬‮(‬صمت‮)‬
العجوز‮ :‬‮ ‬إذا كنت لا تعرف الجواب،‮ ‬قل لي‮ ‬كي‮ ‬أتدبر الأمر‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬فيما بعد،‮ ‬فيما بعد‮.‬
‮(‬إظــــــــــلام تام‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬عندما‮ ‬يقول شخص ما إنه سيقوم بعمل شيء ما فيما بعد،‮ ‬فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنه سيقوم به في‮ ‬وقت ما‮. ‬ولكن هذا الوقت‮ ‬يقع ما بين اللحظة التي‮ ‬قطع فيها الوعد علي‮ ‬نفسه،‮ ‬وبين لحظة مماته‮. ‬وهنا،‮ ‬السؤال الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يفرض نفسه هو،‮ ‬أليس فيما بعد،‮ ‬تعني،‮ ‬من جملة ما تعنيه،‮ ‬وقت فوات الأوان؟
العجوز‮ :‬‮ ‬آه أيها الواعظ المدهش‮. ‬أيها الفقيه الفذ‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لقد انفجر رأسي‮. ‬هناك الكثير جدا من الكلمات‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لماذا لا تأكل؟ كُلْ‮. ‬هيا كُلْ‮. ‬تناولْ‮ ‬طعامك‮. ‬
الرجل‮ : ‬شيء ما‮ ‬ينفجر في‮ ‬داخلي‮. ‬اتركيني‮ ‬أرجوك‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬ربما هي‮ ‬أحشاؤك‮. ‬يبدو أنك لا تملك سيطرة كافية عليها‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬متي‮ ‬سأموت؟
العجوز‮ :‬‮ ‬هذه ليست طريقة مناسبة للكلام؟
الرجل‮ :‬‮ ‬هل أنت خائفة حقا؟
العجوز‮ :‬‮ ‬من؟ أنا؟
الرجل‮ :‬‮ ‬أخبريني‮. ‬ما الذي‮ ‬قاله عني؟
العجوز‮ :‬‮ ‬من؟
الرجل‮ :‬‮ ‬ذلك الرجل في‮ ‬الطابق الأسفل‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬أولا‮ ‬،‮ ‬إنه ليس رجلا‮. ‬ثانيا،‮ ‬إلي‮ ‬الجحيم أنت وهو،‮ ‬والطوابق كلها‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬أمور كثيرة لم أعد أفهمها،‮ ‬وأخشي‮ ‬عندما أموت أن لا أكون قد فهمتها‮.‬
العجوز‮ : ‬تلك هي‮ ‬شخصية الفنان في‮ ‬داخلك‮. ‬لا تستطيع أن تتخلص منها مهما حاولت‮. ‬فمن الذي‮ ‬يستطيع الهروب من قدره ومصيره؟
الرجل‮ :‬‮ ‬من الصعب دائما تقدير نسبة التهكم والسخرية عندك‮ ‬يا عزيزتي‮.‬
‮(‬إظــــلام تام‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬يبدو أنه لا‮ ‬يوجد أحد‮.‬
العجوز‮ : ‬ليس ثمة رجل‮ ‬يحتضر في‮ ‬الطابق الأرضي‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬إنه لشئ كريه،‮ ‬وجود شخصٍ‮ ‬مَا،‮ ‬يموت في‮ ‬منزلك‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬وكما قال الشاعر الذي‮ ‬لا اعرف اسمه‮: ‬الله في‮ ‬عليائه وكل شئ علي‮ ‬ما‮ ‬يرام‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لا شئ كان أو سيكون‮. ‬إنما تفكيرنا هو الذي‮ ‬يجعله هكذا‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬آه‮ ‬يا شكسبيري‮ ‬الجميل،‮ ‬أيها الشاعر،‮ ‬عندك استشهاد واقتباس علي‮ ‬كل شئ‮. ‬بينما أنت عديم الرحمة في‮ ‬داخلك‮.‬
الرجل‮ : ‬نعم‮ ‬،‮ ‬صدقت‮. ‬إنه‮ ‬يقتل شخوصه بعيدا عن المسرح‮.‬
العجوز‮ : ‬من؟
الرجل‮ :‬‮ ‬شكسبير‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬هذا الحديث عن الموت،‮ ‬كم هو كريه‮ ‬يا إلهي‮. ‬إنه‮ ‬يبعث علي‮ ‬الكآبة‮.‬
الرجل‮ : ‬لقد تبين بوضوح أن شكسبير لم‮ ‬يكن سعيدا منذ‮ ‬1593 وحتي‮ ‬ 1598 وأنه كان حزينا منذ‮ ‬1598 وحتي‮ ‬1608. ‮ ‬وأنه مات صامتا منذ‮ ‬1608 ‮ ‬وحتي‮ ‬ .1613
العجوز‮ :‬‮ ‬ما هذا الكلام؟ أنا لا أفهم ماذا تقصد‮.‬
الرجل‮ : ‬لقد ثبت ذلك فعلا‮. ‬إن القوانين التي‮ ‬تتحكم بالأعمال الخالدة،‮ ‬مثل أعمال شكسبير،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن نختصرها ونبتسرها بأمور ساذجة،‮ ‬كالتي‮ ‬تحشي‮ ‬بها عقول الطلبة‮. ‬إننا أكثر حكمة من آبائنا‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لا أريد أن أقول ذلك عن نفسي‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬الأطفال أعقل دائما من آبائهم‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لا‮ ‬يمكن لي‮ ‬أبدا أن أوافق علي‮ ‬مثل هذا الكلام‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬الأطفال لديهم الإصرار‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لا‮. ‬إنما الآباء هم الذين‮ ‬يصرون‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬يبدو أننا نتكلم عن أولاد وآباء مختلفين‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬نحن دوما هكذا‮. ‬‮(‬صمت‮)‬
الرجل‮ :‬‮ ‬هل هناك أحدٌ‮ ‬مَا في‮ ‬الطابق الأسفل؟
العجوز‮ :‬‮ ‬سألتني‮ ‬من قبل وأجبتكَ‮ ‬لا،‮ ‬فارحمني‮ ‬قليلا أرجوك‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬لقد سمعت صوتا آتيا من الأسفل‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬لتعلم أنه تحتك تماما،‮ ‬وكفي‮. ‬أقصد،‮ ‬في‮ ‬الأسفل،‮ ‬وحسب‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬وهل تظنين أنه هو؟
العجوز‮ :‬‮ ‬من هو؟
الرجل‮: ‬الشيطان‮.‬
العجوز‮ : ‬لا‮. ‬لا أظن ذلك‮. ‬فما الذي‮ ‬يأتي‮ ‬بالشيطان ليسكن‮ ‬غرفة بائسة في‮ ‬الطابق الأسفل من هذا المبني‮ ‬القديم؟
الرجل‮ :‬‮ ‬كنت أعتقد بأنه هو‮.‬
العجوز‮ :‬‮ ‬ماذا؟
الرجل‮ :‬‮ ‬الشيطان،‮ ‬هناك تحت في‮ ‬الأعماق السفلية‮.‬
العجوز‮ : ‬أوه‮ ‬،‮ ‬دعنا من هذا‮. ‬تلك مسألة أخري‮.‬
)إظــــــــلام تام‮. ‬وقع أقدام‮. ‬صوت باب‮ ‬يفتح ثم‮ ‬يغلق‮. ‬يظهر شبح الساكن(
الساكن‮ :‬‮ ‬أتيت لأريك نفسي‮. ‬أتيت لأريحك من خوفك ورعبك وأسئلتك‮. ‬الموت،‮ ‬من بين كل الأشياء،‮ ‬يحدث مرة واحدة فقط‮. ‬أما أن تتحدث عنه وتتخيله،‮ ‬فذلك أمر عابث‮. ‬عندما تكون الحقيقة صعبة،‮ ‬ومعقدة،‮ ‬يصبح الموت محتملا‮. ‬إن التنبؤ بالموت عن طريق المخيلة هو شئ لا جدوي‮ ‬منه‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬كفي،‮ ‬أرجوك‮. ‬لا تتكلم هكذا‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬شئ ممتاز أن نتكلم ونفسر‮. ‬أنت متفق معي،‮ ‬أليس كذلك؟
الرجل‮ :‬‮ ‬شريطة ألا نخوض في‮ ‬مثل هذه الأمور‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬ولماذا؟
الرجل‮ :‬‮ ‬لأن هذا لا‮ ‬يجوز‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬ومن قال إن هذا لا‮ ‬يجوز؟
الرجل‮ ‬ّ‮:‬‮ ‬صاحب هذا المنزل قال‮.‬
الساكن‮ : (‬بضحكة هستيرية‮)‬‮ ‬صاحب المنزل،‮ ‬ها ها ها ها ها‮...‬
الرجل‮ :‬‮ ‬اسمع‮. ‬إنك ترتكب خطأ فادحا الآن‮. ‬ومن واجبي‮ ‬أن أحذرك‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬المهم‮. ‬دعنا من ذلك‮ ‬يا عزيزي‮. ‬أريد أن أشرح لك شيئا‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬أي‮ ‬شئ؟
الساكن‮ :‬‮ ‬الأشجار‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬الأشجار؟
الساكن‮ : ‬نعم،‮ ‬الأشجار‮ ‬يا عزيزي‮. ‬وكذلك،‮ ‬الخوف،‮ ‬والرعدة،‮ ‬والبرد‮. ‬إنه شئ بسيط تماما،‮ ‬وغير مؤذ‮. ‬أرجو أن تثق بي‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬أنا لا أثق بالغرباء‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬ولكننا لسنا‮ ‬غرباء مطلقا‮. ‬نحن أكثر من أقرباء‮.‬
الرجل‮ :‬‮ ‬ابتعد عني‮. ‬إنك تثيرني‮ ‬بكلماتك هذه‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬كلماتي؟ وهل كلماتي‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تثيرك؟
الرجل‮ : ‬أسلوبك مقزز‮. ‬ورائحتك كريهة‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬رائحتي؟ وما شأن رائحتي‮ ‬بكلماتنا؟
الرجل‮ :‬‮ ‬كل شئ فيك‮ ‬يبعث علي‮ ‬الكراهية‮. ‬ابتعد عني‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬أرجو أن تهدأ وتستريح قليلا‮ ‬يا عزيزي‮. ‬أنت متعب جدا هذا اليوم‮. ‬‮(‬صمت‮)‬
الساكن‮ :‬‮ ‬والآن،‮ ‬وبعد أن استمعت إليك جيدا طوال الوقت،‮ ‬هل بدأت تشعر بالراحة؟
الرجل‮: (‬يغمض عينيه ويبدو عليه الارتياح‮)‬
الساكن‮ :‬‮ ‬هل بدأت تشعر بالراحة؟
الرجل‮ :‬‮ ‬نعم‮. ‬أنا أشكرك من صميم قلبي‮.‬
الساكن‮ :‬‮ ‬الصدق في‮ ‬كلامك واضح ولا‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬إثبات‮. ‬هيا،‮ ‬نَمِ‮ ‬الآن قليلا‮. ‬ولتكن رقدتك طويلة طويلة‮.‬
النهايـــــة ونزول الستار

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: مسرحية‮ (‬الأصوات‮) ‬
  • تأليف: حكمت الحاج‮
  • معلومات عن المؤلف: * حكمت الحاج‮ / ‬شاعر وكاتب من العراق‮ ‬يقيم في‮ ‬لندن‮. ‬صدر لهُ‮: ‬‮(‬تمرُّ‮ ‬العاصفة وتبقي‮ ‬الصحراء‮).‬‮ ‬قصائد نثر‮. ‬منشورات الحركة الشعرية‮. ‬بيروت-كاراكاس‮ ‬ .2000
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here